أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

May 6, 2013

ستيفن سبيلبرغ 2 | تحليل نقدي لفيلميه «إي تي» و«لقاءات قريبة من النوع الثالث»٠


Year 6 | Issue 798

ستيفن سبيلبرغ  2: حكايات الفضاء والشعب المختار | محمد رُضـا

Close Encounters of the Third Kind


عالج ستيفن سبيلبرغ حكايات الفضاء في ثلاثة أفلام هي حسب تواليها:
Close Encounters of the Third Kind - 1977
E.T The Extra- Terrestrial -1982
War of the Worlds- 2005
وحكايات الفضاء هي جزء من نوع الخيال العلمي الذي مارسه سبيلبرغ في سبعة أفلام هي بالإضافة إلى ماسبق:
Jurassic Park- 1993
The Lost World: Jurassic Park- 1997
A.I. Artificial Intelligence - 2002
Minority Report- 2002

هنا أبحث في الأفلام التي تناول فيها سبيلبرغ مواضيع تتعلّـق بزيارات وغزوات المخلوقات البعيدة إلى سطح الأرضوهي بالفعل بدأت كزيارات ثم تحوّلت إلى غزوات. في «لقاءات قريبة من النوع الثالث» (1997) و«إي تي: خارج الأرض» (1982) تحدّث عن زيارات المخلوقات إلى الأرض وفي «حرب العالمين» (2005) تناول غزو المخلوقات الأرض ولو أنه غزو تم بالسر وسكن في عمق الأرض إلى حين تم خروجه لسطحها.
الفيلمان الأوّلان كانا نداءاً مسالماً. لم يتبع سبيلبرغ السائد من أن غزاة الفضاء، أولئك المخلوقين على شاكلة وحوش فتّـاكة أو القادرين على تقمّـص شخصيات آدمية، جاؤوا لتدميرنا، بل قدّم في «لقاءات قريبة…» حكاية مخلوقات متقدّمة بسنوات ضوئية عن قدرات الإنسان المحدودة ويمكن التعامل معها بحب وتقدير عبر الموسيقا، وفي الثاني «إي تي» شخصية مخلوق فضائي ضعيف تاه وحط على الأرض وينتظر أترابه لكي يعودون به إلى كوكبه.
سبيلبرغ لم يكن الأول الذي حاول تقديم صورة إيجابية لمخلوقات الفضاء. في العام 1951 قام الراحل روبرت وايز بتقديم فيلم «اليوم الذي توقّفت فيه الأرض» The Day The Earth Stood Still [وهو فيلم أعيد صنعه بخفّـة سنة 2008 على يدي سكوت ديريكسون] وفيه أن مركبة فضائية هبطت من الفضاء البعيد وخرج منها رجل (أو مخلوق على شكل رجل وقام بدوره مايكل ريني) بغية تحذير أهل الأرض من مغبّـة الحروب التي يقومون بها ومخاطر الأسلحة النووية التي سوف لن يسكت أهل الفضاء على استخدامها وسيعمدون إلى شن حرب على سكان الأرض لإخماد فتنهم.

وحي إلهي
سبيلبرغ لديه أجندة مختلفة. الغرباء عن الأرض حطّـوا كخلاص لأهل الأرض. لقد راقبونا لثلاثين سنة وخطفوا من أهل الأرض عدداً من الآدميين الذين اختفوا من حياتنا ثم، وفي المشهد الأخير، يتم إعادتهم وأخذ آخرين- ليس خطفاً هذه المرّة بل تحت مباركة العلماء وامتناع الحكومة عن التدخل.
بين هؤلاء شخص أسمه روي نيري (رتشارد درايفوس الذي يعمل تحت إدارة سبيلبرغ للمرّة الثانية بعد «جوز») الذي يقدّمه الفيلم مهووساً بالإشارات التي يستلمها من وحي غير منظور. إنه يبحث عن الحقيقة ولماذا عليه أن ينطلق بعيداً وفي أي وجهة. لديه منزل وزوجة وأولاد لكن هؤلاء لن يمنعوه، ولا الحياة المستقرّة لشخص متوسّط المعيشة، من اللهاث وراء ذلك الوحي الغريب. يحوّل أرض المنزل إلى خراب ليبني من الطمي ما يشبه الجبل وعليك أن تثق بأن هذا الجبل موحى به وليس نتيجة صنعة مدركة. المهم هو أن هذا الجبل شبيه بجبل واقعي يكمن في بعض مقاطعات ولاية أرويغون أسمه «بروج الشيطان» وعند سفحه سوف تحط مركبة فضائية كبيرة وروي بات يعلم ذلك وعليه أن ينطلق إلى هناك مع إبن لإمرأة مطلّقة تتراءى له نفس التهيؤات وبل زاره أهل الفضاء في مشهد مُـهندس جيّداً. خوف وإثارة وضوء تحت الباب وآخر ساطع تشكل صورة لخطر ما قادم.
لكننا سنعلم أن المخلوقات الفضائية ليست هنا لكي تدمّـر الأرض بل هي في مهمّة سلمية إلا إذا جابهتها القوّات الأرضية بالقتال. والمخرج لا يدع مجالاً للشك: القوّات القادمة من الفضاء أفضل وأذكى وأقوى من تلك الأرضية والسلطات الأميركية تدرك ذلك لكنها في الوقت ذاته تحاول منع روي والصبي وحفنة الموحى إليهم من التوجّـه إلى ذلك الجبل الذي أوحى به إليهم. شيء من الوحي الذي تراءى للنبي موسى فسار إلى الجبل حيث كلّمه الله، سبحانه وتعالى. في الحقيقة هذه الحفنة هي النخبة. مجموعة مختارة من بين كل شعوب الأرض تشترك في توقها للإستجابة إلى الرسالة العليا. ومع أن الرسالة (يقول الفيلم) منتشرة (هناك مشهداً يرينا ألوف الهند في بلدة هندية ما يغنون الإشارات الموسيقية ذاتها التي يتبادلها علماء الأرض (تحت إدارة الفرنسي ممثلاً بالمخرج فرنسوا تروفو) من دون أن يفهموها أو يستخلصون منها الهدى ذاته، إلا أن هذه الحفنة (بيضاء كلها) هي الوحيدة التي يقدّر لها أن تستجيب. 
المركبة في الواقع اختارت الولايات المتحدة البلد الوحيد لكي تهبط فيه. من ناحية هذا مبرر بسبب أن الفيلم أميركي ولن يختار فنلندا أو البرازيل أو الهند أو مصر أو أسبانيا أو زيمبابوي للغاية، لكن من ناحية أخرى هذا الإختيار هو تفعيل لحالة الإختيار النخبوي. والحالة تتمخّـض عن نخبة فوق النخبة. أي مجموعة محددة من الأميركيين وليس كل الأميركيين. ليس أي من رجال السلطة وليس أي من العسكر ولا السياسة، ولا حتى الجار البدين الذين يرقب روي مستنكراً.
روي نيري ليس، من إسمه، يهودياً، لكن رتشارد درايفوس هو كذلك. هذا يبقى لا شأن للنقد به لولا أن درايفوس يلعب الدور (كما لعبت غولدي هون دورها في «شوغرلاند إكسبرس») بكل ذلك التوتر والشغف والإستعراض والتصرّفات المعهودة في أفلام وأدوار ليهود أميركيين. ومعالجة سبيلبرغ لشخصية روي لا تفصل الدين المفترض عن الدين الذي في البال. ففي نهاية الأمر روي هو واحد من أولئك المختارين لعناية ربما أرسلتها السماء إلى الأرض.
وفي حين أن أفلام الخيال العلمي في الخمسينات كانت تضع ثقتها في الحكومة والعسكر لتخليص أهل الأرض من الغزاة، نجد أن سبيلبرغ هنا يضعها في أيدي العلماء. والعلماء بقيادة فرنسية. باقي الأمم ديكورات موزّعة. بذلك العالم الجديد سيكون بقيادة الولايات المتحدة وفرنسا. لكن الأهم من ذلك أن «لقاءات قريبة…» يتعامل- إنطلاقاً- مع إخفاق الحكومة الأميركية في حل المعضلات وبصرف النظر عن رأينا في السياسة الأميركية الخارجية إلا أنها حكومة ديمقراطية. لكن فيلم سبيلبرغ يعكس، بالتالي، إخفاق الديمقراطية وأن الحل لابد أن يكون نخبوياً والنخبوية هي وجه من وجوه الفاشية دينية أو عنصرية أو جنسية.

مؤثرات دينية
حين وضع دستويفسكي «الأخوة كارامازوف» وضع على لسان إحدى الشخصيات العبارة التالية:
"هناك ثلاث قوى فقط تستطيع أن تقهر الإنسانية للأبد: الأعجوبة، الغموض والسلطات" زمن الأعاجيب ولّى وزمن الغموض ينجلي (ما عاد شيء غامض حولنا) ولم يبق سوى زمن السلطات وهذا ما نعيشه بالفعل وعلى نحو «مؤلم ومتواصل» كما تقول الشخصية نفسها. الفيلم يغازل السلطات الثلاثة في وضع واحد: فهبوط المركبة على الأرض أعجوبة، وفحواها ورسالتها وكيفية تواصلها مع "الحفنة المختارة" هي الغموض. ثم هي السُـلطة الجديدة التي يمكن تسليم السلطات الأرضية لها. هذه معزوفة فاشية في كيانها. ومع أن سبيلبرغ صرّح في ذلك العام أنه أراد من مشاهد معيّـنة (منها مشد قيام العسكر الأميركيين عزل المحتشدين في تلك الليلة التي سيتم فيها التواصل مع المخلوقات بالموسيقا) التذكير بالفعل النازي حيال المدنيين (مستعيراً على الأقلب المشاهد الشهيرة لعمليات جمع اليهود لإرسالهم إلى المعسكرات)، إلا أن التماثل بين وجهة الفيلم والوجهة النازية متماثل لأن ما من حركة تستند إلى الدين لكي تحقق طموحات سياسية (وليست دينية أو روحية) الا وتشكّـل وضعاً فاشياً سواء أكان اليهودي فيها ضحية (والجلاد نازي) أو جلاداً (والضحية آخرون).
هذه الفكرة تؤكد أن سبيلبرغ شبّـع أفلامه الأولى (ولاحقاً أخرى قبل «لائحة شيندلر») بأفكار ناتجة عن هموم أو تأثيرات يهودية (بما في ذلك نبرة مضمون فيلمه «مبارزة» الذي عرضته في الحلقة الأولى). هذا على عكس ما ذهب إليه بعض الفطاحل العرب في النقد الذين زعموا أن سبيلبرغ لم يتطرّق لما هو يهودي من قبل. 
[ في الحلقة الأولى، خلال كتابتي عن «مبارزة» حول 
ذلك الفرد البسيط والشاحنة الهادرة التي تلاحقه طوال
الوقت بغاية دهسه، عرضت عدّة تفسيرات للرمز الكامن
في الوضع المذكور: هل هو صراع طبقي؟ رجل عـادي
ضد المؤسسة؟ يهودي ضد الإضطهاد؟ لاحقاً بدا ذلـك
الإحتمال الأخير أقوى من سواه]

قصّـة كلب
«إي تي: خارج الأرض» كان مختلفاً من حيث أنه إذ تناول وصول مخلوق فضائي (واحد) على الأرض، فإنه لم يصوّر لا خطراً ما منه بل خطراً عليه من السلطات. في أكثر من مشهد هناك رجال النظام الحكومي يركضون بحثاً عن «إي تي» (الخائف) وأحدهم يعلق سلسلة مفاتيح. عندما سأله صحافي ردّ سبيلبرغ عليه بأن "المفاتيح رمز للسُـلطة". وهو- الفيلم- ترفيهي إلى حد كبير. ليس ترفيهياً رائعاً، لكنه جديداً. مرّة أخرى، المخلوق الفضائي مسالم والمسالمون الوحيدون هم بضعة أولاد يأخذون على عاتقهم إخفاء المخلوق إلى أن يأتي الوقت الذي سيتم إنقاذه من أهل الأرض عبر قيام المخلوقات التي ينتمي إليها بإرسال مركبة له.
الحقيقة، أن «إي تي…» الذي وقع في حبّـه نقاد كثيرون وجمهور أكثر، ليس بعيداً عن سيناريو أحد الأفلام التي قام ببطولتها الكلب لاسي، بل عن السلسلة كلها: صبي يجد الكلب الجميل لاسي. يريد أن يتبنّـاه على الرغم من علمه بأن على الكلب العودة إلى صاحبه الأصلي.
 E.T: Extra Terrestrial

كما الحال في الفيلم السابق، فإن المخرج لديه ذلك الأسلوب الذي يجعل الحكاية تتبلور سريعاً وتكبر ككرة الثلج، هذا من دون أن يداخلها فن يتجاوز المطلوب لإنجاز المشهد على نحو تنفيذي. يُثير الفيلم حواس كثيرين من الذين يتشاركون في استقبال لغة سبيلبرغ العاطفية والولادية بترحاب شديد. لكن تحت هذه القشرة (السميكة بلا ريب) لا تجد ما قد تبحث عنه من عمق.
لكنك تجد مضامين بعضها ورد أعلاه وبعضها الآخر يتعلّـق بموقف سلبي يتّـخذه المخرج من الرجال الذين يرمزون إلى ما هو كلاسيكي. في «جوز» نجد أن الموت هو نصيب ذلك الرجل الوحيد الذي لديه خبرة كلاسيكية في صيد القرش (كما لعبه روبرت شو) بينما اختار السيناريو الإبقاء على الرجلين الآخرين اللذين بقيا على سطح ذلك المركب المدمّـر (الشريف والعالم المختلف). في الفيلم اللاحق «جوراسيك بارك» يقتل صياداً بذات الملامح الخشنة والرجولية ومن أتباع المدرسة القديمة في البطولة. هنا في «إي تي» ليس من قتل لكن الرجال المرموز إليهم بالنظام هم مجموعة مغلقة من الرجال.
بما أنهم يمثّـلون الحكومة فإن هذا الفيلم (كما حال «لقاءات قريبة من النوع الثالث» و«شوغرلاند إكسبرس») قد يتراءى مساوياً لأفلام من الفترة ناهضت المؤسسة. لكن هناك إختلاف كبير: أفلام مثل «كلوت» و«بارالاكس فيو» و«ثلاثة أيام من الكوندور» (الأول والثاني من إخراج ألان ج. باكولا والثالث لسيدني بولاك) كانت مناهضة من زاوية ليبرالية ويسار الوسط تؤازرها دوماً رسالة سياسية. أفلام سبيلبرغ مناهضة من دون رسالة سياسية بل مجرد موقف من دون سبب معلن.


يتبع




All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2013


1 comment:

  1. love All you posts, keep it going, I'm following.
    Abdullah Alaiban- Kuwait
    @aqrbnnas

    ReplyDelete

Disqus Shortname

Comments system