أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Apr 20, 2013

أيام توفيق صالح الطويلة | نساء جيمس بوند | المخرجة التي عاشت لغيرها وماتت شابّة | صفحات من السينما النازية


السينما لا تشيخ

كلما اعتقدت أنه لم يعد هناك مجال كبير للإجادة ضمن المعطيات المحدودة التي يملكها هذا الموقع تصميماً،  وضمن الوقت الضيق الذي أتمتّــع به، إكتشفت وضعاً جديداً يساعدني على مواصلة العمل الدؤوب في محاولتي تقديم ذلك الجانب من الثقافة السينمائية التي تغيب (في معظمهاعن المواقع والمدوّنات وما شابهها.
خلال أيام قليلة، إذاً، سأقدّم لقراء هذه المجلة (وأسمّيها مجلة بصرف النظر عن أنها مدوّنة من حيث التصميم الهندسي والتقنيخطوة جديدة ومهمّـة إلى الأمامخطوة متعددة الإهتمامات وساعية لما كنت دائماً أطمح إليهنشر الثقافة السينمائية الصحيحة غير المرتبطة بالخبر السريع وبالرأي ذي التكوين السهلهذا بعدما وجدت الطريقة للجمع بين «ظلال وأشباح» و«فيلم ريدر» في مكان واحدفالمهم ليس مجرّد الجمع بل كيفية الجمع... تماماً كما هو الحال في الفيلم حيث الأهمية ليست في "الماذابل في "الكيفية". 
الحكم لكم وتشجيعكم مشكور.

محمد رُضا

Year 6 | Issue 795

أوراق ناقد | حين تكلّم توفيق صالح عن تلك الأيام الطويلة 

في الخامس عشر من الشهر الثاني من العام 1980 كتبت في مجلة «الوطن العربي» ما يلي

في كل مرّة أذهب فيها إلى بغداد أتوجّـه إلى المؤسسة العامة للسينما والمسرح وأبحث فيها عن توفيق صالح. إن لم أجده إتصل بمنزله وأحياناً أذهب إليه هناك من دون إتصال مسبق. 
مرّة ذهبت إلى بيته وأجريت حديثاً طويلاً لم أنشره بعد. ومر{ أخرى ذهبت إلى بيته وقرعت الباب الخارجي ولم الم يجبني أحد فتحته واسترحت نصف ساعة في الحقديقة ريثما وصل توفيق صالح وزوجته وأولاده الثلاثة. هذه المرّة قابلته في المؤسسة وبادرني القول: "المرّة دي مش حاقدر استقبلك في بيتي. أصوّر في المؤسسة من الساعة الواحدة ظهراً وحتى الواحدة ليلاً وأنام فيما تبقى من الوقت".
إتفقنا على ذلك وحضرت التصوير في خلال يوميين متتاليين لكني في المرة الثانية وجدت نفسي أركب السيارة مع توفيق صالح متجهاً إلى منزلة. أكدت له أني لا أسعى إلى مقابلة فقط، بل إلى "دردشة" مفتوحة. كان معنا في السيارة سعاد حسني التي لم تكن قابلت توفيق صالح منذ زمن بعيد والتي تكن له إعجاباً كبيراً: "تعرف يا محمد، توفيق من أفضل مخرجي السينما العربية"، قالت لي ذلك حين كنا نشاهده وهو يقف في وسط الغرفة يدير ممثلة عراقية شابّة أسمها ندى سهام وهي تؤدي مشهداً يتطلب منها حركة جسدية متواصلة. كان عليها أن تبحث بين كتب ومجلات قديمة عن أي وثائق قد شتكل خطراً على صدام حسين الذي يدور الفيلم من حوله أيام نوري السعيد. تعود سهام إلى الرفوف وتواصل البحث ثم تتجه إلى مكتبة صغيرة، لكن قدمها ترتطم بكيس مرمي على الأرض تلتقطه وتفتحه وتخرج من لفافات ملوّثة بالدم تضعها تحت إبطها وتواصل بحثها العنيد.
هززر رأسي موافقا على رأي سعاد. كنت أعلم  أن المخرج صالح من أفضل مخرجي السينما العربية. شاهدت  ثلاثة من افلامه الروائية الستة التي أخرجها وقرأت ما استطعت الوصول إليه عن الأفلام الثلاثة الأخرى وعرفت مكانة هذا المخرج الكبيرة وكيف أنه استطاع أن يغني واقع السينما العربية بمجرد وقوفه وراء الكاميرا.
أسلوبه وحيد بين أساليب المخرجين العرب كلهم، كذلك مقدار أمانته لذاته ورغباته. ومثل العديدين في هذا لاوسط أترقب عودته حتى ينتهي من أنجاز فيلمه الجديد «الأيام الطويلة» بعد ثماني سنوات طويلة من الإنقطاع.
«الأيام الطويلة» مأخوذ عن رواية كتبها عبد الأمير معلّة، رئيس مؤسسة السينما، في جزأين عن حياة رئيس الجمهورية العراقية السابق صدام حسين ونشرها قبل عامين (1978) حين فكرت المؤسسة في تحويل هذه الرواية إلى فيلم، إتجه التفكير صوب توفيق صالح الذي منذ أن أقام في العراق وهو يحاول تجنّب إخراج ما يصل إليه من عروض. يقول: 
"أحيانا العكس هو الصحيح. كنت أسأل عن العروض المتحة، كنت كثيراً ما أريد أن أندفع مجدداً إلى العمل لأني في البداية وفي النهاية مخرج. وهذه مهنتي وأنا أحبها… لكني كنت لا أجد ما أستطيع تقديمه. كان لابد لي من الإنتظار".
إنتظار توفيق صالح كان صعباً وطويلاً: ""أنت تعلم كيف أنه من الصعب نفسيا، قبل أي شيء آخر، أن ترى الأيام تمر من دون أن تعمل في الحقل الذي تحب. إضف إلى ذلك أن ثمة مصاعب أو ظروف تقنية خلال السنوات الثمانية. لا شك أن السينما قد مرت بتجارب كثيرة لم أر منها شيئاً. صحيح أني لست خائفاً بالطبع من عملي وتقنيّـتي، هذا غير ممكن، لكن السينما أيضاً ممارسة. كان لابد لي أن أعود إلى الإخراج، خصوصاً أن المضمون النضالي والقومي للرواية في منتهى الأهمية".
"الفرصة التي أمامي ليست فقط تحقيق فيل آخر، بل تقديم جزء من التاريخ الحديث حول شخصية سياسية رائدة في الوطن العربي. طبعاً طريقة تقديم هذا الجزء من التاريخ مرتبطة بأسلوبي الخاص وأنا لدي مطلق الحري لأقدم الفيلم بالطريقة التي أريد طالما أنها تخدم الهدف ذاته"

يتبع...

دراسات صفحات من السينما النازية 
Saving Private Ryan

السينما التي تعاملت مع الفكر العام للروح الألمانية الصافية بدأت مباشرة بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، وتلك التي تعاملت والنازية بدأت في الثلاثينات في ألمانيا من خلال مجموعة كبيرة من الأفلام البروباغندية. في العام 1932 حفلت شاشات السينما بعدد من الأفلام الوثائقية عن الفكر النازي وجدواه في بناء مجتمع جيّد وهادف . الحزب المعروف بحزب العمّال الإشتراكي الوطني، الذي انتمى إليه غوبلز وهتلر والقادة الذين شقّوا لاحقاً طريق الحرب على البلدان المحيطة وجابهوا قوى التحالف بين الشرق الروسي والغرب الأوروبي، كان فاز بالإنتخابات ما منح تلك الأفلام قدراً من الأهمية المرحلية٠
لكن السينما الوثائقية لم تكن سبّاقة كثيراً- او في الحقيقة لم تكن سبّاقة مطلقاً بل سارت جنباً الى جنب مع أفلام روائية روّجت للنازية. أحد هذه الأفلام هو «أغنية الشباب من هايدلبرغ»  للمخرج كارل هارت  ونرى فيه صفوة الشباب الأرياني وهم يتّحدون تحت فكرة ألمانيا الجديدة.  في فيلم «فجر» لڤرنون سويوَل، الذي تم عرضه سنة 1933 نجد تضحية بحّـارين في غواصة ألمانية خلال الحرب العالمية الأولى مستخدمة كتذكير بما هو مطلوب في ألمانيا الثلاثينات. في ذات الوقت كانت الأيديولوجية النازية قد أصبحت حقيقة يومية منتشرة بين الفئات الألمانية الشعبية منها والبرجوازية على حد سواء، ولو باستثناءات. واحد من معالم تلك الفترة بداية النظر الى يهود ألمانيا والى السينمائيين اليهود في ألمانيا نظرة حذرة مفادها عدم الترحيب لا بوجودهم الوطني ولا بمساهماتهم السينمائية٠ 
وما ساعد كل هذا النشاط الإيمان العميق للنازية بالسينما كصاحبة دور إجتماعي- سياسي ملتزم. لكن ما لا يتردد كثيراً حين التطرّق حول هذا التاريخ هو أن هذا الإيمان لم يكن ليحتل أي مساحة فعلية لولا حب هتلر وغوبلز وآخرون للسينما. والقول أن شانب هتلر تم تصميمه على نحوه الشهير بعدما شاهد هتلر أفلاماً لتشارلي شابلن بات معروفاً، كذلك دور تشارلي شابلن في الأربعينات في التصدّي لفكرة النازية حين أخرج فيلمه الرائع »الدكتاتور العظيم« سنة 1940

تناقض
كان طبيعياً حين نشبت الحرب العالمية الثانية طبع تلك الحرب على أفلام. ورسالات تلك الأفلام توزّعت حسب المنتج. تلك النازية أشتغلت على فكرة الترويج لها في البداية بينما السينما الصادرة من الدول التي حاربت ألمانيا في تلك الحرب روّجت لضرورة تحرير أوروبا وردع ألمانيا. على أن هذا هو في الخطوط العامّة. الأفلام في جلّها تنوّعت كثيراً بين تلك التي استغلّت ما حدث لليهود فانطلقت في بروباغاندا مناوئة بدا فيها العنصر اليهودي كما لو كان العنصر الوحيد الذي تعرّض لمحاولات الإبادة، وهذا النوع من الأفلام لا يزال متوارثاً إلى اليوم ولو أن هناك في السنوات الخمسة عشر الأخيرة عدد متزايد من تلك الأفلام التي حاولت أن تقول أن ليس كل اليهود في خانة الضحايا وليس كل الألمان في خانة الجلاّدين. أحد الأفلام التي شجعت إعادة الإعتبار كان »لائحة شيندلر«، لكن ليس من باب النقد او تبيان الواقع، بقدر ما كان من باب الوصول الى نتيجة أن الحق اليهودي في أرض فلسطين كان أمراً طبيعياً لشعب تعرّض لما تعرّض إليه من قِبل النازيين٠
في فيلم ستيفن سبيلبرغ الآخر «إنقاذ المجنّد رايان» تتبدّى رغبة المخرج في تنميط الألماني كما كانت تفعل من الأربعينات وصاعداً الأفلام الحربية الأميركية عموماً. في تلك الأفلام، وفي مثيلاتها من البرامج التلفزيونية، لم يكن هناك مجال للبحث في الشخصيات على مستوى إنساني الا إذا ما كان الفيلم معادياً للحرب بصورة شاملة . أحد هذه الأفلام المعادية ، وعلى سبيل المثال فقط، »هجوم« للمخرج الأميركي روبرت ألدريتش (1965) الذي وجد في قصّـته التي تدور خلال فترة التحرير، شخصيات يعايشها المخرج كما هي في الواقع المتخيل وليس في الواقع القائم على التمنيّات. لذلك فإن شخصياته كما نهايته السوداوية تمنح الفيلم قدراً كبيراً من واقعية الرسالة التي في حوزته٠
التناقض التام لهذا الفيلم نجده في أفلام كثيرة من بينها الأميركية أيضاً «الدزينة القذرة» الذي أخرجه روبرت ألدريتش أيضاً وبعد عشر سنوات فقط على الفيلم الأول. هنا، وعلى الرغم من تصوير داكن للبطولة يشابه التصوير الداكن للبطولة في الفيلم السابق، الا أن الرسالة ليست ذاتها: الدزينة القذرة تلك مؤلّفة من متطوّعين سيجدون في مهمّة الوصول الى المعاقل النازية وقتل الجنود الألمان كل ما يحتاجونه لأجل تقويم مسارات حياتهم٠

لا بطولة
لكن في الوقت الذي كانت فيه السينما الأميركية وسواها في أوروبا يصوّرون الألمان على نحو تنميطي، سواء في أفلام حربية او في أفلام جاسوسية ودرامية أخرى، كانت السينما السوفييتية والأوروبية الشرقية عموماً تحوّل سير وقصص الحرب المذكورة الى وسيلة للتجيير النصر الى ستالين والحزب الشيوعي الذي، حسب ذلك المفهوم، قاد البلاد كلّها الى النصر٠
طبعاً، ومن دون شطط، وقفت القيادة السوفييتية وراء النصر في كل تلك المعارك التي خاضها الجيشين الروسي والألماني، لكن الذي حقق النصر كان الجيش نفسه والمتطوّعين من الفلاحين والعمّال. أما ستالين فقد كان جائراً قبل الحرب وبقي جائراً بعدها٠
في الوسط من كل هذه التيّارات، وهذا هو جزء يسير من حقل شاسع يتّسع لكتاب كامل، استطاعت بعض الأفلام التي خرجت في السبعينات من إلقاء نظرة مختلفة على المحنة النازية. من روسيا قدّمت لاريسا شوبتكو فيلمها الرائع »الصعود« حول محنة السجين الروسي الذي يسعى للبقاء حيّاً بعد إلقاء القبض عليه وطريقته الوحيدة في ذلك هي التعاون مع النازي. من ألمانيا الديمقراطية (الشرقية)  قدّم كونراد وولف فيلماً مشابهاً عنوانه »ماما، أنا حي« عن محنة الألمان تحت قبضة الجيش الروسي٠
والأميركي سام بكنباه قدّم فيلماً من إنتاج ألماني بعنوان «صليب من حديد» تقع أحداثه على الجبهة الروسية- الألمانية. بطله (جيمس كوبرن) روسي ومفاد الفيلم هو أن لا بطولة روسية مقابل لا بطولة ألمانية. الجميع كانوا في هوا الغريزة اللا إنسانية سواء بسواء٠
   
فلسطين
السخرية من الحرب لا تقع في ذات التصنيف مع الأفلام المعادية لها. فالأولى تبقى متحررة من الإلتزام بالوقائع لأجل أن تسخر من الحرب ورسالاتها، بينما تعمد الثانية الى الواقعية، في معظم الأحيان، لكي تنجز رسالتها المعادية من دون تمويه٠
أحد أفضل الأفلام الساخرة التي عُرضت علينا حديثاً »الكتاب الأسود« بول فرهوفن الذي هو مزيج مسل من المواقف المشوّقة في إطار من قصص متخيّلة عن مقاومة يهودية- مسيحية مشتركة ضد النازيين. في هذا المجال، لا كل اليهود طيّبون ولا كل النازيين أشراراً 
إنه حول إمرأة يهودية أسمه راتشل (تؤديها كاريس ڤان هوتن) تدّعي إنها مسيحية لكي تهرب من المصير المحتوم وتنضم الى بعض المقاومين اليساريين الذين يريدون تسريبها الى داخل القيادة النازية للتجسس. بعد  قليل تنجح في المهمّة لكن الضابط الذي يقع في حبالها يختلف عن باقي النازيين .تستطيع أن تقول عنه أنه النازي الجيّد، كما تستطيع أن تقول عن بعض رفاق الفتاة أنهم يهود أشرار. ومع أن  الفيلم يبدأ وينتهي في فلسطين، الا أنه ينأى عن أن يكون دعاية لوطن جديد على غرار فيلم سبيلبرغ »لائحة شيندلر« الذي عاد في »ميونخ« ليقلب حجراً كان بحاجة أن يُقلب مصوّراً عمليات القتل المتبادل بين شعب  خرج من وطنه حال وجد شعب آخر وطناً يدّعون أنه لهم٠

مخرجون كبار | لاريسا شوبتكو: عاشت لغيرها وماتت قبل الأوان

كتبت سابقاً عن هذه المخرجة الرائعة وأعتقد أنني سأعود إلى ما كتبته
قريباً وأعيد نشره. لكن قبل أن أفعل ذلك، لابد من توضيح من هي هذه
المخرجة التي عاشت لسينما مؤلمة وماتت قبل أوانها؟

أولاً، الجميع ينسى. لا تقل لي هذا الناقد وذاك. النقاد أوّل من ينسى والذي لا يعرف ربما لن يعرف. مشغولون بتصحيح الكون حسب مقاماتهم، بينما كل ما كان عليهم أن يفعلوه هو التآلف لتقديم ثقافة سينمائية حقّـة تصلح لإعادة الروح التي خرجت من الناس بفعل أزمات العصر الطاحنة: الحروب والمجاعات والفساد الإجتماعي والإداري. 
لكن سأرضى أن لا أقول أكثر من ذلك. الموضوع ليس عن أزمات العصر ولا عن الزومبيز الذين حوّلوا الإنسان الطبيعي إلى جسد منهوش، بل عن واحدة أرقى من هذا العالم بكثير. عن مخرجة روسية عرفتها وأحببتها أسمها لاريسا شوبتكو. 
في الستة عشر سنة الفاصلة بين تخرّجها من معهد التصوير السينمائي ووفاتها في حادث سيّارة بينما كانت راجعة من معاينة مكان تصوير فيلم لها، ووفاتها في الثاني من حزيران/ يونيو سنة 1979 عن 41 سنة، تبلورت لاريسا شوبتكو إلى واحدة من نجمات السينما الروسية اللامعة. كانت إمرأة ذات ملامح دقيقة. وجه عريض وعينان كبيرتان مشعّـتان وجمال أخّـاذ، لكنها كانت أيضاً ذات روح متعَـبة. في العام 1971 حققت فيلماً جميلاً عنوانه «أنا وأنت» تطلّب منها جهداً كبيراً كونه ووجه بمعارضة الرقابة السوفييتية على عدد من المشاهد والمسائل بينها مقدّمة من عشر دقائق إعتبرتها المخرجة بالغة الأهمية لما سيلي عرضه. حاولت الإعتراض، لكن أستاذها ميخائيل روم (وهو مخرج شيوعي لا غُـبار عليه من قِـبل السلطات) إنضم إلى الناصحين طالباً منها حذف تلك المقدّمة (التي لن نعلم ما كانت تحتوي تحديداً). وإذ فعلت أدركت أنها تنازلت وهذا ما أصابها بإضطراب نفسي استدعى علاجها قبل أن تخرج قويّـة مقررة أنها لن تذعن أو تتنازل بعد الآن.
الإستاذ الذي أعجبت بتعليماته واعتبرته أباً روحياً لها كان ألكسندر دوفشنكو [مخرج من رعيل الأول حقق أول أعمله سنة 1926 وآخرها سنة 1949 ومن أفضل وأشهر ما أنجزه «مستودع أسلحة» و«أرض»] الذي علّمها حين كانت لا زالت طالبة: "المخرج عليه أن يتبع حدسه وأن يكون أميناً لما يريد". وهي حاولت ذلك، واعترفت قبل وفاتها في حديث لمجلة روسية الفيلم السوفييتي») أنها لم تستطع دائماً أن تكون أمينة لما تريد. وهناك أكثر من حديث أدلت به، بينها واحد في فيلم حولها بعنوان «لاريسا» (1981) بأن مرجعها الأهم هو دوفشنكو. من بين ما تعلّمته هو أن على كل مخرج أن يعتبر أن فيلمه الجديد قد يكون آخر أفلامه.
هذا الإعتبار صحيح بصرف النظر عن النظام. قد يتوقّـف حال المخرج (أي مخرج) في بلد رأسمالي أو في بلد اشتراكي أو في بلد لا يتّبع أي من هذين النظامين (فوضوي أو بين بين). فيلمها الأخير «صعود» (1976) لم يكن آخر أعمالها فقط، بل حمل بعض تلك الروح المتمرّدة. كونه يتحدّث عن تنازل جندي روسي عن واجبه القومي بعدما تم أسره ولقاء أن يبقى حيّـاً كانت أشبه بمن تخلع أزمتها مع الحكم لتحكيه عبر قصّة أخرى.
The Ascent   الصعود

لاريسا رفضت رسم شخصياتها حسب الإتجاه العام: الفيلم بالأبيض والأسود، لكن الشخصيات ليست بيضاء أو سوداء. هي شخصيات حقيقية، قد ترضى بالخيانة إذا ما كانت السبيل للبقاء حيّاً. طبعاً هي لا تبرره، بل تتحدّث عنه كشخص حقيقي ولو أن نقادها اتهموها (كما اتهموا كاتب الرواية فاسيل بيكوف من قبل) بأنها ليست واقعية
ما قامت به لاريسا هو أنها مارست أكثر قدر من الفعل الليبرالي. وازنت وإن لم تتنازل عن عناصر الحكاية الأساسية ومفاداتها. موازناتها كانت محسوبة: سوف تستفيد من رقعة حريّـة لتحكي ما لا يمكن أن تتراجع فيه. واللعبة نجحت وبل نجحت أكثر لأن بطلها ذاك (وأسمه سوتنيكوف وقام به بوريس بلوتنيكوف) بدا كما لو كان- بدنياً- مرسوماً على هيئة المسيح عليه السلام. الرمز الديني ذاك معزز بالعنوان الصعود»- وهو ليس عنوان الرواية أصلاً)
لا أدري إذا ما كانت لاريسا متديّـنة. أعلم أنها صرفت حياتها للحديث عن الناس المنسيين في نظام آل على نفسه أن يخدم الشعب. تاركوفسكي كان متديّـناً على نحو روحي- هذا مؤكد، لكن لاريسا لم تظهر ذلك الإتجاه بوضوح إلا في «الصعود». سابقاً ما أظهرت رومانسية والرومانسية هي فعل روحاني في الوقت نفسه، لكنها قد ينفّذها مخرجون بصرف النظر عما إذا كانوا مؤمنين أم لا.


 نساء جيمس بوند: الحب والجنس والخيانة 
يونيس غاينس وشون كونيري 

قبل ثلاثة أعوام نشرت صحيفة "دايلي تلغراف" البريطانية مضمون دراسة قام بها أكاديميون تقول أن جيمس بوند، تبعاً لروايات إيان فليمنغ ثم تبعاً للأفلام التي أنجزت عن تلك الروايات، كان يفضّل   النساء ذوات الشعر الداكن. وقامت تلك الدراسة على معاينة الشخصيات النسائية اللواتي ظهرن في أفلامه العشرين الأولى (أي حتى العام 2002)  لكي تجد أن معظمهن كن صاحبات شعر مسدل طويل ولديها لكنة أميركية وتحمل سلاحاً.
في تلك الأفلام العشرون الأولى هناك 195 شخصية نسائية (كل من كان لديها حواراً بصوتها أو ظهرت في مشهدين أو ثلاثة في الفيلم الواحد) من بينها 98 إمرأة ارتبطن بعلاقة عاطفية مع الجاسوس الأشهر، سواء تم التعبير عنها بقبلة أو بمشهد جنسي. اللواتي اكتفين بعلاقة لم تتجاوز لمسة حارّة أو قبلة عددهن 52. اللواتي ذهبن معه إلى السرير (أو دخل هو مخادعهن) عددهن 46  وأعمارهن، نسبياً، 26 سنة من العمر. تبعاً للدراسة 27 بالمئة من النساء كن شقراوات، لكن 40 بالمئة منهن كن ذوات شعر داكن. 19 بالمئة ذوات شعر بني و9 بالمئة كن ذوات شعر قصير. 
عرقياً، بوند فضّـل البيضاوات على السوداوات أو الآسيويات: 75 بالمئة من نساء بوند كن بيضاوات، ثمانية بالمئة آسيويات وسبعة بالمئة سوداوات وقليل منهن كن من بلاد العرب أو من الهند. 

جيمس بوند، حين كنت في العاشرة من عمري، لم يعني لي الكثير. في الحقيقة كنت لا زلت أصغر من أن أفهم ما يدور بوند حوله وعنه وتحليل مواقعه المختلفة، جنسية أو سياسية أو إجتماعية أو سواها. كنت لا أزال أفضل البطل التقليدي، ذلك الذي لا يذهب إلى الفراش مع إمرأة لأني كنت أعتبر ذلك، إذا ما أخطأت ودخلت فيلماً فيه مشهد عاطفي، تضييع وقت عليّ فأنا أريد أن أشاهد البطل في "أكشن" من نوع آخر. يقاتل. يضرب أو يدافع عن نفسه. يطارد الأشرار وينتصر عليهم. سنة 1962 قام المخرج ترنس يونغ بتقديم أول بوند في السلسلة (هناك قبله خارج السلسلة) وذلك في فيلم «دكتور نو» الذي شاهدته لأول مرّة بعد عامين من إنتاجه وخرجت من دون أن أكوّن فكرة كاملة عنه. تطلّب الأمر خمس سنوات أخرى قبل أن أدرك أن هذا "البطل" مقصود به أن يكون جاسوساً ودون جواناً في الوقت ذاته.
لكن سريعاً من بعد تكوّنت فكرة أكثر إكتمالاً مع متابعة أعماله: يكشف إعتماد المرأة كوسيلة عاطفية في أفلام بوند على مسألتين ربما يفيد مراجعة سيغموند فرويد فيهما:
- المرأة هي تبرير وجود. بوند من دونها يرتاب في رجولته. معها يؤكد هذه الرجولة.
- المرأة (بالتالي) أداة جنسية. يشعر بوند بالرغبة الذكورية فيها فيمارس معها الغرام. 
وإذ أفكّر الآن، فإن ما يساعد على تأكيد هذه الفكرة حقيقة أن بوند ليست لديه صديقة (Girl Friend) دائمة. لا أقصد بالإستدامة أنها تظهر معه في كل فيلم، بل مقدّمة على أنها الفتاة/ المرأة التي تصاحبه عاطفياً كصديقة. عكس ذلك هو دائم الإنتقال (وضمن الفيلم الواحد) بين عدّة نساء وعدّة وجوه للحب.
هذا مع العلم أن سينما بوند الأولى قدّمت شخصية نسائية واحدة أسمها سيلفيا ترنش قامت بها ممثلة أسمها يونيس غايسون وظهرت معه في «دكتور نو» (1962) «من روسيا مع الحب» (1963) وحسب مصادر كان يؤمل لها الإستمرار لكن الإنتاج صرف النظر لا عن الممثلة فقط بل عن إعتماد فتاة واحدة لتكون صديقة دائمة. 
[غايسون هذه اعتزلت السينما بعد «من روسيا مع الحب»، هل يعني ذلك أنها هي التي تركت ولم تُـصرف؟]
وهناك شيء آخر خاص بهذا الجانب من موضوعنا: بوند لم يكن مخططاً له أن يكون حبيباً أميناً. هل تذكرون شخصية مس مونيبيني Moneypenny ؟ إنها سكرتيرة رئيسه "م" الخاصّـة (ولعبتها حتى فيلم «منظر للقتل» سنة 1983 لويس ماكسوَل) التي كانت دائماً ما تستقبله معلنة إهتمامها العاطفي به. لمَ لم يأخذها بوند ولو في سهرة واحدة إلى مطعم؟ لمَ لم يستفد، وهو على ما هو عليه من رغبة في المرأة، من عروضها؟
أولاً، هي ليست جميلة بما فيه الكفاية وليست صغيرة بما فيه الكفاية أيضاً. بوند نام مع ساحرات جمال شابات سواء وقفن معه في مهمّاته أو كن أعداءاً له. 
ثانياً، لو فعل لأحوى إلى علاقة دائمة، وهذا لم يكن مرغوباً.
ثالثاً، إستخدامها كطالب عاطفة يأتي في سياق أن النساء هن اللواتي يقعن في غرام بوند على الدوام ما يعزز كونهن أدوات متعة بلا شخصية قوية مستقلّـة أو مفكّرة. 
ولاحظ أيضاً: المرأة المفكّرة لا يمكن- عند بوند- أن تتجاوزه ذكاءاً. والمرأة المفكّرة، عند أفلام بوند، تصلح فقط لأن تكون عدوّته. ذكاؤها وموهبتها يحوّلانها إلى شريرة تلقائية. قوّتها البدنية عامل آخر يستخدم لإظهار شراستها واندفاعها في معادة بوند. اللواتي يمتن باكراً (كما المرأة الذهبية في «غولدفينغر») مسالمات رقيقات لكنهن أيضاً بلا أنياب لأنهن عادة ما اعتبرهن بوند صديقات. بناءاً على مقتلهن كان يدمج المهمّـة الرسمية بالمهمّـة الشخصية وينفّـذ العقاب بأعدائه. 
كونيري مع أرسولا أندريس في «دكتور نو»٠

في «دكتور نو» (ذلك الفيلم الأول سنة 1962 الذي قام بإخراجه ترنس يونغ) وإلى جانب يونيس غايسون، تمّـت الإستعانة بالممثلة السويسرية أرسولا أندريس [تُـكتب Andress لكن بعض المازحين كتبها Undress بمعنى "العارية"] لكي تؤدي دوراً رئيسياً في الفيلم. المشهد الأول لها وهي تخرج من البحر مثل حورية، وترتدي بيكيني أبيض هو مشهد كلاسيكي بين مشاهد بوند. هاهو بوند (شون كونيري) يرتاح تحت شجرة ظلال على شاطيء الجزيرة التي جاء إليها مستطلعاً وها هي تخرج من البحر تنشّف شعرها. هي سريعاً من اللواتي يمكن الوثوق بها ومثله تقع في قبضة المنظّـمة التي جاء يحقق في نشاطاتها. الفتاة العدوّة هي مس تارو (زينا مارشال) التي تجذبه إلى مخدعها. بوند في الكثير من أفلام ينام مع الفتيات اللواتي إما يعلم خيانتهن أو يكتشف تلك الخيانة لاحقاً (غالباً ما يعرف أنهن عميلات لأعدائه). كون مس تارو عميلة لعدوّه وشاركت في نصب فخ تمكّـن بوند من تجنّب الوقوع فيه لا يمنعه من اقتناص الفرصة للنوم معها قبل البت بمصيرها (مصيرها هنا هو تسليمها للشرطة لكن مصير أخريات كان الموت عاجلاً أو آجلاً).
هذا الإهتمام بفيلم «دكتور نو» ليس سوى كونه نموذجاً لكل ما سارت عليه أفلام بوند ما عدا تلك الأخيرة (من «العالم ليس كافياً) وذلك بإستثناء «في خدمة مخابرات صاحبة الجلالة» On Her Majesty's Secret Service حيث يقع جيمس بوند (جورج لازنبي) في الحب فعلاً ويتزوّج من المرأة التي أحب لكنها تُـقتل فينطلق للإنتقام.




All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2013

1 comment:

Disqus Shortname

Comments system