Jul 28, 2013

Year 7. Issue: 812 | تاريخ السينما من فيلم إلى فيلم 1 | أنطونيوني في ذكراه السادسة: الحضور والغياب والثلاثية الأولى | نجمات هوليوود يتحولن إلى شريرات



الغلاف

 سوبرمان ضد باتمان

بات وشيكا البدء بالتحضير لإنتاج فيلم يجمع بين أشهر أبطال الكوميكس وهما «باتمان» و«سوبرمان» في فيلم واحد ينتجه كريستوفر نولان ويخرجه زاك سنايدر. الجمع بين البطلين الخارقين تم على صفحات مجلات الكوميكس قبل عدّة عقود، وفي حين سيعود هنري كافال في دور سوبرمان، إلا أنه لم يتقرر بعد من سيؤدي دور باتمان.


 تاريخ السينما من فيلم إلى فيلمالحلقة الأولى        

|*| يختلف تاريخ الفيلم عن تاريخ السينما. هنا
لوي أوغوستين دو لا برينس: أول فيلم وأول مخرج
نسبر غور المحاولات الأولى وكيف أن السينمـا
لم تتحرّك على ساق تسجيلية فقط، بل كانت
هناك أعمالاً روائية من البداية |*| 

سيّـر تاريخ السينما بعض المؤرّخين الذين تناقضت رواياتهم واختلفت حسب اختلاف تعريفاتهم للسينما. الغاية من هذه الدراسة الموسّـعة التي آمل أن أصدرها في كتاب، هي إعادة رصف التاريخ على نحو صحيح. لست وحيداً في هذا المجال، ولا أدّعي أنني أعرف ما لا يعرفه آخرون أو أنني على حق والباقين على باطل. المسألة هي أن على المرء البحث والمراجعة وإن اكتشف ما يناقض ما هو موضوع و«مثبت» عليه أن يكشفه.  

إذاً لنبدأ فعلاً من البداية.
معظم المؤرخين ذكر أن تاريخ السينما يبدأ من العام 1895 وهو التاريخ الذي قام فيه الأخوين الفرنسيين لوي وأوغوست لوميير بعرض عشرة أفلام قصيرة في مقهى «غراند» الباريسي. هذا الإعتبار ينتمي إلى مفهوم السينما على نحو واحد وهو التجارة الممكن جنيها عبر بيع التذاكر. بكلمات أخرى، هو المفهوم التسويقي للمنتوج. لكن السينما لم تولد هكذا، فهناك التاريخ الصناعي (للآلات الكثيرة التي تمّ صنعها في الخمسة عشر سنة السابقة لذلك العام) والتاريخ التصويري (الذي يمكن إرجاعه للعالم العربي الحسن بن الهيثم ومن قبله لمبتكرين صينيين لعبوا بالظل والصورة) والتاريخ التعبيري (كهوف العصر الحجري برسوماتها وبعضها أنبأ عن أن الرسّام كان يرسم لجمهور خلفه)
الأخوان لوميير

لكن حتى ولو اكتفينا بتاريخ الفيلم فإن هذا التاريخ لم يبدأ بالأخوين لوميير. كما سبق وذكرت، ربما أكثر من مرّة، أنجز (الفرنسي أيضاً) لويس أيمي أوغوستين لو برينس (المولود في مدينة متز الفرنسية في الثامن والعشرين من العام 1841) سنة 1888 أول فيلم متحرك مصوّر على شريط بكاميرا واحدة. هذا ليس رأياً لكي يناهض بل حقيقة. ففي ذلك العام أنجز فيلمين هما «مشهد من غراوندهاي غاردن Roundhay Garden Scene (الذي لا يزال متوفّراً لمتفحصي الإنترنت و«لاعب الأكورديون»  Accordion Player. صوّرهما في مدينة ليدز البريطانية لأنه انتقل للعيش فيها من بعد زواجه من إمرأة من هناك.
هذان الفيلمان يصلحان ليكونا بداية السينما لأنهما الجذور الفعلية الأولى لما زالت السينما تقوم عليه: كاميرا وفيلم أو كاميرا ودجيتال.
الأكثر من ذلك هو التالي: حتى ولو وافقنا على إعتماد السينما التجارية كبداية لهذا التاريخ وإلغاء جهود ونتاجات لويس لو برينس هذه، فإن عرض الأخوين لوميير الذي تم في 28 كانون الأول/ ديسمبر من 1895 سبقه، وبتاريخ 1895/11/1 قيام الأخوين الألمانيين إميل وماكس سكلادانوفسكي بعرض ثماني أفلام لجمهور دفع لدخول العروض. 

في ذلك التاريخ أنجز الأخوين دزينة من الأفلام عرضا منها ثمانية. لا تشير المراجع أي من هذه الأفلام الإثنا عشر هي التي إختيرت للعرض. لكن التاريخ حفظ الأفلام العشرة التي عرضها الأخوين لوميير بعد شهرين وهي:
«الخروج من مصنع لوميير في ليون» (المعروف بـ «خروج العمال من المصنع»): تسجيلي تم تصويره مركّباً، بمعنى أنه تم إعادة تصوير مشهد خروج العمال من بوابة المصنع أكثر من مرّة ما يعني أنه أن الفيلم هو تسجيلي من حيث أنه ليس روائياً، لكنه مركّـب بحيث أنه ليس «طبيعياً».
«الحدائقي»: فيه حكاية: جنائني يسقي الزرع. يقوم صبي بوضع قدمه فوق الخرطوم. ينقطع الماء. ينظر الحدائقي في الخرطوم. يرفع الصبي قدمه. ينطلق الماء في وجه الحدائقي. هذا هو- بالتالي- فيلم كوميدي وربما الأول.
الأفلام الأخرى كانت كلها من النوع التسجيلي: «صيد غولدفيش» و«ركاب حصان خدعة» و«الحدّادون» و«البحر» (أو «التحمم في البحر») و«ساحة كوردلييه في ليون» و«القفز في البطانية» و«وجبة الطفل».
لا أحاول سرد تاريخ السينما، بل تاريخ الأفلام، لذلك ليس هنا مجال للحديث عن كيف تطوّر العمل السينمائي الا من خلال ما يمكن قراءته في هذا الإستعراض. 
من هنا، فإن الفكرة من وراء السينما كانت، حتى ذلك الحين، تسجيل حركة ما وذلك في أغلب ما تم تحقيقه من أفلام من العام 1888 وحتى نهاية العقد التالي (أي 1899). لماذا؟
في المقام الأول، كان الناس اعتادوا على فكرة التصوير الفوتوغرافي الثابت: أنت أمام الكاميرا. لقطة. صورتك مطبوعة. أو إن لم تكن أنت في الصورة فسواك. أو منظر ما. المفهوم انتقل إلى الفيلم المتحرك مع تعديل: الكاميرا السينمائية لديها القدرة على توسيع هامش المعروض فإذا هو غير شخصي إذا أريد له أن لا يكون. خروج عمال مصنع لوميير، أو وصول قطار ما إلى المحطّـة يعرض جزءاً من الحياة ما يجعل المشاهد يتابع ما لم يحضره (على عكس الصورة الفوتوغرافية في ذلك الحين). والحركة مهمّـة ومثيرة (الجمهور اختبأ حين تم تصوير قطار قادم صوبهم، أي صوب الكاميرا).
خروج العمال من مصنع لوميير

لكن «الحدائقي» إستثناء مبكر لرواية. كذلك فيلم «القبلة» (1896) للأميركي وليام هايز الذي سجّل فيه أول قبلة في السينما وتمّت بين ممثلين هما المسرحية ماي إروين وموظّـف في شركة توماس أديسون (منتجة الفيلم) أسمه جون س. رايس.
«دون جوان تينوريو» (1898) هو فيلم آخر من تلك الإستثناءات. في واقع الأمر هو أوّل فيلم مكسيكي بُـني على قصّـة مأخوذة عن مسرحية للأسباني جوزي زوريللا كما أخرجها سلفادور توسكانو التي أعيد إقتباسها أكثر من عشر مرّات بينها ثلاث مرّات صامتة أخرى. على ذلك فإن الكم الأكبر من الأفلام كانت لا تزال عبارة عن تصوير ذي صبغة تسجيلية.

في الحلقة المقبلة: خطأ تاريخي آخر وحقبة جديدة.


 مخرج وأفلامه|  مايكلأنجلو أنطونيوني    

|*|  رحيل مايكلأنجلو أنطونيوني قبل 7 أعوام  (بتاريـخ 
2007/7/30 تحديداً) لا يجب أن يمر كما لو أن المــخرج
لم يكن. إنها مناسبة لإثارة النقاش والحديث عنه وعـن
سينماه. في هذه النظرة نرصد ثلاثيّته المعروفة التــي
تناولت- كفيلمه الأشهر «العابر» مسألة الحضور مقابـل
الغياب والعزلة على خلفية مساحات فراغ محسوبة |*| 
جاك نيكولسون في «العابر»

مفاد فيلم مايكلأنجلو «المهنة: مراسل» Profession: Reporter  أو «العابر» The Passenger (كما سُـمّـي أيضاً حين تم إطلاقه سنة 1975) هو التواجد مقابل اللاوجود.  التفسير المباشر والمبسّط هو أن للتواجد حضور بدني وللوجود حضور ذهني أو فكري أو ميتافيزيقي. الراحلون الإعزاء عنا موجودون في الذاكرة، في الصور، في الكتب وغير قادرين على التواجد فعلياً لجانبنا. المتواجدون هم أصحاب الحضور الفعلي وكونهم كذلك يجعلهم فاعلين في الزمن والمكان اللذان يعيشانه. 
على نحو فلسفي أعمق نجده في كتابات جان-بول سارتر وموريس بلانشو من بين بضعة آخرين، الحضور الذاتي متوقّـف على صفة «الكينونة» Being. لدى سارتر تتعدد شخصيات الفرد الواحد نتيجة رغباته في أن يكون الآخر (وأحياناً تلبية لرغبة المجتمع أو الآخرين) فإذا به أكثر من شخصية. عند بلانشو فإن الحالة هي أن وصول المرء إلى أن يكون موجوداً بالجسد (التواجد) لكنه ليس موجوداً كـ «كيان»
سواء إذا اكتفينا بالمدلول المبسّـط أو ذهبنا إلى ما ورائه (وما ذكرته ليس سوى قشرة على السطح) فإن «العابر» يحمل حكاية تتجسد ضمن هذا المفاد.

أنظر إلى توليفة الفيلم كما اشترك في وضعها أربعة عن قصّة لمارك ببلو وهم ببلو وبيتر وولن وميغويل دي إيكاري ومايكلأنجلو أنطونيوني: صحافي بإسم ديفيد لوك (جاك نيكولسون) يبحث عن حرب في الصحراء الأفريقية لينقل أحداثها إلى صحيفته. لكنه يخفق في مهمّـته. حين يعود إلى الفندق المتواضع الذي حل فيه ليكتشف أن الأوروبي الآخر النازل في الفندق (بإسم روبرتسون ويقوم به ممثل شبيه إلى حد أسمه تشاك مولفيل) مات. يخطر له أن يستبدل هويّته بهوية الميّت. سيرتكب الموت من دون أن يقتل نفسه أو الآخر لكنه سيبقى على قيد الحياة في الوقت ذاته.
سيتخلّـى عن حضوره وينتقل إلى شخص آخر قد مات، أو- على الأقل- سيحاول. باقي الفيلم عن محاولاته الهرب من زوجته ومن البوليس الذي اكتشف حقيقة هويّـته. بذلك مسعى ديفيد لوك للخروج من حالته ودخول حالة أخرى، وللهرب من وجوده إلى وجود آخر يخفق في النهاية. وما يفشلها هي أن الفكرة الفلسفية لمثل هذا الرحيل تبقى في أفضل حالاتها فكرة لا يمكن تطبيقها عبر هذه الشروط أو الظروف، وواحد من هذه الظروف هو الإرتباطات السابقة لقرار الرحيل والإنتقال ما بين الحضورين البدني والذهني. ديفيد يقول للفتاة (ماريا شنايدر) التي تقرر أن تصاحبه في مغامرته حين تسأله إذا ما كانت لديه مسؤوليات حيال أحد بأن لديه «بعضاً منها». هذا البعض متمثّل بزوجته (جيني روناركر) وهو كان كافياً لمنعه من مواصلة الهروب إلى الأمام عندما أبلغت السلطات البرتغالية (في النصف الثاني من الفيلم) أنها تعتقد أن من وُجدت جثّـته ليس زوجها، بالتالي لابد أن زوجها لا زال حيّاً.
ما الذي يحدث حين يخفق ديفيد الهروب من واقعه إلى خياله؟ ما الذي يحدث عندما لا يستطيع أن يشكّـل في ذلك الخيال كياناً جديداً كما يريد؟ لا يبقى أمامه سوى قطع الطريق الأخير: الموت، وهو يفعل ذلك في نهاية الفيلم.

الثلاثية
هذا الفيلم ليس وحيد أعمال أنطونيوني التي تتلاطم فيها الرغبات في ترك الواقع والإنتقال إلى رحاب الخيال. غموض المرأة في «المغامرة» (1960) و«الخسوف» (1962) و«الصحراء الحمراء» (1964) هو جزء من هذا العالم المشاد على صرح من الخيال مدعوماً بالأكاذيب. الحال كذلك في «تكبير» Blow-Up (الصحافي الباحث عن حقيقة إمرأة- 1966) و«نقطة زابريسكي» (1970) حين يحلم البطل بأن العالم من حوله قد يمكن أن يكون أفضل حالاً من الواقع. مرّة أخرى إلى الحديث عن المرأة الغامضة في «هوية إمرأة» (1982) ثم إلى كل ذلك الوضع المعاش المتسرّب بين أصابع الحقيقة في «خلف السحب» (1975) فإذا بنا نجد أن أهم ما حققه أنطونيوني من أفلام إنما دار حول الحضور في الواقع والحضور في الخيال وكيف أن كلاهما وجهان لوضع كاذب. لا الأول يحمل صدقاً إنسانياً ولا الثاني يقدر على حل مشاكل الفرد الوجودية لأنه ليس واقعي.

هذا الكذب مصوّر في أكثر من شكل. في «العابر» يعترف ديفيد بأنه ترك رئيس الجمهورية الأفريقي يتحدّث على هواه واثقاً من كذبه. تسأله الزوجة لمَ لمْ يتدخل لكشف ذلك فيقول أن المجتمع مقيّد لقواعد لا يمكن الخلاص منها. 
على الرغم من إختلاف «العابر» عن أعمال أنطونيوني الأخرى، من حيث الحكاية والتكوين الدرامي لما يرد، إلا أنه ملتحق بها جميعاً بهمومه الإجتماعية حول الإغتراب والحضور وغيابه. هذا المفاد ورد في ثلاثية أنطونيوني التي وردت تباعاً سنة 1960 و1961 و1962 مشكّلة ثلاثية عن  الوحدة والعزلة والحضور والغياب.
«المغامرة» هو فيلم أنطونيوني الأهم بين أعماله الروائية الأولى. الفيلم الذي وضعه على الخارطة الدولية حالما فاز بجائزة لجنة التحكيم الخاصّة بمهرجان «كان» الدولي. يفتح على آنا (ليا ماساري) وخطيبها ساندرو (غابريال فرزتّـي) يمارسان الحب بلا شهوة. لا هي سعيدة ولا هو موجود معها. بعد ذلك، وخلال رحلة بحرية، تختفي تماماً. هل غرقت؟ هل آثرت الإختفاء والإبتعاد؟ هل كانت في الأصل موجودة؟ صديقها وصديقتها المقرّبة كلاوديا (مونيكا فيتي) يواصلان البحث عنها بحراً ثم برّاً لكنهما يرتبطان أيضاً بعلاقة تحمل الشعور بالذنب باديء الأمر. وسوف لن يجداها. علاقتهما ليست أفضل حالاً بكثير من علاقة ساندرو بآنا. لا يزال بارداً ومنعزلاً وقت ما هو مطلوب منه أن يكون حاضراً. بالنسبة لكلاوديا العلاقة تذكرتها للتقرّب من عالم الثراء والطبقة التي لا تعمل. المخرج يترك المسألة عالقة حيال ما إذا كان المشاهد سيلوم هذا الطرف أم ذاك أم كل الأطراف.
يلتقي «المغامرة» مع «العابر» من باب خلفي لم يحظ بالكثير من التعليق حتى الآن: آنا تختفي، كما ذكرت، لا تعد في الصورة. تنتقل، مثل ديفيد، من التواجد إلى اللاوجود. الفارق أننا نرى عملية الإنتقال مع ديفيد، بينما تختفي آنا سريعاً ومن دون تفسير. الفيلم يمضي بعيداً عنها لكنها تبقى في حاضره. المشاهد يتساءل ما حل بها ليس لأن الفيلم لغزاً بوليسياً، بل لأنه لغز وجداني. كذلك هناك لقاء آخر بين الفيلمين: أماكن التصوير مقفرة وليست، ظاهرياً، جميلة. هنا جزء من الأحداث يقع في البحر وجزء آخر فوق صخور الشاطيء. المكان يعكس عند أنطونيوني في عدد من أفلامه حالة البطل النفسية والوجودية. يؤكد ذلك «العابر» المنطلق في الصحراء مطلع الفيلم والمنتهي في منعزل صحراوي آخر تشمله الكاميرا بنظرة بانورامية قاحلة. 

في العام التالي لخروج «المغامرة» بجائزة لجنة التحكيم الخاصّة، أي العام 1961، قام أنطونيوني بتجربة أخرى في مجال البحث الإنساني على خلفية البيئة العاطفية والوجدانية. الفيلم هو «الليل». كثيرون هم من يجدونه أبطأ أعماله، ومثلهم من يجده على غير سوية من أفلامه الأخرى. لكن «الليل» فيلم ذكي الأبعاد بمشكلة تتسبب في هوانه: يماثل الحياة الخالية من الحب والحيوية التي ينقلها. قصّـة زوجين (جان مورو ومارشيللو ماستروياني) متبرّمين من بعضهما البعض، علاقتهما باتت على الورق، كزوج وزوجة يعيشان بحثاً عن جديد لا يقع. هو كاتب روائي معروف وهي بلا هوية خاصّة بها. كلاهما يعاني من نفسه ومن الآخر. حين يحاولان ممارسة الحب يفشلان. الممارسة هي العلاقة الوحيدة التي كانت لا تزال محتملة بينهما وها هي تتسرب من بين أصابعهما. لكن جيوفاني ليس خال من الشهوة وها هو يبحث عنها في شخص فتاة تصغره سنّاً (إبنة الملياردير الذي سيعيّـنه موظّـفاً). بعد حفلة تنتهي عند الفجر تقترح الزوجة على زوجها السير في الحديقة العامّة وهناك تعطيه رسالة كان كتبها لها أيام الحب الأولى تفوح عاطفة وغراماً. نتيجة الرسالة أن يكتشف ما لم يستطع إكتشافه من قبل: خلو حياته من الحب. هناك يمارسان الحب ربما مع أمل بأن يبقى هذه المرّة حاضراً بينهما.

يبدأ فيلم أنطونيوني التالي، «خسوف» (1962) بسلسلة من المشاهد الصباحية المبكرة. اللقطة الأولى لأشجار ضخمة وإذ تتحرك الكاميرا إلى اليمين يدخل في الكادر رأس مونيكا فيتي من الخلف. سوف لن يستغل المخرج الفرصة ليتابعها أو ينشغل بها، بل سيتركها لجولته من الصور شبه الثابتة للشوارع المقفرة من السيارات بإستثناء قليل جدّاً منها، ومن المارة والناس الا حين يختار بضعة وجوه يبدو عليها الإنتظار وإمرأة تدفع أمامها عربة طفلها. 
عند النهاية يعود إلى حالة العرض ذاتها: حي مقفر يُراد منه الرمز إلى روما مقفرة، وإلى حياة مقفرة. الحي بحد ذاته نظيف وشوارعه عريضة، لكنه يبدو كما لو كان مؤلّـف من مباني خالية. حين يبدأ أنطونيوني سرد حكايته يعود إلى فيتوريا (مونيكا فيتي) التي تنفصل عن صديقها ريكاردو (فرنشسكو رابال) بعد أربع سنوات. تنتقل للعيش مع أمّـها السعيدة بمكاسبها من سوق البورصة وتلتقي بالمضارب الشاب بييرو (ألان ديلون) وتصادقه، لكنه لا يمثّـل لها أيضاً ما تبحث عنه. بحث أنطونيوني هنا نفسي وذاتي وعاطفي ومساحاته المذكورة أعلاه مع مطلع الفيلم ونهايته تتوالد خلال الفيلم وتعني شيئاً واحداً: الإغتراب عن المحيط وعزلة بطلته عن محيطها الإجتماعي. 

تحقيق | وراء كل دور شرير نجمة جميلة

|*|  ممثلات الأدوار الإيجابية يواصلن إختبار فرص إستبدال
الوجوه الوديعة والمحبّـة بأخرى شريرة ومخيفة |*|
أنجلينا جولي كما بدت في «ألكسندر»

أنهت الممثلة تشارليز ثيرون تصوير دورها في فيلم جديد مأخوذ عن مسلسل قديم هو «ماد ماكس». الفيلم بعنوان «ماد ماكس: طريق الهيجان» وبطولته الرجالية لتوم هاردي ونيكولاس هولت، بينما تنفرد ثيرون بالبطولة النسائية.
والحكاية ملفوفة برداء من السريّـة حتى الآن، لكن بعض المتسرّب من صحراء ناميبيا الأفريقية هو أن الممثلة التي ربحت الأوسكار والغولدن غلوبب سنة  2004 عن دورها في «وحوش»، تلعب شخصية مقاتلة عنيفة في عالم مستقبلي لن يعرف سوى العنف وسيلة حياة. 
هذا بالطبع ليس المرّة الأولى التي تؤدي ثيرون دوراً من هذا النوع، أو- بالهامش العريض للكلمة- دوراً شريراً. لقد رأيناها تفعل ذلك، وعلى التوالي، منذ دورها ذاك في «وحوش» حين لعبت دور إمرأة قاتلة مسلسلة تنتقل من مهنة البغاء لمهنة سرقة وقتل من يقع في فخها. بعده، سنة 2009، مثّلت دوراً صغيراً في فيلم عنوانه «الطريق» (يقع في مستقبل غير واعد كحال «ماد ماكس») حيث ظهرت كإمرأة مستعدة لقتل أيا كان دفاعاً عن حياتها. طبعاً بدا ذلك مبرراً بعض الشيء وذلك على عكس دورها في «سنو وايت والصيّاد» حيث الشر شامل والطبيعة البشرية القاسية من بين مزايا شخصيّتها. الحال تقريباً نفسه في فيلمها اللاحق «برومثيوس» (كلاهما من إنتاج 2012)، الفيلم الخيالي- العلمي للمخرج ريدلي سكوت الذي مثّلت فيه شخصية مديرة الطاقم الفضائي المهدد بالخطر حال حطّـت سفينته على ظهر كوكب بعيد.

إمرأة ذات أطماع
إنها ممثلة بارعة والتعابير التي ترسمها الممثلة تشارليز ثيرون على محياها وهي توزّع الأوامر على طاقم السفينة في فيلم ريدلي سكوت «برومثيوس» هي ذاتها التي تستخدمها في تأدية دور الملكة الشريرة في «سنو وايت والصيّاد» وذلك لأن الشخصيّتين محدودتي المعالم وأهم تلك المعالم هي جنوحهما إلى المصلحة الذاتية وحدها. ففي نهاية الأمر هي مالكة قرارها، او كما تقول في «برومثيوس» "هذه سفينتي" وغايتها في «سنو وايت» قتل الفتاة التي تهدد عرشها وفي «برمثيوس» البقاء حيّـة حتى ولو ضحّـت بالجميع.
نيكول كدمان

في سينما اليوم، ثيرون ليست استثناءاً، بل شهدنا في السنوات القليلة الماضية المزيد من الممثلات الرئيسيات يؤدين الأدوار الشريرة على عكس ما كان الحال من قبل. وكما لعبت تشارليز ثيرون دور المرأة ذات الأطماع المميتة في «سنو وايت والصيّـاد»، رأينا جولي روبرتس تؤدي الدور نفسه في نسخة أخرى تم إطلاقها في ذلك العام (2012)  من الحكاية ذاتها بعنوان «مرآة مرآة». روبرتس هي أيضاً الملكة الشريرة التي تود القضاء على الفتاة البريئة لأنها لا تريد أن تخسر مكانتها لا كأجمل إمرأة في العالم ولا كملكة حاكمة بأمرها.
ولو كان الأمر وقفاً على ثيرون وروبرتس لما شكّـل ذلك الا أهمية محدودة، لكن بمراجعة الأفلام الفانتازية والتاريخية في السنوات الأخيرة، فإن المرأة الأقوى في غالبية هذه الأفلام كانت ملكة او أميرة او وصيّـة عهد او أم لملك شريرة.
في «ألكسندر» (2004) أنجلينا جولي قبضت على قرارات إبنها ألإسكندر العظيم (كولين فارِل) بإحكام وطوّعته  كشرط لتوريثه الحكم والبقاء في مكانتها كأم القائد الإغريقي المهيب. في سبيل ذلك،  قامت بحياكة مؤامرات إنشغل بها النصف الأول في هذا الفيلم الذي تعثرت فيه خطوات المخرج أوليڤر ستون.
ومثلها في عالم أكثر فانتازية هيلينا بونام كارتر حينما منحها زوجها المخرج تيم بيرتون دوراً رئيسياً في فيلم «أليس في أرض العجائب» هو دور "الملكة الحمراء" القاسية والتي يخشى بطشها الجميع. كذلك كانت الشريرة في فيلم زوجها الآخر «سويني تود» (2007) وفي الأفلام الأخيرة من سلسلة «هاري بوتر» التي انتهت آخر حلقاتها في العام الماضي أيضاً.
كذلك الحال مع راتشل فايز (كما تفضل أن ينطق الجميع أسمها) التي ظهرت قبل أشهر ليست بالبعيدة في دور الساحرة الخبية في فيلم «أوز العظيم والقوي»

الشريرة في المقدّمة
والمستقبل لا يختلف كثيراً في هذا الإتجاه. فإلى جانب فيلم تشارليز ثيرون المغامراتي المقبل، هناك أنجلينا جولي التي إنتهت من تمثيل  «ماليفسنت» المأخوذ أيضاً عن فانتازيا أسطورية ظهرت كتباً للصغار مقتبس عن الرواية الفانتازية (التي كانت يوما ما بريئة) «جمال نائم» وإذا ما كانت الأفلام التي تم تحقيقها عن رواية الفرنسي شارل بيرو الشهيرة تلك، وضعت تلك الفتاة الصغيرة في قلب الحدث (تؤديها في الفيلم الجديد الصبية إيلي فانينغ) الا أن النيّة في الفيلم الجديد هو جعل عدوّة الجميلة النائمة، وأسمها ماليفيسنت، تستحوذ على الموضوع والفيلم، في حين ستتحوّل الأميرة أورورا، التي حكم عليها بالنوم تخلّـصاً منها والتي ستقوم بدورها إيلي فانينغ، إلى الصف المساند في الموضوع.
ثمّة سبب جوهري يغفل عنه معظم المراقبين يقف وراء إنتشار هذه الظاهرة: لقد تم اختزال الحاجة إلى ممثلات أدوار الشر المتخصصات في مقابل منح هذه الأدوار إلى نجمات السينما لأجل زيادة إحتمالات الجذب الجماهيري. ففي السنوات الممتدة من عمق تاريخ السينما إلى الثمانينات والتسعينات، كانت هناك ممثلات معيّنـات تعهد إليهن مثل هذه الأدوار (مرسيدس مكبريدج، مرغريت هاملتون، آن سافاج، جان غرير وسواهن) لكن هوليوود وجدت أنها تستطيع إستثمار شهرة ممثلاتها في إطار آخر خصوصاً بعد النجاح الذي حصدته ميشيل فايفر في دورين من هذا النوع: "علاقات خطرة» (1988) و«عودة باتمان» (1992).



All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2013


Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular