أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Mar 10, 2013

إثارة سياسية وجنسية عند ناغيزا أوشيما و"مملكة الحواس»



 ترقّـبوا إنطلاقة جديدة 


Year 6| Issue 787
أنجزها ناغيزا أوشيما ورحل 
سينما يسارية ضد اليسار واليمين اليابانيين

بإستثناء مقالات سورع بكتابتها للمناسبة، لم يُـثر موت المخرج ناغيزا أوشيما (2013-1932) أكثر من عناوين عابرة في معظم الصحف والمجلات العربية. أحد أسباب ذلك أن أفلامه التي سنح لنقاد عرب مشاهدتها قليلة (وبعضهم لم يشاهد له أي فيلم)، والسبب المهم الثاني، أن أوشيما في حياته المهنية لم ينجز تتابعاً من الأفلام التي أتيح لها الإنتشار عالمياً. في الحقيقة لديه فيلمان فقط شهدا نوعاً من الإنتشار هما «في مملكة الحواس» (1976) و«ماري كريسماس، مستر لورنس» (1983). ما بينهما وما قبلهما مرّ من دون أن يلفت الإهتمام لا عربياً فقط، بل في ضروب مختلفة حول العالم.
أوشيما كان معبّـراً، أكثر من سواه، عن صوت اليسار في السينما اليابانية. في ذلك هو قريب الشبه بالإيطالي بيير باولو بازوليني. وهو تمرّد على المؤسسة أكثر من مرّة وسعى من خلال أفلامه إلى نقد السُلطة اليابانية في أكثر من حقبة مستنداً إلى مفاصل تاريخية مشهودة ناسجاً عليها حكايات تجمع بين الخيال والوصف الدرامي الواقعي للحالة التي يصفها.
في الواقع، نجد أن واحداً من أعماله السينمائية،  الباكرة وهو «الليل والضباب في اليابان» يطرح مشكلة النزاع بين اليسار القديم واليسار الجديد. أوشيما، الذي درس العلوم السياسية أوّلاً، ينطلق في هذا الفيلم من مشهد عرس مرتقب بين صحافي وناشطة سياسية وسريعاً ما يعرّض علاقتهما إلى مختلف الأسئلة حول المرجعيات الفكرية التي تشد كل منهما إلى رأيه، وكيف أن لقاءهما خلال حركة الإحتجاج على أول معاهدة يابانية- أميركية كانت بمثابة شعلة توهجت ثم تهددت بالإنطفاء نتيجة تراجع الحماس لدى البيئة السياسية التي تحتضن بطليه. 
في مملكة الحواس

ذلك الفيلم كان أيضاً بداية إختلاف المخرج عن أعماله الأولى التي سبرت غور أسلوب تقليدي. وكان أيضاً فاصلاً مهمّـاً في حياته السينمائية على صعيد آخر. فستديو شوشيكو الذي أنتج هذا الفيلم سحبه من العروض بعد أيام قليلة على أساس أنه قد يؤدي إلى قلاقل أمنية (كان رئيس الحزب الإشتراكي الياباني أنجيرو أسانوما قد أغتيل قبل أيام من بدء عرض الفيلم). حيال ذلك أوقف المخرج تعامله مع الاستديو رافضاً أن يتعرّض فيلمه لمثل هذا الموقف وأسس شركته الخاصّة.
علاقات فوقية
الياباني والآخر كان دوماً في قلب اهتمامات أفلام أوشيما. لا يعني ذلك أن هذه المسألة كانت مطروحة في كل فيلم من أفلامه، بل يعني أنها تواجدت في أكثر من فيلم. نعود إلى سنة 1961 لنجده يطرح موضوع أسير أميركي في قرية يابانية خلال الحرب العالمية الثانية وذلك في فيلم بعنوان «الإمساك» أو «القبض» The Catch.
في الستينات أيضاً نجده يعالج موضوع المعاملة العنصرية التي تعرّض إليها الكوريون من قِبل اليابانيين خلال الحرب بينهما وما بعد. في «أطروحة حول أغنية يابانية» (1967) وفي العام التالي يعود إلى الشخصية الكورية المُـساء إليها في «ثلاث سكارى مبعوثون». وفي العام ذاته، «الموت شنقاً» حول حادثة واقعية حاك منها أوشيما فيلماً ذا دلالات سياسية واضحة حول ذلك الياباني الذي اتهم بجريمة لم يرتكبها وحوكم بتعسّـف يكشف، حسب الفيلم ومخرجه، عن الضغينة التي يكنّـها الياباني لجيرانه.
الموضوع الثاني من حيث تكراره هو الجنس كعامل سياسي. «في مملكة الحواس» كان تعبيراً عن هذا العامل من خلال حكاية علاقة بالغة العنف بين عاشقين يمران بسلسلة ممارسات جنسية  في وقت تمر فيه البلاد بمرحلة انتقالية (إرتفاع النبرة العسكرية والفاشية). إنه بمثابة إنهيار الفرد في ظل سُلطة دكتاتورية.
لكن حتى من قبل هذا الفيلم الذي نال أوسع شهرة بين أعمال أوشيما جميعاً، أنجز المخرج عدداً من تلك الأفلام المشابهة وإن كانت أقل عنفاً من بينها «مفكرة شينجوكو» (1968) و«الفتى» (1969) و«الإحتفال» (1971).
الباحث بين أعمال ناغيزا أوشيما سيجد اضطراباً في المستويات. بعض أعماله الأولى جدّاً غير دالة على أي موهبة. تلتها أفلام، مثل «القبض» و«مفكرة لص شينجوكو» و«الفتى» يكشف عن امتلاكه موهبة تقديم سينما يابانية تنتمي إلى نهضة الستينات حول العالم. تماثل في كيانها سينما الموجة الفرنسية الجديدة- طرار جان- لوك غودار ومضامين السينمات اللاتينية وغضب السينما البريطانية.
«في مملكة الحواس» لم يكن عملاً جيّداً على الصعيد السينمائي البحث بصرف النظر عن الصدمة التي أحدثها وعن تلقّـفه الفائض عن الحاجة بالنسبة لنقاد الغرب، ولمن ينقل عنهم عربياً. لكنه كان مهمّـاً بالنسبة لمسيرة المخرج. فيلمه هذا جاء غارقاً في مشاهد الممارسات الجنسية العنيفة للصدمة وليس للفن. نعم المشاهد رصينة في جدّيتها والفيلم كله كذلك، لكن هذا لا ينفي أنه استخدم الفيلم ليُـثير من حوله كل ذلك الحجم من الإهتمام والإقبال ونجح. وهو حاول إتباعه بفيلم مماثل في صدامه رغم اعتماده الأقل على المشاهد الجنسية الواضحة والرسالة السياسية المبيّـتة في فيلم بعنوان قريب هو «مملكة العاطفة». حكاية عن روح زوج كانت الزوجة وعشيقها قتلاه قبل ثلاث سنوات وروحه الآن تحوم حولهما. 
في العام 1983 أقدم أوشيما، الذي كان اكتسب شهرة دولية، بتحقيق فيلمه الوحيد الناطق بالإنكليزية وهو «ميلاد سعيد، مستر لورنس» حول حياة جنود وضبّاط بريطانيين في معسكر اعتقال ياباني خلال الحرب العالمية الثانية. نافذة المخرج للحديث في هذا الفيلم هي العلاقة السادية بين المعتقِـل والسجين. بعده بثلاث سنوات حقق «ماكس، حبّي« الذي لم يترك أثراً. وفي العام 1996 سقط في أرض مطار هيثرو مصاباً بنوبة قلبية ألزمته الفراش طويلاً إلى أن حقق فيلمه الأخير «تابو». لكن الفيلم ذكّـر به ومضى. 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2013
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system