Aug 8, 2013

Year 7• Issue 148 | كارن بلاك والبيكيني الأصفر وأنا | المرأة في سينما الوحوش | وودي ألن: كوميديات عن شخصيات رائعة | رحيل مايكل أنسارا

الغلاف

 إكتشاف فيلم مفقود لأورسن وَلز

في حين أن الفيلم الروائي الطويل الأول للمخرج أورسن وَلز لا زال «المواطن كاين» (1941) إلا أن أول فيلم فعلي للمخرج كان «قلوب العصر» Hearts of Age الذي قيل أنه انتمى مباشرة إلى "السينما الطليعية» والذي أنجزه وَلز سنة 1934. هذا هو المتعارف عليه حتى الآن لولا أن هناك فيلم سابق له تم إعتباره مفقوداً عندما اندلعت النيران بفيلا وَلز في أسبانيا في الستينات. هذا الفيلم بعنوان Too Much Johnson البالغ 40 دقيقة والذي اعتبر مفقوداً منذ ذلك الحين. الان تكشف «ذ نيويورك تايمز» عن أن منظمة Cinemazero اكتشفت نسخة جيّدة من الفيلم في إيطاليا. تاريخ هذه النسخة يعود إلى العام 1938، أي ما بين العمل الأول لولز كمخرج (»قلوب العصر») وبين فيلمه الروائي الطويل «المواطن كاين» وكان عمر المخرج حين أنجزه 23 سنة. 

* على «فيلم ريدر» في الأسبوع المقبل: مراجعة لكل أفلام أورسن وَلز.


 خواطر عن المرأة والسياسة في سينما الوحوش       

|*| ليس هناك شيء مـن لا شيء ولا الأفلام التي 
تتحدّث عن مخلوقات متــوحشة تهاجم البشر آتيــة
من عدم أو تصب في عدم…. هنا بضعة خواطر حـول
دور المرأة والعلم والعسكر في أفلام  الرعب القائمة
على الوحوش الفاتكة |*| 


 ثلاث لقطات يتعامل معها المونتاج بذكاء تؤسس في فيلم «المخلوق من البحيرة السوداء» The Creature from the Black Lagoon [جاك أرنولد- 1954] صورة الوحش الذي سيقض مضاجعنا. هذه اللقطات تبدأ بيد الوحش وهي تخرج من الماء (ليلاً) وتحط على رصيف البحيرة. اللقطة الثانية هي لخيمة من الخارج والكاميرا تقترب منها من وجهة نظر المخلوق/ الوحش. اللقطة الثالثة هي لداخل الخيمة. رجلان أحدهما نائم والثاني يسمع حركة. ينظر ثم يصرخ حين يرى الوحش. لا لقطة للوحش هنا (لاحقاً في الفيلم نعم) بل ليده فقط وهي تطيح بالرجل الأول ثم الثاني. لقطة من الخارج للخيمة وهي تهتز تبعاً لما يحدث فيها.
إذ ينتقل المونتاج بين هذه اللقطات تتشكّـل القيمة الفعلية لكيفية تحقيق فيلم مرعب في سابق العصر وأوانه. في تلك الأزمنة التي كان أمام السينمائي كل السبل ليبدع والقليل من الفرص ليجرّب حظّـه مرّة أخرى إذا ما فشل. وهي الأيام التي كانت هوليوود لا زالت تعترف بأن الرعب فن قائم بحد ذاته وليس مناسبة دموية تلعب فيها الكاميرا دور المتفرّج متوقفة عند أذرع مبتورة أو بقايا أدمغة تفترش الأرض.
حين يظهر الوحش في «المخلوق من البحيرة السوداء» في المرّة الثانية سنراه كاملاً. المشهد ليلي أيضاً وهو يتقدّم من بطلة الفيلم (جوليا أدامز) فيعترضه أحد رجال البعثة التي أبحرت في مجاهل نهر الأمازون. يقتله ويحاول الوحش خطف المرأة لكنه يقع فاقدا الوعي على حين غرّة. لاحقاً سيحاول الوحش خطف المرأة مرّة أخرى، بل سينجح قرب النهاية متوجهاً بها إلى مخبئه تحت الماء.
وقوع الوحش في حب المرأة كان ظهر لأول مرّة في فيلم «كينغ كونغ» سنة 1933 [مريان س. كوبر وأرنست ب. شويدساك]. هناك تصل بعثة إلى جزيرة كانت تجهل وجودها تعيش فوقها قبيلة من المواطنين السود يخشون غضبة كينغ كونغ، الوحش العملاق على شاكلة غوريللا. الجزيرة موطناً لسواه من الوحوش الضخمة فهي من مخلّـفات العصور الدينوصورية، لكن كينغ كونغ ينبري ليكون أقواها: يتغلّـب على طيور ضخمة وعلى أفعى تكبره حجماً وفي أحد المشاهد يتصارع دينوصوران طمعاً في المرأة كوليمة. لكن كينغ كونغ يريدها لنفسه. وهو لأجلها يثور مرّة أخرى في نيويورك، بعدما تم إعتقاله ومحاولة تدجينه للظهور أمام الجمهور كـ "نمرة إستعراضية". حال يكسر قيوده ينطلق باحثاً، ولا يطول به البحث. ها هي المرأة (فاي راي) جالسة في شقّتها. يمد يده من الباب المفتوح ويسحبها إليه.
أهو حب عذري أم جنسي؟

المرأة في كلا الفيلمين هي أجمل ما في الحياة. الرجال موزّعون حولها وبعضهم يرغبها لنفسه، لكنها تبدو أكثر رغبة في أن تستقل بذاتها (في كلا الفيلمين). حين يدخل الوحش الصورة تكون عند سدّة هذه الرغبة. تريد البرهنة على شجاعة وعلى دراية وحقها في المساواة، إذاً هي في خطر محكم. 
الوحش الذي لا علاقة له بأي أمر إجتماعي ولا يعيش في مدينة ويتقيد بشروطها لا يمكن له أن يكون قادراً على أن يفكر بتلك المرأة جنسياً. بل هو واقع في حب مخلوقة رقيقة يراها ملكاً له ويريد الإحتفاظ بها على هذا الأساس. لكن حقيقة أنه يعيش في المجاهل الخطرة وليس منتمياً إلى أي مجتمع هو بيت القصيد، إنه كما لو كان كتّاب الحكايتين والسيناريو الخاص لكل فيلم أرادوا إثبات أن المرأة إنما تجني على نفسها حين تطلب ما تطلبه من حريّـة واستقلالية. ها هي تسافر إلى المجاهل فإذا بها تقع في ورطات لا يخلّصها منها سوى الرجال.
في «المخلوق ….» يخلّـصها الرجل. في «كينغ كونغ» تخلّصها الطائرات الحربية (التي يقودها رجال) وذلك بإطلاق النار الكثيف على الوحش وهو يقف على قمّـة الإمباير ستايت ما يؤدي إلى سقوطه لحظات بعدما أودع الشقراء التي وقع في حبّـها من يده حتى لا تسقط معه.
طبعاً هذا يلتقي مع مفهوم المجتمعات حينها: المرأة ضعيفة حتى ولو استقوت لذلك هي أكثر قبولاً لتعاطف المشاهدين من الرجل إذا ما سقط هذا تحت مخالب الوحش. لكن الحالان واحد في نهاية المطاف، فمفهومها الإجتماعي لا يزال موضع طرح مفاده أنها أضعف من أن تستطيع مقاومة الوحش وذلك على عكس إمرأة ريدلي سكوت القويّات في Alein  (لكن لاحظ هنا أيضاً أن المخلوق أرادها- هذه المرّة ليس عن حب، بل بغاية زرع بويضاته فيها!).

النووي
هذه الرومانسية المستحيلة في الفيلمين المذكورين المخلوق من البحيرة السوداء» و««كينغ كونغ») لا تلغي أن الأفلام المختلفة التي حوت وحوشاً ومخلوقات مختلفة تنطلق لكي تثير الرعب في أرجاء الدنيا (غالباً في الولايات المتحدة واليابان لكن هناك أفلاماً بريطانية وإيطالية) حوت على صراعات أكبر شأناً من هذه العلاقة غير المتساوية. في فيلم آخر لجاك أرنولد هو «تارانتولا» (1955) لا نجد المرأة في هذا الفيلم (مارا كورداي) محط إهتمام الوحش (ولا يمكن أن تكون لأن الوحش هنا هو عنكبوت أسود كبير) بل الحياة العلمية بأسرها. دكتور ديمر (ليو ج. كارول) يجري تجارب نووية على الحيوانات والحشرات من نتاجها تكبير حجمها. خناقة بين ديمر ومساعده الذي حقن نفسه ما أدّى الى تشويهه تنتهي بتحطم المختبر وهروب عنكبوت ما يلبث أن يكبر ويكبر وينطلق في صحراء أريزونا ليقتل المواشي والبشر على حد سواء.
العلم أخفق، وإن كانت رسالته تنطلق من رغبة معاكسة للنتيجة، وهذا الإخفاق متبلور في شكل ذلك العنكبوت. لا مهرب من الإستعانة (ومرّة أخرى) بالطائرات الحربية. في إحداها دور صغير للممثل كلينت إيستوود وهو يقوم بتوجيه الطائرات لقصف العنكبوت الذي يستعد لدخول بلدة بالنابالم.

السلاح النووي مرتبط بناحيتين: العلم والعسكر. والأفلام التي تداولت هذه الناحية كان عليها أن تختار لجانب من تريد الوقوف. هل تقف لجانب العلم على أساس أنه كفيل بإنقاذ الحياة على الأرض من وحوش غازية أو مع العسكر الذين سيوجّـهون ضربات قاصمة لتلك الوحوش تفشل في مطلع الأمر لكنها تحقق إنتصارها في النهاية؟
في «الوحش من عشرين ألف فرسخ» [يوجين لوري- 1953] ينبري هذا السؤال بوضوح. العلم اخترع القنبلة والعلم يتساءل، في مشهد يقع في مطلع الفيلم، عن إحتمالات تأثير التجارب النووية. بعد نحو ثلث ساعة يأتينا الجواب: لقد إستخرجت وحشاً من عمق الماء. العلم لا يستطيع التغلّـب عليه ولا يبقى سوى السلاح العسكري وسيلة إلى ذلك. 
في سلسلة «غودزيللا» اليابانية لا يبتعد الخط العام عن هذا الوضع: التجارب النووية أخرجت الوحش من الأعماق فانطلق يدمّر اليابسة. الفارق هو أن العديد من هذه الأفلام رفعت راية إدانة الحروب النووية (ولا ننسى ناكازاغي وهيروشيما) بالتالي مررت راية سلام صغيرة.

مفادات سياسية
الوحش قد لا يكون من الأرض (في الثمانينات التي لن أقترب منها هنا انتشرت أفلام تتحدّث عن فئران وأرانب وديدان ونمل وسواها تهاجم البشر- لكن هذا النوع من سينما الرعب مختلف عما نحن بصدده هنا) بل حط عليها. هنا أيضاً لابد من التفرقة بين أفلام رعب من بطولة وحوش وأفلام خيال علمي علماً بأن الكثير منها خليط بين الإثنين. أحد هذه الأفلام الخليط هو «الشيء من عالم آخر» (1951) إخراج كريستيان نيبي وهوارد هوكس. هنا يكتشف البشر المنقطعين في بعثة علمية- عسكرية وجود مخلوق كان ورد من الفضاء. يتم نقله إلى مقر البعثة في منطقة قطبية وحين يستيقظ يبدأ بالهجوم على الآدميين الذين عليهم الدفاع عن أنفسهم ما يؤدي إلى مشاهد رعب وقتال. أحد الآدميين هو عالم وهو يصر على عدم إيذاء المخلوق لدرجة القتل لأنها فرصة تاريخية كبيرة لدراسة هذا المخلوق والتعرّف على صفاته. هذا العالم يموت (الوضع نفسه يتكرر في أكثر من فيلم لاحق) دلالة على أن العلم ليس مؤهلاً للصلح مع العدو. القوّة هو الوحيدة الممكن استخدامها.
هذا يذكّرني بفيلم وسترن نسيت أسمه فيه رجل دين يؤمن بأنه يمكن التفاوض مع الهنود الحمر لكنه يلقي حتفه حين يحاول ممارسة هذا التفاوض بسهم يخترقه وهو يحث الخطى ما يعني أن مفهوم السلام مرفوض… هذا بدوره يعكس وضعاً سياسياً تؤمّـه عادة القوى الكبرى (مثل الولايات المتحدة) إذ ترفض التفاوض حين ترى أن القوّة تكفي لحل الخلافات.
هناك أكثر من عشرين فيلم اخر من هذا النوع ما بين 1951 و1958 لكني سأكتفي بآخرها: «النقطة» (الترجمة الحرفية لكلمة Blob التي تعني في الفيلم مادّة لزجة غير مفهومة العناصر التكوينية هبطت من الفضاء بالقرب من بلدة أميركية صغيرة إذ يحاول الطبيب المحلي مداواة مصابين تنطلق لتهاجم أبناء البلدة لا يستطيع أحد إيقافها وهي كلما التهمت بشراً كبر حجمها حتى ينجح بطل الفيلم الشاب ستيف ماكوين في القضاء عليها حين يكتشف أنها تتأثر بالمادة الباردة التي تتألّف منها طفايات الحرائق.
معظم الأفلام من هذا النوع ومن نوع الخيال العلمي كانت تقع في بلدات صغيرة لأكثر من سبب أهمّـها أن الإنتاج كان دوماً صغيراً وأن تكساس وأريزونا وسواهما من ولايات الغرب هما قلب الأميركانا. هناك، في هذا التخصيص موقف آخر مهم: حين الهجوم على بلدة أميركية صغيرة، فإنك تهاجم العائلة. حين تهاجم المدينة (كما في أفلام اليوم) فإنك تهاجم الإقتصاد والبزنس والعصرنة التي بلا روح أو تقاليد لكنها- حسب «ترانسفورمرز» وسواه- تستحق أن يدافع عنها.


 مخرج | كوميديات عن شخصيات رائعة كلها وودي ألن       

|*| لوودي ألن فيلم جديد يأتي في أعقاب سنة
من فيلمه الأخير الذي لا يبتعد أكثر من سنة عن
فيلمه الأسبق. هل هناك جديد يضيفه وودي ألـن
أم أنه مخرج ملتزم بقصصه وشخصياته؟ |*| 

نعم. وودي ألن في فيلمه الجديد «ياسمين أزرق» (الذي بوشر بعروضه الأميركية في الأسبوع الأخير من يوليو/ تمّـوز وينطلق في الأسبوع المقبل في كل مكان) يعود إلى الحكاية المفضّـلة: الشخصية التي تكتشف بعد مرور سنين طويلة أنها لا تحب شريك حياتها كما كانت تعتقد أو أنها كانت تحبه من قبل ولكن لكل شيء نهاية، فإذا بها تتحوّل إلى حب جديد حالما تجد الفرصة. الشخصية هذه المرّة متمثّـلة بالزوج (أليك بولدوين) لكن علاقته العاطفية الجانبية تبقى سرّاً إلى أن تكتشفها الزوجة (كايت بلانشيت). رد فعلها يحتل حيّـزاً كبيراً من الحكاية هنا، فالزوج فر منها إلى سان فرانسيسكو وكل ما بقي لديها، بعد الإحساس بالألم والإحباط، هو الشعور بأن الحياة لا يجب أن تنتهي عند هذا الحد. هناك أمل مستمر.
إنه الفيلم الخامس والأربعون منذ أن تقدّم ذلك الشاب النحيف المتأثر بالكوميديا الصامتة ليقف وراء الكاميرا لأول مرّة سنة 1966 ليحقق «ما الجديد، تايغر ليلي»، أحد أسوأ أفلام الفترة. الفارق النوعي بين هذا الفيلم والفيلم الثاني له، «خذ المال واهرب» (1969) كبير. آنذاك، كان منوال المخرج تقديم أعمال كوميدية مباشرة مع أفكار نيّـرة تجمع بينها شخصية رجل يبحث عن هويّـة في عالم غير ثابت ويفشل. هو اللص الذي لا حنكة له في «خذ المال واهرب». والمتّـهم بأنه ثوري لاتيني مرّة وأميركي قبيح مرّة أخرى في «موز» (1971) والمنتقل من عالم اليوم إلى عالم مستقبلي غريب عنه في «سليبر» (1973). قمّـة هذا البحث عن هوية، دينية وفكرية، تبدّت في «زيليغ» (1983) الذي ينتقل خلاله من شخصية اليهودي إلى شخصية المسيحي ليكتشف في النهاية أنه ملحد. وحتى حين لم يخرج أحد أشهر أفلامه في تلك الحقبة، وهو «الواجهة» The Front (بل قام بذلك الراحل مارتن رت سنة 1976) كان عليه أن يلعب دور كاتب فاشل عليه أن يمثّـل شخصية كتّـاب سيناريو ناجحين ليوقّـع عنهم أعمالهم ويبيعها إلى هوليوود تحت كنف الفترة المكارثية.
مع ميا فارو خلال تصوير: «هانا وشقيقاتها»٠

سنة 1977 انتقل ألن من حقبة الأفلام الكوميدية السريعة والمباشرة وذات الأفكار ذات السمة الفانتازية إلى مرحلة جديدة قوامها دراميات شخصية معالجة درامياً في أحيان وكوميدياً في أحيان أخرى. كان تعرّف وأحب الممثلة المنطلقة دايان كيتون خلال تصوير فيلم لم يخرجه بعنوان «إعزفها ثانية يا سام» [هربرت روس- 1972] وبعد عام طلب منها أن تمثّـل أمامه في «سليبر». لكن فيلمهما الثالث معاً، «آني هول» (1977) هو الذي منح كل منهما الحضور الصحيح لثنائي عاطفي مثير للإهتمام، كما هو الفيلم الرصين الأول (كوميدياً) من بين أفلامه كمخرج.

بحثاً عن الشريك المناسب!
«آني هول» بالإضافة لما سبق من مواصفات، هو فيلمه الأول الذي على أسسه انطلق وودي ألن ليكتب ويخرج معظم أعماله اللاحقة: العلاقة العاطفية التي ظن طرفيها أنها متينة والتي تهتز عندما يدركان أن أحدهما يبحث عن ملاذ عاطفي جديد. في القرار هو ذلك البحث الدفين في داخل وودي ألن عن الهوية، مع إختلاف أن هذه الهوية باتت الآن عاطفية. هو يحب المرأة التي يتعرّف عليها (او التي كان يعرف قبل بدء الفيلم)، ثم أحدهما يقع في حب طرف ثالث، فيسعى الآخر للبحث عن علاقة جديدة مع طرف رابع، غير مدرك أن هناك شخصية خامسة تكن له إعجاباً كبيراً. هذه الخيوط ليست حبكة «آني هول» (الذي يدور حول الثنائي الذي وصل، باكراً في الفيلم، إلى نهاية علاقته فانطلق يبحث عن علاقات جديدة) وحده، بل حبكة العديد من أفلامه الأخرى، بما فيها أعماله الأخيرة مثل «ماتش بوينت» (2005) و«فيكي كرستينا برشلونة» (2008) و«سوف تلتقين بغريب داكن» (2010) و«منتصف الليل في باريس».
قلق وودي ألن الوجودي من الحب والحياة معبّـر عنه بكثافة في «دواخل» (1978) الذي عمد فيه، وفي «سبتمبر» (1987) إلى معالجة برغمانية شبه كاملة. كما في أفلام أخف ثقلاً مثل «مانهاتن» (1979) و«هانا وشقيقاتها» (1986) و«إمرأة أخرى» (1988) كما «جرائم وجُـنح» (1986) والعديد من أعماله الأخرى
والفترة التي مثّـل فيها ذاته عاكساً كل ما يجول في نفسه من أفكار وسلوكيات أمام دايان كيتون، والتي شملت خمسة أفلام، إنتهت عملياً مع فيلم «مانهاتن»، ولو أنها عادت سنة  1993 بفيلم «غموض جريمة مانهاتن». الفترة التي تلتها، والتي شهدت كذلك ذات الإنعكاس لما يجول في نفسه وباله، تولّتها ممثلة رقيقة الحاشية أسمها ميا فارو لاعبة أمام ألن في ستة أفلام أولها «ستاردست ماموريز» (1980) وآخرها «هانا وشقيقاتها» (1986).

لكن سواء أكان الفيلم من بطولة دايان كيتون أو ميا فارو أو أي من الممثلات اللواتي ظهرن في بطولات أعماله لاحقاً فإن أرضية هذه الشخصيات لم تتغيّـر. نساء وودي ألن قويّـات حتى حينما يكن رقيقات ورومانسيات. تتدرّج هذه القوّة تبعاً للتفاعل العاطفي الذي يشغل القلب حيال الأزمة التي تم بها. ما لا يتغيّـر أيضاً هو الدور الذي يؤديه وودي ألن من فيلم لآخر: المحب الذي قد ينقل فؤاده ما شاء من الهوى. تستطيع دائماً أن تتخيّـله وهو يتحدّث برذاذ من الكلام والكثير من إشارات الأيدي وقدر من التأتأة متسائلاً عن أبسط الأمور. إنه رجل قلق، يخشى على نفسه من نفسه ومن سواه. وحتى المرّة الوحيدة التي وجدناه فيها بعيداً تماماً عن هذه الصورة، وكانت في فيلم نال تقديراً أقل مما كان يستحق وهو «ظلال وضباب» (1991) نجده متّهماً بريئاً (كما كانت حال أعماله الأولى) تعيد إلى الذاكرة بحثه الأساسي حول هويّته الوطنية أو الدينية.

عندما توقّـف- إساساً- عن التمثيل مبرراً ذلك بأنه لم يعد يصلح ليقبّـل الفتاة، حدث أمران موازيان: بدأت مرحلة تعدد الممثلات اللواتي يلعبن في أفلامه من دون تكرار وجه دائم كما كان الحال سابقاً، وانعكاس شخصية ألن القلقة وتصرّفاته ومسالكه على الشخصيات الرجالية التي يؤديها ممثلون آخرون. هو في جون كوزاك في «رصاص فوق برودواي» (1994) وغريغ ماتولدا في «نجوم مجتمع» Celebrity العام 1998، وإوان مكروغر في «حلم كاساندرا» (2007) كما في أوون ولسون في «منتصف الليل في باريس» (2011) وأليك بولدوين في فيلمه الجديد «ياسمين أزرق».
وودي ألن (77 سنة) سينمائي فذ ولو أنه يكرر نفسه وحبّـه للمرأة ذات الوجوه المتعددة يذكّر بحب فدريكو فيلليني وإنغمار برغمن وأبطاله للمرأة رغم أن لكل واحد من الثلاثة منهجه وطريقته في تفسير وتشخيص ذلك الحب.

الكوميدي اللاذع
بعض حوارات ألن لا تُنسى وتعكس قيمة الكوميدي الذي فيه. التالي بعضها:
"عندما خُـطفت، بادر والداي إلى العمل فوراً: أجّـروا غرفتي".
"ذات مرّة دهستني سيارة كان رجلان يقومان بدفعها من الخلف".
"في البيت أنا الزعيم، أما زوجتي فهي تأخذ القرارات".
لشقيقته: "لو اعتنق والدانا المسيحية قبل نصف ساعة من ولادتك لما نشأت يهودية".



رحيل |  الهندي الأحمر القادم من سوريا
مايكل أنسارا على جانبي القانون وفي «الرسالة»  


عُـرف الممثل مايكل أنسارا، أوميشيل عنصره، الذي توفي يوم الأربعاء الماضي عن 91 سنة، بأدوار الشرير والخارج عن القانون في العديد من الأفلام، قبل أن ينجح لاحقاً في التنويع الذي يتمناه أي ممثل لنفسه. الفتى الذي هاجر مع ذويه بلدته السورية سنة 1924 وهو في الثانية من العمر، لعب أدوار الهندي الأحمر في العديد من الأفلام والمسلسلات السينمائية، كذلك دور كانغ في مسلسل «ستار ترك» التلفزيوني بالإضافة إلى نحو مئة حلقة تلفزيونية أخرى و75 دور سينمائي
جهد الممثل طويلاً قبل أن يصبح وجهاً مألوفاً ومحبوباً في أدوار البطولة والشر على حد سواء. وبما أن العديد من أفلامه في الخمسينات قدّمته في شخصية محارب هندي صعب المراس، كان من الطبيعي أن ينتقل إلى الشاشة الصغيرة من نافذة تلك الأدوار ذاتها، إنما في شخصيات إيجابية، ففي «السهم المكسور» وLaw of the Plainsman (ما يمكن ترجمته إلى «قانون رجل السهول») اللذان أنجزا نجاحاً كبيراً من منتصف الخمسينات وحتى مطلع الستينات، كان الهندي الأحمر الذي يدافع عن القانون الأبيض بقناعة وببطولة. الفارس المغوار الذي يعرف ولاءاته ويحارب الأشرار (معظمهم من البيض) من حلقة إلى أخرى. 
تبعاً لذلك، وإذا ما رغبنا في البحث عن صورة الهندي الأحمر في السينما والتلفزيون، سنجده من بين أوائل من قاموا بتغيير الصورة من سلبية إلى إيجابية وبنجاح. 
لكن قبل ذلك، تستطيع أن تجده في العديد من الأفلام السينمائية بدءاً من فيلم Action In Arabia، المصنوع سنة 1944 حيث لعب دوراً عابراً في لقطتين ومن دون ذكر إسمه في قائمة المشاركين.  ذلك الفيلم الذي تقع أحداثه في دمشق والذي تم تصويره في بعض نواحي كاليفورنيا، شارك في تمثيله ممثل آخر آت من سوريا هو جميل حسّـون، الذي كان بدأ مهنته قبل نحو عقدين من الزمن لكنه لم يحقق الشهرة التي تحققت لمايكل أنسارا لاحقاً. 
في إطار الصغير من الأدوار كذلك ظهر في «حامية في المغرب»  (1948) لاعباً شخصية  مسؤول أسلحة للثوار،  وحارساً في «صقر الصحراء» (1959) وحارساً مرّة أخرى في «كيم» (1950) لاعباً هنا شخصية آسيوي يحرس الحريم. هو أيضاً في دور هندي آسيوي في فيلم بعنوان «جزيرة المهرّبين» (1951)- هذه المرّة بإسمه.  كذلك لعب شخصيات غير أميركية أخرى في تلك الفترة أهمها «فقط الجريء» الذي قام بطوبلته غريغوري بك سنة 1951 و«الصقر الذهبي» (1952) مؤدياً شخصية قرصان أسباني بإسم برناردو داياز.
سنة 1953 إستعان به المخرج راوول وولش في دور صغير آخر لكن الفيلم  كان أكبر حجماً من تلك التي ظهر فيها أنسارا من قبل وهو «المتناسلون الخارجون عن القانون» الذي قام ببطولته روك هدسون وجوليا أدامز. 
لم تتوقّـف أدوار أنسارا في منتصف الخمسينات على أدوار الهندي الأحمر في أفلام الغرب الأميركي، كما الحال في «المتناسلون الخارجون عن القانون» بل تعدتها إلى أعمال مختلفة فهو في دور بينداروس في «يوليوس قيصر» (1953) وفي الفيلم التاريخي «عبيد بابل» (1953) وكابتن أوروبي في فيلم المغامرات «أميرة النيل» (1954) وبل شارك أبوت وكوستيللو الظهور في فيلمهما الكوميدي «أبوت وكوستيللو يقابلان المومياء» (1955). 
لكن هذا لم يغيّر من «بروفايل» الممثل كثيراً. طوال تلك الفترة، وخصوصاً بعد نجاح مسلسليه التلفزيونيين، بقي محبوباً في دور الهندي الأحمر وغالباً المعادي لإنتشار البيض في تلك البراري الغربية. 
أحد تلك الأدوار ورد سنة  1956 عندما ظهر في دور الهندي الملقب بـ «الحصان الغاضب» في فيلم «ذا لون رانجر». حينها لعب كلايتون مور شخصية لون رانجر (التي يؤديها في نسخة جديدة أرمي هامر، في حين قام هندي الأصل جاي سيلفرهيلز بشخصية تونتو (التي يؤديها حالياً جوني دَب).
لكن أنسارا، رغم أنه لم يكن من سكان أميركا الأصليين، كان نموذجياً لهذا الدور فعلاوة على تمتّـعه بدراسة الدراما باكراً في حياته (بعدما ترك فكرة سابقة راودته في دراسة الطب) كان يملك وجهاً غير أنجلو-ساكسوني الملامح (وهناك من الأوروبيين كثيرين لعبوا شخصيات هندية) وكان ماهراً في ركوب الفرس. 
في الستينات ظهر أمام جون واين، عميد ممثلي الوسترن، في فيلم «الكومنشيروز» ثم دخل واجه دين مارتن في فيلم «تكساس عبر النهر» ثم دور المكسيكي في «مسدسات الرائعون السبعة» قبل أن يتبوأ بطولة فيلم أكشن ومغامرات عنوانه The Doll Squad سنة 1969 أي عامين قبل أن يطلبه المنتج والمخرج الراحل مصطفى العقاد ليلعب دور أبو سفيان في فيلم «الرسالة».
الناظر إلى الطريقة التي مثّل فيها مايكل أنسارا الدور يعرف أن الرجل لم يقبل عليه تحت عباءة التنميط. صحيح أنه، في مقابل شخصيات أخرى مثل شخصية حمزة التي لعبها أنطوني هوبكنز، لكنه جاء مستعداً لمنحها خبرته أولاً وليس على أساس أنها شخصية يسهل تنميطها. 
كان «الرسالة» نقطة عالية لكل من ظهر فيه (وبنسختيه العربية والإنكليزية)، لكن نصيب مايكل أنسارا من الأدوار استمر غزيراً على الشاشتين الكبيرة والصغيرة إنما من دون تلك المتميّزة بنوعيّاتها. 
كان شخصية محبوبة وممثلاً محترفاً يمكن الإعتماد عليه وفي الثمانينات عندما لم تعد سينما الوسترن متداولة انتقل إلى سواها كما الحال في «شيفرة الدخول» الأكشن و«غرام البايو» (رومانسي) و«الإغتيال» (تشويقي). في العام 1990 وبعد غياب ثلاث سنوات عن الشاشة الكبيرة عاد للأدوار الصغيرة في فيلم «مبارزة عند الحدود» ثم غاب تسع سنوات قبل أن يعود في بطولة «طريق العودة إلى البيت الطويل». لكنه لم ينقطع تماماً عن الظهور تلفزيونياً وفي مسلسلات مختلفة من بينها «باتمان» و«ستار ترك».
كان تزوّج الممثلة باربرا إيدن سنة 1962 بعد نحو عام على قيامهما بأداء دورين رئيسيين في فيلم «رحلة إلى قاع البحر». هي لعبت دور ضابطة في البحرية الأميركية وهو كان العالم المجنون ميغويل ألفاريز. معاً ظهراً في أعمال عديدة أخرى كانا سعيدان بها و، حسب تصريح لها قبل نحو عشر سنوات، لا زالا يشاهدانها في البيت مستمتعان بصور الأمس البعيد.
على كثرة ما قام بتمثيله، فإن صورته عاري الصدر، غاضب الوجه وحاملاً البندقية ليقاتل البيض الغازين لأرضه، هي التي ستبقى ماثلة كلما تم ذكر إسمه. 



All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2013


Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular