أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Feb 14, 2013

يوميات مهرجان برلين السينمائي - 5 | دفاعاً عن المهرجانات العربية | المرأة: قضية برلين الأولى هذا العام


أفلام مهرجانات وأفلام صالات في جديد "فيلم ريدر" اليوم

Year 6 | Issue 783


لقطة أولى: في الدفاع عن مهرجانات عربية

من الطبيعي أننا، معشر النقاد، ننتقد. هذا هو عملنا غير المشكور الذي نقوم به فإذا بنا نحصد لقاء ما نقوم به ردّات فعل بعضها مقبول (في شكل عتاب أو حتى إعتراض) وبعضها غاضب (يأخذ شكل صد وهجوم)
وهناك في الحقيقة مصدران للنقد، نحسب أن أحدهما فقط هو الفاعل والمطلوب والذي يجب أن يبقى: هذا هو النقد الصادر من قلب لا يحمل ضغينة وعقل لا يعمل حسب مصالح فردية خاصّة. أما الثاني، وهو العكس تماماً قلباً وعقلاً، فهذا يبقى مكشوفاً ومضحكاً في مسبباته: ذات مرّة كان نقد أحد النقاد ضد مهرجان وليد أنه لم يتلـق المبلغ الموعود له أوّل وصوله كما أراد، وآخر وجد نفسه أمام خطأ في المطار إذ لم يتم استقباله، وهناك من تفوته حفلة ليلية فيسجّـل ذلك في خانة السلبيات.
لكن الحقيقة هي أن المهرجانات العربية المقامة شرقاً وغرباً، في غالبيّـتها، تقوم بجهود مضنية لأجل ضمان نجاح مهامها كنوافذ ثقافية وفنية وفكرية على العالم. أحياناً كثيرة تخطيء في إختيار إداريين وأحياناً تصيب. في مرّات تتكبّـل بقيود ميزانيات صغيرة، وفي أخرى تحسن استغلال ما لديها. تنجح في جذب إكتشافات سينمائية وتخفق. لكن الجهد المبذول يسجّـل على الدوام.
دوافع هذا الحديث كثيرة ومعظمها متواكب عبر سنوات من الملاحظة والتقدير، لكن المناسبة تطفو مجدداً حين حضور مهرجان كبير مثل برلين والإطلاع على الجهد الكبير المبذول عاماً وراء عام لإنجاح كل دورة. التفاصيل الكثيرة والإنصراف الكلّي والعمل بجهد لا يكل والبحث، في النهاية، عما يرضي الجميع: السينمائيين والإعلاميين والجمهور. 
كلمة السر ليست في المثابرة والإستمرار، بل في الصعود والرقي. هذا الأخير صعب جدّاً، لكن بعض مهرجاناتنا تقوم به.


 أفلام برلين: الروسي ضد السُلطة 
والألماني وسترن وجداني

حياة سعيدة وطويلة
برلين - محمد رُضــا 

قليلة جدّاً المرّات التي تشذ فيها الدقّـة المعروفة عند الألمان فيتأخر عرض فيلم معيّن لكن هذا ما حدث مرّتين متواليتين يوم أمس الأول. المرّة الأولى في الساعة التاسعة صباحاً عندما حان موعد عرض الفيلم الروسي «حياة سعيدة وطويلة» فإذا بنا نجلس منتظرين "تشريف" لجنة التحكيم التي تأخر عدد من أعضائها في النوم. ربع ساعة قد لا تكون طويلة في حياة الغالبية، لكنها دهر لمن يتذكر كيف كان كل شيء محكوم بدقّـة. وما لبثت التأخير أن تكرر (هذه المرّة لسبع دقائق) في الفيلم الثاني في المسابقة (الحادية عشر و45 دقيقة) لكن صدمته لم تكن كالأولى.
والجمهور الألماني لا يشكو أو ينفعل. لا تسمع صفيراً في الصالة أو زمجرة أو إحتجاجاً ولو تم لكانت الإدارة سجّلت على نفسها الملاحظة تجنّباً للتكرار. أهذا هو الشعب ذاته الذي جعل ألمانيا أكثر دول أوروبا إزدهاراً؟ بالتأكيد. 
الفيلم الروسي كان أحد أفضل ما خرج من تلك البلاد في السنوات الخمس الأخيرة وهو يبدأ بلقطة باتت متكررة. لقد إكتشفت السينما الماء. هناك أنهر في أكثر من فيلم معروض هذا العام. المياه تجري بإذن خالقها والكاميرا في مطلع «حياة سعيدة وطويلة» تتابعها في لقطة طويلة (ولو غير سعيدة) لتعريفنا بموقع تلك القرية القريب من النهر والذي يمكن سماع هديره في غرفها. بطل الفيلم  ساشا (ألكسندر يتسنكو) يعيش في واحد منها. إنه المسؤول عن ما تبقّـى من مزرعة تعاونية والحكومة تريد إغلاقها واستثمار الأرض لبيعها. وهو يوافق لكنه عندما يواجه ساشا المزارعين يجدهم معارضين للفكرة ومستعدين للذهاب إلى الحرب ضد السُـلطة (ممثلة هنا بمكتب قديم وحفنة موظّـفين) على التخلّـي عن منازلهم والأرض التي عملوا فيها لعقود. يولّـون ساشا المسؤولية وهذا ما يبلور لديه الرغبة في الدفاع عن مصلحة هؤلاء ما يعرّضـه لغضب المسؤولين. في الوقت ذاته، ينفك هذا الإجماع حوله… أحد المساعدين يطلب مالاً لقاء خدماته وحين لا يحصل عليه يرحل. آخر تؤثر عليه زوجته حين تقول له: "علينا أن نهتم بمصلحتنا. ساشا يهودي يعمل لأجل المال وهم منظّـمون لهذه الغاية دائماً". يقتنع الزوج منها وهو كان أكثر المتحمّسين للحفاظ على هذه المستوطنة.
في نهاية الأمر يجد ساشا ظهره للحائط. ليس عنده الكثير من الحلول. يبدأ ببناء معقل يرد عنه رجال السُـلطة إذا ما جاؤوا لإبعاده، لكن حتى من قبل إكتمال المشروع يأتي رئيس المكتب وأحد موظّفيه ورجل شرطة بغاية التفاهم مع ساشا، لكن ساشا، الذي بات الوحيد الباقي في القرية، يقتلهم واحداً إثر الآخر.
النهاية هي أيضاً على ذلك النهر في منطقة كولا (شمالي روسيا) والمخرج بوريس خلبنيكوف يجعل هدير النهر كما لو كان هدير الحياة حتى في تلك المنطقة الهادئة. شغله على الكاميرا جيّد والإدارة العامّـة للأحداث. تفوته بعض التفاصيل وأهدافه السياسية ليست واضحة تماماً (هل هو مع عودة النظام الشيوعي؟ هل هو ناقد لمخلّـفاته؟) لكن سرده الحكاية وتفعيله للدراما جيّد ولو من دون أسلوب فني مبتكر.

رحلة لا تنتهي 
هناك نهر في مطلع الفيلم التالي «ذهب» ولاحقاً أنهر مختلفة في أكثر من موطن في فيلم ألماني من نوع الوسترن ما يجعل هذه السنة حافلة بفيلمين من هذا النوع الأول «دجنغو طليقاً» لكوينتين تارانتينو والثاني هذا الفيلم الذي أخرجه توماس أرسلان: سينمائي تركي الولادة (غيّر إسمه الأول إلى توماس منذ أن انتقل إلى العمل في برلين) له بضع تجارب روائية وتسجيلية. 
Gold

«ذهب» لا ينتمي إلى نفس النوع الأميركي المعتاد من الوسترن وليس من الوسترن السباغتي الذي إنطلق إيطالياً في الستينات لكن سينمائيين ألمان وأسبان أنجزوا أفلاماً من هذا الفصيل الخارج عن التقليد. إنه- بالأحرى- نوع ثالث يتميّـز بوجدانيّاته. إنه عن خمسة رجال وإمرأتين من المهاجرين الألمان عامين قبل القرن العشرين ينطلقون على ظهور جيادهم في رحلة طويلة في ولاية بريتيش كولومبيا الكندية متوجّهين في رحلة طويلة صوب شمال الولاية حيث يحلمون بإكتشاف الذهب وتحويل حياتهم المدقعة إلى أخرى رغيدة. الرحلة تمتد لأسابيع من عمر الفيلم، ولساعتين من العرض، وتشمل صعاباً ومواقف عدّة تؤدي بفقدان بعض هؤلاء الرجال قتلاً كما إلى العودة عن المهمّـة بالنسبة لرجل وزوجته بعدما إكتشفا أنهما، وبعد مرور نحو شهرين على الرحلة، لا زالت القافلة غير متأكدة من إتجاهها. وهناك حالة ذلك الألماني الذي يفقد عقله فيخلع ملابسه بكاملها ويركض في البرية منفرداً ولا يظهر ثانية. في النهاية هما رجل وإمرأة فقط حين الوصول إلى بلدة أسمها "تلغراف سبرينغ» للراحة. لكن هناك قاتلين في أعقاب هذا الرجل وهما ينالان منه. في النهاية هي المرأة وحدها وبتصميم ألماني فريد ها هي تمضي وحيدة.
للفيلم خواصه. الفكرة بحد ذاتها جيّـدة لكن التنفيذ أقل من ذلك. لا أدري أين تم تصوير هذا الفيلم لكن هذه المناظر ليست في بريتيش كاليفورنيا المعروفة بغاباتها الكثيفة وثلوجها، بينما نجدها في الفيلم وقد تحوّلت إلى أرض صحراوية وجبال صخرية مقفرة أكثر من مرّة. لكن إذا ما وضعنا هذه الحقيقة على الرف قليلاً وكذلك بعض التفاصيل الأخرى (معاملة الهنود من مواطني المنطقة بإزدراء) يبقى الفيلم واضحاً في عدم إلمامه بمكوّنات الزمان والمكان.

شؤون دينية
لا يلعب الدين أي دور في هذين الفيلمين (رغم أن ساشا يهودي والرجل الذي يفقد عقله في الفيلم الثاني يحمل إسماً يهودياً) على عكس ما يرد في فيلم «بإسم الـ…» (والنقاط من أصل العنوان). فيلم بولندي من المخرجة مالغوشكا زوموفسكا حول راهب كاثوليكي في بلدة صغيرة يكبت رغباته الجنسية المثلية كبتاً شديداً إلى أن تتهاوى ممانعاته وهو يرى أن الشذوذ انتشر بين بعض الشباب العاملين على مشروع مركز ديني. هو أساساً منجذب إلى شاب من هؤلاء ويصد محاولات فتاة التقرّب منه. حينما ينتشر بين مسؤوليه أنه يتصرّف على نحو غير مقبول (ولو أنه لم يكن بعد أقدم على أفعال) تعفيه من المسؤولية في ذلك المكان ونراه ينطلق وحيداً فوق الطريق مغادراً لمكان بعيد. نهاية كان يمكن للفيلم التوقّـف عندها، لكن المخرجة تريد استغلال الحكاية لأبعد مدى، لذلك تصوّر لحاق ذلك الشاب به ونهايتهما معاً.
الواقع أن الدين متوفّر كذلك في بضعة أفلام هذه السنة. نتذكّر في العام ما قبل الماضي كيف تناولت بضعة أفلام متسابقة على الدب الذهبي الدين الإسلامي في أكثر من نحو (لم يكن بينها ما هو معاد، لكنها جميعاً متسائلة). البوسنية ياسميلا زبانيتش قدّمت «على الطريق» حول ما يحدث لزوج يتأثر بمخيّـم للإسلاميين ويتحوّل إلى رجل محافظ. والإيراني- الألماني برهان قرباني قدّم «شهادة» حول محقق شرطة مسلم وكيف يمارس واجباته و-في الوقت ذاته- حول فتاة مسلمة موزّعة بين التعاليم الحنيفة والحياة الغربية.
هذا العام نجد أن المسيحية هي ما تدور علامات الإستفهام حولها.
لجانب «بإسم الـ…» نجد في المسابقة أيضاً فيلم فرنسي بعنوان «الراهبة»: حكاية راهبة شابّة يكتشف الدير أنها كانت متعددة العلاقات فيفرض عليها الحجز المبرم في غرفة صغيرة.  ونجد أكثر من لمسات دينية في الفيلم الكندي «فيك وفلو شاهدا دبّـاً» لدنيس كوتيه.


  المرأة قضية برلين الأولى هذا العام
Gloria

ثلاثة أفلام من يوم أمس تبرز لا دور المرأة أمام الكاميرا فقط، بل- وبالنسبة لأحدها، دورها وراء الكاميرا أيضاً. بإضافة فيلمين آخرين من إخراج نساء، شوهد أحدهما قبل يومين والآخر سيعرض بعد يومين، وبضعة أفلام تدور أساساً حول المرأة، فإن المسابقة التي تبقى أهم ما يجمع أهل السينما والإعلام حول هذا المهرجان، تسجـل حضوراً ملحوظاً 
الأفلام الثلاثة المُـشار إليها بدأت صباحاً بفيلم «غلوريا»، إنتاج تشيلي/ أسباني من إخراج سيباستيان ليلو وكثيرون هنا يرون أن ممثلته الرئيسية بولينا غارسيا إما تصلح لجائزة أفضل تمثيل نسائي أو أنها ستنال هذا الشرف بلا ريب. «غلوريا» ليس إعادة صنع لفيلم جون كازافيتيز الرائع سنة 1980 عن المرأة (جينا رولاندز) التي تقرر الدفاع عن صبي ضد المافيا وهي تكره الأولاد ومشاكلهم، بل دراما فيها ما يكفي من الحسنات لتعويمها بين تلك الأقرب لجائزة الدب الذهبي نفسها. هذه المرأة تعمل في وظيفة ثابتة وتعيش وحيدة ولديها أولاد متزوّجون يعيشون مشاكلهم الخاصّة بدورها. غلوريا، التي تعاني ضعف نظر، تقترب من الستين لكنها لا زالت جذّابة وفي داخلها وحدة أنثى تبحث عن شريك حياة. تؤم المراقص والنوادي وتختلط إجتماعياً لكي تنسى وضعها القانط ولا بأس إذا ما خرجت بصداقة ما. في أحد المرّات يقترب منها رجل يناسبها سنّـاً  أسمه رودولفو (سيرجيو هرنانديز) فيتعارفان ويرتبطان بعلاقة عاطفية تبدأ واعدة لكنها سريعاً ما تهتز تحت رغبات غير منسجمة بينهما، فهي تريده لها وهو لديه أسرة من زوجة سابقة ويبدو غير قادر على الإنفصال عن مشاكله. رحلة الفيلم في ساعتيه هي رحلة المرأة ذاتها وكلا الرحلتين لا تحقق المرجو منها تماماً. بعد أحداث يتخلله إنفصال العلاقة بين غلوريا ورودولفو تعود إليه وتقبل دعوته لعطلة في فندق ساحلي. لكن الأمور تضطرب بينهما عندما تعلن عن رفضها لعلاقاته الأسرية بإسقاط هاتفه في كأس شرابه. يتركها فجأة ويمضي. ما يحدث بعد ذلك مهم درامياً ووجدانياً للفيلم ولبطلته، لكن المفاجأة هي أن الحدث لا يضعها على طريق جديد أو إكتشاف نفسي. 
هناك مشهد لها وهي تقف تحت رذاذ الماء في الحمام في غسيل للماضي تتوقْـع منه أن تخرج وقد إكتشفت قيمتها الحقيقية، فالماء غاسل الذنوب وإعلان فصل جديد لحياة في مثل هذه المناسبات، لكن غلوريا تخرج وهي لا زالت تقاوم أي تغيير حقيقي مع العلم أن هذا التغيير صعب أساساً بالنسبة لإمرأة وحيدة في مثل هذا العمر.
هناك إشارات إجتماعية (مظاهرة شبابية في خلفية أحد المشاهد) لكن القول بأن الفيلم يُشير إلى "ضياع طبقي تعبّر عنه غلوريا" ليس إستنتاجاً كاملاً مهيئاً للتصدير. ربما نجد في إنقاذ خادمة غلوريا لها من ورطة ماديّـة بعض  التوطين لفكرة أن الطبقة الأدنى هي من تهب لمساعدة خالصة لكنها المشهد لا يكفي لتأكيد هذه النيّـة بل يسمح فقط بالإشارة إليها ما يعني أنها قد تكون مقصودة أو غير مقصودة.
بالنسبة للممثلة بولينا غارسيا يجدها هذا الناقد تحمل على وجهها تعبير جامد من مطلع الفيلم لنهايته. أي تفاعل مع ما يحدث لها متروك للتصرّفات، لكن السطح لا يبرز إنفعالات تمنح الممثلة ملكية كاملة على شخصيتها.
الوضع أفضل في نواحي متعددة بالنسبة لفيلم «ليلى فوريه» للمخرجة بيا ميريس. الفيلم ومخرجته وموضوعه وأحداثه جنوب أفريقي كذلك بطلته الممثلة السمراء راينا كامبل. يصلنا «ليلى فوريه» أكثر تكاملاً، من وجهة نظر فنية بحتة، من العديد من الأفلام الأفريقية التي شوهدت سابقاً. إنه واحد من أكثرها إختلافاً أيضاً خصوصاً إذا ما قورن بأفلام جنوب أفريقية أخرى حامت دوماً حول الوضع العنصري السابق أو الوضع المتعلّـق به حالياً.
Layla Forie

«ليلى فوريه» هي أم وحيدة لصبي صغير تقبل وظيفة في كازينو تترك وإبنها مدينة جوهانسبيرغ من أجله. الطريق طويلة إلى بلدة غير مسمّـاة والليل يحط حاملاً معه رعبه. من البداية تقودنا المخرجة لكي نتوجس مع بطلتها الخوف من الوضع السائد: المنازل المحصّـنة، الكاميرات المنصوبة، وجريمة قتل نرى ضحيّـتها رجلاً أفريقياً وراء المقود. لاحقاً على الطريق الوحيد والمظلم يداهمنا والبطلة شعور آخر بالخطر. سيّـارة تتوقّـف قريباً من المكان الريفي المعزول الذي اضطرت البطلة التوقّـف فيه. السيارة ذاتها أو أخرى تشبهها تقف بمحاذاتها في محطّـة وقود. وإذ تنطلق ليلى متوتـرة تتوقع أن يقع لها حادث وهذا ما يقع بالفعل. الضحية رجل كان يقف أمام سيّـارته في تلك الساعة المتأخرة من الليل في طريق مهجور وما تلبث ليلى أن تصدمه بقوّة. 
ستخفي ليلى الموضوع بعدما فشلت في إنقاذ الرجل الذي مات في سيّارتها وستلقي الجثّـة في مزبلة. لكن البلدة لابد أنها صغيرة جدّاً لدرجة أن الأحياء يرتطمون بعضهما ببعض بسرعة، فأول من تجري له مقابلة لأجل شغر مركز في الكازينو الذي استلمت العمل فيه هو رجل أبيض وهذا الرجل هو إبن ذاك الذي صدمته بالسيارة.
تلك المصادفة صعبة الهضم، لكن المخرجة تلتف حولها بضع مرّات حتى تنجح في تهميشها. أداء الممثلة راينا كامبل في دور ليلى هو واحد من تلك العناصر التي تساعد في تجاوز عثرات الفيلم الروائية أو الدرامية. تتميّـز بحضور جيّـد و-على عكس الممثلة التشيلية السابقة- تحمل إنفعالاتها على نحو واضح من دون إستزادة أو إفتعال.

الجريمة والعقاب
في حين أن «غلوريا» دراما إجتماعية وعاطفية صرفة، يقترب «ليلى فوريه» من حدود الفيلم البوليسي حتى النهاية. لكن «الراهبة»، وهو ثالث فيلم حمل موضوعاً نسائياً بين عروض المسابقة في يوم واحد، يعود إلى الدراما وينتقل بها- وبنا- إلى العام 1765. سوزان (كما تذكر في مذكّرات تكتبها سرّاً وتخفيها تحت أرض الحجرة التي تعيش فيها) أجبرت على دخول الدير رغماً عنها. ليست أنها غير مؤمنة أو أنها لا تجد في نفسها حاجة للعبادة والصلاة، بل لأنها كانت تريد أن تختط طريقاً مختلفاً ولم تنو أن تصبح راهبة. يصبح الوضع صعباً بعدما ترفض إدارة الدير السماح لها بالمغادرة ويزيد الأمر سوءاً إكتشاف أنها إبنة علاقة غير مشروعة بين أمّـها وعشيق سابق. هنا تبدأ مأساتها الحقيقية إذ تتلقـّـى عقاباً على ذنب لم تجنه يوماً ولم تكن الا ثمرة له.
طريق هذا الفيلم مطروق من قبل، لكن المخرج غيليام نيكولوس الآتي من خلفية تلفزيونية، ينجز عملاً كلاسيكي الشكل، جيّـد التصوير وتأطير الصورة كما يتميّـز بإيقاع تشويقي يناسب المعالجة الكلاسيكية التي يختارها المخرج. بذلك، هو واحد من الأفلام القليلة التي تذكّـرنا بمخرجين فرنسيين لامعين سابقين عمدوا من خلال البناء ذاته إلى تقديم دراميات تاريخية قويّـة بينهم، على سبيل المثال فقط، برتران ترافنييه، مع إختلاف أن الثاني لديه خبرة تمنح أعماله تميّـزات فنيّـة لا نجدها في هذا الفيلم على رغم جودة صنعته.
كذلك، وفي الحقيقة، لا نجدها في الكثير مما هو معروض. ما ينتمي إليه «الراهبة» هو سينما تطرح موضوعاً آخر حول الكنيسة وشغفها بالخطيئة والعقاب وهو لا يبتعد كثيراً عن الفيلم الذي عرضه "كان" في الربيع الماضي تحت عنوان «وراء الهضاب» للروماني كرستيان مونجيو حول تلك الفتاة المتحررة التي تأتي لزيارة صديقتها الراهبة فتعاقب على أفكارها بسجنها ومحاولة "إستخراج الشيطان" منها حتى تموت.
هو أيضاً فيلم نسائي مع تمثيل جيّد من الجميع بمن فيهم بطلته بولين إتيان علماً بأننا شاهدنا للمخرج النمساوي أولريخ سيدل فيلماً فاشلاً آخر من توقعيه هو «الفردوس: أمل» (الجزء الثالث من ثلاثية عرض الأولى في كان والثانية في فينيسيا والثالثة هنا) يدور حول مجموعة فتيات في مدرسة داخلية لتخسيس الوزن تتقدّمهن فتاة تقع في حب طبيب المدرسة.
إلى حد ما، يبدو غريباً أن مخرجة تتولّـى الحديث في موضوع رجالي لكن هذا ما أقدمت عليه مالغوشكا سموفسكا في «بإسم الـ…» الذي، كما قدّمنا، يدور حول راهب يعاني من كبته العاطفي الشاذ. 
يبقى من بين ما سينطالعه من أفلام نسائية (إذا صح هذا التعبير) الفيلمان الفرنسيان «كاميل أوديل 1915» لبرونو دمونت و«على الطريق» للمخرجة إيمانويل بركو. وهما فيلمان فرنسيان الأول من بطولة جولييت بينوش والثاني من بطولة كاثرين دينوف.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2013
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system