May 12, 2013

ممثل: دنزل واشنطن | مخرج: ستيفن سبيلبرغ- الحلقة الثالثة

Year 6 | Issue 799
ممثل | دنزل واشنطن
محمد رُضــا

أحد الأسباب التي من أجلها يمكن تصديق الممثل دنزل واشنطن في كل ما يقوم به من أدوار يكمن في أنه، ببساطة، يمثل وعينه على أن يكون صادقاً في المقام الأول ما سينعكس على قبول المشاهد له وموافقته على أن ما يحدث له أو بسببه قابل للتصديق. 



الفيلم الذي لفت الأنظار إليه لاعباً شخصية ستيف بيكو في فيلم رتشرد أتنبورغ «صرخة الحرية» Cry Freedom سنة 1987 والفيلم الذي وضعه في أولى خطوات النجومية، وهو «مجد» Glory [إدوارد زويك- 1989] يشتركان في أنهما يقدّمان شخصيتان تناضلان من أجل الحرية (الأولى في جنوب أفريقيا والثاني في الفيلم الخيالي التي تدور رحاه خلال الحرب الأهلية الأميركية) وعليه فإن واشنطن يوفّر ما تحتاجه كل شخصية من كبرياء. والكبرياء هو ما يحب المشاهد الملم مطالعته في شخصية تدّعي أنها كانت تملك رؤية منهجية لوضعها الإجتماعي أو السياسي.
صعود واشنطن استمر في العام التالي (1990) عندما لعب تحت إدارة سبايك لي Mo' Better Blues جسّد نوعاً من التمثيل القائم على إحتواء الحدث في داخله عوض أن يكون هو الحدث كما يتمنّى ممثلون آخرون. بذلك هو يخفي أكثر مما يُـبدي ويتعامل مع الدور على أساس أنه مناسبة وفرصة للإلتحام بالذات التي في الآخر. 
عندما لعب شخصية المناضل الأفرو- أميركي مالكولم أكس [سبايك لي- 1992] لم يكن المطلوب منه أن يقلّـد الشخصية (لنقل على نحو ما فعل دانيال داي-لويس لاعباً شخصية لينكولن في فيلم ستيفن سبيلبرغ الجديد) بل أن يدخل عقلها، أو أن أحداً لم يطلب ذلك بل طلبه هو من نفسه ونجح فيه.
دنزل يمثّـل دائماً دون المتوقّـع من ممثل يؤدي دوراً بطولياً، وهذا أيضاً واحداً من أسباب مصدقيّـته. في «ملف البجعة» The Pelican Brief [ألان ج. باكولا-1993] كان يستطيع أن يقدّم بطولة تقليدية، من تلك التي يؤمّـها توم كروز أو نيكولاس كايج ليل نهار، لو أراد. لكن لا المخرج النيّر كان سيسمح له بذلك ولا هو سيسمح لنفسه بذلك لو طُلب منه. لكن هذا فيلم مطالب منه أن يبقى حدثاً تشويقيا كلاسيكياً ما يدفع للتساؤل عما إذا كان واشنطن خرج عن قاعدته عندما لعب «كتاب إيلي» [ألبرت وغاري هيوز- 2010] القائم على تشويق الحركة والإنفعال. لكنه لا يفعل في الحقيقة إلا الحد الأدنى من محاولة تسلّق اللحظة لكي يبرهن للمشاهد صلاحيّـته في أفلام الأكشن- لكنه لا يفعل.

بسبب ذلك هو جيّد في كل دور يؤديه. جيّد في شخصية واقعية كمالكولم أكس وجيد في شخصية خيالية كتلك التي في «رجل في النار» [توني سكوت- 2004]. هو جيّد في لعب شخصية تعمل لصالح القانون أو تخدم النظام بإنضباط ومسؤولية، كما في «تيار قرمزي» Crimson Tide [سكوت- 1995] و«جامع العظام» [فيليب نويس- 1999] كما في أدوار شريرة مثل دوريه في «يوم التدريب» [أنطوان فوكوا- 2001] الذي نال عنه الأوسكار و«أميركان غانغستر» [ريدلي سكوت- 2007]. وهو يملك حضوراً قويّـاً ومخيفاً. وحين تضع فيلمه الأخير للآن «طيران» [روبرت زميكيس- 2012] فإن وجوده يشكّـل بعداً ثالثاً فهو ليس الإنسان الجيّد وليس الإنسان الرديء، بل الإنسان المتأزّم. كذلك حاله في «مكان آمن» Safe House [دانيال إسبينوزا- 2012] حيث لعب دور قاتل محترف عمل للسي آي أيه والآن يحاربها.

مخرج | ستيفن سبيلبرغ 3
محمد رُضــا

بعد «إي تي- خارج الأرضي» أم سبيلبرغ إنتاج «توايلايت زون: الفيلم» (1983) المأخوذ عن الحلقات التلفزيونية الغرائبية. وتألّـف الفيلم، الذي أنتجه سبيلبرغ، من أربع قصص تسبقها، أخرج الثانية منها تحت عنوان «أرفس العلبة»، في حين قام جون لانديس بإخراج المقدّمة والقصّة الأولى، وقام جو دانتي بإخراج الثالثة وآلت الرابعة إلى جورج ميلر. إنه خلال تصوير هذا الفيلم سقطت مروحية كان المخرج جون لانديس يستخدمها في تصوير أحد مشاهد القتال في قصّـة بطلها فيك مورو الذي يهب لنجدة فتاتين صغيرتين من القصف. رغبة في التقاط تأثير أكبر للقنابل التي كانت تنفجر على مقربة من الممثلين، طلب المخرج من قائد الطائرة أن ينخفض أكثر. حين أخذت المؤثرات بالإنفجار فقدت الطائرة توازنها وحطّـت فوق مورو وممثين آخرين وقتلتهم.
سبيلبرغ، حسب شهود، ترك التصوير قبل أن تلتئم الجراح. البعض فضّـل لو أن سبيلبرغ بقي في المكان كونه المنتج والمسؤول الأكبر، والبعض الآخر رأي أن سبيلبرغ لم يكن يستطيع إلا أن يغادر المكان لأن لا شيء هناك يمكن أن يفعله.
مهما يكن كان هذا الفيلم هو ثاني إخفاق يواجهه سبيلبرغ في حياته المهنية وسأعود إلى الوراء بضع سنوات لكي أقص حكاية الإخفاق التجاري الأول. 
كان ذلك سنة 1979 عندما قرر سبيلبرغ تحقيق فيلم كوميدي بعنوان «1941» وهو جمع له بعض أفضل الكوميديين آنذاك ومنهم دان أكرويد و(الراحل) جون بالوشي، كما جلب إليه ند بيتي خلاص» لجون بورمان و«سوبرمان» لكليف دونر) وكريستوفر لي، وورن أوتس، روبرت ستاك والياباني توشيرو مفيوني، كما ضم إليه لوراين غاري التي ظهرت في «جوز».
«1941» فيلم ركيك مهما وكيفما نظرت إليه. لأولئك الذين يعتقدون أن المخرج المذكور لا يمكن أن يرتكب هفوات وأنه أذكى من أن يفشل ما عليهم سوى مراجعة هذا الفيلم. إنه يتحدّث عن هلوسة أصابت الأميركيين في ذلك العام عندما شاع أن اليابان ستهاجم لوس أنجيليس. فجأة التوتّـر وصخب التوقّـعات وارتفاع النبرات الوطنية يتحوّل إلى أسلوب يعتمده الفيلم في سرده، فإذا بالكوميديا تهرب من النافذة ويحل محلها عمل ثقيل الوطأة، تائه في متاهات إختارها لنفسه. منهج سبيلبرغ هو تأليف فيلم كل ما فيه ضخم وكبير، ما يدفع المشاهد للتساؤل عن أين يمكن أن تقع الحبكة إذا كان كل ما حولها أكبر منها. الهرج والمرج يسودان الفيلم لكن أي فيلم جيّـد ذاك الذي يتم بناؤه على الفوضى منظّـمة (وهي ليست منظّمة هنا) أو غير منظّمة؟

سنتان ومحا المخرج من باله سقطة «1941» وقدّم، من إنتاج جورج لوكاس، «غزاة تابوت العهد» سنة 1981. وهو فيلم مذهل كبداية. ينقلنا إلى تلك المغامرات التي كانت تقدّمها هوليوود في المسلسلات الأسبوعية (Serial) والتي كنت ذكرتها أكثر من مرّة، وللمنضمّين الجدد: هي عبارة عن خمسة عشر حلقة (من خمسة عشر دقيقة كل حلقة) تشكّل فيلماً واحداً.  كل حلقة تعرض في أسبوع لتليها حلقة تابعة في الأسبوع التالي، وكانت تبدأ وتنتهى بمأزق يواجه البطل أو البطلة وما عليك إلا أن تعود إلى صالة السينما لكي تعرف كيف نجا. 

أعداء سبيلبرغ الأول هم النازيون، لكن الفيلم، إذ تدور أحداثه في الثلاثينات،  يظهر العرب في صورة مزرية وذلك ما يجعل العمل أحادياً ومتجنياً. ولا أريد الدخول في هذه النقطة طويلاً لأن الموضوع هنا ليس كيف تناول سبيلبرغ شعوب العالم (الثالث) أو العرب على وجه التحديد. لكني أستطيع القول أنه بدا وقد ضبط الصورة على نحو متوازن (ولو بحدود) في «ميونخ» قبل أن يعود إلى لعبة ممارسة التمييز (هو وأبطاله البيض فوق والعرب تحت) في «مغامرات تان تان» (2011) عندما صوّر أميراً عربياً على نحو سلبي وتبع ذلك بإغراق بلاده بالماء في مقابل تصوير القاهرة سوقاً من الدواب والحمير والتخلّـف البشري قبل تدميره في مطاردات ومعارك يدوية بين إنديانا جونز والمصريين. من يمسك بالسوط هو الآمر وهو إذ يجلد سواه يوزّع مع كل ضربة مفهوماً عنصرياً لا ريب فيه.

يتبع



All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2013


Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular