Jun 22, 2013

كيف توقفت هوليوود عن القلق وأحبّت القنبلة | الجزء الثاني من تجربة جون بورمان في هوليوود


Year 6 | Issue 808
الغلاف
رغوة في إفتتاح كارلوڤي ڤاري


«رغوة الأيام» (L'écume des jours) سيفتتح مهرجان كارلوڤي ڤاري في دورته الثامنة والأربعين التي ستنطلق في الثامن والعشرين من الشهر الجاري. الفيلم من إخراج الفرنسي ميشيل غوندري وبطولة أودري توتو ورومان دوري وعمر ساي ومقتبس عن رواية بوريس فيان حول إمرأة حامل بنبتة «الليلي». يحتوي المهرجان على 184 ويستمر حتى السادس من الشهر المقبل.


تحقيق | كيف توقفت هوليوود عن القلق وأحبت القنبلة
Dr. Strangelove or How I Learned to Stop Worrying and Love the Bomb

عندما قام المخرج الراحل ستانلي كوبريك بتحقيق «دكتور سترانجلف: أو كيف توقفت عن الخوف وأحببت القنبلة» سنة 1964 لم يكن يعلم أن الخوف من القنبلة (النووية في هذا الفيلم) سوف يبقى ماثلاً أكثر مما كان عليه في أي وقت مضى لدى جميع الأمم والشعوب. لم يكن فيلم كوبريك المازج بين الخوف والسخرية هو أول فيلم تناول هذا الموضوع. قبله، وبإستثناء أفلام قصيرة استخدمت في الخمسينات كوسائل إرشاد حول كيف يمكن تجنّـب آثار قنبلة نووية روسية تتلقاها أميركا، كان هناك فيلم صغير من شركة كولومبيا عنوانه «الخمسة» أخرجه آرك أوبولر العام 1951 حول خمسة ناجين وحيدين بعد كارثة نووية هم موظف مصرف، ورجل أسود وإمرأة بيضاء حامل ونازي محافظ وشاعر شاب. ثم هناك أيضاً «ذعر في السنة صفر» أنتجته أميركان إنترناشنال بيكتشرز سنة 1962 من بطولة وإخراج راي ميلاد حول عائلة من أربعة تعيش في لوس أنجيليس وهي، أيضاً، الوحيدة التي تبقى حيّـة عندما غادرت المدينة في فسحة قبل دمارها.
ما جعل فيلم كوبريك في وقت واحد مختلفاً وذا وقع أشد هو أنه ترك من يعيش ومن يموت كمسألة غير مبتوتة. جنرال أميركي مهووس (سترلنغ هايدن) يأمر بإرسال طائرة تحمل القنبلة الذرية (كما كان آنذاك) لإلقائها فوق موسكو. وبمجرد صدور الأمر ليس هناك من قدرة على إسترجاع الطائرة حتى ولو جاء الأمر من الرئيس الأميركي نفسه (بيتر سلرز) الذي يستمع إلى خبرة عالم مقعد أسمه دكتور سترانجلف (سلرز في دور ثان) في الوقت الذي يسعى فيه كابتن بريطاني (بيتر سلرز أيضاً) لفهم ما حدث بزيارة الجنرال الذي أصدر الأمر بإلقاء القنبلة. حين تغادر القنبلة الضخمة باطن الطائرة وعليها ممثل أفلام الوسترن سليم بيكنز (في إيحاء لا مفر به يقصد السخرية من الكاوبوي الأميركي) يدرك الجميع أن موسكو ستباد لكن هذا المصير هو أيضاً ما سينتظر واشنطن.

أسئلة فلسطينية- إسرائيلية
طبعاً في الواقع لا زالت العاصمة الروسية والعاصمة الأميركية سالمتان تتجاذبان اللعب السياسي 365 يوم في السنة، كل سنة. لكن الأفلام التي تحذّر من القنبلة أو تتمحور حولها تكاثرت. من ناحية، تطوّرت القنبلة  وأصبحت نووية أشد فتكاً من ذي قبل وبالتالي أشد داعياً لصنع فيلم تشويقي حولها، ومن ناحية أخرى لأن هوليوود عرفت كيف تتخلص من حذرها وتقبل على الأفلام التي تتعامل ومختلف أنواع وأحجام المتفجّرات. لم يعد ذلك وارداً بإعتذار من الجمهور كون الأفلام باتت تلعب بالقنبلة (من الحزام الناسف إلى الإنفجار النووي) كما لو أنها سكين مطبخ. 
The Hurt Locker

