أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Jun 16, 2013

Comics: Superpower is the solution? | "The Before..." trilogy: A real romantic serial | Script Writing: The Beginning and the ِEnd

  Year 6 | Issue 807
الغلاف 
سوبرمان الجديد يطير… لكن الفيلم ينط!

الفيلم الجديد «رجل من فولاذ» من إنتاج كرستيان نولان (المعروف بثلاثية «باتمان») ومن إخراج زاك سنايدر. الناقد سكوت فونداس (عُـين حديثاً كرئيس نقاد مجلة ڤاراياتي) وصف الفيلم بأنه "بلا مرح ومضج بعناد، صوتاً وصورة
أما هذا الناقد فكتب في صحيفة«الشرق الأوسط»: "الفيلم هو حركة بلا بركة. مشاهد مغالى في فبركتها التقنية ولا تحمل أي روح أو فن. يطير وهماً لكن الفيلم من الثقل بحيث لا يستطيع سوى النط!" [تحليل كامل يوم الثلاثاء على Film Reader] 


سينما الكوميكس
الواقع والسوبرهيرو: القوّة هي الحل؟ 

مارلون براندو كان رجل البوليس في بلدة صغيرة في ولاية تكساس في أحداث فيلم «المطاردة» The Chase سجن رجلاً أسود البشرة حتى يبقيه بعيداً عن ملاحقة بعض أعيان البلدة البيض الذي يريدون استنطاقه عن مكان وجود رجل أبيض هرب من السجن (روبرت ردفورد) وهو عائد الآن إلى البلدة ليلتقي بحبيبته. ليس أن هؤلاء الرجال معنيين بالقانون أكثر من الشريف كولدر (براندو) لكنها طريقتهم في ممارسة نفاق إجتماعي يكشفه الفيلم في أكثر من ناحية.
يعترض الشريف كولدر طريق هؤلاء فيوسعونه ضرباً. يسقط مضجّراً بدمائه بينما ينطلق الرجال (ثلاثة) إلى الزنزانة ويحصلون على إعتراف الشاهد المسكين تحت الضرب.
هذه هي النسخة الواقعية مما حدث على الشاشة
في نسخة غير واقعية، كان على التالي أن يحدث: يقتحم الرجال مكتب الشريف ويطالبونه بالسماح لهم بإستنطاق الشاهد. يعارض. يهاجمونه لكنه يتغلّب عليهم. ينتهي أمرهم. 
أي نسخة تفضّـل؟ من السهل أن تجيب إذا لم تكن شاهدت الفيلم. لكن إذا ما كنت شاهدت «المطاردة» (1966) فإنك أمام جواب صعب: هل تريد أن يعكس الفيلم الواقع لإيصال رسالة إجتماعية أم تريده أن لا يعكس الواقع لإيصال ترفيه كبير؟
في «سوبرمان 2» [رتشارد ليستر- 1980] يشعر سوبرمان بالضعف. ينهزم أمام عدوّه لكس لوثر (جين هاكمن). يتحفّـز المشاهدون للوقت الذي يدركون لا محال آت: سوف يسترد سوبرمان قوّته وينتصر على عدوّه. هذا وعد الفيلم لهم والفيلم لا يستطيع الحياد عنه.
في سوبرمان الجديد، المتسلل تحت عنوان «رجل من الفولاذ» ليس مسموحاً لسوبرمان أن يرجع خطوة. ما البال بالهزيمة؟ الفيلم مبني على شحن الفكرة الفاشية للرجل القادر على صنع كل شيء بقوّة ممنوحة إليه من السماء (طالع النقد قريباً). هناك جانب ديني مهم في هذا الشأن (أتركه للمقال التالي)، لكن المحور الذي أمامنا مركّب على أن سوبرمان مخلوق لا يُضاهى (وهذا مقبول من وجهة نظر مفهوم وجوده) لكنه عدائي وفاتك لا رحمة أو عاطفة في وجدانه، وإن كان هناك رحمة أو عاطفة فإنه لا وقت في الفيلم لدمجهما في شخصية ذلك الرجل كما فعلت الأجزاء الثلاث السابقة.
إنه السوبرهيرو… البطل الذي يتمتّـع بقوى خارقة تجعله الوحيد القادر على القيام بتحقيق عدالة ما على سطح الأرض أو على الأقل في محيطه. هركوليس لم يصل إلى الشواطيء الأميركية لكنه صنع حكايات خارقة في الربوع الأوروبية الجنوبية- الشرقية وصولاً إلى اليونان.  حاجة المشاهدين له لا تختلف عن حاجة المشاهدين لسوبرمان أو باتمان أو سواهما. لكن الحاصل أن هذا البطل الخارق بات مطيّة سياسية تنادي بالسيادة الكاملة على شؤون الحياة. ليس كل بطل يشترك في هذا التوجّـه لذلك يمكن تقسيم ما نراه من أفلام حديثة حول هذا الموضوع إلى نوعين: نوع ينتمي إليه «رجل من فولاذ» ونوع يرأسه «الفارس الأسود يصعد». الفارق الأساسي هو إذا ما كان البطل ينشد العدالة لنفسه أو للجميع. في «رجل من فولاذ» يبدو أنه يدافع عن أميركا ومن يعيش فوقها في الوقت الذي يدافع فيها عن نفسه… بات هو أميركا وإذا ما سقط هو سقطت أميركا. المفهوم ذاته للدكتاتور التقليدي (لنقل ماسوليني والقذافي). كلاهما وضع البلاد كما لو كانت تنتسب إليه وحده. 
«الفارس الداكن يصعد» من ناحية مقابلة، لا زال أكثر إنسانية وهو يسعى فعلاً لتحقيق العدالة للجميع. يُسيّـر قوّته في هذا السبيل. وهو- مثل «سوبرمان يخسر تلك القوّة لفترة ثم يستعيدها، لكنه في كل الأحوال يبقى مرتبطاً بالإنسان الذي في الشارع يدافع عنه ويعمل له.
على أن الأمور ليست على هذا النحو فقط. ماذا نقول في كل ذلك الصرح من البطولات الخارقة من «فلاش غوردون» في الثلاثينات وحتى «ايرون مان؟ علينا أن ندرك أوّلاً أن المضامين الإجتماعية ليست حكراً على الأبطال الخارقين للعادة، بل هي متوفّرة في بطولات أخرى. البطل في مفهومه الأساسي هو: شخص إنبرى لفعل أمر إيجابي لم يجرؤ عليه غيره أو لم يسع له سواه. البطل هو صياغة تبلور بديلاً لعجز القاريء (في الرواية) والمشاهد (في الفيلم) لإنجاز ما ينجزه ذلك البطل الخيالي. بما أن القاريء والمشاهد يعيش بخياله فإن البطل الخيالي هو واقعي بالنسبة إليه. يصبح كذلك لساعتي الفيلم أو أحياناً لما بعد فترة عرضه. 
Iron Man 3 

في كل دراما هناك بطل (وفي كل منا بطل ما لكن هذا موضوع آخر). الحاجة تدعو إليه حتى ولو كان الفيلم أبعد ما يكون عن تناول أعمال بطولية. «برسونا» لإنغمار برغمن غير القابل مطلقاً لصورة بطولية من أي نوع، هناك بطلة تواجه مأزق حياة مرتبط بتاريخها العاطفي وبتجربتها النفسية. حقيقة أن المخرج لا يحدد في النهاية إذا ما انتصرت على أزمتها أو لا، لا ينفي وجود تلك المواجهة.
لكن على صعيد مشابه، ذلك الأب الذي يزرع شجرة لإبنه في «التضحية» (1986) هو بطل بكل معنى الكلمة. سوف لن يستخدم عضلاته للبرهنة على شيء، بل إنسانيّته.
إنما على صعيد تقليدي، فإن البطولات الأكثر إنتشاراً هي التي تجعل البطولة مواكبة للقوّة البدنية. البطل فيها سوف لن يسمح لأحد أن يضربه، وإن ضربه فإنه سينتقم منه (مارلون براندو طلب- تبعاً لمنهج ستانيسلافسكي أن يُضرب فعلاً). المجتمع السائد سيطالبه بذلك لأن الأب دائماً ما يقول لإبنه: "إذا تعرّض لك أحد في المدرسة بالضرب أضربه- كن رجلاً ولا تكن رجرجاً!". يا لها من نصيحة. نعم عليك أن تدافع عن نفسك لكن أليست هناك من طريقة أفضل لأن يسود التساوي والوئام بين الجميع فلا يوجد من يضرِب أصلاً؟
سوبرمان الأول، سينمائياً، ظهر سنة 1951 و«باتمان» الأول ظهر سنة 1966. لكن قبلهما كان هناك «فلاش غوردون» و«رجال الحكومة الطائرين» و«زورو». أستطيع أن أضع لائحة بالعشرات، لكن ذلك لن يضيف إلا شرحاً لما تم قوله. ما هو لافت هو أن «فلاش غوردون» كان ضد العدو الخارجي الذي يريد إلحاق الأذى بأميركا، و«رجال الحكومة الطائرين» ضد عدو داخلي يريد إلحاق الأذى بالبلاد… لكن «زورو» كان عن الأسباني- الكاليفورني الذي سيدافع عن المظلومين ضد الحاكم الظالم. هذا بطل وذاك بطل والسينما تضع الإختيار بين يديك. أنت تختار مع أي رسالة سياسية تريد الوقوف وراءها ودعمها.
لكن على الفيلم أن يبقى واقعياً قدر المستطاع. لا أعني واقعية القدرات الفذّة للأبطال الخارقين من «وولفرين» إلى «ذ هالك» ومن «آيرون مان» إلى «سوبرمان» أو سواه، بل واقعية الرابط المتوخّـى بين الفيلم وبين جمهوره. فعندما قام فرانك بيكارد بإخراج «أبار، أول سوبرمان أسود» (1977) لم ينجز الفيلم أي نجاح
طبعاً رداءة تنفيذه هي سبب، لكن السبب الآخر هو أن «سوبرمان الأسود» لا يطلب من المشاهدين تصديق بطولات خارقة فقط، بل يطلب منهم تصديق أنه من الممكن لبيئة تحتاج إلى كل مقوّمات الحياة المتساوية (آنذاك على الأقل) تستطيع أن تصنع سوبرمانها.
في السنوات الخمسة عشر الأخيرة زاد عدد الأفلام التي تقدّم لنا أبطالاً خارقين للعادة. ما كان يُـنفّذ بصعوبة ظرفية (الأفلام الأولى) بات لا حدود له فعلى الكومبيوتر غرافيكس تستطيع أن تفعل ما تريد. ما على المشاهد أن يرصده في هذه الأفلام ليس كيف طار السوبرهيرو أو وقع، بل رسالته في الحياة: من هو؟ لماذا هو؟ من يحارب؟ لأي غرض؟ وهناك الكثير من الملاحظات التي ستظهر على سطح علاقتك بالفيلم. إنها البعد الرابع فعلاً. ربما ستنظر إلى الفيلم نظرة جديدة مختلفة، وربما ستخرج منه مستاءاً في حين أن سواك سيجده رائعاً، لكن إلمامك بطبيعة الشخصيات التي تقود بطولته هو ما خرجت به وإدراكك أين يقف الواحد منهم حيال الإنسان الآخر هو الأهم. 


مسلسل عاطفي

«قبل منتصف الليل» يكمل حكايات المشي والحكي
ومن الحب ما صنع أفلاماً جميلة

في العام 1995 قام المخرج الأميركي رتشارد لينكلتر بتقديم فيلم صغير عنوانه «قبل الشروق» أسند بطولته فيه إلى إيثان هوك وجولي دبلي. هو كاتب أميركي واعد أسمه جسي  وهي إمرأة فرنسية أسمها سيلين. كلاهما «غريبان في القطار» (نستعير هنا عنوان فيلم شهير لألفرد هيتشكوك) المنطلق من بودابست إلى فيينا والوقت يمضي وهما يتبادلان الحديث. مع وصولهما إلى فيينا، يقترح جسي أن تشاركه التجوال في المدينة إلى حين تقلع الطائرة به عائداً إلى بلاده. يقول لها: "ربما بعد عشر سنوات أو عشرين سنة ستستيقظين من زواج غير سعيد وتتساءلين كم كان الأمر سيختلف لو أنك التحقت برجل آخر". لكن جسي مفلس حالياً وعليه فإن كل ما يستطيعان القيام به هو السير في أرجاء المدينة والحديث طوال الليل لحين توجّهه إلى المطار فجراً.
بعد تسع سنوات يلتقي جسي وسيلين مرّة أخرى وفي فيلم آخر صُـمّم ليكون تكملة للفيلم السابق. بات عنوان الفيلم الثاني «قبل الغروب» ونجد جسي قد وضع رواية واحدة وهو حط في باريس لحضور حفلة توقيع  وها هي سيلين بين الموجودين، ترقبه مبتسمة. ينتبه لها ويتذكّرها. حال إنتهائه من توقيع النسخ يخرجان معاً في شوارع المدينة ويمشيان في أزقّتها وشوارعها ويستقلان مركبة تمضي بهما فوق مياه نهر السين كأي سائحين. الحديث هنا، في معظمه، هو كاشف عما حدث ما بين 1995 و2004 في حياة كل منهما. جسي يخبرها بأنه تزوّج ولديه صبي صغير وأنه يبحر تجاه الإكتفاء بالكتابة الروائية، وهي تخبره بأنها زارت أميركا وتعرّفت على صديق وانخرطت في مجال العمل دفاعاً عن البيئة. 
إذا كانت حوارات الفيلم الأول كشفاً للشخصيات في مرحلتها الآنية، فإن حوارات الفيلم الثاني جاءت كشفاً لخيبات أمل اعترضت كل منهما وتركته غير راض تماماً عن حياته الخاصّة. «قبل الغروب» إنتهى بسؤال واضح عما سيكون عليه مستقبلهما بعدما أشبعا ماضيهما وحاضرهما بحثاً.
الآن، وبعد تسع سنوات أخرى، يأتينا الجواب على ذلك السؤال. نلتقي بجسي وسيلين مرّة ثالثة في فيلم جديد للمخرج ذاته، لينكلتر، بعنوان «قبل منتصف الليل». هذه المرّة لا يتواعدان على لقاء بل هما زوجان قادمان معاً إلى اليونان حيث سيمضيان فترة إستراحة. وهما يصلان مع إبنتيهما التوأمين وإبنه من زوجته السابقة (التي لا نراها) التي نفهم أنها أصبحت مدمنة شرب. جسي وسيلين يبدوان سعيدين بحياتهما وفي أحد الحوارات يتعجّبان من كونهما صمدا معاً كل هذه السنوات.
الفيلم الجديد يكمل ولكن من غير المعروف بعد إذا ما كان سينهي قرابة عشرين سنة من متابعة المخرج لحياة شخصيّتين خياليّتين بأسلوب طبيعي يقترب من أسلوب سينما المؤلّفين الفرنسيين إن لم نقل يندمج بها. رتشارد لينكلتر هو إريك رومير وروبير بريسون مع تعديل. الممثلون الذين يقفون تحت إدارته هم في الواقع أكثر إثارة للمتابعة من أولئك الذين وضعهم رومير في بعض أفلامه أو بريسون في كل أفلامه (كون بريسون كان يصر على تجريد ممثليه من كل فعل تمثيل).

لعبة خيالية
كنوع كل واحد من أفلام لينكلتر الثلاثة، وعلاوة على كونه فيلم- مؤلف، هو قصّـة حب رومانسية أصبح ممكناً الآن تقسيمها إلى ثلاثة أجزاء كل جزء يتبع مرحلة معيّنة من حياة بطليه. والمعالجة الفنية مناطة  بكاميرا تلاحق من أمامها من زوايا مختلفة لتحيط بهما وهما يمشيان ويتكلّمان. هناك الكثير من المشي والكثير من الكلام، برنّة طبيعية وبحوار يبني الدراما كما قلّما يفعل حوار آخر في أي فيلم سابق.  وكان الإيراني عبّاس كياروستامي قبل أربع سنوات قدّم حكاية عنوانها «نسخة مصدّقة» من بطولة وليام شيمل وجولييت بينوش مسحوبة من حبكة الجزء الثاني من ثلاثية لينكلتر «قبل الغروب» على إعتبار أن «نسخة مصدّقة» يبدأ بحفل لكاتب في جولة ترويج (كما كان حال جسي في الفيلم الآخر) يتعرّف على فرنسية تعيش في مقاطعة توسكاني ويمضيان الوقت بعد ذلك في أحاديث طويلة. كما في «قبل الغروب» هناك تقمّـص لحالة غير واقعة بينهما ضمن لعبة تخيّـل ثم هناك بالطبع الكثير من مشاهد «الحكي والمشي» المتوفّرة، ولو أن كياروستامي يستعمل «الحكي وقيادة السيارة أيضاً».
لكن على عكس لينكلتر، فإن كياروستامي زبون دائم لمهرجان «كان» (حقيقة أن أفلام كياروستامي تنال أكثر مما تستحق من إعجاب نقدي غربي وعربي هو أمر آخر).
ولا أحد يعرف تماماً كيف بقي رتشارد لينكلتر بعيداً عن «كان» بأعماله تلك. فالمرّة الوحيدة التي أمّ بها لينكلتر «كان» وقعت سنة 2006 عندما قدّم فيلمين معاً، فعرض داخل المسابقة «أمة الطعام السريع» وعرض خارجها فيلم «سكانر داركلي». الأول تسجيلي حول مطاعم الأكل السريع ومضاره والثاني أنيماشن مبتكر (تم تصويره بممثلين ثم تحويل الممثلين إلى أنيماشن على غرار فيلم سابق له بعنوان «حياة يقظة» سنة 2001).
هذان الفيلمان يمثلان كل ما عند المخرج من علاقة مع المهرجان الفرنسي ما يُثير السؤال حول السبب خصوصاً وأن مكانة لينكلتر الفنية، كمخرج أميركي مستقل،  لا تقل قيمة عن علاقة مخرجين أميركيين مستقلّين آخرين يعرضون في «كان» أعمالهم جميعاً ومنهم جيم يارموش وديفيد لينش وستيفن سودربيرغ.
ورد لينكلتر في العام 1988 عندما أخرج أول أعماله «من المستحيل أن تحصد وقتما تقرأ» الذي كان أشبه برسالة تقديم تكلّفت ثلاثة آلاف دولار لإنتاجها. بعده انتظر لينكلتر ثلاث سنوات قبل أن يقدّم فيلماً أكبر من سابقه بعنوان «كسول» وبعد عامين حقق أول أعماله التي نالت رواجاً طيّباً وصيتاً أطيب وهو «دائخ ومشوّش». في كل هذه الأفلام تعامل مع شخصيات مرمية على جوانب مجتمعاتها وبيئاتها المختلفة. لا حكايات كبيرة ولا شخصيات تختلف عن الواقع، لكن مع معايشة طبيعية للمواقف تبلورت لاحقاً- ومن هذا الفيلم الثالث- لتصبح أسلوب عمل.
إنه بعد هذا الفيلم تحديداً حقق أول أعماله في تلك الثلاثية «قبل الشروق» ثم أنجز «ضواحي» عن حياة الشبان المراهقين أمام مناسبات تحوّلهم إلى الرجولة. في كل أعماله سعى لأن يعكس رؤيته للحياة والناس والفن تماماً كما هو المطلوب والمتوقع منه كفنان. على ذلك، فإن نصيبه من الجوائز الرئيسية لا زال محدوداً: فضّية من برلين عن «قبل الشروق» وجائزتين ثانويتين من مهرجان فينيسيا.




All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2013

No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system