أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Feb 8, 2013

يوميات مهرجان برلين 2: سياسات لجنة التحكيم



إنطلاق الدورة الثالثة والستين لمهرجان برلين السينمائي
لجنة تحكيم بوجهات نظر تناسب الأوضاع السياسية


برلين - محمد رُضا
كار واي وونغ

يتردد أن السبب في إختيار فيلم الإفتتاح الصيني ليس له علاقة بحقيقة أن مخرجه هو رئيس لجنة التحكيم. لكن حتى ولو كان هذا صحيحاً، الا أنه من المحتمل جدّاً أن يكون الأمر بدا كما لو كان هدية من السماء: فيلم ضخم الإنتاج (بمقاييس عالمية) إشترته شركة فرنسية لكي توزّعه عالمياً (هي «وايلد بنش») ويحققه مخرج عُـرف بتحقيقه أفلام صينية ناجحة من قبل. لم لا يكون المخرج ذاته رئيس لجنة التحكيم في الوقت ذاته؟
الفيلم هو «سيد كبير» والمخرج هو وونغ كار واي الذي نزحت عائلته إلى هونغ كونغ سنة 1963 وأخذ يعمل في السينما من مطلع الثمانينات ولا يزال. أحد أشهر أعماله «رماد الزمن» (1994 مع نسخة منقّـحة بعد عامين) الذي جال ما لا يقل عن عشرين مهرجاناً دولياً. 
هل هي صدفة أن يكون فيلم الإفتتاح لمخرج أختير لرئاسة المهرجان، ومن هو الذي تم إختياره قبل الآخر: المخرج أم فيلمه؟
يصب «سيد كبير»  في خانتين معاً: هو فيلم تاريخي من قتال الكونغ فو من بين فنون قتال أخرى، ويتعرّض أيضاً، ولو بحدود، مع الغزو الياباني للصين. الخانة الأولى جذبت إليها إثنان من أهم وأشهر مخرجي الصين في الثمانينات وما بعد هما زانغ ييمو وتشن كايغي وحالياً وونغ كار واي. وفي الفترة الفاصلة هارك تسوي، جون وو من بين آخرين، ومعظم ما نضحت به هو أفلام أكشن لرجال ونساء يتقاتلون قفزاً وطيراناً ويتلاحمون في مواجهات لا تنتهي بعضهم بالقبضات وحدها، والبعض الآخر بكل ما تصل إليه أيديهم من أسلحة. 
الخانة الثانية ليست حكراً على هذا النوع من أفلام القتال لكن هذه الأفلام باتت تشترك في ترويجها أيضاً. فموضوع احتلال اليابان للصين شكّـل أرضية عدد لا بأس به من أفلام الكونغ فو الحديثة 
في العام الماضي، على سبيل المثال فقط، عرض المهرجان الألماني ذاته فيلم زانغ ييمو الأخير «زهور الحرب» الذي يُحسب له إنه كان أوّل فيلم صيني يستعين بممثل أميركي (كرستيان بايل) في دور بطولة. لكن لا يُحسب له إجادة تفتقدها أفلام مخرج كانت له جولات فنية رابحة حين كانت أعماله، وأعمال الجيل الخامس من المخرجين الصينيين، تحت الحصار الرسمي وتضييق الرقابة على ما يمكن لهم تقديمه من أبعاد ومعالجته من شؤون. 
ليس أن الحصار الرسمي خف، لكن ييمو وتشن كايغي والآخرين، هم الذي تراجعوا راضين تحقيق أفلام كونغ فو وأكشن خالية من مفاد يتجاوز حب الأبطال لمعارك السيوف وللطيران في الفضاءات والوقوف على أغصن الشجر العالية الرقيقة أو تجميد أنفسهم بين السماء والأرض (بفضل حبال غير مرئية بالطبع) ثم إعمال المزيد من الضرب والطعن. 
«زهور الحرب»، وهو تقنياً ركيك وفنياً رديء، لم يكن الوحيد في العام الماضي الذي تناول هذا الإحتلال، بل كان هناك «سهل الغزال الأبيض» الذي حاذى الموضوع ولم يدخل في صلبه منتقلاً من أحداثه الصينية البحتة إلى مطلع الغزو الياباني. وفي الربع الأخير من العام الماضي، أنجز الفيلم الصيني «العودة إلى 1942» أكبر نجاح في تاريخ العروض الصينية وهو يتناول الكوارث الطبيعية التي حلّـت بالصين قبيل ثم خلال الإحتلال الياباني. 
Promised Land

مهما كانت الظروف والأسباب، إذاً، يرأس وونغ كار وي لجنة التحكيم هذا العام (يُـقدّم فيلمه هذا خارج المسابقة) وإلى جانبه في المهمّـة المخرجة الدنماركية سوزان باير، والمخرج الألماني أندرياس دريسن ومديرة التصوير الأميركية إلين كوراس، والمخرجة الإيرانية- الأميركية شيرين نزهت والممثل والمخرج الأميركي تيم روبنز والمخرجة اليونانية أثينا راتشل تزانغاري. 
على هذه اللجنة أن تسمي فائزين من بين أربع وعشرين فيلم متسابق سابحة في مياه التفضيل والتحبيذ كما هي العادة في كل المهرجانات ودوراتها، لكن الإعتماد على لجنة من المخرجين والمهنيين الصارمين لا يكفي للتأكيد بأن الأفضل هو بالتأكيد من سيفوز، ذلك لأنه ثبت كثيراً أن حكم لجان التحكيم في النهاية قد لا يصب فيما يراه السينمائيون والنقاد خارجها. هذا، إذا ما حدث هذا العام، فسيكون صعب النقض كون معظم من هم في قائمة لجنة التحكيم (التي تصل دائماً في المواعيد المحددة للعروض من دون تأخير) هم من المخرجين الذي تميّز بعضهم على نحو أو آخر.
لكن هذا ليس الخط المشترك الوحيد بين معظم الأعضاء. هناك حقيقة أخرى من شأنها أن تجعل عمل لجنة التحكيم هذا العام مثيراً للإهتمام، ذلك أن معظم المذكورة أسماءهم لديهم وجهات نظر سياسية مارسوها من خلال أفلامهم أو من خلال مواقفهم.
لجانب أن شيرين نزهت عرضت في مهرجان فينسيا سنة 2009 فيلمها الروائي الوحيد «نساء بلا رجال» كطلقة ضد الوضع الإجتماعي والسياسي الإيراني المتعسّـف، نجد المخرجة الدنماركية باير لا تقل إندفاعاً في تحقيق أفلام تتعامل ومسائل سياسية عالقة، فهي تتعرّض للحرب الأفغنية في «أخوة» وللعنف المتسلل للمجتمع الدنماركي في «في عالم أفضل» وللتفكك العائلي الناتج، ولو جانبياً، عن هجرة الدنماركيين لدول من "العالم الثالث" كما في «بعد العرس» و«في عالم أفضل» ذاته.
تيم روبنز ومواقفه ضد التدخل العسكري الأميركي في العراق معروفة والغالب أنه سينقل بعض وجهات نظره بقدر ما ستتيحه الأفلام من فرص لذلك. ويمكن القول أن هناك فيلم واحد على الأقل ينتظر روبنز مشاهدته بحماس هو «أرض موعودة» لغس فان سانت على أساس أنه ينتقد سعي المؤسسات الكبيرة لاستحواذ الأراضي معرّضة إياها إلى تأثيرات بيئية.
لكن الفيلم الذي أستطيع التأكيد أنه سيكون محط تجاذب بين أعضاء هذه اللجنة هي فيلم إيراني يحمل إسم جعفر باناهي مخرجاً. وجعفر باناهي هو السينمائي الإيراني الذي حكم النظام عليه بمنعه من العمل لعشرين سنة. أودعه إقامة جبرية في بيته وأصر أن لا يحقق باناهي أي فيلم طوال تلك الفترة. رغم ذلك كسر باناهي ومن جحره (إذا ما صح القول) هذا القرار مرّتين. الأولى قبل عامين حين أنجز، بطريقة غير مباشرة، فيلماً يدوياً (تسجيلياً محدوداً في عناصر إنتاجه) أسمه «ليس هذا فيلماً» والثانية هي الآن منجزاً فيلما عنوانه «باردي» حول رجل هارب من البوليس الذي يمثّـل النظام الذي يمثّـل الوضع والمرأة التي تلتقي به وتطرح عليه وعلى نفسها أسئلة تتناول الوضع الحالي. 
ليس معروفاً والفيلم مبرمج للعرض في نهاية المهرجان، كيف أنجز باناهي فيلمه هذا رغم القيود، لكن هناك إسم لمخرج آخر هو (الأنثى؟) كمبوزيا بارتوفي ما يعني إنه عمد إلى الإستعانة بمن ينفّذ العمل تقنياً. 
ما هو ليس بغريب أن يحشد المهرجان أفلاماً تتناول أزمات العصر فهذا كان شأنه حتى حين كانت برلين قمّـة هذه النزاعات أيام إنقسامها إلى نصفين شرقي وغربي. آنذاك تم النظر إلى المهرجان على أساس أنه ملتقى نموذجي لما يتفاعل وراء وأمام الستار الحديدي في أوروبا. بعد إنهيار النظام الشيوعي توقّـع كثيرون أن يضيع المهرجان بوصلة التعامل مع الأوضاع السياسية خصوصاً إذا ما فقدت هويّاتها الأيديولوجية، لكن المهرجان برهن على أنه لا يزال الإختيار الأول لمشاهدة ما تنجح السينما في عكسه دائماً: العالم.
إذاً، ها هو جرس البداية يُـقرع والجياد تنطلق بغية الوصول إلى خط النهاية بعد إحدى عشر يوماً من الآن. والفوز ليس للأسرع في هذه الحالة بل للأجمل (ربما).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2013
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system