أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Aug 18, 2013

Year 7. Issue: 814 | السيدة تختفي: هيتشكوك وما بعد | كيف نتعامل مع السينما وكيف نتأثر؟


COVER STORY

 جائزة القلب لبيلا تار


|*| أعلن مهرجان ساراييفو أنه سيمنح المخرج المجري بيلا تار جائزة «القلب» الشرفية التي يمنحها كل عام لسينمائي بارز. آخر أفلام المخرج كان «حصان تورينو» (2012) الذي تم تقديمه في مسابقة مهرجان برلين حيث أكّد المخرج البارز أنه سيكون آخر أعماله |*|


 السيدة التي لا تزال تختفي                                    
إقتباس جديد لفيلم هيتشكوك الرائع The Lady Vanishes 

هناك مغامرة أخرى في قطار سريع أمّـتها محطة PBS في الخامس عشر من هذا الشهر عندما  بثّـت حلقة جديدة من برنامجها الدرامي الناجح Masterpiece Mystery الذي يقوم على تقديم رواية بوليسية أو جنائية مشوّقة عادة ما تكون مقتبسة من واحد من الكلاسيكيات الأدبية.
السلسلة التلفزيونية التي انطلقت في العام 1980 قدّمت لهواة هذا النوع من الدراما مئات الأعمال إلى اليوم موزّعة على نوعين من الإنتاجات: الأول هو كناية عن أعمال بوليسية منفصلة الحكايات من بينها، مثلاً، Silk وFoyle's War  وMurder on the Orient Express . أما الثاني فلأعمال بوليسية تتبع بعضها البعض في حلقات ومنها، على سبيل المثال سلسلة «التحري لويس» التي ابتدعها كولين دكستر ومجموعة من حكايات أغاثا كريستي التي أسندتها إلى بطلتها الحشورية مس ماربل وسلسلة مقتبسة من أعمال آرثر كونال دويل بطولة تحريه المفضّـل لدى الكثيرين شرلوك هولمز.
الحلقة الجديدة من هذا البرنامج تتبع النطاق الأول: فيلم تلفزيوني من ساعة ونصف مأخوذ عن رواية الكاتبة إيثل لينا وايت (1944-1876) التي صدرت تحت عنوان «العجلات تدور» سنة 1936 كواحدة من نحو عشرين رواية صدرت لها ما بين 1927 و1944 وطرحتها في سوق الأدب البوليسي كواحدة من أفضل كتّاب هذا النوع في تلك الفترة.
في الواقع، لا تقل  إيثل  إجادة عن الكاتبة الأشهر منها أغاثا كريستي (1890-1976)  التي تبوأت الصدارة منذ أن بدأت النشر على نحو محترف سنة 1910. لكن «العجلات تدور» تبقى واحدة من أفضل أعمال إيثل والمخرج ألفرد هيتشكوك قفز على فرصة تحويلها إلى فيلم بعد عامين فقط من نشرها مغيّراً عنوانها إلى «السيدة تختفي».

على حافّـة النسيان
إنها حكاية إمرأة جميلة  وشابّـة أسمها إريس تنتظر، مثل مسافرين آخرين من بلدة أوروبية عائدة إلى لندن. خلال وجودها في أحد الفنادق تتعرّف الفتاة على إمرأة مسنّـة وودودة أسمها مس فروي. في صباح اليوم التالي تستقلان القطار الذي وصل في موعده المحدد، وهو ينطلق من المحطّـة كالمعتاد. على متن القطار، بعد استعراض بعض المواقف والشخصيات، تغط إيريس في نوم عميق. حين تستيقظ لا تجد مس فروي. أكثر من ذلك، ينفي الجميع وجود إمرأة عجوز بمثل مواصفات مس فروي على متن القطار. ومع أن إريس تسأل أولئك الذين تبادلوا الحديث مع مس  فروي وبحضورها، إلا أن هؤلاء ينفون حدوث ذلك. لا أحد يبدو راغباً في تصديق إريس أن سيّـدة كانت على متن هذا القطار وأنها الآن اختفت بإستثناء متطوّع شاب يقع في حب إريس خلال هذه الرحلة الغامضة. باقي الأحداث ستدور حول البحث عن مس فولي وأسباب رفض الشخصيات الإعتراف بوجودها وما وراء ذلك من مكيدة قرّبت هيتشكوك أكثر وأكثر من مرحلة من أعماله السينمائية التي تحدّث فيها عن منظّمـات إرهابية وتخريبية (شغل ذلك الزمن) تتجسس أو تخطط لعمل ما.
الفيلم التلفزيوني الجديد (ثالث إقتباس مصوّر من الرواية بعد نسخة عالقة على حافة النسيان أخرجها أنطوني بايج من بطولة إليوت غولد وسيبيل شيبرد سنة 1979) يتبع الحكاية كما كُتبت، لكن في حين أن فيلم هيتشكوك تؤسس جيّـداً للعلاقة بين إريس ومس فولي، يمر الفيلم التلفزيوني على هذا التأسيس سريعاً ليمنح بطليه الشابّين (إريس والشاب الذي ينبري لتصديقها) صدارة مزدوجة: هما لا يزالان يبحثان عن الحقيقة وفي الوقت ذاته يتعاملان مع نشأة قصّـة حب بينهما.

أخرج الفيلم الجديد ديارمويد لورنس (سبق له وأن قدّم عملاً تلفزيونياً سابقاً بعنوان «ركوب جنوبي» South Riding) ولورنس ليس هيتشكوك وهذا يعني أن العبث الساخر لسيّد التشويق يغيب- تلقائياً- بسبب إختلاف المنهج والأسلوب والنظرة إلى الأمور. واحد من عناصر هذه السخرية شخصيّتين ثانويّتين في رواية كما في فيلم هيتشكوك: هاويا لعبة كريكيت في طريقهما إلى لندن لحضور مباراة تضم لاعبين بريطانيين وآخرين من دول الكومنولث. هيتشكوك يضعهما في صورة كاريكاتورية وغايته الهزء من شخصيات لا تزال تعيش مفهوم الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس. هاتان الشخصيّتان لا وجود لهما في العمل الجديد. 

تلك الحبكة الغريبة
ربما من غير المنصف مقارنة أي عمل جديد بالأصل إذا ما كان الأصل من صنع سينمائي فريد، لذلك يكفي «السيدة تختفي» الحالي أنه لم يرد إستنساخ عمل سابق. لكن هذا ما تحاشاه أيضاً فيلم أنطوني بايج قبل أن يختفي بنفسه. المشكلة هي أن المقارنة تقع بشكل تقليدي حالما يتم تحقيق عمل ما سبق تحقيقه- وبنجاح- من قبل. 
من الزاوية ذاتها، هذه المشكلة منتفاة من الوجود أصلاً لمن لم يُـشاهد العمل الأصلي. المشاهد «الجديد» ليس مجبراً بالتالي على المقارنة ولا يستطيع ذلك في أي حال ما يمنح هذه النسخة التلفزيونية حضورها الذي تستحقه وتبرز أهمية الحبكة التي تنطلق منها.
والحقيقة أن هذه الحبكة هي أقوى عناصر هذا العمل. الكاتبة إيثل وايت وضعت فكرة بارعة: كيف يمكن لراكب قطار سريع سوف لن يتوقّـف عند أي محطّـة أن يختفي فجأة؟ السؤال يصبح أكثر غرابة حين تتحدّث عن راكب هي إمرأة عجوز تبدو من الظاهر بريئة ولا علاقة لها بما كان يتفاعل في النصف الثاني من الثلاثينات من بلورة مواقف سياسية بين الدول الأوروبية. صعود النازية من ناحية وأوضاع البلقان من ناحية أخرى. أي شيء، توعز الرواية ويؤكد هيتشكوك، كان يمكن له أن يقع- بما في ذلك إختفاء سيّـدة عجوز يريد البعض التخلّص منها (وهيتشكوك يسبق صعود القطار بحادثة أخرى حين تتعرّض العجوز لحادثة أخرى مدبّرة لكنها تنجو منها بأعجوبة).
يتبع كل ذلك الغموض رفض الركّـاب الآخرين (بعضهم عن قصد) الإعتراف بأن السيدة العجوز كانت في القطار موحين أولاً ثم مؤكدين بعد ذلك أن إريس تتخيّـل ربما نتيجة وهم أو ضربة على الرأس (تعرضت لذلك قبل ركوبها القطار).
على صعيد التمثيل، نجد في الإنتاج الجديد إقداماً جادّاً على تأدية  الأدوار الرئيسية تحديداً سالينا كادل في دور مس فروي، توبنس ميدلتون في دور إريس وتشارلز آيتكن في دور تشارلي، الشاب الذي يربح الفتاة والقضيّة معاً.
هؤلاء يخلفون بالطبع ماي ويتي ومرغريت لوكوود ومايكل ردغراف في الأدوار الثلاث المذكورة في نسخة  1936. 
قبل ثماني سنوات وجدنا إقتباساً آخر (في واقعه عملية لطش كون صانعي الإقتباس لم يذكروا المصدر) في هيكل فيلم أميركي عنوانه «خطّـة طيران» Flightplan أخرجه الألماني روبرت شونتكي من بطولة جودي فوستر.
حبكة هذا الفيلم هي أن أميركية عائدة من ألمانيا إلى بلدها أسمها كايل (فوستر) تركب الطائرة مع إبنها الصغير. تنام. تفيق. لا تجده. تنطلق باحثة عنه وركاب الطائرة لا يصدّقون أنها كانت بصحبة أحد. في حين أن المؤامرة في «السيدة تختفي» ذات بعد سياسي، فإن تلك المرتسمة على شاشة «خطة طيران» ذات بعد شخصي (أمن الطائرة كما يؤديه بيتر سارسغارد رجل فاسد ينفّذ خطّـة زوج المرأة لكي تبدو وقد فقدت عقلها). البعد القيّـم الوحيد، والذي أخفق الفيلم في توظيفه، هي أنها كانت مستعدة لإلصاق تهمة الخطف برجلين آخرين لمجرد أنهما عربيان.



 مملكة الظلال                                    
كيف نتعامل مع السينما ولماذا تؤثّـر الأفلام فينا؟ | دراسة

السينما كانت في مطلعها «ظلال وأشباح». هذا هو مرجعية تسمية هذه المجلة المتواضعة بذلك الإسم. ذات مرّة سخر أحد الزملاء من هذه التسمية ولو أمعن قليلاً لأدرك أن السينما التي نعيشها اليوم بدأت ظلاً وشبحاً. 
في الحقيقة، ورغم الأبعاد الثلاثة وسينما الغرافيكس التي تهطل علينا مثل صخور إنهيار جبلي، هي لا تزال كذلك وعلى أكثر من صعيد.
لا شيء يربطك حالياً بفيلم «باسيفيك ريم». أقصد أن الشخصية الماثلة أمامك ليست حتى من بين تلك التي تهوى أن تكون عليها يوماً ما. إنه ليس طيّـاراً واعداً، ولا بطلاً شجاعاً (قد يكون لكنه ليس مقدّم على هذا النحو)، ولا هو يحمل قضيّـة تود أنت أن تحملها أو ربما كنت تتعاطف معها. كذلك المرأة التي بجانبه، لا أخال أن هناك إمرأة تريد أن تقف مكانها في الحياة لو كان الفيلم نبوءة بما سيقع كما هو حال معظم الأفلام الخيال-علمية.  لكن البطل والبطلة لا زالا ظلان ماثلان. يتحرّكان وينطقان ويفكّران ويتصرّفان كما يفعل أي منا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"الحركة هي سر الخدعة: كيف يمكن
لمخلوق أن يتحرك خارج هذه الحياةا
التي أنت فيها؟"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
في الماضي السحيق كان التعبير أبسط من حيث أنه لم يكن معقدا ومرتبطاً بالتقنية. في «وصول القطار إلى المحطّـة» (أي محطّـة في الواقع لأن عدداً كبيراً من أفلام لوميير دارت حول وصول قطار ما إلى محطّـة ما) كنت تشاهد قطاراً (كالذي تعرفه) ينزل منه ويصعد أشخاص كالذين تعرفهم. الحركة هي سر الخدعة: كيف يمكن لمخلوق أن يتحرّك خارج هذه الحياة التي أنت فيها؟ هذا هو السؤال المحوري الذي لا يزال موضع طرح حتى اليوم. صحيح أنه تغلّـف الآن بعادة المتابعة ولم يعد يتحرّك في البال لكنه لا يزال هناك. لا يمكن أن يموت. 
القبلة الأولى في السينما تمّـت بلقطة متوسّطة تجمع بين رجل وإمرأة (هي غير مرتاحة) ومشروع قبلة يتحقق قبل نهاية الفيلم ذي الدقيقة أو نحوها. ما أثاره من رد فعل هو أمر له علاقة بالموافقة على أن الفيلم هو واقع. لا أقصد أن الفيلم واقعي ولا أن الفيلم يمثّـل الواقع، بل أن نظرة الجمهور، ومعظمهم رفض الفيلم من منطلق أخلاقي، إلى الفيلم المذكور هو أنه على أساس إمتداد للواقع وفي الواقع قيام رجل بتقبيل إمرأة على الفم (أو العكس) في مكان عمومي هو أمر مرفوض أخلاقياً (أو هكذا كان ذات مرّة) إذاً هو على الشاشة إمتداد للواقع المرفوض وليس فقط إمتداد لحركة وشعور شخصين يتصرّفان تماماً بطريقة يتصرّف بها البشر خارج الفيلم في أماكنهم المغلقة.
الكاتب ماكسيم غوركي قام، حسب كتاب «تاريخ الفيلم الروسي والسوفييتي» (المنشور سنة 1983)، بوضع أفكاره حول أوّل فيلم شاهده وكان ذلك قبل فلول القرن التاسع عشر. خرج من صالة تعرض أفلام لوميير مذهولاً وكتب أنه حضر «عالماً من الأشباح» التي كانت تظهر أمامه في «مملكة من الظلال». قال: "كل ذلك يتحرك ويلتقي مع الحياة ثم يختفي في مكان ما وراءها". 
ما هي إلا عشرة عقود أو أكثر قليلاً حتى كانت السينما أوجدت لنفسها مكاناً في واقعنا نحن البشر الذين نعرف حق المعرفة "أننا" لسنا "هم" من في الفيلم. إنه خيال. وهذا الإدراك جزء من العملية المثيرة والمعقّدة: إذا كنا نعرف "أننا" لسنا "هم"، لماذا نجد أنفسنا متأثّـرين بهم؟ لماذا الفيلم الذي يحمل نهاية حزينة يدفع بعضنا (أيام ما كانت المشاعر غير مخدوشة بالماديات والتكنولوجيا) للبكاء والنهاية السعيدة تدفع بعضنا للفرح؟ لماذا نخرج من الفيلم متأثرين به إذا كان جيّداً (قد يكون جيّداً للبعض ورديء للبعض الآخر)؟ ولاحقاً ينبع سؤال حول ما إذا كنا لا زلنا متأثرين اليوم بالسينما لكون ما يعرض منها ميكانيكي المعالجة في حالات كثيرة.
إذ أوجدت السينما مكاناً فينا نحن البشر، كما ذكرت، فإن النظرة إليها أخذت تدخل مجالات فلسفية. ردّ الفعل على أول قبلة في السينما وأول سرقة قطار وأوّل فيلم عن الهنود الحمر الخ… انتقل من مجرّد موقف أخلاقي، إلى موقف دائماً أخلاقي على أكثر من نحو لكنه أصبح ملتزماً بسرد حكاية ما تبعث في المشاهدين ردّات فعل عاطفية هي- بدورها- نتيجة مواقفهم الأخلاقية. حين أنجز و.د. غريفيث «تلك القبّعات الفظيعة» (1909) نقل ردّ فعل مشاهد الفيلم وتعاطفه ضد النساء اللواتي كن يدخلن الصالة مرتديات قبّـعات عريضة وطويلة تحجب مشاهدة الفيلم الذي يعرض على الشاشة (كان هذا أول فيلم في داخل فيلم). ردّ الفعل هذه في أساسها أخلاقية أو مبدأية مرتدية شكلاً إنتقادياً بأسلوب واقعي رغم نكهته الكوميدية. 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"فكرة أن يطير الإنسان مثل «سوبرمان»   
دفعت ملايين الناس للحلم بذلك وعلى
أكثر من نحو"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

التنظير في السينما تبع ذلك ليكشف عن آراء تعتبر أن السينما هي شكل شعري وجمالي في الدرجة الأولى وأن لها في الدرجة الثانية تأثيراً في هذا الإتجاه أيضاً.
لا علم لي كيف توصل الفرنسي لوي ديلوك إلى هذه النظرية، ليس لأنها على خطأ، لكن لأن الناتج حتى الثلاثينات من القرن الماضي كان لا يزال خضمّـاً من التجارب المختلفة بحيث لا يمكن التعميم على أي نحو واحد. ما هو مؤكد أن ما كان معروضاً منذ البداية (وما لا يزال معروضاً اليوم) يثري حياتنا على أكثر من نحو. يفعل ذلك في كل مرّة نشاهد فيها فيلماً قديماً أو جديداً علماً بأنه بقدر ما يتحدّث الفيلم عن شخصياته، بقدر ما تتوطد هذه الشخصيات فينا على نحو أعمق. 
طبعاً غير ذلك يمكن أن يكون مؤثراً: فكرة أن يطير الإنسان بلا أجنحة مثلما يفعل «سوبرمان» دفعت ملايين الناس للحلم بذلك. الحلم كان على أكثر من نحو: الواقعيون جدّاً ربما ابتسموا للخاطرة. آخرون أقل تمسّكاً بواقع الحياة خرجوا من الصالة يفكّـرون ما سيكون عليه الحال لو أنهم كانوا قادرين على الطيران. قسم ثالث ربما عاش الأجواء جميعاً (وقعت في الخمسينات حوادث من نوع محاولة الصغار الطيران ليقعوا من علو) أي أنه فكّر وعايش وجدانياً الدور وفعل كل شيء بإستثناء أن يطير. بيع الرداء الأزرق أو اللباس الخاص بسوبرمان هو جزء من تكوين هذا التأثير الذي انتقل بالإنسان من الشاشة إلى ما بعدها. ذلك لأن الأمور ليست على نحو بسيط. حتى اليوم أنت لا تشاهد فيلماً لا تتأثر ببعض ما فيه إن لم يكن كل ما فيه. 
حين كنت أخرج من فيلم وسترن أو فيلم بوليسي وأنا صغير، كنت أسارع من لحظة خروجي من الفيلم لألعب الدور. ليس هناك ما يربطني بدنياً بأي شيء حاكه الفيلم: لا المكان ولا الزمان ولا الملابس. لم يكن بحوزتي أي مسدّس (حتى مسدّس لعبة) ولم أرتد قبّـعة أو أتكلم الإنكليزية. كان كل ما أعيشه هو التماثل بأنني أحد من شاهدتهم على الشاشة وأنني خرجت من ذلك الفيلم إذاً أنا هو…



All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2013

No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system