أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Feb 10, 2013

هل أصبحت السينما العربية أسيرة الحدث السياسي؟ | أفلام من برلين



مهرجان | برلين  3                                       
مهرجان برلين يحتفي بالراهن العربي
 هل أصبحت السينما العربية أسيرة الحدث؟

الإنتظار

على المرء، هذه الأيام أن ينتظر فيلماً سعودياً أو مغربياً أو إماراتياً لكي يواجه عملاً لم تنتجه الأوضاع السياسية الحالكة التي تعيشها حفنة من الدول العربية. عمل يختلف في أساسيه، أي شكلاً ومضموناً، عن باقي الأفلام التي تعرضها شاشات المهرجانات الدولية، حتى صارت السينما العربية مرتبطة بتلك الإضطرابات والقضايا غير المحلولة التي يعيش العرب وإياها منذ سنتين وأكثر.
ما الذي حدث لنا حتى تحوّلنا إلى مجرد تظاهرات تُستقبل رغبة في تعريف الجمهور الغربي بإنتاجات تدمن الوضع العام، بدلاً من تقديم أعمال فنيّـة لها هواجس في شؤون حياتية أخرى، أو إبداعات فنيّـة خارجة عن المتوقّـع والسائد؟ 
هل فات الأوان لولادة جيل يؤمن بأن السينما هي جمال اللغة التي تستخدمها قبل أن تكون منبراً خطابياً أو تعليقياً على أحداث يتناقلها الإعلام أول بأول على أي حال؟ 
السينما العربية الموجودة في برلين تعد هذه السنة بأن تكون من طينة السنة السابقة وتلك التي قبلها عندما إنحسرت القضايا فيما يحدث وليس في عمق التجارب الإنسانية ذاتها، وفي أشكال هي صدى لبعضها البعض وانعكاس لنوعيّـات متماثلة من الأساليب والتيارات. هذا في المجمل، أما حين النظر إليها منفردة، وتبعاً لما سنراه منها، فإن الإختلاف وارد وربما يرد من حيث لا يتوقّـع المرء مطلقاً.
طبعاً ليست هذه الأفلام المتحدّثة لغة الوقائع الآنية هي حكر مهرجان برلين، بل تتسابق عليها مختلف مهرجانات العالم (من "كان" إلى "تورنتو" ومن "نيويورك" إلى "روما" مروراً ببعض المهرجانات العربية صغيرة وكبيرة) بينما تغيب الأفلام التي تقصد النأي بنفسها بعيداً عن السائد وعميقاً في طروحات متميّزة.
في تظاهرة البانوراما هذا العام، وهي التظاهرة الثانية من حيث أهميّتها بعد المسابقة، نجد فيلمين عربيين تسجيليين. واحد آت من لبنان بعنوان «عالم ليس لنا» لمهدي فليفل، الذي خرج بأكثر من جائزة في مهرجان أبوظبي الأخير، والثاني «فن/ عنف» وهو إخراج ثلاثة هم فلسطينيتان (مريم أبوخالد وبتول طالب) وإسرائيلي (أودي ألوني)
كلاهما جزء من مجموعة متزايدة من الأفلام تتناول الوضع المتعلق إما بفلسطين أو بفلسطينيين وبينها، للتذكير، فيلمين مرشّحين لأوسكار أفضل فيلم تسجيلي هما «خمس كاميرات محطّمة» و«حارسو البوّابة». بالنسبة لـ «العالم ليس لنا» يتابع المخرج مهدي فليفل، وهو مهاجر من مخيم عين الحلوة في لبنان إلى الدنمارك، سنوات ثلاثة أجيال من الفلسطينيين ويخلص إلى تجسيد جيّد لحياة صارت طبيعية غصباً عنها. الفيلم الآخر يحمل هويّـة أميركية ويدور حول إغتيال جوليانو مير خميس، الذي أنشأ مسرحاً ضم إليه مواهب فلسطينية ونشط في قضايا السلام خصوصاً بعد مجزرة جنين.
حُـرمة

وهناك فيلم آخر يتعامل والمخيّمات الفلسطينية هو إنتاج إماراتي/ إيطالي مشترك لمخرج أسمه ماريو ريتزي. الفيلم بعنوان «الإنتظار» ويتناول مشكلة مخيم الزعتري في سوريا (على الطريق المؤدي إلى الأردن) في ظل الأحداث الدامية في سوريا الآن. في الأصل هو رقعة من الأرض يعيش فوقها 45 ألف لاجيء فلسطيني، لكنه الآن بات مزدحماً بخمسة عشر ألف لاجيء إضافي جلّـهم هارب من القتال بين الجيش النظامي والمعارضة.
الموضوع الفلسطيني معبّر عنه أيضاً في «لما شفتك» لآن ماري جاسر لكن عبر العودة إلى السبعينات حينما وجد جيل جديد من الفلسطينيين نفسه نازحاً إلى الأردن. هذا الفيلم، الذي تناولناه تفصيلياً حين مشاهدته في مهرجان أبوظبي، يحمل فكرة جيدة معبّـر عنها بلغة غير معني بتفاصيلها الفنية.
من خارج هذا النطاق بأسره، فيلم لمخرجة من السعودية تكتفي بإسمها الأول «عهد» وتعرض، في مسابقة الفيلم القصير فيلماً بعنوان «حرمة» يذهب إلى حيث ذهبت المخرجة المعروفة هيفاء المنصور في فيلمها الطويل «وجدة» إنما ربما بموضوع أكثر قساوة وبعيداً عن رغبة مخرجته تحميل فيلمها أي تنازلات. إنه حكاية إمرأة دخل عليها شقيق زوجها إثر وفاة زوجها مطالباً بمال يقول أن شقيقه استدانه منها، وكيف أن هذه المرأة لم تواجه فقط هذا الوضع الشائك بل حكماً يجعلها مسؤولة عن واقعة دخول رجل غريب عليها. 
المسابقة نفسها تخلو من أي نشاط عربي، كيف لها ذلك وليس لدى السينما العربية ما تصعد به إلى شؤون لم تتناقلها وسائط الإعلام الغربي وإلى مدارات تبرهن من خلالها على أن الحياة لا زالت تحبل بمسائل أخرى غير وقائع كل يوم، وإنه ليس من الخيانة في شيء لو تطرّق إليها السينمائي مبدعاً.


أفلام برلين
سير ذاتية

The Grandmaster ***
فيلم الإفتتاح- خارج المسابقة
…………………………………..

في نهاية فيلم وونغ- كار وي، يعود يب مان (أو إب كما يسمّـونه بالإنكليزية) إلى هونغ كونغ تتبعه شلّـة من أساتذة فنون القتال الشرقية. وفي ذلك تحيّـة للمدينة الصينية التي يرى المخرج، وهو ترعرع هناك كما بطله، أنها المركز الثقافي على أكثر من نحو. المكان الذي حافظ على حبّـه لفنون القتال والتي- بإستخلاص حياة يب مان ذاتها، لعبت دوراً كبيراً في صياغة فن القتال من دون سلاح.
على أن «السادة الكبار» له غاية أخرى وهي تقديم ذلك المقاتل الذي وقع في حب المرأة التي تحدّته. المخرج الذي عالج قصص حب تميل إلى وجدانيات العاطفة الممتزجة بالذكريات والوحدة، عرف كيف يذيب ذلك في فيلم ظاهره هو الكونغ فو وباطنه هو ذلك الإعجاب المتبادل، ثم القتال المتكافيء، بين مقاتلين إنتقلا من المباريات القوّة إلى وحدة العمل الوطني ضد المحتل الياباني. 
إنه عن المقاتل (يقوم بدوره توني ليانغ) والفيلم يفتتح به كنوع من الإستعراض المسبق لما سنراه. لقطة لتجمّـع محاربين في مدينة فوسهان (جنوبي الصين) ثم قطع على يب مان يتحدّث عن حياته ما يعرّفنا إختيار المخرج لمنهج السيرة الذاتية وسيلة للسرد. بعد ذلك قطع على معركة بين يب مان وتلك الجمهرة الكبيرة من المقاتلين التي تخفق، فرادى وجماعات، في النيل من يب مان ولو بجرح واحد. 
يدرك المشاهد هنا أن الفيلم ومخرجه يطلبان منه أن يصدّق ذلك ليس من زاوية أن البطل "سوبرهيرو" لا يُـصاب ولا يُـقهر، بل من زاوية أنها حقيقية. لكن مع مضي الأحداث وانتقالها إلى سيد قتال مسن أسمه غونغ (وانغ كينجيانغ) يريد توريث علمه لأبرز اللاعبين ودخول يب مان لتحدي إختياراته، يشعر المرء بأن المزج بين المعاني الإنسانية كالحب والوحدة والشعور بالذنب وبين الرغبة في تقديم فيلم كونغ فو يميل إلى الجانب الثاني. فقط لاحقاً، في نصف الفيلم الثاني، عندما يقع بطلا الفيلم في حب صامت، ثم يفترقان ونتعرّف على زوجته (التي من الواضح أنه لا يحب) يبدأ الفيلم إبراز العوامل الإنسانية المذكورة كشأن ما أنجزه المخرج من قبل (خصوصاً في «مزاج الحب» سنة 2000). 
يب دارس فنون قتال شمالية يواجه دارسي علوم قتال جنوبية. نحن لا نفهم كثيراً في كيف يختلف الكونغ فو في الشمال عنه في الجنوب، لكن المخرج، بعد أن أمضى على هذا المشروع نحو عشر سنوات، بات يعرف حبّـاً في تقديم فيلم غير تقليدي عن موضوع وبطولات إمتلأت بها السينما الصينية (والهونغ كونغية بالتحديد) ومنها أفلام بروس لي (القليلة نسبياً) وهو الممثل الراحل الذي تعلّـم على يدي يب مان في أواخر الستينات. بعد قليل تستطيع أن تلحظ أهمية حركات اليدين وكيفية تحريك الأصابع والقبضات قبل الإلتحام. الكف المفتوح يعني أني سأهاجم لكن من موقع الدفاع عن النفس (إختصاص يب مان) والقبضة المغلوقة (كما يواجهها بها بعض خصومه) هي إعلان هجوم بلا حدود.
الكاميرا ترتفع مع يد يب أكثر من مرّة مكررة المفهوم والتأثير، وفي حالات لا يختلف القتال هنا عن القتال في فيلم أقل شأناً، نظراً لاستخدام وسائل الجذب وعناصر الإنتاج ذاتها. لكن في النهاية يمتلك الفيلم ناصية الإختلاف ويتبلور كعمل لابد منه يلخّص في ساعتين الكثير مما يريد قوله علماً بأن نسخة الفيلم الأصلية بلغت أربع ساعات.

Lovelace **
الولايات المتحدة- بانوراما
………………………………

ليندا لفلايس لم تكن ممثلة سعيدة. عاملتها أمّـها بوحشية جعلتها تهرب من البيت وتقبل بالزواج من رجل لا تعرفه وهو سرعان ما زج بها زوجها في الأفلام الخلاعية ولاحقاً حوّلها إلى عاهرة وعاملها دوماً كتجارة. لكنها مثّلت في فيلم أسمه «زلعوم عميق» Deep Throat الذي كان من أوائل أفلام البورنو التي احتوت على حبكة قصصية. الفيلم تكلّف نحو 50 ألف دولار لكنه جمع أكثر من 200 مليون دولار. ليندا (وأسمها الحقيقي ليندا بورمان وتقوم بتمثيلها أماندا سايفرايد) تقاضت فقط 1250 دولار عن دورها سطا عليها زوجها كما سطا على كل ما كانت تحصله من عملها
يقدم المخرجان جفري فرايدمان وروب إبستين الموضوع على نحو لا يخفي محاولة إستغلال الإسم لنجاح تجاري. والفيلم بالفعل أنجز وعده في مهرجان "سندانس" حيث شوهد أساساً. صحيح أن المرء لا يزال يشعر بالغبن الذي تميّـزت به حياة الممثلة، لكن العمل أختير له أن لا يحمل أكثر من ذلك التعريض للحكاية. لا يهمّ الجوانب الإنسانية بحد ذاتها إلا من زاوية إستثمارها. وهذا يتّضح عبر الإنتقالات غير المتوازنة بين فترات حياة الممثلة. 
في حين أن سايفرايد لا ينقصها الإقدام على تمثيل دور صعب، تقوم شارون ستون بدور والدتها لكن كثيرين قد لا يدركون أنها الممثلة ذاتها التي كانت نجمة الثمانينات وجزء من التسعينات.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2013
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


1 comment:

  1. عزيزي الأستاذ محمد رضا .. تعليقا على مقالك المعنون عن الحضور العربي في برلين وهل أصبحت الأفلام العربية أسيرة الواقع السياسي لم تذكر في تغطيتك الفيلم المصري "الخروج للنهار" والذي لا علاقة له بالثورة ولا بالسياسة فما هو السبب؟ هل رأيته ولم يعجبك أم أنك لم تره بعد؟

    ReplyDelete

Disqus Shortname

Comments system