Feb 23, 2013

نتحدث عن "حب" | عن الأوسكار قبل ساعات من إعلانه | وعن النقد العربي وحاله

Year 6/ Issue 785

CoverStory

خمس سيزارات لحب واحد

قبل يومين فقط من إعلان جوائز الأوسكار أعربت السينما الفرنسية عن تقديرها لفنانينها والعاملين في صناعتها بتقديم جوائزها السنوية المعروفة بجوائز "سيزار". وفي مقدّمة الفائزين…. «حب» ميشيل هنيكه الذي خطف خمسة سيزارات وهو بدوره مطروح في ثلاث ترشيحات على قائمة الأوسكار ليل الأحد المقبل في لوس أنجيليس.
«حب» هو الفيلم الذي لا يزال ينتزع الجوائز منذ فوره بذهبية مهرجان "كان" في الربيع الماضي، فبطلته إيمانويل ريفا نالت جائزة بافتا كأفضل ممثلة وقبل ذلك حظى الفيلم ذاته  بخمس جوائز في مسابقة "جوائز الفيلم الأوروبي" هي أفضل فيلم وأفضل مخرج وأفضل سيناريو وأفضل تصوير وأفضل ممثل. ومن الغولدن غلوبس استحوذ على جائزة أفضل فيلم أجنبي، وكل ذلك بعض من نحو ثلاثين جائزة مختلفة حصدها في أقل من عام.
إنها المرّة السابعة والثلاثين لجائزة "سيزار" التي إنطلقت سنة 1976 لأول مرّة. يومها فاز فيلم (منسيٌ اليوم) أسمه «المسدس القديم» لروبير إنريكو ونال الممثل فيليب نواريه جائزة أفضل تمثيل رجالي عن دوره في الفيلم نفسه. رومي شنايدر كانت المقابل النسائي كأفضل ممثلة وذلك عن «أكثر الأمور أهمية» (عنوة عن كاثرين دينوف وإيرابيل أدجياني) بينما نال المخرج برتران تفارنييه جائزة أفضل مخرج عن «دع الغبطة تعم». هذا إلى جانب جوائز تمثيل أخرى وفي مجالات التصوير والكتابة والصوت والتوليف والموسيقى وجائزة أفضل فيلم أجنبي (معكوسة إذ عليها أن لا تكون ناطقة بالفرنسية) وهي ذهبت إلى الفيلم الفرنسي «عطر إمرأة» لدينو ريزي.
بعد كل هذه السنوات لا تزال الجوائز، غالباً، على حالها. المختلف هو قيمة السيزار. لم يعد أحد يقول إنها إستنساخ للأوسكار خصوصاً وأن هذا "الإستنساخ" يمكن أن تجده في العديد من السينمات اللاتينية والآسيوية والأوروبية على حد سواء. «السيزار» لا يزال الجائزة الأولى بالنسبة للسينما الفرنسية لأنه، مثلها، "صنعة محليّـة"، ومع أن "جوائز الفيلم الأوروبي" كثيراً ما يمنح جوائزه لأفلام وشخصيات فرنسية، إلا أنه يخرج عن نطاق المحلّـية ليستأثر بالنشاطات الأوروبية جميعاً.
إذاً «حب» ميشيل هنيكه خرج بخمسة جوائز وهي: أفضل فيلم، أفضل مخرج، أفضل سيناريو مكتوب خصيصاً، أفضل ممثلة (إيمانويل ريفا) وأفضل ممثل (جان- لوي ترتنيان الذي أهمله الأوسكار من الترشيحات).
جائزة أفضل ممثلة مساندة ذهبت إلى فاليري بنجويجي عن «الإسم الأول» (أو «ما أسمك الأول؟» كما ترجم للإنكليزية) والمقابل الرجالي هنا لجولوم د تونكيديك عن الفيلم ذاته، في حين فازت إزيا هيغلن عن «فتاة بدينة» كأفضل ممثلة واعدة وماتياس شونيارت عن «صدأ وعظام».
هذا الفيلم كان أحد الأفلام المنافسة لكن باكتساح «حب» كان عليه أن يكتفي بحفنة جوائز أخرى هي أفضل موسيقا (ألكسندر دسبلات) وأفضل توليف (جولييت ولفلينغ لجانب تلك التي منحت لدور شونيارت فيه كأفضل ممثل واعد.
السينما الأميركية في الصورة: أفضل فيلم أجنبي ذهبت إلى «أرغو» (لا ريب أن مخرجه بن أفلك يحسب الساعات الفاصلة بينه وبين إعلان النتيجة على مسرح كوداك في هوليوود بالدقائق). كذلك تم منح الممثل كَـڤن كوستنر جائزة شرف.
تأثير هذا الفوز على الأوسكار؟
لا شيء. ليس لأن الجائزة فرنسية لسينما فرنسية، بل لأن أعضاء أكاديمية الأوسكار بعثوا بقراراتهم منذ أيام وانتهى الأمر.


Amour  ***
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حب | ميشيل هنيكه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فرنسا/ نمسا2012 
دراما نفسية | فاز بالسعفة الذهبية لمهرجان "كان" 2012
 ألوان- 35  مم | 125 د


في العام 1997 أنجز المخرج الروسي ألكسندر سوخوروف «أم وإبن» حول شاب (أليكساي أنانيشنوف) يعيش مع أمّـه العجوز والتي تعاني من الهزال والضعف (غودرون غييَر) في كوخ على ضفاف نهر في منطقة ريفية. الفيلم يدور في اليوم الذي ماتت فيه الأم، وقبل موتها مشاهد للإبن وهو يعتني بأمّـه أيما عناية. يحدّثها. يسرح لها شعرَها ويقرأ لها الشِـعر. يداويها ويصبر عليها ويحملها بين يديه، في مشهد لا يغيب عن البال، لخارج الكوخ حيث يضعها على ضفّـة النهر لعلّها، قبل مضيّها من هذا العالم، تتمتّـع بجماله. ثم تموت… 
بما أن الفيلم كان حزيناً قبل موتها، فإن الحزن المتوقّـع لما بعد ذلك ليس فادحاً. ما يجعل ذلك الفيلم قمّـة في التعبير العاطفي تلك الوجدانيات المذهلة التي تغيب عن فيلم ميشيل هنيكه الجديد، وإن كان الفعل الإنساني حاضر بدوره، وعلى طريقة المخرج المختارة بعناية.
يبدأ الفيلم بمشهد اقتحام البوليس (الفرنسي) لشقّة كبيرة والإندفاع صوب باب غرفة النوم وخلعه أيضاً حيث يكتشف جسد آن (إيمانويل ريفا) الميّـتة. ثم ننتقل إلى ما سبق ذلك من أحداث أدت إلى موتها. الملاحظة الأولى التي يجب عدم إهمالها هنا هي أننا لا نعود في فلاشباك من الراوي. ليس هناك من سيروي للبوليس ما حدث، ولا أن ذاك سيتحرّى الحقيقة ويكشفها. إذ ينتقل الفيلم تلقائياً إلى ما قبل الموت، يجيء ذلك بمحض اختيار فردي من خارج شخصيات الفيلم. إنها ليست مجرد ملاحظة وهي بالتأكيد ليست خالية من موقف المخرج حيال ما يسرد. ما يتأتّـى منها هو أن ما نراه لُـحمة واحدة اختار منها المخرج النهاية ليعرضها كفقرة بداية. لكننا سنفاجأ في "نهاية" الفيلم أن هناك "نهاية" أخرى، قد تكون "البداية". كل ذلك جزء من مجموعة ألغاز ستتوالى في أماكن متفرّقة من الفيلم.

 آن هي زوجة مسنّـة  تعيش مع زوجها المتقاعد جورج (جان-لوي تريتنيان) في ذلك البيت المريح والفسيح ولديهما إبنة متزوّجة أسمها إيفا (إيزابيل أوبير). في أحد الأيام تفقد حركتها. تجلس ساكنة لا هي حاضرة ولا هي غائبة قبل أن تعود غير مدركة لما حدث. وما هي إلا أيام قليلة حتى  تُصاب بعارض شلل فتفقد بعض القدرة على الحركة. يرصد المخرج هنا تأثير ذلك المباشر على الزوج  خصوصاً وقد أصبح أكثر امتعاضاً وتذمّراً. بعض الواجبات لا تزال تستطيع القيام بها، لكن الزوج يقوم بالبعض الآخر، ثم تزداد واجباته مع تعرّضها لعارض آخر تفقد معه القدرة على الحركة تماماً كما على النطق. خلال ذلك تزور إبنتهما المنزل في طلات متوتّرة، فالأم لا تطيق زوج إبنتها الإنكليزي (وليام شيمل) ولا تريد لأحد أن يراها مسجاة على فراش المرض. من ناحيته يعمد الزوج بصبر وأناة إلى العناية بها لجانب ممرضة أخرى، لكن حين يستعين بممرضة جديدة يلحظ أنها لا تقيم وزناً لحاجات زوجته فيطردها. هذا ما ينقل كل الرعاية إلى الزوج الذي يستمر محبّـاً وباذلاً. 
في أحد المشاهد تحط حمامة في غرفة المدخل المطلّـة على فناء البناية وتبدأ بتناول طعام تجده على الأرض (واضح، لمن يعرف الحمام، أن المخرج أمر بنثر الطعام خصيصاً لجذب الحمامة، وأن الحمامة إنما ألفت البيت سابقاً) يكتشف جورج وجودها بينما كان يكتب فينصرف إليها ويخرجها من النافذة المفتوحة ثم يقفل النافذة.
لاحقاً، قبل النهاية سنرى الحمامة ذاتها وقد عادت وهذه المرّة إلى غرف الشقة الداخلية،  تأكل ولا تهاب محاولات الزوج (الذي كان حينها يكتب أيضاً) القبض عليها. ترقبه وهو يحمل غطاءاً سيرميه فوقها. الحمامة تحاول التوجـه بعيداً، لكنها من الألفة بمكان أنها لا تفكّر في الطيران. جورج يقبض عليها فعلاً وينتهي المشهد. بعد قليل إذ نراه يكتب لإبنته، يخبرها بما حدث وأنه أطلق سراح الحمامة… لكن هل فعل ذلك حقاً؟

هذا المشهد الثاني يتبع عملية تركيب يبرع بها المخرج عادة. لا ننسى أنه بدأ، ولو افتراضياً، من نقطة ما بعد النهاية  بإقتحام البوليس لغرفة المرأة الميّتة تاركاً في الذهن سؤالاً حول الظروف التي أدّت إلى الوفاة. هذا بحد ذاته تركيب إخراجي لافت (وليس جديداً على مخرج «لاعبة البيانو» و«الشريط الأبيض» من بين أخرى) إلى أن تدخل الحمامة في معادلة غامضة. ما هي؟ لماذا مشهديْها؟ هل أطلقها جورج حقّـاً؟ او قتله؟ إذا فعل، لمَ لمْ نره يفعل ذلك؟ وما معنى المشهدين معاً؟ هل هما تذكير بذبح الصبي دجاجة في فيلمه الأسبق «مخبوء»؟ في «ألعاب غريبة» هناك مشهد مماثل مع حمامة، لكنه ينضوي على قتلها. هل بطله مختلف؟ في هذه الحالة، ومرّة أخرى: لم لا نرى ذلك؟
هذا التوارد ليس غيبياً: قبل مشهد الحمامة الثاني، كان الرجل يحلق ذقنه. يسمع زوجته تتألّـم. يهرع إليها. يجلس إلى جانبها ويأخذ يدها بين يديه ثم يبدأ الحديث إليها. يسرد عليها قصّـة حدثت له وهو صغير حين تم حبسه ثلاث ساعات في المدرسة لسوء تصرّف. ما أن ينتهي من القصّـة حتى ينقض على الوسادة الأخرى بجانب زوجته ويضعها على وجه الزوجة ويخنقها بها. 
ثم، ولمزيد من الغموض، هناك المشهد الختامي: هاهما (الزوجة والزوج) يتهيئان للخروج من البيت. ينسى معطفه فتذكّره. يرتديه. يتبعها لخارج البيت. ينتهي الفيلم. فمتى حدث ذلك؟ ولماذا هو معروض؟ مشهد النهاية حيث لا تزال آن حيّة وسليمة وتقف على قدميها لكي تخرج يعيدنا إلى مطلع الفيلم. بذلك هو المشهد الذي يبدأ- كتوقيت، وليس على الشاشة، قبل مشهدهما الأول في الفيلم (يحضران حفلة موسيقية) ما يجعل المشهد الإفتتاحي هو المشهد الختامي
لكن المسألة هي أبعد من إستبدال مشهد هنا بمشهد هناك وتكوين أحجية. في سياق مهمّـته المعتادة في إشغال المُشاهد بمسائل إنسانية يقوم ميشيل هنيكه بمعالجة فيلمه بطريقة رصد تكاد تكون ميكانيكية. هي بالتأكيد ليست عاطفية (بمعنى Sentimental) ولو أنها تدور جيّـدا حول العاطفة (Emotions) لذلك هي معالجة باردة وإلى حد ما هي سادية لحكاية تدور حول حب يقترب، مثل اقتراب الأم، من الموت. لو أن الفيلم عاطفي لكان أكثر سخونة، لكنه لم يكن سيحمل بصمة هنيكه او يُثير اهتمامه. من ناحية أخرى، فإن تحقيق فيلم يدور عن العاطفة (حتى ولو لم يكن عاطفياً او تعاطفياً) هو ما يُـثير المخرج ويدرك أنه سيثير أتباعه. الفيلم مصنوع بدقّـة لكي لا يخرج عن خطّ عمل المخرج ولا عن توقّـعات مشاهديه. 
للإجابة على كل هذه الاسئلة، على المشاهد أن يعود إلى أفلام هنيكه السابقة: العلاقة المتوتّرة بين الأم وإبنتها في «عازفة البيانو». الموت انتحاراً وقتلاً في العائلة في «القارّة السابعة» وذبح الدجاجة في «مخبوء» والحمامة في «ألعاب غريبة» ليقف على أن هنيكه لا يزال يبحث في النقطة الفاصلة بين الألم الدفين والنتيجة القاتلة. معظم الوارد هنا في سياق الحكاية التي يرويها الزوج قبل تخليص زوجته من نفسها وتخلّـصه منها معاً يتحدّث عن ذات الإختيار الصعب الآيل إلى التنفيذ بحتمية وعن العالم المنزوي بأسره داخل جدران ذلك البيت الكبير الفارغ بإستثناء الإثنين، هو ذاته في «مخبوء» حيث الشخصيات حبيسة جدرانها النفسية كما جدران البيت الداخلية. بل أن  اختيار إسمي جورج وآن هو ذاته الوارد في «مخبوء» كما في عدد من أفلامه الأخرى مثل «القارّة السابعة» (1981) و«زمن الذئب» (2003). المختلف البيّن هو أن مدير التصوير داريوش خونجي يمنح البيت في «حب» إضاءة خافتة وناعمة مقابل تصوير أكثر حدّة قام به كرستيان برجر في «مخبوء». 

في «حب» يوجّـهنا المخرج صوب زوج متفان وإمرأة تدرك أن نهايتها في ضعفها. قبل أن تفقد القدرة على الحركة لا تريد لإبنتها أن تراها على هذه الحالة، وتتذمّر مما تقوم به الخادمة الطيّبة من خدمة. مع إنتشار شللها تصبح أكثر أنطواءاً، وهذا متوقّـع. شخص مهزوم وخائف. وفي مشهد دال نراها تخاف من جورج نفسه الذي يصفعها حين ترفض الطعام من يده. ما الذي يحدث هنا؟ خوفها في عينيها من قبل الصفعة. لقد تحوّلت إلى طفلة وصار هو الأب ليس طوعاً بل عن قدر من الإكراه. إلى ذلك، كان جورج أغلق البيت عليه وعلى زوجته. يرفض تدخّـل إبنته (يقول لها في مشهد أن نوعية اهتمامها لا يفيده). جورج لا يريد من يتدخـل. الخادمة الجيّدة ما عادت تدخل. السيئة يتم طردها. الإبنة تحديد حركتها. إغلاق باب الأم عليها. الحمامة غير مرحّب بها. هذا يماثله- بصرياً- وجود معظم الأحداث داخل الشقّة بإضاءة ناعمة.  الفترة الفاصلة بين تردّي حالة الزوجة وبين تمهيدات النهاية في الجزء الأخير من الفيلم تبقى بالغة التوتر وأسلوب المخرج القابض على الأنفس ببساطته الظاهرة وتعقيداته الداخلية يستمر قويّـاً في دلالاته.


الأوسكار: الوقفة الأخيرة
تحليل المعطيات يدفع بفيلم بن لادن إلى الأوسكار
Django Unchained

"لن أصوّت لـ «حب» لأنني لم أتحمّـل تغيير حفاضة واحدة أخرى في الفيلم".
هذا رأي واحد من المخرجين الـ 371 المنتمين إلى الأكاديمية التي ستعلن نتائج مسابقتها الخامسة والثمانين مساء يوم الأحد في الحفلة التي تنطلق في السابعة مساء وتستمر (عادة) لثلاث ساعات مزدحمة بالفنانين الفائزين والفنانين المقدّمين والوصلات الإعلانية. 
المخرج الذي اشترط على صحافي من مجلة «ذ هوليوود ريبورتر» عدم البوح بإسمه إعتبر أن «أرغو» هو "لا شيء كبيراً" وأن «دجانغو طليقاً» (إستخدم هنا كلمة نابية). لكنه أظهر إعجابه بفيلم كاثلين بيغلو «زيرو دارك ثيرتي» ولو أنه يعترف بأنه صوّت لسواها كأفضل مخرج.

إنها الساعات القليلة الفاصلة التي ستمر بها أفلام العام الماضي المرشّـحة للفوز في «فلترات» دقيقة وشرايين متفرّقة قبل الإعلان عن النتائج في تلك الحفلة التي تنهي أشهر من الترقّـب وموسماً كبيراً كاملاً من الجوائز والتقديرات.  أوسكار هذه السنة تسوده حقيقة أن لا فيلم متكامل لدرجة الإتقان لكن أقربها إلى تلك الدرجة، ومن ناحية حرفية بحتة «زيرو دارك ثيرتي» للمخرجة كاثلين بيغلو وإنتاجها مع كاتب السيناريو مارك بول. 
الفيلم الذي يسرد بقلب بارد وعقل متوقّـد السنوات التي أمضتها عميلة للسي آي أيه (جسيكا شستين) بحثاً عن بن لادن قبل أن تحصل على العنوان المفترض لتبدأ رحلة حث الإدارة العسكرية للقيام بمهمّـة قتله أو إلقاء القبض عليه، نجده موزّعاً في أربع ترشيحات أخرى: جسيكا شستين عن بطولتها له، مارك بول عن كتابته له، وليام غولدنبيرغ وديلان تيتشنر عن توليفه بالإضافة إلى أفضل توليف صوتي (بول أتوسون). ثلاثة من هذه الترشيحات تعتبر أساسية سيحقق الفيلم إنتصاراً كبيراً لو إستحوذ عليها هي أوسكار أفضل فيلم (الأهم) وأوسكاري أفضل سيناريو وأفضل تمثيل نسائي. 
طبعاً منع التصويت المخرجة بيغيلو من الترشيح في سباق أفضل إخراج ما قد يحد نوعاً من تفرّد فيلمها بالنجاح المتوقّـع حيال بعض الأفلام التي تميل أكثر إلى الكلاسيكية وتناسب وضع أعضاء في الأكاديمية يبلغ كثير منهم سن التقاعد أو ما بعده. النبرة الوطنية مشكوك فيها بالنسبة لفيلم «زيرو دارك ثيرتي» بعد مواجهته من قِـبل سياسيي واشنطن بأنه إدعاء وفبركة حقائق، لكن تلك التي في «لينكولن» (الثاني في قائمة أعلى الإحتمالات) لا غُـبار عليها. 

الكلاسيكيون والليبراليون
مشكلة «لينكولن» مزدوجة: من ناحية هو جيد لكنه ليس أفضل أفلام سبيلبرغ ومن ناحية أخرى هو أكثر عن ستيفن سبيلبرغ ينجز فيلماً من بطولة دانيال داي-لويس عن شخصية لينكولن، مما هو عن لينكولن حقّـاً.
أبجدياً تبدأ القائمة هنا بفيلم «حب» للنمساوي ميشيل هنيكه، وهذا يمكن صرفه من الخدمة هنا لأنه سيتخطف أوسكار أفضل فيلم أجنبي حسب أكثر الترجيحات. لكن هذا ليس السبب الوحيد لصرفه: الفيلم حيادي تماماً بالنسبة لشخصياته، بما فيها شخصيّتيه الرئيسيّتين. هذان العجوزان (جان لوك غودار وإيمانويل ريفا). صحيح أنه يقدّم صورة طبيعية عن بطليه في عمر متقدّم وما يعانيه أحدهما (الرجل) عندما تتعرض زوجته لنوبة قلبية تحوّلها إلى بدن مشلول، إلا أن ذلك لا يعني أن المخرج يحب أي من أبطاله. في الحقيقة يعاملها كما يعامل معظم شخصياته في أفلامه السابقة: بعناية وببعد عاطفي في الوقت ذاته. بين الخطّين المتوازيين يصنع لنفسه نتيجة فنيّة أعجبت كثيرين من نقاد وجمهور وسينمائيين.
«أرغو» مخلص وسينمائيا إنتاج ناجح وممهور بتوقيع واحد من جيل الشباب في هوليوود هو بن أفلك. كما يقف وراء إنتاجه جورج كلوني وهو يمثـل مع آخرين، الجناح الليبرالي في هوليوود اليوم. قوّة هذا الجناح ستقف مع هذا الفيلم ضد «زيرو دارك ثيرتي» وضد «لينكولن» أيضاً. لذا فوزه بالأوسكار ممكن، وبل محتمل جدّاً، لكنّـه ليس إحتمالاً محتّـماً.
«أرغو»، أيضاً، له طابع المعالجة السينمائية الهوليوودية وهذا مريح للمنتخبين أكثر من تلك المحاولة الجيّـدة والجسورة التي قام بها المخرج الجديد بنه زيتلين في «وحوش البراري الجنوبية». فيلم جيّـد للغاية حول تلك الفتاة السمراء التي تعيش في قرية ما بين ألاباما والمسيسيبي التي تأخذ على عاتقها إنقاذ والدها والطبيعة كلّـها من العاصفة العاتية التي دهمتها. هذا ما يعمل لصالح الفيلم كونه جيّـد في في حرفته وتنفيذه وملم في موضوعه كما أن بطلته ذات السنوات الست كوافنزاني ووليس، تمثّـل كما الكبار. ما يعمل ضدّه هو أنه لمخرج جديد يحقق هنا فيلمه الأول والأكاديمية تحب أن تسافر نصف المسافة مع الجدد الموهوبين فترشّـحهم، لكنها تواصل السفر مع أصحاب سنوات من العمل حين يأتي الأمر للمرحلة الأخيرة من الرحلة.

حالة مثيرة جدّاًً
Life of Pi

هناك أربعة أفلام بقيت على قائمة ترشيحات أفضل فيلم روائي وهي «دجانغو طليقاً» و«البائسون» و«حياة بي آي» و«كتاب مخطط بالفضّـة» و«حياة باي».
ليس من الممكن تصوّر أن أعضاء الأكاديمية سيتركون فيلم «لينكولن» للتصويت على «دجانغو طليقاً». إستحالة. سبب المقارنة هو أن كلا الفيلمين يدور حول العنصرية في فترة متقاربة (قبل وخلال الحرب الأهلية الأميركية) لكن في حين أن فيلم سبيلبرغ يتميّـز بالرصانة و، كما ذكرت، يحمل صفاتاً كلاسيكية كعمل قائم على سيرة ذاتية واقعية، فإن «دجانغو طليقاً» يعكس حب المخرج للوسترن السباغتي وأفلام "البالب فيكشن" عموماً. إلى ذلك، المسألة العنصرية المبثوثة هنا ترفيهية المقصد ولو أنها صادقة النيّـة. المخرج كونتين تارانتينو لا يحب الكوكلس كلان ولا البيض العنصريين ويريد لبطله الأسود جيمي فوكس أن يصول ويجول إنتقاماً. هذا كلّـه ترفيه مصنوع على نحو جيّـد في بعضه، لكنه يبقى ترفيهاً.
«البائسون» هو ملهاة خادعة تلبس ثوب سينما الميوزيكال لكنها تقدّم عملاً لا قيمة فنيّـة حقيقية له. حكاية فكتور هوغو  نجحت مسرحياً عندما تم تقديمها كمغناة لكنها فشلت على الشاشة كميوزيكال ولأسباب عديدة أهمها أن المخرج توم هوبر شاء إختبار قدرات ليست له. لمن يبحث عن نسخة أفضل  من الرواية عليه بنسخة لويس مايلستون سنة 1952 وأبطالها غير المشهورين مايكل رني ودبرا باجت وروبرت نيوتن.

جوائز أخرى
«حياة باي» حالة مثيرة جدّاً وفوز مؤكد في المسابقات الأخرى. أساساً فيلم لافت من مخرج موهوب وجريء (آنغ لي) تتابعه بتلذذ شديد بسبب عناصر إنتاجه المتكاملة: فيلم مغامرة بقصّـة فريدة مع أمواج هادرة وخطر الموت إن لم يكن غرقاً فبين أنياب نمر شرس… لكن كل ما سبق يتلاشى عندما يفتح الفيلم قبل نهايته المخيّبة للآمال، باب إحتمال أن لا يكون أي مما شاهدناه حدث مع الشخص الذي كان يسرد القصّـة من البداية كواقع. الفيلم من القوّة البصرية بحيث نجده في تسع ترشيح آخر: أفضل إخراج، أفضل سيناريو مقتبس، أفضل تصوير، أفضل توليف (مونتاج)، أفضل تصميم إنتاجي، أفضل موسيقا مكتوبة خصيصاً لفيلم، أفضل أغنية مكتوبة لأغنية، أفضل مزج صوتي وأفضل توليف صوتي.
لا ريب أنه سيفوز بعدد من هذه الجوائز. ربما ليس بالضرورة كأفضل تصوير (الأفضلية هنا تذهب إلى روجر ديكنز عن «سكايفول» أو يانوش كامينسكي عن «لينكولن») لكن غالباً كأفضل توليف وأفضل مؤثرات خاصّـة وبل ربما أفضل تصميم إنتاجي وأفضل سيناريو مقتبس. لكن حظّـه في سباق أفضل فيلم لا يبدو واعداً.
يبقى «كتاب مخطط بالفضّـة» وهو فيلم متوسّط القيمة يكتشف موهبة برادلي كوبر للكوميديا الجادّة، ويتميّـز بكتابة جيّدة لكن إخراجه لا يعدو أكثر من تنفيذ معتدل لما هو مكتوب.
 السينما التسجيلية تحفل بأفلام جيّدة وكلّـها تحيط بالقضايا الأكثر جدلية في عالمنا وبعضها متساو في حظوظه لدرجة لا تجعل من الممكن إجراء توقع فعال: «خمس كاميرات محطّمة» لعماد بورنات وغي دافيدي (فلسطيني وإسرائيلي) و«حرّاس البوّابة» لدرور موره فيلمان يشتركان في طرح أوضاع السياسة والمجتمع على أرض مشتركة لا زالت تعيش فوضى المحاولات نصف الجادة لحلّـها. عماد بورنات ليس العربي الوحيد المتقدّم في سباق الأوسكار بل هناك مالك بن جلول الذي وُلد قبل أكثر من عشرين سنة في السويد من أب تونسي. فيلمه هو «البحث عن شوغرمان» الذي ربما وجده المصوّتون حلاً لا بأس به لمحاولتهم الإطلال على قضايا العالم لكن بعيداً عن المتاهة الفلسطينية- الإسرائيلية.

نظرة حائرة على سؤال مقلق: 
من هم نقاد السينما العربية؟ 

عليّ أن أبدأ بنفسي… أنا لست ناقداً. محسوبكم يعمل في مصنع لصنع القبّعات نهاراً، ويسوق تاكسي لخمس ساعات في الليل وفي الويك إندز يساعد بنت الجيران على نشر الغسيل.
إذا إعتبروني أنا خارج اللعبة لأنه من الصعب أن أكتب من موقع آخر حول موضوع كهذا وأنا منه. ثم إعتبروني خارج.. خارج.. خارج.. خارج اللعبة مثل صحن فضائي نسيه أصحابه في الفضاء البعيد وذلك حتى يتسنّى لي أن أنظر إلى الجميع، بمن فيهم محمد رُضا، على نحو متساو.
الوضع بمجمله (وهذا كمن يأتي من الآخر) هو أن النقد تحصيل وعلم وثبات على الحب  وممارسة خالية من حب الذات والتأله. وأن من يفعل ذلك حفنة. لعلي أستطيع الآن التوقّـف عند هذا القدر. تصبحون على خير. بارك الله فيكم يا قرائي وشكراً لمتابعتكم.
فعدد من يواصل البحث والمعرفة في السينما ويمارس النقد حبّـاً بالنقد وليس دفاعاً عن نفسه ورؤيته ومنواله من التفكير أقل من نبات الربع الخالي في كيلومتر مربّـع. كيف إذاً نستطيع أن نقول أن لدينا نقداً سينمائياً حافلاً؟
الجواب يأتي من طرفين: الأول أولئك الذين يكتبون ليمارسوا الكتابة ولو مرّة كل سنة مؤكدين إنهم منتمين إلى الجسد النقدي. والثاني من نقاد فاعلين ربما على رأي مختلف مما ورد هنا ومفاده أن "النقد موجود وبخير إطمئنّوا" أو "كفّوا أيديكم عن النقد"
الإنتماء الى الجسد النقدي بحاجة أولاً إلى جد… فهل أربعة أو خمسة نقاد حقيقيين كافين لتكوين جسد؟ ربما جسد بلا أطراف… أو أطراف بلا جسد لكن جسد نقدي كامل… نو نو نو! 
قبل عامين كاملين أنطلق صلاح سرميني وطاهر علوان وواحد أسمه محمد رُضا لتأليف جمعية لنقاد السينما. أعتقد أن تأسيس ناد للعراة في جنوب فرنسا كان عملاً أسهل بكثير لو أراد هؤلاء الثلاثة القيام به. هذا ما حدث.
- إستلم الثلاثة مئات الطلبات إنقسمت إلى النواحي التالية:
نحو 10 بالمئة: نقاد محلّفون.
نحو 20 بالمئة: أسماء كتبت النقد من حين لآخر (الحكم هنا ليس على قيمة المكتوب).
نحو 30 بالمئة: أسماء في مهن أخرى (ونسبة منهم أسبقت أسماءها بعبارة دكتور).
نحو 50 بالمئة: مجهولين. لم يسمع بهم أحد.
- قامت مؤسسات أخرى بتسريع عمليات إلتفاف.
- قامت مؤسسات أخرى بالتلويح بأنها موجودة قبل هذه البادرة "فلم لا تنضمّون إلينا؟".
- عارض الأمر بعض من يعتبر نفسه (وبعضهم عن حق) ناقداً.
- دب خلاف بين المؤسسين الثلاثة على الرغم من صدق النيّـة.
خرج الثلاثة من التجربة كما لو كانوا دخلوا مغسلة سيارات بسيارة مكشوفة. محنة من الأفضل لها أن لا تتكرر. 
طبعاً، المبدأ صحيح مئة بالمئة… لكن ما كشف عنه التطبيق أن الثلاثة مفلسين ماديّـاً. سألت محمد رُضـا عن هذا الجانب فقال:
"كانت فكرتي المبدأية تأسيس ناد لنقاد السينما يتم الإنتماء إليه بالدعوة. وإصدار مجلة أو نشرة. وتأسيس جائزة بإسم النادي وسلسلة من الإجراءات المهنية الأخرى التي تنظّـم علاقة الناقد بالنقد والنقد بالإعلام"
ويضيف وهو يتابع سرقة متجر مجوهرات وقبل أن يتّـجه إليه لإنقاذ الرهائن: "كل هذا بحاجة إلى مال. وأنت تعرف أنني لا أملك درهماً أصرفه على مثل هذه الأحلام. صحيح أن ثروتي تبلغ 26 مليون دولار لكنها جميعاً موجودة في "بنك الأحلام" وهو بنك يحتفظ ولا يصرف".

يتركني محمد رُضا وينطلق لمنازلة الأشقياء الذين تحصّنوا داخل المتجر وأراه وهو يواجههم بحركات كاراتيه يجيدها فيطيح بهم واحداً تلو الآخر ثم يأخذ منهم ما سرقوه وينطلق هارباً.
الوضع إذاً أن النيّـة الصادقة ليست موجودة إلا عند حفنة ليس لديها التمويل لكي تنتقل من الفرضيات إلى التطبيق. لكن إذا ما كان الوضع كذلك، فإن الرقعة الأكبر هي حال الوضع الثقافي.
لكن هناك أكثر من جانب لهذه الأزمة. ربما الرغبة لتأسيس إتحاد مستقل لنقاد السينما العربية كان "حلم ليلة صيف" لم يكتبها شكسبير، لكنها تعبير عن جوانب مثيرة للإهتمام. المشكلة هي أن أبناء هذا الوسط يعتقدون فعلاً أنهم نائمون على حرير… ربما لأنهم افتقدوا ملمس الحرير ويعتبرون أكياس الرز هي حرير… أو كما قال حكيم سبق عصره:
"أنا في القاع منذ مدّة طويلة لدرجة أني بت أعتقد أنه القمّـة" I've been down for too long it looks like up to me
هناك من يرى أن تقوية عضد النقد هو شأن من شؤون الدولة. 
وهناك من يرى أن تقوية عضد النقد هو شأن من شؤون المهرجان.
والغالبية تقول: "نقد؟… تقصد ذلك الكلام غير المفهوم عن أفلام لا يحضرها أحد؟".
سأبدأ بالسطر الأخير من التعليق، هنا على الأقل، ربما لأنه- بالنتيجة- صحيح ليس لأن النقد، كفعل ثقافي، لا قيمة له، بل لأن تعميم الجهل هو القاسم المشترك القائم بين معظم المسيطرين على شؤون الحكم في العالم العربي. هكذا تدور العجلة:
  أنت تنتقد = أنت معارض
  أنت معارض= أنت ضد المؤسسة
  أنت ضد المؤسسة= أنت عنصر هدّام 
  أنت عنصر هدّام = من حق المؤسسة أن تلاحقك وتسجنك وتسحلك وتقتلك. 
 ولا أريد أن أدخل في هذا الجانب لأنه يعبّـر عن نفسه بنفسه ولأن الدخول فيه ليس كالخروج منه. سريعاً ما تجد نفسه في أنابيب فرانكنستينية في كل إتجاه وبلا إتجاه على الإطلاق.
هل نشر الثقافة أمر من شؤون الدولة؟ 
نعم ولا
بإختصار: لو أننا إقتصادياً وثقافياً وإجتماعياً متقدّمين فإن الدولة ليست ملزمة إلا إذا كانت تشعر بأن عليها أن تلعب دوراً. لكن بما أننا لسنا متقدّمين فإن الدولة ملزمة بالتأكيد توفير أسباب الثقافة، ومن بينها الثقافة السينمائية. لتطبيق مبدأ رأسمالي كامل في جمهورية عربية لا زالت غير قادرة على رفع مستوى معيشة الفرد العادي (الغالبية العظمى) هو ضرب من العبط. للأسف، هو عبط أيضاً أن تسعي جمهوريات إشتراكية (أو ما تبقّـى منه في أيامنا هذه) لربط النشاط الثقافي بوجه واحد هو الذي يمثّـل مراميها السياسية. في الحالتين راحت على العبيط!

هل نشر الثقافة أمر من شؤون المهرجانات؟
بكل تأكيد. ولا أزيد لأنه لا حاجة هنا للتفسير.

هل خرجت عن الخط؟ ها هو محمد رُضـا يدخل من الباب الخلفي للمقهي الشعبي الذي خرج منه لينقذ مجوهرات المحل المقابل وهو ينظر حوله… أسأله:
- هل نجحت في أن تسرق السارق؟
يقول وهو يجلس لاهثاً من الركض: "لاللأسف لا".
- ماذا حدث؟
"لقد تعرّضت للسرقة حال خروجي من المحل بالغلّـة إستدرت في زقاق لأختبيء من رجال البوليس فإذا بعصابة من الشبّان تعترضني. لقد نهبوا غلّـتي بكاملها وفوقها ما كان معي من مال…"
- كم؟
" مئة دولار"..
- ما بقي من راتبك؟
"لا… كل راتبي".
 - لا بأس سأدفع ثمن فنجان الشاي الذي برد لكن أخبرني من في رأيك ناقد وغير ناقد.
"ببساطة: الناقد هو من لا وجود له. غير الناقد: هو السائد".
- كيف تقول ذلك وأنت، ما شاء الله، حاضر وسائد ومنتشر.
"هذه هي المعضلة. الحضور الذي تتحدّث عنه يمتد على رقعة 500 متصفّـح للإنترنت. منهم 400 يدخلون ويخرجون باحثين عن موقف سياسي. ديني أو صدر ممثلة. وهؤلاء يتناقصون والحمد لله… ليس لأنهم يكتشفون ما هو أجدى، بل لأنهم أدركوا الآن أن هذا الموقع لا خير فيهالإنترنت وهم، وأنا من ضيّـع في الأوهام وقته".

الناقد الحقيقي 
الآن تعالوا ننتقل إلى نظرة أكثر واقعية. ما هو واقع النقد ومن هم نقاد السينما الفعليين؟
هناك مزاولة للكتابة السينمائية في العديد من الصحف العربية، وهي على ثلاثة أنواع:
الأول: تخصيص صفحة أسبوعية للنقد وشؤون الكتابة السينمائية الجادة وإسناد المهمّـة إلى فرد واحد يشرف عليها وهو قد يكونل، وقد لا يكون، ناقداً.
الثاني: عدم وجود صفحة سينمائية بل مقالات مترجمة أو مسروقة يكتبها محررون تبعاً لحاجة ملء المساحات الشاغرة.
الثالث: صحف تنشر مقالات جادّة لمن يرغب كتابتها. بعض الكتّـاب جيّـد وبعض الكتّاب بالونات هوائية. الجيّدون ليست لديهم مجالات تعبير ولا إنتظام في الكتابة… بذلك يصبح من الصعب تطبيق المعنى المهني لكلمة: ناقد. 

النقد عملية كاملة تبدأ من حب السينما كفكرة. كمبدأ. كهواية. كمهنة. كماضي. كحاضر. كمستقبل. حب بلا حدود لا يعرف الناقد وسيلة للخلاص منه. عشق كامل. لكي تتكامل بحاجة إلى:
  مشاهدة الأفلام  الكتابة عن الأفلام   نشر الكتابة عن الأفلام. 
مشاهدة الأفلام:
مبدأياً: مشاهدة كل فيلم تم إنتاجه فوق كوكب الأرض. الإستحالة لا تعني التفكير بأن هذا هو المنهج المطلوب وعليه فإن الناقد (أو من يتوسّـم أن يكون) عليه أن يشاهد القديم (من 1888 وإلى اليوم) والجديد (اليوم والغد). المشاهدة ليست أمراً إنتقائياً، إلا ضمن برمجة معيّنة (ربما تريد أن تبدأ بتأليف نظرتك الخاصّـة لتاريخ الفيلم، أو تريد البحث في تاريخ سينما بلد معيّن الخ…). وأسوأ ما يفعله ناقد أو شبه ناقد أو متوسم نقد أن يبدأ من اليوم الذي يقرر فيه أن يكتب لاغياً من حسبانه المعرفة بسينما الأمس ورجالاته وأعماله وتياراته الخ…

الكتابة عن الأفلام:
كل فيلم يستحق الكتابة، لا فيلم أدنى أو أعلى من أن يُـنقد،  لكن ليس شرطاً أن كل ما يستحق الكتابة يُـكتب. الأساس هو أن يعرف الناقد حقيقة حجمه وكونه شخصية مستقلّـة لا يمكن لها، في عالم كعالمنا العربي، أن تلعب الدور الإيجابي بمعزل عن بطء الحركة الإجتماعية ذاتها. الناقد (الحقيقي) هنا لا يتمتّـع بما يتمتّـع به الناقد الحقيقي في الغرب. لا يعلو الناقد العربي كثيراً في مجال الشهرة. تمر بنا لحظات متوهّـجة لكن Who really cares? 
نحن نبقى، صلة وصل بين القاريء وبين الفيلم. إحذف صلة الوصل، سيواصل القاريء مشاهدة الفيلم من دونك- لا تنسى ذلك!.
طبعاً نؤدي رسالة ولدينا وظيفة ونفتح مدارك… لكن ليس من بين ما نقوم به ما يجعل الحياة متوقّـفة علينا. لسنا أبطالاً ولا نلعب أدواراً. لذلك بينما معاركنا ضد الجهل والظلام وسينما الرداءة مجيدة فإن معاركنا ضد بعضنا البعض تافهة. ولا تقل لي موجبات ودوافع أسباب: كلنا بشر نسقط كأسهل ما تفعل أوراق الشجر. كلنا نخطيء بأسرع مما نعتقد وأكبر خطأ أن تعتقد نفسك غير مخطيء، وثاني أكبر خطأ أن تنظر إلى نفسك في كل لحظة معتقداً أنها النفس الأهم!
ما تكتب وكيف تكتب هو إنعكاس لشخصيّتك بما تحمله من خصائص صالحة وطالحة. وعليك أن تعرف أن الطالح فيك موجود فعالجه حتى تأتي كتابتك جيّدة. مخلصة وصادقة. إذا لم تكن تعرف في موضوع معيّن لديك كل الوقت لتسأل وتبحث وتقرر لكن لا تقدم على القفز فوق جهلك لتحكم حسب ما تعتقده صحيحاً.

نشر الكتابة عن الأفلام
هل إنتهيت من الكتابة؟ هل راجعتها؟ هل أنت واثق من أن معلوماتك صحيحة. كل هذا رائع؟ لكن أين ستنشر؟ ولمن؟
أعزائي… الموضوع كبير وإذا أردت الدخول فيه فسيتطلّـب الأمر سنة من الكتابة. 
من هو الناقد: أنه ليس 98 بالمئة ممن يمارسونه اليوم. إنتهينا.

ملاحظة:
تم الإفراج عن محمد رُضـا بريـئاً من تهمة سرقة المجـوهرات
بعدما تم إكتشاف مهنته كناقد سينمائي. ليس من باب تقدير
المهنة بل لأن كومبيوتر البوليس تعطّـل وهو يبحث عن معناها.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2013
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular