أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Aug 28, 2013

يوميات مهرجان فينسيا 2 | نظرة عامّـة عن موقع المهرجان وسواه



 يوميات مهرجان فينسيا السينمائي -1 


 الوضع السياسي في فيلمين جزائري وإسرائيلي
إنطلاق الدورة السبعون لأقدم مهرجانات الدنيا | محمد رُضـا


كيف كان حال مهرجان فينسيا سنة 1957؟ 
على المرء أن يبحث عن معمّـر كان حاضراً في تلك السنوات والبحث لا يجب أن يطول فالتاريخ ليس بعيداص جدّاً. في الحقيقة يمكن للمرء أن يسأل الممثلة المشهورة كلوديا كارديناللي لأنها حضرت دورة ذلك العام لأول مرّة. 
كان عمرها تسعة عشر سنة وجاءت للإشتراك في مسابقة جمال كانت كسبتها وواحدة من الجوائز كانت حضور دورة ذلك العام. قد تتذكر كارديناللي مثلاً أنها قابلت هنا المخرج الفرنسي جاك باراتييه الذي كان يحضّـر لبدء تصوير فيلمه «جحا» الذي قام ببطولته عمر الشريف. لكن حتى وإن فينيسيا بالتالي كان نقطة إنطلاقها صوب مستقبل سينمائي إنجلى حتى الآن عن 95 فيلماً. 
بريقها وتاريخها ومكانتها دفعتا المدير الفني للمهرجان ألبرتو باربيرا لدعوتها إلى الدورة السبعين من أعرق مهرجانات السينما في العالم الذي ينطلق رسمياً مساء اليوم (الأربعاء) ويستمر حتى الثامن من الشهر المقبل.
الفيلم المعروض لها للمناسبة، يستحق إعادة التقديم. إنه «ساندرا» الذي حققه الراحل لوكينو فيسكونتي سنة 1965 عن الميثالوجيا اليونانية «إلكترا» وهو يشترك في تظاهرة سُـمّـيت بـ «كلاسيكيات فينيسيا» وتنطوي على بعض الأعمال التي يختارها المهرجان كأعمال دخلت التاريخ. لكن في حين يوافق المرء على أن «ساندرا» (الذي هو ليس أفضل أعمال فيسكونتي بالطبع) قد يكون كلاسيكياً، يتساءل عن سبب زج «ساحر» في هذا القسم وبل تكريم مخرجه وليام فرايدكن بمنحه جائزة تقديرية خاصّة عن جل أعماله. «ساحر» مثل معظم ما قدّمه فرايدكن من أعمال بالكاد متعة ترفيهية وبالغالب إدعاء وتكلّـف ضمن مضمار النوع المختار. وهو فيلم إختاره فرايدكن سنة 1977 ليكون تكملة لفيلمه السابق «طارد الأرواح» الذي وضع مسماراً في عرش الرعب الموحي ليقدّم رعباً مباشراً و-بالنسبة لكثيرين- فجّـاً.
«ساحر» هو الذي سيفتتح هذا القسم الكلاسيكي الذي يعرض 22  فيلماً بالإضافة إلى خمسة أفلام من أعمال المخرجة التجريبية الفرنسية شانتال أكرمان. من بين المخرجين الكبار لهذا القسم الهندي ساتياجيت راي والفرنسيين ألان رينيه وجان رنوار والإيطاليين فرنشسكو روزي وروبرتو روسيليني وإليو بتري، بالإضافة إلى لوكينو فيسكونتي كما ذكرنا.

صغيرة وكبيرة
سوف لن يتمكن المرء، إذا ما أمّ هذه الأفلام، إلا مقارنة مدارس الأمس بمدارس اليوم وله أن يختار موقع القلب منها جميعاً. تلك السينما الجديدة تلتقي في عشرين فيلم داخل المسابقة وإحدى عشر فيلماً روائياً خارجها وسبعة أفلام تسجيلية خارج المسابقة أيضاً.
في قسم «آفاق» نجد سبعة عشر فيلماً وبعضها، كما يحدث في كل سنة، ربما كان جديراً بالعرض داخل المسابقة ذاتها. وهناك عشرات الأفلام الأخرى التي تعرض في تظاهرات إضافية موزّعة على تلك الصالات المؤقـتة التي تقام فوق جزيرة سان ليدو. واحدة في كازينو الجزيرة وأخرى في بناء مجاور كبير بكراسي متقاربة لا توفر الراحة لكنها تستقطب أكثر من ألف مشاهد، ثم عدد من الصالات الأصغر التي تتوزّع في أماكن قريبة.
السطوح: لمرزاق علواش

جزيرة ليدو التي تبعد نحو خمسة عشر دقيقة بحرية عن مدينة البندقية ذاتها، كانت- حتى حين قريب- أصغر وأبسط من أن تلبّـي رغبة السيّاح لكن المهرجان تسبب في إزدهارها، ومع إزدهارها تسبب في غلاء أسعارها. شأنها في ذلك شأن «كان» وبعض المدن الأخرى التي ترتفع أسعارها في الفترة التي يعقد فيها مهرجانها. 
للملاحظة فقط، فإن المهرجانات التي تعرض في العواصم الكبيرة (تورنتو، شيكاغو، سان فرانسيسكو، لندن، نيويورك… ) فإن الغلاء لا يضرب المدن في فترة انعقاد مهرجانها. هي أكبر حجماً بحيث يضيع المهرجان وروّاده وسط زحامها اليومي من سكانها الدائمين.
ما يتميّـز به فينسيا عن سواه هو أنه اعتاد أن يجذب إليه بعض الأعمال التي هي أكثر رقياً من أن تضيع وسط كاميرات المصوّرين. طبعاً هناك العروض الليلية التي يصطف لها المصوّرون والجمهور، لكنها لا تصل إلى حد الجنون الذي يواكب استعراضات مهرجان «كان».
إنه ليس من الهيّن مطلقاً أن يواصل مهرجان ما تميّـزه، وأن يواكب نجاحه من عام إلى عام بنجاح جديد في كل سنة لاحقة. عوض أن يمشي قدماً تراه يصعد إلى أعلى مستفيداً من ذلك القدر الكبير من الهالة التي تحيط به وترفض أن تنزاح عنه. «فينسيا» من بين هذا النوع. ما أن تحط في مطار المنطقة وتأخذ المركب البحري إلى المدينة الصغيرة حتى تشعر بأن المهرجان سيلقي في وجهك مفاجأة سينمائية كل يوم. وأنه من المكانة الفنية بحيث أنه سيكون محطة إكتشاف كبيرة وعامرة. في دورات سابقة، حقق هذا التفاؤل. في أخرى جمع بين الجديد الجيّد والجديد الذي كنت تتمنّى لو لم تلتق به.

رحلات سياحية
الواقع أن مهرجانات السينما العالمية الكبيرة تحتاج إلى هويّات متميّـزة. من حسن حظ فينسيا وبرلين وكان أنها أصبحت مثل الأيقونة المنفردة لا ضرورة بعد ذلك لتمييزها طالما أن الجهد المبذول يواكب السمعة الحسنة التي لكل واحد من هذه المهرجانات. لكن ليجرّب مهرجان نيويورك مثلاً حاله لو أنه في إحدى دوراته أخفق في إدهاش الجمهور، أو لو أن مهرجان ساراييفو (وهو واحد من تلك المهرجانات الجديدة النشطة والمثيرة للإهتمام) انطلقت دورته وانتهت من دون أن يترك أي من أفلامه أثراً يذكر في أوصال المشاهدين والنقاد. دورتان فاشلتان ويتراجع المهرجان مراكز متعددة إلى الوراء. 
الواقع أيضاً أن العديد من المهرجانات الصغيرة تسعى لأن تتميّـز بتوفير نشاطات لا تجدها في مهرجانات أخرى. «كان» مثلاً لا يأخذ روّاده في رحلة سياحية على شاطيء الكروازت، ولا يجد برلين نفسه مطالباً بإدخال عنصر سياحي مثل رحلة إلى ما كان ذات يوم «برلين الشرقية». كذلك فإن فينسيا لا ينظم رحلات بقوارب الغوندول. لكن المهرجانات الأصغر تعتقد أنها بحاجة إلى مثل تلك الرحلات. وهل ينسى المرء الرحلات المسائية التي كان مهرجان القاهرة يقيمها فوق مركب فوق النيل العظيم؟ وكيف لا يمكن لمهرجان ساراييفو أن لا ينظّـم رحلة إلى التاريخ القريب ليعرض الأماكن الطبيعية لأكثر معارك الحرب الأهلية التي دارت بين البوسنيين والصربيين؟ المهرجان البوسني المذكور كان انطلق سنة 1994 بينما المدينة في حال حصار واستطاع أن يترعرع سريعاً كاسباً على مدى سنين، إهتماماً واسعاً من قِـبل روّاده.
في الركب ذاته ينظّـم مهرجان سان فرانسيسكو رحلة لنصف يوم تجول في الأماكن التي صوّر فيها الراحل ألفرد هيتشكوك رائعته «فرتيغو».
طبعاً، ليس كل المهرجانات غير الرئيسية تبتكر رحلات من هذا النوع أو ذاك، لكنها جميعاً تجد نفسها في إطار من التنافس على نحو ألف فيلم تتبادلها كل سنة شاشات الفن والتجربة والمهرجانات المختلفة. وكثير منها يأخذ من المهرجانات الدولية الثلاث الأولى (برلين وكان وفينيسيا) ويضيف إليها أفلاماً من لوكارنو وكارلوفي فاري وتورنتو (الذي يأخذ من سواه أيضاً).
مهرجان فينسيا، كونه الأقدم بين المهرجانات (الدورة الأولى سنة 1932)، يستطيع أن يقتنص لنفسه أفلاماً لم يسبق عرضها. مخرجو العالم يسعون إلى ذلك. وفي كل مرّة ينجزون فيها عملاً جديداً فإن إختياراتهم الأولى محدودة بالمهرجانات الرئيسية وحدها. إذا لم يمر هناك، فإن مروره على أي شاشة أخرى هو هزيمة مؤلمة.
فينسيا لا يبحث عن هوية سينمائية لأنه بات الهويّـة السينمائية المثلى في جو أقل تطلّـباً للجهد وأكثر تركيزاً على الفن. هو بلا سوق تجارية كونه يأتي بعيداً عن العواصم (يتبعه بعد نحو شهر مهرجان روما) ولأن الراغبين في البيع والشراء لديهم مهرجان تورنتو القريب للسفر إليه.
نظرية الصفر: لتيري جيليام


مخرجو هذا العام جاؤوا إليه من الجزائر وإيطاليا وفرنسا واليونان وأستراليا وبريطانيا وألمانيا واليابان وتايوان والولايات المتحدة بالطبع. الحال الأميركي لا يزال هو نفسه في كل مرّة كما في كل مهرجان دولي: إرسال أفلام مستقلّـة الروح والإنتاج لأن الأفلام المنتجة من قـبل ستديوهات هوليوود لا يهمّـها كثيراً لو ربحت جائزة الأسد الذهبي أو الفضّـي أو خرجت بلا جائزة على الإطلاق. 
المحطّـات الرئيسية لوجهة الأفلام في هذا الموسم باتت معروفة:
إذا كان لديك فيلم يبحث عن خلود نقدي عليك بـفينيسيا. إذا كنت ترغب فقط في توزيعه في الولايات المتحدة ومنها إلى سواها لديك تورنتو. أما إذا كان فيلمك أميركياً من إنتاج شركة كبيرة فيكفيه أن يبدأ الإحتفال بالعرض العالمي الأول. 
من هذا الباب اندفع مهرجان فينسيا بإختيار فيلم Gravity من شركة وورنر. دراما تدور أحداثها في الفضاء الخارجي عندما يخفق ملاحا فضاء، هما جورج كلوني وساندرا بولوك، في إصلاح عطب ليجدا نفسيهما سابحين في هذا الكون البعيد الذي لا حدود له. الفيلم من إبداع المخرج المكسيكي ألفونسو كوارون صاحب رائعة أخرى حققها سنة 2006 بعنوان «أطفال الرجال» وهو واحد من قلّـة من أفلام المسابقة متحررة من الإنتماء إلى الواقع الرمادي الذي نعيشه اليوم على هذه الأرض.
وفي حين تشهد هذه المنطقة من العالم  عواصف سياسية وأمنية عاتية، لابد من أن يعكس المهرجان الإيطالي (غير البعيد عن الشرق الأوسط جغرافياً) قدراً كبيراً من الواقع. وهو لهذا السبب اختار فيلمين في المسابقة يمثلان وجهتا نظر في موضوعين من تلك التي تؤجج الصراعات والأزمات الحالية فمن ناحية يعود المخرج الجزائري مرزاق علواش إلى أوج نجاحاته المرتقبة عبر فيلم «السطوح» (الذي اختطفه مهرجان دبي من الآن) في حين يقوم المخرج الإسرائيلي أموس غيتاي بتقديم «أنا عربية» من إنتاج فرنسي/ إسرائيلي.
كلا الفيلمين سيواجه الآخر بأسلوب صاحبه المختلف، كذلك سيواجهان معاً أفلاماً بعضها يماثلهما في قوّة المادة ومعالجتها. روائياً، كحال «السطوح» قد ينبري الأميركي- البريطاني تيري جيليام بخطف إعجاب النقاد عبر «نظرية الصفر»، وتسجيلياً قد يفوز الأميركي إيرول موريس بالنقاط على فيلم غيتاي عبر فيلمه الجديد «المعلوم المجهول» الذي يرصد فيه بدء الحرب التي قادتها الولايات المتحدة على العراق.
في نهاية المطاف، كل شيء جائز في «فينيسيا»: الفيلم الكبير قد يتمخّـض والصغير قد ينمو. لكن المؤكد أن الدورة السبعين ستبحر بسفن أفلامها. وما هو التصميم الجميل لشعارها هذا العام، المكوّن من رجل يلوّح لمركب صغير يحمل وحيد القرن إلا رمزاً لعالم مدهش ينتظر كل من أسعدته السينما ولا تزال تبهره.



All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2013

No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system