أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

May 31, 2013

الجنس ثم السينما عند عبداللطيف قشيش؟


Year 6 | Issue 805
الغلاف | السينما والجنس حسب عبداللطيف قشيش                                                                    


على الرغم من أن «حياة أديل» أو «الأزرق أكثر الألوان دفأً» لعبداللطيف قشيش، ليس فيلماً عربياً إلا أن مخرجه المذكور تونسي الأصل وعربي اللسان والهوية. الضجّـة الكبيرة التي أثارها في ذلك الفيلم والتي محورها قيام بطلتيه أديل أكساركوبولوس وليا سيدو بممارسة الحب معاً والتي جلبت حالتي التأييد الغالب من البعض والإستنكار الخجول من البعض الآخر، إلا أن مجرد فكرة قيام المخرج المسلم (إفتراضاً) والتونسي العربي (بالضرورة) بتصوير ذلك المشهد لأكثر من خمس دقائق من المجامعة صوتاً وصورة (وصورة قريبة وتفصيلية)، يفتح المجال أمام تساؤلات عديدة حول الجنس في السينما العربية ذاتها. 
طبعاً هناك الجنس وهناك الجنس الشاذ وكلاهما كان يُنـظر إليهما سابقاً على نحو معاد فما البال اليوم وجماعات التكفير ترى أن الجمال بأسره خطيئة والمرأة عليها أن تلف نفسها مثل كيس الرز وتضع على وجهها برقعاً أسود لأنها عورة؟
لا أريد الدخول في مضمار السياسة والدين ففي هذه الأيام يؤدي كل إلى الآخر على نحو يستحق هو أن يُـحرّم ويُـدان قبل سواه. لكن المسألة تطل برأسها مرّة في فيلم مصري ومرّة في فيلم تونسي أو لبناني أو سوري أو مغربي ولو على مسافات متباعدة.
وحسب مواقع فإن هناك فيلمين مصريين جديدين عن الجنس والجنس الشاذ أحدهما بعنوان «جدران هشّـة» والثاني بعنوان «أسرار عائلية» وكلاهما ينتظران الإذن بالعرض. وهناك، حسب الممثلة علا غانم فيلم (ثالث؟) عن هذا الموضوع وهي التي ظهرت في دور سحاقية في فيلم «حين ميسرة» للمخرج خالد يوسف.
أكتب بعدما طلبت مساعدة «غوغل» في البحث عن أفلام عربية تتعرّض للجنس المثلي. وإذا به يفتح صفحاته التي لو أردت مراجعتها جميعاً لأمضيت ردحاً طويلاً خصوصاً وأن تلك الأداة البحثية توفر مواضيع أخرى تدخل ضمن النطاق العام فهذا خبر عن ضبط رجلين في وضع شاذ وهذه مجموعة من أفلام البورنو وأخرى من الكليبات الراقصة وسواها.
المشكلة ليست فيما يرد في «غوغل» أو لا يرد، رغم أنه يمنح الباحث بعض ما يفتّـش عنه، بل في أن أحداً لا يبدو قادراً على توغـّل الجنس الشاذ في العديد من المجتمعات العربية وغير العربية. في الواقع كل ركن من العالم يشهد طرحاً متزايداً ومتواصلاً للمسألة المذكورة أو كما قال الممثل كيفن سبايسي في فيلم «سبعة» لديفيد فينشر متحدّثاً للتحريين براد بت ومورغن فريمان: "أنظر حولك. هناك خطيئة ترتكب عند كل ركن من الشارع".
في فرنسا وبينما كان عبداللطيف قشيش يشعر بسعادة غامرة كونه صوّر فيلماً يُثير الضجّـة، كانت المظاهرات تعم المدن إما لتطالب بالسماح بالزواج المثلي أو ضده. والمظاهرات المطالبة بالسماح لهذا الزواج عمّـت سابقاً عواصم أوروبية أخرى في مسعى حثيث لكسب موافقة القضاء على مثل هذه الخطوة التي ستغيّـر ما بقى من عالم قام على أسس من العلاقات المختلفة.
لذلك حين خرج قشيش بالجائزة الكبرى فرح أهل ذلك المجتمع معتبرينه نصراً لقضيّـتهم المصيرية.
شخصياً، لا أكترث بما يقوم به المرء طالما يقوم به في السر، سواء أكان حبّـاً شاذاً أو طبيعياً. سواء أكانت العلاقة مثلية أو مستقيمة. حين تخرج العلاقة من كيانها الخاص إلى العام، فهي ليست قضيّـة حقوق، بل قضيّـة تعدي على الحقوق. المسألة في أصلها مبنية على أرضية محرّمة وخاطئة، فلم عليها أن تخرج إلى العلن؟ وأين صوت المثليين في مسائل وقضايا أهم تقع في هذا العالم مثل الحروب والإقتصاد المنهار والعنف وتشغيل الأطفال والإعتداء على الأبرياء. أين أصوات هؤلاء حين يأتي الأمر للدفاع عما يحدث لهذا الكوكب من إعتداءات على البيئة وتحويل هذا الفردوس إلى جحيم حياة؟ أين هم من مسائل الفقر والهجرة غير الشرعية والسياسات الإستعمارية التي تحاول الدول الكبرى العودة إليها في أفريقيا وسواها؟

حين فاز «حياة أديل» بالسعفة الذهبية فإن الحوار حوله انحصر، بين كثيرين، في النواحي الأخلاقية. هذا ليس مجال الناقد السينمائي لكن لا شيء يمنع بالطبع من طرحه إذا أحب. مجال الناقد أن يرى إذا ما كان المخرج عبّـر عن موضوعه على نحو فني صحيح؟ وكيف فعل ذلك؟ هل كان رقيقاً؟ فجّـاً؟ هل رغبته كانت إستهلاكية أو أنه بالفعل يؤمن بأن ما يعرضه هو مهم وعليه أن يعرضه على هذا النحو.

بورنو أو إيروتيك؟
نأخذ مسألة «حريّـة التعبير» كما لو كانت مقدّسة بكاملها لا يمكن اجتزاء شيء منها. في إعتقادي أنك حر في أن تختار ولكنك أقل حريّـة إذا ما فشلت في معالجة هذا الإختيار. حر أن تسمع موسيقا الهارد روك في البيت وتعتبر رقصك على أنغام تلك الموسيقا تعبير لا علاقة بالآخرين به. لكن حين يخترق صوت الموسيقا الجدران ليزعج سواك، خسرت هذه الحرية أو كدت. كذلك الحال بالنسبة لكيفية معالجة موضوع ما. عالجة ولا تفرضه. 
ما فعله قشيش هو أنه صبّ كاميرته على الجسدين الملتويين لخمس دقائق أو أكثر ليصوّر كل دقائق وتفاصيل العملية الجنسية. الزميل إبراهيم العريس سمّـى ذلك بـ «البورنو» والزميل هوڤيك حبشيان رفض ذلك معتبراً أن المشاهد كان «إيروتيكية» (مثير للشهوة الجنسية) والخيط هنا دقيق جدّاً بين الإثنين. صحيح أن البورنو، من ناحية فنية وجمالية، هو جنس رخيص وأن «الإيروتيكية» فن إثاري لكن عبداللطيف خلطهما في حفلة تصويرية واحدة، خصوصاً وأن فن الإثارة يعتمد على الإيحاء وعبداللطيف لم يوحي بل عرض.
المفترض أن يكون الحكم السينمائي هو الأساس في هذا التقييم (وفي كل تقييم) وعليه فإن الفيلم أصاب أو لم يصب تبعاً للكيفية التي عالج بها المخرج هذا الوضع. هنا تبرز مشكلة عبداللطيف المتكررة منذ «كُـسكُـسي بالسمك» وما بعده وصولاً إلى هذا الفيلم: قشيش لا يعرف متى يتوقّـف! هل تذكر الرقصة التي قامت بها الممثلة حفظية حرزي في ذلك الفيلم؟ هل تذكر أنه لم يعرف أين يتوقّـف؟ ذاك كان فيلماً مثيراً للغريزة والرقص فيه يوحي بالفانتازيا الجنسية بكاملها. لكن من حيث المعالجة هو طويل ككل مشهد ورد في فيلمه الآخر «فينوس السوداء» وفيلمه الجديد. طويل أكثر من اللزوم. طويل لدرجة أنه يستنفذ جمالية طوله.

كاميرا مفتوحة
لقد شاهدت أفلام تاركوفسكي كلّـها ومعظم ما حققه ثيو أنجيلوبولوس ومايكلأنجلو أنطونيوني والثلاثة من عمالقة سينما التأمّـل. وبل شاهدت كل ما حققه المجري بيلا تار بما في ذلك «تانغو الشيطان» الذي بلغ سبع ساعات و45 دقيقة. الكاميرا لا تعرف القطع أيضاً، لكن الإختلاف هو أن كل لحظة من المشهد الذي تصوّره في أفلام هؤلاء يضيف ثراءاً على ما سبق لذلك فإن تصوير رجلين يمشيان تحت المطر بالطريقة التي يعرضها المخرج في «تانغو الشيطان» لا يصيب المشاهد بالملل لأنه لا يستنفذ الفكرة ويستطرد فيها على أي حال، بل يعرف كيف لا يستنفذ الفكرة فيجيء الإستطراد إستكمالاً لما هو معروض وإضافة إليه.
في فيلمه الأخير «حصان تورينو» نتابع أب وإبنته وحصانهما الذي يجر العربة وهو يبتعد عن البيت الريفي فوق طريق ترابية تصعد بهم جميعاً إلى أفق بعيد. هناك شجرة تمر العربة من تحتها عند سفح الجبل قبل أن تختفي عن العين. الكاميرا تبقى مفتوحة. ذلك الشق الأول من المشهد دام نحو أربع دقائق. فجأة تعود العربة ومن عليها للظهور من على سفح الجبل وهي عائدة وستبقى الكاميرا تتابعها إلى أن وصلت إلى البيت الذي انطلقت منه: لقد عادت العائلة عن قرارها بالرحيل.
الفارق بين هذا الإستخدام واستخدام عبداللطيف للمشاهد الطويلة، هو أن مشهد بيلا تار لا يستنفذ غرضه لأنك تراقب قراراً اتخذ بالرحيل ثم ترقب كيف يتم ذلك الرحيل وعندما تبتعد العربة عن الكاميرا تتيح لك متابعة الطريق والمسافة ثم حين تغيب العربة تترك لبضع لحظات تتساءل، وإذ تعود يتصاعد التساؤل عن السبب. وفي كل ذلك قدّم المخرج طينة حياة زمنية حقيقية ومناسبة.
عبداللطيف من ناحيته، عليه أولاً تحريك الكاميرا بنفس مواصفات كرة القدم. هذا وحده يقضي على إمكانية استلهام صاف لما هو معروض. ثم هي كاميرا بانورامية الحركة تنتقل مثل البينغ بونغ بين وجه وآخر (أتحدّث عن عموم المشاهد وليس عن مشهد بذاته) وما يعرضه يستنفذ سريعاً لكن الكاميرا تواصل حركة ثرثارة (لجانب ثرثرة حوارية فالتة عن التوقيت المقبول بدورها). بما أنها لا تستطيع إضافة أي جديد أو إثراء أي وضع فإن ما تصوّره في خمس دقائق كانت تستطيع تصويره بدقيقة من دون أن يخسر الفيلم أي قيمة. في حين أنك لا تستطيع أن تأخذ لحظة واحدة من مشهد الثلاثة الذين يركبون قطاراً يسبر غور الطبيعة في فيلم «ستوكر» لتاركوفسكي. الكاميرا من عل على الثلاثة مع قطع خفيف هنا وهناك والمشهد إذ يطول ينجح في تحويل الرحلة في الفيلم إلى رحلتك أنت أيضاً. وهل ننسى لعبة الكاميرا الذكية في بداية وفي نهاية فيلم «الراكب» لأنطونيوني؟

الهروب من الواقع
الإستعراض الجنسي الذي صوّره عبداللطيف قشيش خال من الفن. هذا ليس رأياً (أو إذا أردت بعض التعديل: ليس رأياً فقط) بل حقيقة ناتجة عن حقيقة أخرى: تصوير فعل الشيء بدقائقه وتفاصيله ينفصل عن العملية الفنية ليصبح تجسيداً لتنازل المخرج إلى حيث يريد العرض للعرض. إنه كمن نزل من مستوى الرأس إلى مستوى الخاصرة أو ما دون. نفس الشيء بالنسبة لأفلام الرعب: أيهما فني (ولا أقول "فني أكثر") مشهد قتل جانيت لي في فيلم «سايكو» طعناً إنما من دون مشاهدة جرح واحد ولا نزيف أو دموية أو إصابة أو مشهد من فيلم من سلسلة Saw يصوّر كيف تغرز المسامير نفسها في جسد الضحية من كل جانب حتى الموت أو قيام الزومبيز في أفلام أخرى بالتهام أمعاءاً بشرية؟
إنه ذات المفهوم وذات الإستعمال ولا يهم إذا ما كان «حياة أديل» يعرض قضيّـة أو لا يعرض شيئاً. ما يرفع به وينزل هو الفن وليس المضمون.
إذ أقول ذلك فإن العودة إلى كيف تعالج السينمات العربية مثل هذه المواضيع، حين تنجح في إختراق الممنوع، لا يبتعد كثيراً عن هذا الأساس: في فيلم صلاح أبوسيف «حمّام الملاطيلي» إيحاء (ولو واضح) لعواطف مثلية بين رجلين، في «حين ميسرة» إظهار لعلاقة مثلية بين إمرأتين. الأول موجّـه للعقل والآخر لما دون. الأول فن والثاني عرض. 
والمسألة ليست حكراً على المثلية. أي مشهد عاطفي بين رجل وإمرأة يدخل ضمن هذا الإختيار. القبلة التي يتبادلها جيمس ستيوارت مع كيم نوفاك في «فرتيغو» تساوي كل ما ورد في فيلم برناردو برتولوتشي «آخر تانغو في باريس» من مشاهد عاطفية بين مارلون براندو وماريا شنايدر. وهذا الأخير طبعاً أفضل بمرّات من «سيدة الأقمار السوداء» لسمير خوري. فالتنازل هو أيضاً بدرجات.
الكثير من كل ذلك يمكن تعلّـمه من إنغمار برغمن الذي كان يستطيع أن يصوّر مشاهد جنسية قدر ما استطاع، لكنه دوماً ما عمد إلى الإيحاء والمواربة. هناك من يعتقد أن ذلك هروباً من «الواقع»، لكن يا بأس السينما إذا لم تكن هروباً من الواقع.

2 comments:

  1. فيلم "جُدران هشة" موجود على النت و ده اللينك بتاعه
    http://www.youtube.com/watch?v=knZ4qXP5snQ

    كمان كان فيلم "طول عمرى" إنتاج حاجة إسمها الجمعية للأفلام المُهمشة .. فاشل جداَ هو مش فيلم أساساَ معمول سنة 2008
    http://www.youtube.com/watch?v=qJMrep991Ho

    ReplyDelete
  2. كتبت : اليوم جماعات التكفير ترى أن الجمال بأسره خطيئة والمرأة عليها أن تلف نفسها مثل كيس الرز وتضع على وجهها برقعاً أسود لأنها عورة؟
    السؤال: أتعيب على المتدينين العفة، ولا تكترث بما يقوم به الاخر حتى لو كان يمارس الحرام؟ عفوا اي تنفاق هذا؟ الا تجد نفسك تحمل مسؤولية رفع ثقافة قرائك على الاقل؟ فما بالك بمجتمعك ومحيطك؟ ام كلهم يعملوها بالسر ويلاقوك بوجه طلق؟

    ReplyDelete

Disqus Shortname

Comments system