إنها في فيلم زياد الدويري الجديد «الهجوم» الذي افتتح في الأسبوع الماضي في الولايات المتحدة (بعد أقل من عام على عرضه في مهرجان توليارايد هناك) ضمن إعجاب نقدي أميركي غالب. في الفيلم يكتشف الجراح الفلسطيني الذي يتمتع برضى أهل المهنة في تل أبيب أمين (على سليمان) بأن زوجته (ريمون أم سالم) كانت من فجّرت نفسها بعبوة ناسفة ولم تكن ضحية التفجير الذي أتى على حياة إسرائيليين بينهم أطفال. هذا يهزّه ويدفعه للبحث عن الحقيقة ولماذا قامت زوجته (المسيحية) بمثل هذه الفعل. الإسرائيليون من حوله (أمنياً ممثلة بالكابتن موشي ويلعبه أوري غافرييل واجتماعياً بالزميلة كيم  كما تؤديها إيفنيا دودينا) كان السؤال المطروح هو كيف جرى أنه لم يعلم بأن زوجته ستقوم بمثل هذه العملية. 
يخسر أمين ثقة الجميع من حوله وهذا ما يحدث للمخرج الدويري الذي لا مثّل دفاعاً عن وجهة النظر الإسرائيلية ولا كسب تأييد الفلسطينيين بل تعرّض، إضافة إلى ذلك، للمنع في أكثر من دولة عربية.
علي سليمان نفسه كان في الفيلم الأسبق لطرح موضوع الهجمات الإنتحارية وذلك في «الجنة اليوم» للمخرج هاني أبو أسعد (2006). هناك يعتزم القيام بالعملية ويتراجع ويحاول إيجاد صديقه (قيس ناشف) لكي يقنعه بالعدول. 

المصري والعراقي
في حين لعب التخويف من القنبلة دوراً بارزاً في هذه الأفلام وسواها، انبرى فيلم كاثرين بيغيلو «خزنة الألم» (2008) لمعالجة الخطر على نحو مختلف إلى حد بعيد. في ذلك الفيلم الذي تم تصويره بكاميرا دجيتال (نوع آتون أ-مينيما بفاعلية شرائط الأخبار الميدانية) هناك ذلك الفصل من المشاهد التي ينطلق فيه فريق من خبراء المتفجّرات الأميركيين (يقودهم جيريمي رَنر في الدور الأول) لمعاينة تهديد محيّر: هناك ذلك العراقي الذي يقترب من جنود أميركيين ليخبرهم أن هناك «مزنّـر» بحزام من المتفجرات ومرسل من قبل مجموعة عراقية لتفجير نفسه وسطهم. الوضع هو أن لا أحد من المشاهدين، كما من الجنود، يعرف إذا ما كان العراقي المرتجف خوفاً يعني ما يقول أو أنه يتوسّم جذب الخبراء لمعاينته حتى يستطيع تفجير نفسه بينهم. إنه يتوسّل المساعدة مكرراً أنه لا يريد أن يموت، وفي حين أن الفيلم لا يجيب تحديداً على السؤال حول ما إذا كان العراقي صادقاً أم لا، إلا أنك أقرب لتصديقه.
Rendtion

في الفيلم العسكري الآخر «فعل شجاعة» (ماوس ماكوي وسكوت ووف- 2012) ليس هناك مجالاً للريب. المسمّى أبو شبل (جاسون كوتل) يقصد الأذى حين يصل بعربته لبيع «الآيس كريم» عند محيط إحدى المدارس. وحين يقترب الوقت المناسب يترك العربة مبتعداً وتنفجر بالفعل مودية بأرواح أبرياء.
بدورها تنقل ميرا نير في فيلمها الجيّد «المتطرّف المتمنّـع» (2012)  وغافن هوود في «أداء»  المسألة إلى ما هو أعلى من مجرد سجال بين أميركيين وإرهابيين عرب. المخرج هود يتحدّث عن مصري (قام به عمر متولي) تحتجزه سلطات الحدود الأميركية حال هبوط الطائرة التي حملته عائداً إلى أميركا. هو متزوّج من إمرأة تحبّه (ريز وذرسبون) وبريء من أي تهمة منسوبة إليه لكن وكالة المخابرات المركزية لا تعرف ذلك علم اليقين. هذا الفيلم طرح إفتراضية ما الذي يمكن أن يحدث لو أن عربياً عادياً وقع تحت مخالب الخوف من العملية الإرهابية.
فيلم ميرا نير من ناحيته يتوغّـل أكثر: باكستاني شاب (ريز أحمد) انتقل للعمل والعيش في الولايات المتحدة ليحقق فيها الحلم الذي جذب قبله وبعده مئات الملايين من الناس، فقط ليكتشف بعد إرهاب الحادي عشر من سبتمبر أيلول أنه أحب أميركا أكثر مما أحبته وأنه لم يعد يستطيع أن يطمئن لمعاملة السلطات له لمجرد أنه داكن البشرة.
من الطبيعي أن يشد كل طرف الحبل لناحيته: تعامل هوليوود مع موضوع القنابل الموقوتة أو تلك التي ستتسبب في كوارث عالمية، تتضمّن اختلاف المواقف بين من يبرر الدفاع الهجومي لأميركا وبين من ينتقذه.

مخرج | التجربة الهوليوودية لجون بورمان  2

 تناولت في الحلقة الأولى (العدد 806) خلفية إنتقال المخرج البريطاني
جون بورمان لتحقيق فيلمه الهوليوودي الأول Point Blank. في هذه
الحلقة ندخل معترك فيلمه الثاني هناك: Deliverance من الفكرة إلى
تقديم الفيلم مع كشف جوانب غير معروفة حول كيفية تنفيذ هذا الفيلم
ومن هما المخرجان السابقان لهذا المشروع.

تجارياً، لم يحقق «بوينت بلانك» ما كان مأمولاً له أن يحققه والسبب فيلم آخر هو «بوني وكلايد» الذي قام بإخراجه آرثر بن والذي سبقه للعرض بإسبوعين، وكسب تغطية إعلامية كبيرة في حين مرّ «بوينت بلانك» من دون الإهتمام الذي كان يستحقه. لكن لي مارڤن رغب، وقد لمس الناحية الفنية في إخراج بورمان، أن يحقق فيلماً آخر كان في جعبته هو «جحيم في الباسيفيك» ووافق بورمان لتوّه. إنه دراما في زمن الحرب مؤلّفة من شخصيّتين فقط وتقع فوق جزيرة في المحيط الأطلسي خلال الحرب العالمية الثانية: الأول طيار أميركي (مارڤن) نجا من سقوط طائرته والثاني كابتن بحرية ياباني (توشيرو مفيوني). أميركا واليابان كانا في ذلك الحين في قتال ومخزون العداء بين الإثنين يجسّد الحالة الواقعة بين البلدين. في البداية يعتقد الأميركي أن الجزيرة غير مأهولة وأنه وحيد عليها، ليكتشف أن هناك هذا الجندي الياباني الذي لم يكن، في البداية، يعلم بوجود سواه أيضاً. حين يدرك كل منهما وجود الآخر يبدآ الكر والفر بينهما علماً بأن ليس لدى أي منهما سلاح يحارب به. خلال ذلك يبدأ كل منهما تقدير الآخر.
للفيلم نهايتان، شاهدنا نحن في العالم العربي، النهاية الأميركية وهي أنهما (وعرضت في بريطانيا وربما في صالات أوروبية أخرى آنذاك) تحتوي على مشهد ختامي لصاروخ جوّي يسقط عليهما ويبيدهما معاً.


جون بورمان
يلتقيان. يتصادقان في مشهد أريد له أن يرمز إلى إمكانية السلام، ثم يفترقان كل لمصير مجهول. النهاية الأصلية التي صوّرها بورمان
بعد هذا الفيلم عاد بورمان إلى إنكلترا وصوّر كوميديا أسمها «ليو الأخير» (1970) مع مارشيللو ماستروياني وبيلي وايتلو وكالفين لوكهارت. دراما خيالية حول أمير لبلد أوروبي يحط في بريطانيا لكنه يعمل على إستعادة نفوذه وتتداخل خلال المحاولة حكاية عاطفية. بما أن الموضوع هو عن أفلام بورمان الأميركية وليس البريطانية فسوف أتحاشى تناوله بأكثر من هذه الكلمات. إنه فيلم جيّد لكنه لم يشهد شهرة. 
«خلاص» Deliverance هو فيلم آخر مختلف ليس بالمقارنة مع أفلام بورمان فقط، بل عن سواه لليوم. حكاية أربعة رجال يعملون في المدينة (لا نرى أي مدينة في الفيلم) يصلون إلى منقطة منعزلة في ولاية جورجيا حيث سيقومون برحلة نهرية على مركبين صغيرتين وكيف أن المغامرة التي كان من المفترض أن تكون ترفيهية تتحوّل إلى كابوس مفزع كما سنرى (لا. لا وجود لوحوش أو أشباح أو مخلوقات فضائية!).
الرواية لكاتب وشاعر أميركي أسمه جيمس ديكي (Dickey) نشرت سنة 1970 عاكسة مشاعره حيال الطبيعة الجميلة رغم وحشتها. إنها رواية عن أناس معاصرون وسط عالم فطري أعجبت شركة وورنر فعرضت عليه 25 ألف دولار لكتابة سيناريو و15 ألف دولار نسخة ثانية ثم 10 آلاف دولار إذا ما تم تحقيق الفيلم. ديكي كان متحمّـساً لكنه لم يكن كاتب سيناريو ماهر لأنه نقل الرواية كما هي ومن دون بحث سينمائي في الشخصيات فإذا بها تحولت إلى ديكورات وعناصر (حسب ما ذكر المخرج في مذكراته)
لم يثن ذلك وورنر عن رغبتها في صنع الفيلم واستشارت ديكي في أمر إسناد الإخراج إلى رومان بولانسكي، لكن الكاتب نصحها، وكان صحيحاً في نصحه، بأن بولانسكي ربما كان مخرجاً جيّداً، لكنه يصنع أفلامه بمعالجة مزاجية خاصّة (أي يمنح الفيلم mood قد لا يلتقي والمطلوب من المشروع). ديكي اقترح سام بكنباه وهو إقتراح مناسب لأن بكنباه هو سيّد من وضع شخصياته في صراع مع عالم متحوّل وكان ديكي شاهد The Wild Bunch وأعجبه. لكن وورنر، كما يتبدّى من قراءة الظروف الواقعية في أكثر من كتاب (ليس منها ما هو على موقع)، كانت لا تزال تفكر برومان بولانسكي خصوصاً وأن بكنباه كان رفع عليها دعوة قضائية تبعاً لما رآه خرقاً للإتفاق بينهما فيما يتعلق بفيلميه «الزمرة المتوحشة» (المشار إليه) و«كلاب من قش» Straw Dogs. هذا ما جعل من غير الممكن العمل معاً. 
بورمان وسط الفريق خلال التصوير

بالنتيجة (وأنا أختصر في معلوماتي) تم إختيار بورمان الذي وضع السيناريو الذي نراه على الشاشة، ويا له من سيناريو: رحلة أربعة رجال من المدينة في عالم مضاد لها مئة بالمئة. مكان صامت (تم التصوير في نهر كاهولاويسي في أعالي ولاية جورجيا وإسمه من قبيلة هندية) منقطع. لا سيارات ولا منازل ولا طائرات ولا أحد. فقط صوت النهر المندفع محاطاً بأشجار عالية. تستطيع أن تكون وحيداً لدرجة الخوف. الرجال الأربعة الذين جاؤوا لتمضية ويك إند فوق مركبين من نوع «كانو» هم رجال أعمال قادمين من مدينة أتلانتا: لويس (بيرت رينولدز) وإد (جون فويت) وبوبي (ند بيتي) ودرو (روني كوكس). يصلون إلى قرية صغيرة ومنها إلى حوض النهر. يعلتون المركبين وينطلقان ومع إنطلاقهما تنذوي ما بقي من أصوات الحضارة. المكان يبدو مسالماً جدّاً. لويس مسلح بنشّاب حديث وهو قائد طبيعي وسبق له وأن قام برحلات كهذه ولو أنها المرّة الأولى في هذا النهر الذي يختاره الرجال لأن المدنية الزاحفة سوف تغيّر طبيعته: هناك سد سيقام ما سيطمر مجرى النهر ويحوّله إلى بحيرة. 
بعد قليل سيتبدد ذلك الأمان المسالم: إثنان من سكّان الغابات [بينهم ممثل أدوار شر ظهر لاحقاً مع كلينت ايستوود في The Outlaw Josse Wales كما في أفلام أخرى له أسمه بيل ماكيني. الآخر وأسمه الحقيقي هربرت كوارد لم ألحظ ظهوره بعد ذلك وهو يبدو في الفيلم بلا أسنان] ينفردان ببوبي وإد في الغابة الكثيفة. ماكيني يجبر بوبي على التعري ثم يركب ظهره ويمسك بإذنه ويطلب منه أن يطلق صوتاً كصوت الخنزير وخارج مرمى الكاميرا من المرجّح أن يكون إعتدى عليه جنسياً. الآخر يربط إد إلى جذع شجرة. في هذه اللحظة يصل المركب الثاني وعليه لويس ودرو…

يتبع



All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2013




Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular