أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Feb 1, 2013

Year 6 | Issue 779 أفلام مايكل وينر | تحفتان لجاك تاتي


 العالم الشرس للمخرج مايكل وينر 
[ 1935- 2013] 
محمد رُضــا  
للمخرج البريطاني مايكل وينر الذي مات قبل أيام قليلة، حكاية حياة مثيرة للإهتمام تصلح لأن تكون مادة لفيلم عن طموحات تحققت ثم تلاشت قبل أن تترك أثراً كبيراً. حكاية يمكن لها أن تبدأ سنة  1985 عندما تقدّم رجل أعمال أردني أسمه عبد مُـعين النابلسي من المخرج البريطاني مايكل وينر وعرض عليه إنقاذه من ورطة وقع فيها. كان رجل الأعمال ولج باب السينما منتجاً وأحـب أن يكون عمله الأول إنكليزياً. 
المشروع الذي تحمّـس إليه ورده من المخرج السوري أنور القوادري الذي كان أعجـب بفيلم المخرج المصري محمد خان «موعد على العشاء» فاشترى حقوقه وكتب سيناريو مستوحى منه سمّـاه "قصّـة كلوديا". بدأ التصوير في الموعد المحدد لكن خلافاً نشب بعد أيام قليلة بين المنتج الأردني والمخرج السوري نتج عنه قيام المنتج بفصل المخرج عن العمل بعدما قارب التصوير منتصفه. بحث المنتج عمّـن يؤمّـن إنهاء العمل فنصحه أحدهم بالإتصال بالمخرج مايكل وينر الذي قبل المهمّـة وقام بتصوير باقي الفيلم. بذلك أنقذ المنتج نفسه من ورطة إفلاس لكنه إكتشف لاحقاً أن الفيلم سوف لن يكون صالحاً للعرض السينمائي، فـ "قصّـة كلوديا" (الذي حمل في نهاية المطاف إسم «كلوديا») بدا مفككاً وبلا أسلوب موحّـد ما نتج عنه عروضاً تلفزيونية فقط.
وأتذكّر جيّداً ذلك اليوم الذي اتصل فيه المرحوم عبد المعين النابلسي بي وسألني حضور الفيلم معه في عرض خاص. لم يكن هناك أحد في الصالة سوانا وأدركت أن عليّ أن أكون دبلوماسياً حين إبداء رأيي. قبل بدء الفيلم قال لي: "أستلمت عرضاً من محطة  تلفزيونية بريطانية لشرائه، لكني أريد أن أعرضه في صالات السينما أوّلاً"
الفيلم كان ركيكاً و"أي كلام" وعندما انتهى- وحتى لا أحبط المنتج الذي كان ينتظر رأيي فيه قلت: "أخبرتني أن لديك عرضاً من محطة تلفزيونية لشرائه… سارع واقبل العرض إذاً". فهم عليّ جيّداً وأعتقد أنه باعه إلى تلك المحطّـة لكن ذلك لم ينقذه من الإفلاس. 
كان ذلك الفيلم الوحيد للمنتج النابلسي (الذي توفّـي في التسعينات) لكنه الفيلم الوحيد أيضاً للمخرج مايكل وينر الذي تعامل فيه مع عربي. وينر (وُلد سنة 1935 وتوفي في الحادي والعشرين من هذا الشهر عن 77 سنة) كان مخرجاً نشطاً ومبتكراً في أوقات، لكنه لم يبلغ شأناً فنيّـاً كبيراً. المفارقة التي لا تخلو من الغرابة هي أن عدم بلوغه هذا الشأن لم يضعه في خانة الفاشلين. وفي الحقيقة يمكن إطلاق ألقاب كثيرة على هذا المخرج الذي أنجز 34 فيلماً روائياً طويلاً من إخراجه (أو 33 فيلم ونصف بإعتبار أن نصف «كلوديا» من إخراج سواه) لكن الفشل ليس من بينها.
كان همّ المخرج الأول إنجاز أفلام ترضي الجمهور وهو لم يكترث لا للإنضمام إلى أترابه من المخرجين البريطانيين في الستينات من الذين توسّـموا المكانة الفنيّـة ولا بالنقاد الذين أسقطوه من إعتبارهم عندما حقق أول أفلامه «أطلق النار لتقتل» Shoot To Kill  سنة 1960. ذلك الفيلم الهامشي كان بداية بضعة أعمال متسارعة الإيقاع أنجزها وينر في النصف الأول من الستينات وحملت أنواعاً مختلفة، فهو بوليسي في «أطلق النار لتقتل» و«جريمة في الكليّـة» Murder on the Campus  ثم كوميدي في «البعض يفضلها باردة» Some Like it Cool ومن مخرجي الأفلام الموسيقية في «وست 11» وخالط بين الجريمة والسخرية في «المضحكون» The Jokers
Hannibal Brooks

في العام 1967 إختار وينر العمل مع ممثلين مشهود لهم بالمكانة في مقدّمتهم الأميركي أورسن وَلـز والبريطاني أوليفر ريد وذلك في دراما خفيفة عنوانها «سوف لن أنسى ما أسمه…»، ثم عاد بعد عامين للعمل مع أوليفر ريد مرّة أخرى في «هانيبال بروكس» حول موظّـف في حديقة الحيوان خلال الحرب العالمية الثانية يهرب وفيل الحديقة عبر الجبال في رحلة تذكّـر بتلك التي قام بها المحارب هانيبال. رد الفعل النقدي كان مشجّـعاً لكنه لم يعلن ولادة فنيّـة له. الطاغي هي الحكاية ومواقف جيّدة الأداء من أوليفر ريد الذي لاحقاً ما لعب في فيلم مصطفى العقّـاد «أسد الصحراء» كما في فيلم محمد شكري جميل «المسألة الكبرى».
في العام 1971 فتح وينر أبواب هوليوود بفيلم وسترن عنيف عنوانه «رجل قانون» Lawman من بطولة بيرت لانكاستر: مارشال معروف عنه عدم تنازله يلاحق مجموعة من القتلة وتضطره الظروف لقتلهم واحداً تلو الآخر. لم يكن فيلماً رديئاً لكنه واقع في منزلة ما بين الوسترن والوسترن سباغتي.  من هذا الفيلم ولج المخرج فيلماً رعب أميركي أيضاً عنوانه «زوّار الليل» The Nightcomes أسند بطولته إلى مارلون براندو لكنه كان من الرداءة بحيث أنه لم يستطع دخول سباق أردأ أفلام عام إنتاجه. 
رغم ذلك قرر وينر البقاء في هوليوود الجاذبة وتعرّف على ممثل كان يصارع للبقاء على حافّـة الشهرة هو تشارلز برونسون. معاً إشتركا في صنع ستة أفلام انحدرت من مقبول إلى رديء تبعاً لميزانية الإنتاج غالباً.
Chato's Land

أول هذه الأفلام كان «أرض تشاتو» Chato's Land   وسترن حققه سنة 1972 ونرى فيه برونسون كهندي أحمر أهين ثم تعرّضت عائلته للقتل فينطلق منتقماً  من البيض الفاعلين  (بينهم  جاك بالانس، سايمون أوكلاند، جيمس وايتمور، رالف وايت ورتشارد جوردان) الذين كانوا  يلاحقونه لقتله. 
ثلاثة وسترن أخرى اشتركت في حبكة مثل هذا الصيد البشري هي «فالديز قادم» Valdez Is Coming [إدوين شيرين مخرجاً، بطولة بيرت لانكاستر- 1971]  و«فرقة الصيد» The Hunting Party [دون مدفورد مع أوليفر ريد مطارداً من قِـبل فرقة يشترك فيها أيضاً سايمون أوكلاند- 1971] و«الرجل الذي أحب كات دانسينغ» The Man Who Loved Cat Dancing [رتشارد س. سارافيان مع بيرت رينولدز مطارداً من عصبة يقودها جورج هاملتون - 1972].
«الميكانيكي» (1972) هو ثاني عمل لبرونسون مع وينر ولعب هنا دور قاتل محترف لا يعلم أن شريكه الشاب (جان مايكل فنسنت) مأجور لقتله أيضاً. قبل أن يكمل مسيرته مع برونسون عاد المخرج وينر إلى الممثل بيرت لانكاستر في فيلم بوليسي جمعه فيه لجانب الفرنسي ألان ديلون عنوانه «سكوربيو»، وهو أيضاً حول قاتل محترف في أعقاب قاتل محترف آخر لكن بعد مطاردة مثيرة في مطلع الفيلم بين الرجلين، يمضي العمل على نحو لا يخلو من الضجر.  
في العام 1973 قدّم وينر  «قاتل متحجر» من بطولة برونسون ومارتن بالسام ومن كتابة جيرالد ولسون الذي كتب للمخرج فيلميه السابقين «رجل القانون» و«أرض تشاتو». العام التالي (1974) شهد ولادة الفيلم الذي اقترن به مايكل وينر أكثر من سواه وهو «رغبة موت» Death Wish : فيلم يمنح الضحية حق حمل السلاح والأخذ بالثأر. ما كان يهم وينر هو إنجاز نجاح كبير وهو حققه بالفعل معيداً تشارلز برونسون إلى نجومية لامعة في السبعينات. في الفيلم هذا مهندس مسالم يخسر زوجته وإبنته عندما تقوم عصابة طرق بإقتحام بيته وأغتصابهما فتموت الزوجة من الضرب وتبقى إبنته حاملة وزر ما حدث. لا يجد المهندس سوى الترصّد للعصابة وقتلها، لكنه يكتشف سريعاً أنه استهوى القتل ومضى به أكثر مما يلزم. طبعاً كونه ليس واثقاً من الملامح يجعله لا يعفو عن أي صعلوك شاب وإلى أن يصل إلى تلك العصبة يمضي الوقت وهو يقتل شبّاناً لا علاقة لهم بما حدث لزوجته وإبنته.
هذا الإكتشاف لم يمنعه من ممارسة الدور نفسه في جزئين لاحقين تميّزا بركاكة واضحة.
Dearth Wish

مع الثمانينات خفت الوهج وجاءت أفلامه الكبيرة أقل أهمية مما يجب. أحدها كان إعادة صنع لفيلم بوليسي هو «النوم الكبير» بطولة روبرت ميتشوم  (الذي هو السبب الوحيد لمشاهدة الفيلم إلا إذا كنت ناقداً) وهو مأخوذ عن الكاتب البوليسي اللامع رايموند تشاندلر والنسخة الممتازة التي أنجزها سنة 1946 هوارد هوكس  والتي قام ببطولتها همفري بوغارت. ثم كانت لوينر عودة إلى الأدب البوليسي مع «موعد مع الموت» (1988) عن قصّـة أغاثا كريستي ونتيجته هنا أفضل إلى حد مقبول. في نهاية ذلك العقد عاد وينر إلى بريطانيا لكنه لم يحقق أفلاماً كثيرة هناك بل تحوّل إلى كاتب عمودي وناقد مطاعم. ومع أنه بقي وجهاً يحتفى به الا أنه غاب مع غياب الفترة التي شهدت نشاطه.

تقييم الأفلام التي ورد ذكرها

موعد على العشاء ***
Claudia **
الرسالة ****
المسألة الكبرى ***
Shoot to Kill ---
Murder on the Campus ---
Some Like it Cool ---
West 11 ---
The Jokers **
I Will Never Forget What its Name? *
Lawman ***
The Nightcomers *
Chato's Land **
Valdez is Coming ***
The Hunting Party **
The Man Who Loved Cat Dancing ***
The Mechanic **
Scorpio **
Stone Killer **
Death Wish **
The Big Sleep (1978) **
The Big Sleep (1946) ****
Appointment With Death ***



الكوميدي اللامع والفنان المنسي دائماً: جاك تاتي


مشاهدة ماراثونية جديدة لأفلام جاك تاتي لا زالت قادرة على إطلاق المزيد من الإكتشافات الخاصّـة بسينما مخرج كان مختلفاً عن كل أترابه في زمنه ولا زال إلى اليوم.
في أيامنا هذه من السهل التنقيب عن تاريخ حياة جاك تاتي أو سواه ممن هم أقل تأثيراً منه بكثير. الصعب هو ربط تلك الحياة بما أفرزته من نتائج على الشاشة. هذه لا يمكن للوكيبيديا ولا لأي إنسايكلوبيديا أخرى الإقدام عليه لاختلاف مناهج مثل هذه المراجع عن البحث السينمائي في حياة أي مخرج وهو البحث الذي لا يمكن القيام به من دون مشاهدة فعلية لأعماله. على الأقل مرّتين، مرّة للتعرّف ومرّة للتعمّـق. 

مقارنة
كل عمالقة الكوميديا من بَستر كيتون إلى تشارلي تشابلن ومن الفرنسي ماكس ليندر إلى مواطنه جاك تاتي إعتمدوا على الحركة كمصدر رئيسي للتسبب في النكتة. هذا صحيح لما بعد الخمسينات عندما أوجد الأميركي بوب هوب مساحة أكبر للنكتة المعتمدة أكثر على الموقف والحوار، وهذا التزاوج مورس بعد ذلك من قِـبل وولتر ماثاو، جاك ليمون، فرنانديل وآخرين. الإستثناء عن القاعدة قبل الخمسينات إنحصر تقريباً بالأخوة ماركس. أعلم أن مكانة الأخوة ماركس كبيرة بين النقاد، لكن هذا لا يجب أن ينفي أن تشخيصهم الكوميدي اعتمد أسلوباً مسرحي الأداء (مُـستنتج من خلفيّـتهم المسرحية) ومبالغ في الإعتماد على الحوار. نعم الحركة كانت موجودة، لكنها لم تكن حركة المبدع الذي يريد التعبير عنها لأنها تحل محل الكلمة، وكل ما هو يحل محل الكلمة هو أنقى تعبيراً لأن السينما فن صورة أولاً وأساساً، بل حركة مسكوبة في إطارها المسرحي التام ومٌعـالجة، كتكنيك تنفيذ ومونتاج، على هذا الأساس في معظم الأحيان.
جاك تاتي ينتمي بشدّة إلى السينما الصامتة، تلك التي لم يكن ممكناً إثارة النكتة الا بالحركة. عندما يسحب شخص يلعب الورق مع بَـستر كيتون مسدّسه ويصوّبه إلى رأس الكوميدي كان لابد من معرفة السبب. هنا تظهر عبارة: "إضحك" وترد عليه بطاقة حوار أخرى: "لا أعرف كيف". لكن قدّم بطاقتي الحوار من دون الصورة فإنها لن تفعلا أي شيء يذكر. لن تثير أي رد فعل من أي حجم كونها غير مسنودة بالحركة التي قد لا تزيد عن وجه الشرير المقتضب ووجه كيتون الذي، عن قصد، ضد حمل أي تعبير.
جاك تاتي المولود سنة 1907 (والذي توفى بعد 75 سنة) لم يحقق أفلاماً صامتة. عندما قام بتحقيق أول فيلم له سنة 1947 كانت السينما شبعت نطقاً. وكان يعتاش من وراء أدوار صغيرة (أحياناً بدون ذكر إسمه من شدّة صغر الدور) لكي يعيش ويؤمّـن إدمانه على الكحول. تشارلي تشابلن بدوره لم يكن في أفضل حالاته. في تلك السنة كتب وأنتج وأخرج فيلماً متوسّـط القيمة (والبعض يعتبره أقل من ذلك) بعنوان «مسيو فردو». وسيكون هذا الفيلم هو وحيده حتى العام 1952 عندما عاد بفيلم أفضل نوعاً هو «أضواء المسرح» جلب له بَـستر كيتون ليسند إليه دوراً مسانداً بدا فيه إنه نوع من إظهار سيادة الأول على الثاني.
جاك تاتي أخذ من كيتون ولم يأخذ من تشابلن لكن حتى مع ذلك، ما أخذه هو تمهيد لتكوين جديد. نعم وجه جاك تاتي لا يحمل تعبيراً، كما كان وجه كيتون، وصحيح أن الحركات تتشابه في أسبابها (صدفية تضع بعض أدوات الحياة في طريق الكوميدي ليستغلّـها على النحو الذي يُريد)، لكن تاتي بلور ما يكفي من صياغة وشخصية بحيث أن الناظر إلى أفلامه لا يستطيع أن ينزع منها "تاتيّـتها" مطلقاً.

II  أعمال
أول فيلم لجاك تاتي، بعد سلسلة من الأفلام القصيرة التي مثّـل أو كتب معظمها من العام 1939 كان «يوم العيد» Jour de fête سنة 1949. تقع أحداثه في محيط بلدة فرنسية تقليدية. فرنسوا (تاتي) هو ساعي البريد نراه ينتقل في يوم تشهد فيه البلدة إحتفالاً كبيراً، لتسليم البريد في موعده المحدد. في الواقع ما نتابعه ليس فرنسوا فقط بل الحياة من خلال فرنسوا أيضاً. هذا المنوال متوفّر في أفلام تاتي اللاحقة، فعين المخرج (تاتي) على المحيط الذي يمرر به الشخصية الرئيسية التي يقوم بها بنفسه. هنا أسمها فرنسوا وفي باقي أفلامه، بإستثناء آخرها (وهو تلفزيوني الإنتاج بعنوان «إستعراض» قام بتحقيقه وتمثيله سنة 1974) هو مسيو هولو (بالإنكليزية) أو "أولو" (بالفرنسية)
«يوم العيد» حمل لجانب ذلك مزايا أخرى مهمّـة في طليعتها أن بطله لا يحب الكلام كثيراً. وسيحب الكلام أقل بكثير لاحقاً. المشكلة التي واجهت هذا الفيلم هي أن تصويره وقع قبل عامين من عروضه التجارية. سنة 1947 أخرجه تاتي ليكون فيلماً ملوّناً، لكن النظام التقني الذي اتبعه الإنتاج لم يثمر عن نوعية جيّـدة فأنتهى إلى الأبيض والأسود. لو تم لتاتي ما أراد لكان فيلمه هو أول فيلم ملوّن فرنسي النشأة. لكن السبب في أنه لم يجد موزّعاً لا علاقة له بالألوان، فكل الأفلام الفرنسية آنذاك (وكثير منها لسنوات عديدة بعد ذلك) كانت غير ملوّنة. ما كان غريباً على الموزّع الفرنسي التعامل مع كوميديا ناطقة تعتمد أسلوباً صامتاً في صياغتها. وفي الحقيقة لم ير الفيلم نور العرض في فرنسا الا من بعد أن عرض في لندن سنة 1949 بنجاح باهر.
عطلة السيد هولو
بعد ذلك غاب المخرج حتى العام 1953 حين قدّم أوّل "هولو" عبر فيلم نيّـر، وبل رائع أسمه «عطلة مسيو هولو" وفيه نرى تاتي وقد أتى بشخصية جديدة ومفاجئة. إنه رجل عادي يرتدي معطفاً كبيراً (في عز الصيف) ويدخّـن الغليون وينزل في فندق صغير في مواجهة شاطيء البحر. معه في ذلك الفندق (وهو فندق لا يزال موجوداً لليوم) نزلاء آخرين. تاتي يتقصّـد نبش المفارقات التي تكشف عن نقده لنظام إجتماعي دفين في عمق مشاهده. يحوم مصوّراً ما لا يزيد، في بعض الأحيان، عن هفوات لينفذ منها إلى قعر المشكلة كما يراها: علاقة مثيرة للجدل بين الكبار والكبار كما بين هؤلاء والصغار. تاتي، إذا ما لاحظنا، كان قليل الثقة بذكاء الناضجين من الناس. دائماً ما هم شكليون متمسّكون بتصرّفات من يخشى السقوط عن كرسيه إذا ما غيّـر جلسته. 
لاحقاً في «عمي» (عن هولو العائد من أميركا لضيافة شقيقه) سنة 1958 سينتقل إلى نقد العصرنة كما العائلة. هولو يصل إلى منزل تم تصميمه لكي تعمل بعض أدواته تلقائياً (نافورات المياه في حديقة المنزل مثلاً) ومع وصوله يبطل مفعول عمل كل تلك الأدوات على نحو أو آخر. في الوقت الذي كان يُـجيّر تاتي هذا الوضع لصالح مواقف كوميدية شبه صامتة، كان لا يزال يراقب التكوين العائلي التقليدي في جموده. البرجوازية الفرنسية المقطوعة من جذور الحياة كما يجب أن تكون.
هذا الفيلم شهد نجاحاً تجارياً عالمياً ونال الأوسكار كأفضل فيلم أجنبي. مناسبة استغلها تاتي لكي يطلب من الأكاديمية تدبير زيارات للقاء لثلاثة كوميديين من عباقرة الأمس هم ماك سانيت وستان لوريل وبَستر كيتون. هذا الأخير إعتبر أن عمل هذا الأخير على الصوت هو إمتداد حقيقي للسينما الصامتة.
بعد ذلك أنجز تاتي تحفتين لاحقتين هما «زمن اللهو»  Playtime  العام 1967 و«حركة مرور» Traffic سنة 1971. هذا الثاني كان، إلى حد، ترداداً لصدى «زمن اللهو» الذي حاول فيه تاتي التخلّـص من شخصية هولو بدمجها بين شخصيات أخرى. الجمهور لم يرغب بذلك، لكن الجمهور كان يريد لهولو أن يستمر في الواجهة. وهذا ما اضطر تاتي لتحقيقه في «حركة مرور». بالنسبة لكثيرين هولو أصبح الوحش الذي ابتدعه فرانكنستاين، لكن هذا حتى ولو كان صحيحاً، لا ينفي أنه كان وحشاً جميلاً

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2013
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system