Mar 28, 2013

السينما والعنف: هل يتعايشان معاً؟ | آنغ لي يتذكر | سينما الإنتاجات الكبيرة | رتشارد فلايشر الجزء 2


Year 6 | Issue 789 
تيارات | محمد رُضــا                                                             

هل يستطيع العنف والسينما التعايش معا؟                                               
The Last Stand

السؤال المتكرر الذي يواجهه العديد من نجوم السينما الأميركية هذه الأيام هو إذا ما كانوا يرون علاقة ما بين مشاهد العنف والقتل في السينما وبين قيام العنف والقتل في الحياة اليومية خارج جدران الصالة السينمائية. السؤال طُـرح على ثلاثة ممثلين قاموا، مؤخراً، ببطولة ثلاثة أفلام بُـنيت جميعاً على قدر كبير من العنف والعديد من الضحايا بمن فيهم غير الأبرياء.
هؤلاء الممثلون هم سلفستر ستالون الذي لعب بطولة «رصاصة في الرأس» لوولتر هيل، أرنولد شوارتزنيغر الذي قاد فيلم «الوقفة الأخيرة» لجي-وون كيم وبروس ويليس الذي اضطلع ببطولة «يوم طيّب للموت» أو Die Hard 5 كما عرف في عدد من عروضه الدولية. والثلاثة اشتركوا في بطولة فيلم «المستهلكون الذي لم يقل عنفاً متحدّثاً عن فريق يرى الحل في الإنتقام والقتل المضاد.
جواب كل من هؤلاء على السؤال هو بالنفي القاطع. بداية من ستالون الذي قال: "لا أرى أي علاقة بين ما نقوم به على الشاشة وبين ما يحدث في الشارع. السينما ليست مسؤولة عن أشخاص يرتكبون الجريمة في الشوارع".
أرنولد شوارتزنيغر قال بصوته العالي: "أبداً. ليست هناك أي علاقة بين العنف على الشاشة وبين العنف في الواقع. العنف في الواقع له مسببات إجتماعية. العنف على الشاشة تنفيس. في الحقيقة هو الذي يلعب الدور الأول في الحد من العنف اليومي".
ومثلهما نفى بروس ويليس حين سئل مؤخراً وجود أي رابط وتحدّى محدّثه قائلاً: "إعطني مثالاً واحداً على أن شخصاً خرج من فيلم ليرتكب جريمة قتل. هذا لم يحدث ولا يحدث. وأنت لا تملك دليلاً واحداً على ما تقول".
لهؤلاء جميعاً، كما لسواهم من الممثلين الذين يؤدّون حالياً أفلاماً تتساقط فيها الضحايا ووتطاير فيها الرؤوس أو تصطدم فيها الحافلات وتتهاوى خلالها المباني ساحقة ضحايا أبرياء، مصلحة في نفي العلاقة: كل منهم بنى شهرته ونجوميّته كما ثروته الكبيرة على أدوار البطولة الفردية في أفلام تتوجّـه إلى الجمهور السائد ببطل عادة وحيد يقرر ممارسة واجبه الوطني كما يراه وما يراه، يستمر الفيلم في القول، هو ما علينا نحن كمشاهدين أن نراه ونوافق عليه. 
مثل جيمس بوند لكن من دون التشبّـه به وبنوعية نشاطاته بالضرورة، لدى كل واحد من هؤلاء رخصة للقتل أما ممنوحة له من قِـبل المؤسسة أو منحها هو لنفسه عنوة عنها وسيثبت الفيلم في نهايته أنه كان على حق.

حس شعري وجمالي
لكن هل الرابط مفقود بالفعل بين ما يُـعرض على الشاشة وبين ما يقع في الحياة اليومية.
هل «غولال» و«غاجيني» و«دوشمان» و«راختا شاريترا» وكلّـها أفلام هندية حديثة هي المسؤولة عن تفشّي ظاهرة الإغتصاب الجماعي التي تتناقلها الصحف اليوم وتثير قلق المسؤولين الهنود من نتائج سلبية سياسية واقتصادية؟
حين قام سام بكنباه سنة 1968 بتحقيق فيلم «الزمرة المتوحّـشة» حول مجموعة من اليائسين الراغبين في إتمام عملية سطو مسلّـح أخيرة قبل الإفلات من القانون والتوجّـه إلى المكسيك للعيش برغد وحريّـة استخدم مشهدي البداية والنهاية كحلقتي وصل للتنديد بالعنف عبر العنف نفسه. الرصاص يتطاير، في كلا المشهدين، لكي ينجلي عن ضحايا مسلّحين وأبرياء. تلتقط الكاميرا تساقطهم من أسطح المنازل أو على الأرض بـ "سلوموشن" مدروس للضحية أول إصابته. تقطع إلى مشهد آخر ثم تعود إلى الضحية وهو في منتصف السقطة، ثم تعود إليه مرّة ثالثة وهو يرتطم بالأرض. هناك حس شعري وجمالي بالموت. إحتفاء باللحظات الفاصلة بينه وبين الحياة. الجمهور لم يكن مستعدّاً لذلك. فالموت في الأفلام السابقة كان إما متوارياً أو مخففاً أو فردياً (إلا في أفلام العصابات القليلة). وعادة ما يتم بطلق ناري واحد يسقط بعده المجرم (البطل قلّما يموت) سريعاً.
في فيلم باكنباه أُريد للحظة أن تمتط. أن تحتل وقتاً وأن تجسّد حالة. لكن في هذا العنف كان الرادع موجود. ليس هناك ما يمكن نقله إلى الحياة الحاضرة. تشاهد وتقبل أو لا تقبل ثم تخرج وبالك لا زال في الفيلم. لست تحت تأثير عنفه بل تحت تأثير الوجهة التي اختارها المخرج لتقديم ذلك العنف.
The Wild Bunch
في العام التالي، رفض المخرج آرثر بن أن يقطع بعيداً عن جسدي وورن بيتي وفاي داناواي وهما يتعرّضان لوابل من الرصاص المنهمر من عدّة رشاشات ومسدّسات في فيلمه البوليسي «بوني وكلايد». كانا في السيارة البيضاء في الحقل وتوقّـفا تبعاً لخطّـة للبوليس الفدرالي وقبل أن يدركا ما الذي يحدث إنهمر الرصاص عليهما ممزقاً جسديهما بلا توقّـف حتى النفس الأخير. بعد الفيلم لم تسجل دوائر البوليس حوادث في الحياة نسخت ذلك المشهد، أو أي من المشاهد قبله، ومارسته.
إنه حقيقة واقعة أن العنف متشرّب إجتماعياً عبر مسببات غير مرتبطة بما يقع على الشاشة. فالسينما الحربية لم تتسبب في الحروب الأهلية أو في أي حرب. وسينما الرعب لا تدفع بالمشاهدين إلى إرتكاب الجرائم. وليس من فيلم تحدّث عن أكل لحوم البشر كان وراء هؤلاء الذين ارتكبوا جرائم مماثلة. لا الكوري الذي روّع باريس إيساي ساغاوا ولا الأوكراني أندريه شيكاتيلو الذي فتك بأرواح خمسين ضحية ولا الأميركي جفري دامر تأثر بفيلم عنيف وانطلق منه ليمارس فعلته. كل من هؤلاء، وهم بعض من أعتى المجرمين في التاريخ، تشرّب عنفه من مواضع بيئية ونفسية وتربوية لا علاقة لها بأفلام الرعب والجريمة.
على الرغم من ذلك كله، فإن الفيلم المبني على العنف فعل لا قيمة له. ذلك الذي يسوق العنف في تشكيل فني أو أسلوبي ولغاية تتجاوز العنف لرصد حالات فردية أو إجتماعية أو سياسية يبقى بعيداً عن الإيعاز بالجريمة. ما هو ثابت أن الأفراد الضعفاء ينحتون من الموسيقا والكتب والسينما كثقافة شعبية شاكلة أفعالهم الناشزة. نعم ليس هناك من فيلم يتسبب في جريمة مباشرة، لكن هناك ثقافة تستطيع أن تثري الجريمة وأخرى تحد منها.

عندما كف باكنباه عن العنف مرّة

في حياته أخرج الراحل سام بكنباه [1984-1925] مجموعة من أفلام الوسترن والحرب والبوليسي العنيفة ما جعله مصدر شكوى الإعلام الأميركي أكثر من مرّة. في العام 1970 (ومباشرة بعد «الزمرة المتوحّشة» الذي لا يمكن إحصاء قتلاه) قرر تحقيق فيلم وسترن خال من العنف. لكن الفيلم سقط تجارياً ما جعله يردد في مقابلاته: "عندما استجبت لنداء المنتقدين وحققت فيلماً بلا عنف، لم يقبل عليه أحد"!



حياة أحمد القبيسي                                                           
آنغ لي: حلم لا ينتهي أبداً

خصنا الصديق أحمد القبيسي بلقاء مترجم يتناول
فيه المخرج آنغ لي (صاحب «حياة باي») جزءاً 
من مرحلة دخوله العمل السينمائي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ   

" في العام 1978 حين تقدمت لدراسة الفيلم في جامعة الينوي , اعترض والدي بشدة .علق على ذلك بإعطاءي إحصائية ’ كل عام , يتنافس قرابة  50 الف من الممثلين من أجل 200 دور متوفر في برودواي .’ خلافا لنصيحته ,أستقليت طائرة الى الولايات المتحدة . توترت العلاقة فيما بيننا أذ أننا خلال العقدين اللاحقين , لم نتبادل سوى أقل من 100 جملة خلال مراسلاتنا.
مرت بضع سنين , بعد تخرجي من مدرسة الفيلم , بدأت أفهم مخاوف والدي . لم يكن يسمع بالكاد عن فنان واعد قادم من الصين يشق طريقه بنجاح في صناعة السينما الأميركية . بدءا من عام 1983, عانيت بألم خلال ستة أعوام في حالة من عدم اليقين الميؤوس منه . في كثير من الاوقات , كنت أقوم بمساعدة طواقم الافلام مع معداتهم أو العمل كمساعد رئيس تحرير , من ضمن عدة وظائف متنوعة . أما تجربتي الأكثر إيلاما كانت تتضمن تسويق سيناريو فيلم لأكثر من ثلاثين شركة أنتاج مختلفة ، ويتم مقابلتي برفض قاسي في كل مرة.
في ذلك العام , كنت قد بلغت الثلاثين من عمري . كان هنالك مقولة صينية ’ عند الثلاثين , يقف المرء راسخا ’ . حينها , لم يكن باستطاعتي حتى مساعدة نفسي . ماذا باستطاعتي أن أفعل ؟ هل أنتظر ؟ , أو أتخلى عن حلمي بصناعة الافلام السينمائية ؟ عندها أعطتني زوجتي دعما لا يقدر بثمن .
كانت زوجتي زميلتي في الكلية. كانت متخصصة في علم البيولوجيا , وبعد التخرج , ذهبت للعمل في مختبر صغير للبحوث الدوائية . كان دخلها متواضع بشكل رهيب . في الوقت ذاته , كان لدينا ابننا الاكبر، هان , لتربيته . ولكي أسترضي مشاعري الخاصة من الشعور بالذنب , أخذت على عاتقي كافة الاعمال المنزلية  – الطبخ , التنظيف , الاهتمام بطفلنا الصغير – بالإضافة الى القراءة , مشاهدة الافلام و كتابة النصوص الفنية . عند كل مساء وبعد إتمام تحظير العشاء , كنت أجلس مع أبننا هان على الدرجات الامامية للمنزل , أحكي له قصصا أثناء انتظارنا لامه – الصيادة البطلة – لكي تعود الى المنزل ومعها قوتنا (الدخل) . 
كان هذا النوع من الحياة غير مشرف بالنسبة الى رجل . من جهة , قام أهل زوجتي بإعطاء أبنتهم مبلغا من المال , كان من المفترض أن يكون هذا المبلغ كمقدمة لي من أجل أن أفتتح مطعما صينيا – أملين أن يساعدني هذا العمل الجديد في أعالة العائلة. لكن زوجتي رفضت المبلغ . وحين علمت بما دار بين الاثنين , بقيت أفكر لعدة ليال وحينها قررت : أن ذلك الحلم لدي لم يكن مقدرا أن يتم .لابد لي من مواجهة هذه الحقيقة.
لاحقا ( وبقلب مثقل ) , التحقت بدورة للكومبيوتر بكلية تقع بالقرب من منزلنا . في وقت عندما يبدو أن العمل سيتغلب على كافة الاعتبارات الاخرى . بدا الامر وكأن المعرفة بعلم الكومبيوتر يمكنه أن يجعل مني موظفا . في الأيام التي تلت ذلك، تولد لدي شعور بالضيق . لاحظت زوجتي سلوكي الغير عادي ,حينما  اكتشفت جدول المحاضرات المدسوس في حقيبتي . لم تقدم على أي تعليق في تلك الليلة . 
في صبيحة اليوم التالي , وقبل أن تصعد في سيارتها متجهة الى عملها , التفتت زوجتي الى الخلف أذ كنت-  واقفا على الدرجات الامامية للمنزل- وقالت لي ’ أنغ , لا تنسى حلمك . ’
كان ذلك الحلم خاصتي – الغارق بمتطلبات الحياة الواقعية – قد عاد مجددا للحياة .عندها حينما أوقفت  زوجتي السيارة وأوصلتني الى الجامعة , أخذت جدول المحاضرات خارج حقيبتي ببطء ,وقمت عمدا بتمزيق الجدول أربا. وقذفت به في سلة المهملات .
لاحقا وبعد وقت قصير , حصلت على دعم مادي للسيناريو الخاص بي , وبدأت أصور أفلامي الخاصة . بعدها , بدأت بعض من أفلامي بالحصول على جوائز دولية . بالعودة الى الاوقات السابقة , اعترفت  زوجتي ’ كنت دائما على يقين من أنك بحاجة الى هدية واحدة . هديتك كانت صنع الافلام . كان هنالك الكثير من الاشخاص يدرسون الكومبيوتر , لكنهم فعليا  لم يكونوا بحاجة الى أنغ لي ليقوم بذلك . أذا كنت تريد ذلك التمثال الذهبي , فعليك أن تلتزم بذلك الحلم .’
واليوم , وقد فزت بذلك التمثال الذهبي . أعتقد أن مثابرتي وتضحية زوجتي التي لا حصر لها كانا قد تلقيا مكافأتهم أخيرا . والان أنا على ثقة أكثر من أي وقت مضى : لابد لي من مواصلة صنع الافلام . 
أنظر, لدي هذا الحلم الذي لا ينتهي أبدا "
        


تقارير                                                                           
سينما الإنتاجات الكبيرة ثقيلة الوزن بطيئة الحركة
Man of Steel

عندما يحل موعد عرض «رجل الفولاذ» في الرابع عشر من حزيران (يونيو) المقبل يكون الفيلم  السادس في سلسلة شوبرمان قد أكمل سبع سنوات من التحضير. فالنية لإنتاجه بدأت حالما شهد الفيلم السابق «عودة سوبرمان» نجاحاً جيّـداً تجسّـد في إيراداته العالمية التي بلغت 390 مليون دولار. شركة وورنر أوعزت إلى مجموعة من الكتّـاب بتقديم مقترحاتهم لإطلاق حلقة جديدة من ذلك المسلسل، وبالفعل تجاوب عدد كبير من الكتّـاب قبل أن تقرر الشركة إغلاق ملف سوبرمان حتى يتسنّى لها مراجعة نفسها. 
في العام 2009 فتحت الملف مجدداً وقبلت قصّـة وضعها ديفيد غوير وكريستوفر نولان (مخرج سلسلة «باتمان») وأعلن عن أن نولان هو الذي سيقوم بإخراج الفيلم الجديد. لكن نولان كان منشغلاً بالرجل الوطواط ما فتح الباب أمام الإحتمالات المتعددة. وطوال عامين، 2010 و2011 تمّت مقابلة العديد من المخرجين لاستطلاع آرائهم وأفكارهم حول المشروع إذا ما اختارهم الإنتاج لهذه المهمّـة. من بينهم توني سكوت ومات ريفز ودانكان جونز ودارين أرونوفسكي وبن أفلك. والأخير إعتذر سريعاً مبرراً إعتذاره بأنه لا يفهم كثيراً في شغل المؤثرات الحديثة. لكنه قال في وقت لاحق: "تعلّـمت أن عليّ إختيار أعمالي من دون الإهتمام بالميزانية ولا بالمؤثرات. القصّـة هي الأهم".
في النهاية استقر الرأي على زاك سنايدر الذي أقنع الشركة برؤيته للفيلم وبطله وكيفية إعادة سوبرمان إلى العلن بنجاح. 
وكما الحال بالنسبة لعملية البحث عن المخرج، تعرّض تعيين ممثل جديد للدور إلى عقبات. في الجزء الخامس من المسلسل تم تقديم ممثل بإسم براندون راوث للدور، لكنه لم ينجز المهمّـة الموكلة إليه بنجاح، ولم يأت الفيلم على نحو جيّـد على كل حال. النيّـة هذه المرّة كانت استبدال براندون بسواه، وبالفعل عوين عدد من الممثلين المحتملين من بينهم أرمي هامر وزاك إفرون وماثيو غود، قبل أن يتم إختيار هنري كافيل للدور الطائر.
ما يكشفه كل ذلك البحث والتنقيب هو بنيـة معقّدة لإنتاج الأفلام في هوليوود (كما في سواها ولو أن هوليوود تبقى الأكثر تعقيداً) مفادها أن توفير 200 مليون دولار لأي فيلم يجب أن يمر بعملية فلترية طويلة يتم فيها تصفية الأسماء وتحليل القدرات ودراسة الأسواق وتخطيط الحملات الإعلامية على نحو صحيح. الإنتاج الناجح في هوليوود اليوم، هو ذلك الذي يستطيع أن يقرأ المستحيل وهو: كيف سيتصرّف الجمهور حيال الفيلم حين عرضه وتبعاً لأي معطيات وعناصر.

فرصة أخرى
والحقيقة أن هذه المصاعب ليست حكراً على الأفلام المكلفة وحدها، لكن ما تتمتّـع به الأفلام الصغيرة والمستقلّـة عموماً هو أنها تستطيع بسهولة استرداد تكلفتها. فميزانية الفيلم من هذه الفذة لا تتجاوز العشرين مليون دولار وأحياناً مع ممثلين يقبضون مبالغ كبيرة لكنهم يرضون بالعمل لقاء نسبة أرباح أو بأسعار خاصّـة حبّـاً في أفلام مختلفة عما تقدّمه الشركات الكبرى.
والملاحظ أنه كلّـما ارتفعت ميزانية الفيلم كلّما استغرق العمل عليه وقتاً أطول في محاولة للتغلّـب على أي عقبة قد ينتج عنها فشله حين يُـطرح في الأسواق.
وبعض الأفلام التي تكبّـدت مشاقاً طويلاً وسنوات عدّة من التحضير المضني قبل إطلاقها ومنها على سبيل المثال مشروع مستوحى من كتب «البالب فيكشن» و«الكوميكس» عنوانه R.I.P.D الذي بوشر تحضيره سنة 2002 وكاد أن ينطلق تصويره سنة 2004 لكنه توقّـف وتم إلغاءه ثم تمّـت العودة إليه. وفي خريف العام 2011 عاد المشروع إلى الأولوية بين مشاريع يونيفرسال وبوشر بتصويره في العام 2012 وسيكون حاضراً للعروض في منتصف هذا العام.
فيلم آخر تعرّض للتأخير هو «غاتسبي العظيم» الذي سيفتتح مهرجان "كان" المقبل. ففي العام 2009  أخذ المخرج الأسترالي باز لورمن يتحدّث عن الفيلم. لكن سقوط فيلمه السابق «أستراليا» أدّى إلى عرقلة المشروع. في العام 2010 جدد المخرج المحاولة وعقد إجتماعات عدّة مع شركات أميركية قبل أن تستجيب شركة يونيفرسال وتقتنع بمنح لورمن فرصة جديدة. في الثامن والعشرين من آب/ أغسطس سنة 2011 بوشر تصوير الفيلم الذي يقود بطولته ليوناردو ديكابريو. وفي العشرين من الشهر الأول من هذا العام، انتهى حقبة ما بعد التصوير ليصبح الفيلم جاهزاً للعروض.
وكثيرة هي الأفلام التي بدأت على الورق قبل خمس سنوات ولم تتحقق الا الآن. من بينها «آل كرودز» وهو فيلم أنيماشن ينطلق للعرض هذا الأسبوع، و«ذ لون رانجر» من بطولة جوني دَب و«47 محارب» مع كيانو ريفز ومجموعة من الممثلين اليابانيين.
وأحد أكثر الأفلام ترقّـباً هذا العام كان فكرة إنطلقت سنة 2006 ولم يتح لها أن تُـنجز قبل الآن. الفيلم هو «الحرب العالمية والحرف اللاتيني هو للدلالة على «الزومبيز» (آكلي لحوم البشر) في حكاية تصوّر نضال أهل الأرض للوقوف ضد الزومبيز بعدما قوي ساعد هؤلاء ما أدّى إلى نشوب حرب كونية لابد أن ينتصر فيها فريق على آخر. براد بت هو بطل هذا الفيلم وهو وقف وراءه منذ البداية حتى حين فكّـرت شركة باراماونت بالعدول عنه.
ما يكشف عنه كل ذلك لجانب أن التأني يجلب الإحباط للعاملين على مشروع يودّون إنجازه اليوم وتلقّـف سواه يوم غد، هو أن الفيلم الجيّـد لا يتأثر بطول مدّة إنتاجه. ربما على العكس، فتداوله في الإعلام قد يساعد في إشاعة حالة ترقّـب. صحيح أنه لا يُـعال عليها دائماً، لكنها في معظم الأحيان تنجح في تجييش الجمهور الذي يعد السنوات ثم الأشهر ثم الأسابيع والأيام.


مخرج وأفلامه | محمد رُضــا                                                             
رتشارد فلايشر: مجهول وأفلامه كبيرة- الجزء الثاني

ملخص ما سبق: إبن ماكس فلايشر الذي زاحم وولت ديزني على مرتبة صاحب أول مدرسة أنيماشن أميركية تم إعتباره مخرجاً عادياً لفترة طويلة، لكن على الرغم من سقطاته، أنجز أفلاماً جيّدة هي محور هذا التحقيق. قدمنا بعضها في العدد الماضي والآن بعضها الآخر.

فلايشر الأولى في الخمسينات مزج الفيلم نوار بالأنواع الأخرى. لديه مثلاً «هابي تايمز» وهو كوميدي مع تشارلز بوير ولويس جوردان (1952) و«أرينا» الوسترن (1953) وفيلم المغامرات البحرية «عشرون ألف فرسخ تحت الماء» والوسترن الآخر «بانديدو» (1956) لكن تلك الأفلام البوليسية المظلمة هي التي تبرز اليوم وهي أفضل من سواها. وعلاوة على تلك التي ذكرتها في العدد الماضي نجده أقدام على تحقيق عدد آخر من الأفلام "النوارية" منها «في الفخ» Trapped و«سرقة سيارة مسلّحة» Armored Car Robberty وهما من توزيع 1950«الهامش الضيق» (1952) ومع هذا الفيلم نجد أفلامه هذا النوع إنتهت قبل إنصرافه إلى سواها. لكن هناك فيلم لم يحمل إسمه حين عُرض بل إسم مخرج جيد آخر هو جون فارو عنوانه «نوعيّته من النساء» أو His Kind of Woman
والسبب أن هوارد هيوز (صاحب شركة RKO التي انتجت كل هذه الأعمال) لم يكن راضياً عن شغل فلايشر وطلب من المخرج فارو إعادة تصوير الفيلم ثم جمع المشاهد فوق بعضها البعض بحيث زاد طول مدة العرض وبلغت تكاليفه نحو 850 ألف دولار ثم سقط تجارياً.
كذلك كانت هناك سنة 1952 (أي بعد عام على «نوعيّـته من النساء») مشكلة أخرى بين المخرج وبين المنتج وذلك على فيلم «الهامش الضيق» The Narrow Margin ففلايشر كان أنجز الفيلم والمنتج شاهده وأراد من المخرج إعادة تصوير الفيلم (كان معروفاً عن هيوز شذوذه السينمائي- إذا صح التعبير) واستبدال بطليه تشارلز ماغرو وماري ويندسور بروبرت ميتشوم وجين راسل. فلايشر رفض والمنتج أذعن في نهاية الأمر.
واحد من أفلام فلايشر البوليسية هو «سرقة سيارة مسلّـحة» سنة 1950 وهو ليس "فيلم نوار" تماماً ولو أن النيّـة كانت إظهاره على بعض شروط ذلك النوع. هو فيلم تحريات في الأساس وفيه يقوم ممثل أدوار الشر وليام تالمان بلعب دور ديف برفيز،  المخطط لسرقة سيارة لنقل أموال المصارف مع ثلاثة رجال آخرين هم الممثلون ستيف برودي (وسيم لكنه دائماً شرير) وجين إيفانز ودوغلاس فولي. هذا الأخير متزوّج من مغنية راقصة (أديل جركنز) ويحبّـها لكنها تخونه مع "صديقه" دَيف. السرقة تتم وأحد التحريين يسقط جريحاً. الملازم جيم (تشارلز ماكغرو) سيسعى جاهداً للكشف عن العصابة. بعد واقعة السرقة تمتد الحكاية بعنصري المطاردة والتحريات التي تؤدي في نهاية الأمر إلى الإقتناص من دَيف. شريط جيّد التنفيذ وجاد في مهامه لكنه ليس من النوعية التي أنجزها فلايشر في «الحارس الشخصي» كما ورد معنا سابقاً.
قبله بعامين حقق فيلماً بوليسيا آخر هو «إتبعني (أو إتبعيني) بهدوء» Follow Mr Quietly عن قاتل تسلسلي يرتكب جرائمه خنقاً في الليالي الماطرة ويحاول الضابط وليام لانديغان معرفة هويّته إلى أن تمكّـنه الظروف من ذلك. كالعادة ليست هناك إضاعة وقت في هذا الفيلم بل تحتشد الأحداث في صرامة كاملة تناسب الفيلم البوليسي الكلاسيكي ذي الوجهة المحددة. جيّد التنفيذ.
في العام 1954 نال فلايشر فرصة تحقيق فيلم عن رواية جول فيرن ولو أن إسم الكاتب لا يُـذكر بين أسماء المقدّمة. كيرك دوغلاس قام ببطولة هذا الفيلم الذي يتحدّث عن عالم مجنون (أداه البريطاني جيمس ماسون) يلجأ إلى عمق البحار ليشيد عالمه. وهو لا يريد لأحد أن يبحر قريباً من موقعه بعدما لجأ إلى غواصة. بالنسبة للبحارة، والأحداث تقع سنة 1868 فإن عدم معرفتهم كنه ذلك الشيء الكبير الذي يدمّـر السفن جعلهم يعتقدون أن هناك وحش كبير في ذلك الجزء الآسيوي من العالم هو الذي يتعرّض للسفن ويقضي على بحارتها. الكابتن فاراغوت (تد دي كورسيا) سيبرهن على أن هذا كلام هراء وسيعتلي السفينة معه بحار مغامر أسمه ند (كيرك دوغلاس) وهو من بين ثلاثة أحياء بعد تدمير السفينة. نهاية هذا العالِـم الإنتحار على أي حال إذ وجد أن سرّه بات مكشوفاً.

يكاد هذا الفيلم أن يصرخ مندداً بسياسة الهيمنة التي تعتمدها الدول الكبيرة، لكن التمييع أقوى من الأفكار السياسية التي يعتمدها الفيلم وكيرك دوغلاس أداة في ذلك إذ يخصصه الفيلم بالحجم الأكبر من الظهور. بهذا الفيلم انتقل فلايشر من عهدة شركة أر كي أو إلى شركة ديزني، لكنه انتقل أيضاً إلى شركة فوكس ليحقق لها فيلماً بوليسياً آخر هو «يوم سبت عنيف» Violent Saturday و«فتاة في فستان مخملي أحمر» كلاهما سنة 1955
«بانديدو» هو وسترن من بطولة روبرت ميتشوم حول الأميركي الذي يتّـبع سياسة "النأي بالنفس" عما يحدث في البلدة المكسيكية التي حط فيها. إنه تاجر سلاح وكل من القوات الحكومية والثوّار يحاول كسبه للتعامل معه. هناك مقدّمة لافتة للفيلم إذ يصل الأميركي والصراع المسلّـح بين الطرفين محتدمة، لكن ما يلي ذلك استطراد لا ينتج عنه أكثر من سرد قصّـة. التواريخ (1910 ونحوها) صحيح والأحداث من حيث الثورة المكسيكية والقتال بين قوّات الحكومة و"المعارضة" كذلك صحيح، لكن الفيلم لن يصرف جهده على الواقعيات وسيعمد إلى تقديم المعارك وقصّـة الحب وموقف الأميركي قبل وبعد إنحيازه للمعارضة أساساً.
من الوسترن إلى الحربي سنة 1956 عبر «بين الجنّـة والجحيم» مع روبرت واغنر وتيري مور وبرودريك كروفورد. ثم سقطة فلايشر الحقيقية الأولى بعد عامين عندما انبرى لتحقيق فيلم «الفايكنغز». مرّة ثانية يُـدير الممثل كيرك دوغلاس لكنه يضيف إليه توني كورتيس وإرنست بورغناين كما جانيت لي. 
جانيت لي لا تؤدي أكثر من الظهور الجاذب في حكاية صراع بين نصف شقيقين من قبائل الفايكنغز. توني كيرتس هو إبن سفاح عندما قام أبيه بورغناين، قائد محاربي الفايكنغز،  باغتصاب ملكة وهو ينشأ على عداء مع الإبن الشرعي دوغلاس. جانيت لي ستحب توني وتفضّـله على كيرك ما يجعل الثاني أكثر ضغينة من ذي قبل. ليس هناك سمات واقعية يمكن للفيلم التحلّـي بها ولا سياق سرد يوصل لمهام غير القول بأن القبيلة كانت بربرية ومتوحشة لكنها أيضاً على مواهب قتالية وعسكرية ومهارة في بناء السفن. كما الحال في «عشرون ألف فرسخ تحت الماء» هناك الكثير من كيرك دوغلاس والكثير من الصرخات وتصوير حفلات الشرب والأكل على نحو فج.
سيعود المخرج إلى الفيلم التاريخي بعد أربع سنوات وفيلمين فاصلين ليقدّم «باراباس». هذه المرّة الدراما تستفيد من ممثليها: أنطوني كوين في دور باراباس الذي دفع بانتيوس (آرثر كندي) لقتل المسيح، عليه السلام،  بينهما الإيطالية سيلفانا مانجانو في دور صديقة بارباس، راتشل التي تُـرجم حتى الموت. وقريباً منهما إيطالي آخر هو فيتوريو غاسمان. هذا الفيلم تم إنتاجه بعد إعادة صنع لفيلم «بن حور» على يدي المخرج ويليام وايلر سنة 1959 ومنتجهما واحد هو دينو ديلارونتيس. إنه دور مناسب لأنطوني كوين إذ أجاد تقديم شخصية من تتناوبه العواطف والأفكار المتناقضة وصحوة الضمير وهو ما يقوم به هنا. 
في إثره إنتقل فلايشر إلى البحر مرّة ثانية ليقدّم واحداً من أفضل أعماله في الستينات. إنه خيالي علمي بعنوان «رحلة رائعة» Fantastic Voyage يحمل سمات الحرب الباردة بين الشرق والغرب… كيف؟

يتبع



All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2013


Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular