Dec 30, 2012

أفضل أفلام 2012 | تشارلز دارنينغ | سيانس فيكشن | ذكريات 2


YEAR 6 | ISSUE 774
1 | جردة نهاية العام محمـد رُضــا                  

إختيار الناقد لأفضل أفلام السنة عربياً وأميركياً وعالمياً 
الشتا اللي فات: أفضل فيلم عربي ل2012ـ  


حين محاولة النظر إلى الأفضل بين أفلام العام 2012 وبين السينمائيين الذين صنعوا هذه الأفلام أو شاركوا فيها، يصل المرء إلى مفاد بأن السنوات الحاضرة، وعلى عكس ما يعتقده زملاء وجمهور، لا زالت تشهد عدداً كبيراً من الأفلام الجيّـدة بتميّز. أي ليست جيّـدة فقط، بل جيّدة على نحو ملحوظ في أضعف الحالات أو مبهر لدرجة التميّـز الفعلي.
كما تقدّم معنا، هناك حالات من فوضى الإنتاج العربي، وإنخفاض في مستوى الإقبال العالمي كما يبدو أن الأرقام النهائية، التي عادة ما يتم الإعلان عنها في الشهر الأول من العام، آيلة إلى تأكيدها. لكننا لم نتحدّث، حقيقة، حول المستوى الفني الذي يمكن ترجمته إلى لوائح عدّة عوض الإكتفاء بلائحة واحدة لأفضل عشرة أفلام كما هي العادة.
جل النقاد، بين قوسين، يحبّـون هذه اللعبة، لعبة "أفضل عشرة أفلام" شاهدها كل منهم في سنة. لكن بالنسبة للبعض هي أيضاً طريقة لفتح ملف العام الذي تمتليء صفحاته سريعاً وتتطاير جهود من فيه حالما يغرب شمس الإقبال عن أعمالهم. ما نحاوله هنا هو تقسيم الأفضل والأسوأ إلى خانات أكثر وضوحاً طلباً للتذكير كما حبّـاً الإختلاف. علماً بأن عدد الأفلام التي شاهدها هذا الناقد هذا العام ما بين الأول من كانون الثاني/ يناير إلى العشرين من كانون الأول/ ديسمبر هذه السنة هو 406 أفلام (آخرها فيلمان يوم أمس) وهي موزّعة على النحو التالي: 
128 فيلماً جديداً عرضت في خمس مهرجانات هي برلين وكان وفينسيا وأبوظبي ودبي.
162 فيلماً تجارياً شوهدت إما في عروض خاصّـة أو في الصالات
74 فيلماً قديم (من مراحل التاريخ المختلفة) شوهدت بوسائط مختلفة
41 فيلم جديد (غير أميركي) شوهدت بوسائط أخرى غير صالات السينما.
وهناك مزيد من التقسيم ممكن إتباعه: كم فيلم بينها عربي أو كوري أو أميركي أو إيطالي أو بريطاني أو مكسيكي الخ… وكم منها روائي أو تسجيلي أو أنيماشن أو قصير. ثم، وبالطريقة ذاتها، كم منها كوميدي أو تاريخي أو بوليسي الخ… لكن هذا سيؤدي بنا إلى غير ما نتمناه هنا. الحال أن كم هذه الأفلام هو الأعلى لهذا الناقد وهناك أعلى منه (يسجل أميركيون وفرنسيون أرقاماً تتجاوز الخمسمئة فيلم في العام). على الرغم من كثرتها، فإن أحداً لا يستطيع مشاهدة كل شيء إذ هناك ما يزيد عن 700 إنتاج سينمائي سنوي رئيسي أو شبه رئيسي (ونحو ذلك من أفلام لا تخرج عن أسواقها المحليّة ولا تعرض في المهرجانات مطلقاً) مقابل 365 يوماً في السنة.

الأفلام العربية

1. فيلم العام الروائي: "الشتا اللي فات":
جديد إبراهيم البطوط يذهب لما بعد الحدث الماثل ليقدّم وجهة نظر فردية وإجتماعية متوازنة بأسلوب فني عالي النبرة تعبيرياً (مصر)
جوانا حاجي توما وخليج جريج: نادي الصواريخ اللبناني

2. فيلم العام التسجيلي: «نادي الصواريخ اللبناني»:
فيلم جوانا حاجي توما وخليل جريج الكاشف لا عن أن المجتمع اللبناني خبر سنوات من محاولات إطلاق صواريخ فضاء على غرار القوّتين الكبيرتين، بل عن إرتباط ذلك بالوضع السياسي وانحسار الإبداع. عمل رائع موحي (لبنان)
3. فيلم العام القصير: «لمحة»:
إمرأة تلمح رجلاً من النافذة لا تعرفه. يستوقفها. تجيب رنين جرس الباب. تترك النافذة وتفتحه ثم تعود إلى النافذة فإذا بالرجل يختفي. ينتهي فيلم نايلة الخاجة القصير جدّاً معرباً عن تفاصيل ذكية وموهبة تكتنز عناصر الفيلم الطويل (الإمارات العربية المتحدة)
4. أفضل فيلم لمخرج أول: "تقاسيم الحب":
فيلم يوسف الديب الحميمي حول مراحل حياة زوجين من لحظة ما قبل زواجهما مروراً بمحطات منخفضة وأخرى عالية في فترة زمنية قليلة. تمثيل جيّد وإخراج برغماني التفكير في مكانه (لبنان/ الإمارات/ مصر).
5. أفلام جيّدة أو لافتة أخرى: 
• «زبانا»: إخراج سعيد ولد خليفة (الجزائر).
• «مانموتش»: إخراج: نوري بوزيد (تونس).
• «وجدة»: إخراج: هيفاء المنصور (السعودية)
• «يا خيل الله»: إخراج: نبيل عيوش (المغرب)
• «يلعن أبو الفسفاط»: إخراج سامي تليلي (تونس).

الأفلام الأميركية
To the Wonder  إلى العجب: أفضل فيلم أميركي  

1. فيلم العام الروائي
"إلى العجب" To The Wonder:
ليس بمستوى فيلم ترنس مالك السابق «شجرة الحياة» لكنه لا يزال مذهلاً بمعالجته وقدراته الفنيّـة وبطريقة شغله مع الكاميرا والممثلين والزمان واضعاً كل جهده في تأليف لغة بصرية فذّة.
2. فيلم العام التسجيلي: 
« إمبراطورية أميركية» American Empire
نظرة فاحصة و-سينمائياً- جيّدة لحال العالم اليوم بعدما تم تحويله إلى إمبراطوريات إقتصادية محدودة معظمها منتم إلى مؤسسات أميركية تملك زمام عناصر الحياة كالإقتصاد والزراعة والماء. 
3. فيلم العام الأنيماشن:
«العالم السري لأرييتي» The Secret World of Arritty
كان هناك إفلاس شبه كامل على صعيد الأنيماشن إلى أن أنقذ الموقف هذا الفيلم الذي نفّـذه الياباني هيروماسا يونباياشي تحت إدارة المخرج والمنتج الشهير في هذا النوع هاياو ميازاكي: فتاة بحجم الدبّوس تنتمي إلى شعب من الحجم ذاته في خطر إكتشافها وعائلتها من قبل البشر.
4. أفضل فيلم لمخرج أول: "مراجحة":
هناك أفلام أولى جيّدة أخرى، لكن جهد المخرج نيكولاس جاريكي من حيث صياغة الحكاية على نحو الأعمال السياسية السبعيناتية في مكانه من دون أن يكون تقليداً ودرايته أصول العمل الكلاسيكي يضع هذا الفيلم في المقدّمة بين أترابه.
5. أفلام جيّدة أخرى: 
Argo
«أرغو» إخراج: بن أفلك
The Company You Keep
«الصحبة التي تحتفظ بها» إخراج: روبرت ردفورد
The Dark Knight Rises
«الفارس الداكن يرتفع»: إخراج: كريستوفر نولان
The Master
«السيد» إخراج: بول توماس أندرسن
Skyfall
«سكايفول» إخراج: سام منديز

الأفلام العالمية:
The Turino Horse

1. فيلم العام الروائي
"حصان تورينو"  The Turin Horse:
ما قد يكون آخر فيلم يود المخرج المجري بيلا تار تحقيقه هو مشاهد أخاذة تقبع في عمق تجاربه من حيث رصد حياة روتينية لشخصيات تحاول الخروج من حصارها لكنها لا تستطيع (المجر/ ألمانيا)
2. فيلم العام التسجيلي: 
« فدائي» Fedai
يرصد هذا الفيلم عضو في جبهة التحرير الجزائرية وهو يستعيد ذكرياته عن الفترة. تلك التي قضاها في فرنسا وقيامه بتنفيذ عمليات إغتيال. المخرج داميال أندوي جيّد في بحثه كما في صياغته الفنية (فرنسا).
 3. فيلم العام الأنيماشن: 
«كروليك- الطريق إلى الماوراء» Crulic- The Path to Beyond
حكاية مستمدّة كرتونياً من أحداث واقعية حول ذلك الشاب من رومانيا الذي ألقي القبض عليه في بولندا لجريمة هو بريء منها وتم تنفيذ حكم الإعدام. الجثّة هي التي تتحدّث عما وقع لصاحبها. إخراج أنكا داميان (رومانيا/ بولندا).
4. أفضل فيلم لمخرج أول: 
"7 صناديق" 7Cajas
دراما واقعية من إخراج جديدين هما جوان كارلون مانيليا وتانا شيمبوري حول حمّـال صبي ينقل دون علمه مخدّرات في سبعة صناديق ومغامراته للبقاء حيّاً. ليس بوليسيا ولا الهدف منه التشويق بحد ذاته، بل دراما واقعية على خطى ما سبقها من أفضل أفلام هذه المدرسة (باراغواي)
5. أفلام جيّدة أخرى: 
Amour
«حب»: ميشيل هنيكه (فرنسا/ النمسا)
Blancanieves
«بياض الثلج»: بابلو برغر (أسبانيا).
Faust 
«فاوست»: ألكسندر سوخوروف (روسيا/ ألمانيا)
Gebo and the Shadow
«غيبو والظل»: مانويل دي أوليڤييرا (البرتغال/ فرنسا) 
Caesar Must Die
«قيصر يجب أن يموت»: باولو وفيتوريو تافياني (إيطاليا).


3 | سينما 2012 اللبنانية | نديم جرجورة

النوعية ذاتها والمحلي يصبح إنسانياً
نديم جرجورة

تقاسيم الحب

عشية انتهاء العام 2012، يُمكن التوقّف عند الحركة الإنتاجية السينمائية اللبنانية، داخل البلد وخارجه. حركة يزداد عدد إنتاجاتها، في مقابل ثبات شبه كامل للنوعية إزاء الكَمّ. ارتفاع عدد الأفلام «اللبنانية» المنجزة في لبنان وخارجه لا يعني ارتفاعاً في النوعية. هذا واقع. أضع تعبير «اللبنانية» بين مزدوجين للإشارة إلى أن أفلاماً عديدة أنجزها لبنانيون مهاجرون، بأموال أجنبية أو عربية. جنسية الفيلم مرتبطة بمصادر الإنتاج. المشاركة في إنتاج هذا المشروع أو ذاك تمنح الفيلم جنسيته. لكن المضمون والمعالجة يمنحاه هويته. 
لبنانيون عديدون مقيمون في المهاجر حقّقوا أفلاماً عن بلدهم. أو عن حكايات لبنانية هنا وهناك. أو عن مواضيع أعمّ وأشمل. أبرز هؤلاء، حالياً، زياد دويري. اختار رواية للجزائريّ ياسمينا خضرا بعنوان «الصدمة»، جاعلاً منها فيلماً سينمائياً (بالعنوان نفسه) مرتكزاً على سؤال الهوية والانتماء في فلسطين المحتلّة. يوسف الديب قدّم فيلماً روائياً طويلاً بعنوان «تقاسيم الحب»، اشتركت في إنتاجه مؤسّسات عربية وأجنبية في كندا ومصر ولبنان والإمارات العربية المتحدّة. تعاون مع ممثلين لبنانيين هما دارين الخطيب ونيكولا معوّض. اللهجة لبنانية. لكن الموضوع إنساني عام: قصّة حب بين شابين، وتفاصيل من حياتهما اليومية المفتوحة على أسئلة الانفعال والتفكير والعلاقات والاهتمامات. ماريان زحيل وُلدت في لبنان في العام 1969. بعد ثمانية وعشرين عاماً، انتقلت إلى كندا. حقّقت أفلاماً وثائقية. عملت في المجالين الإعلامي والصحافي. أنجزت «وادي الدموع» في العام 2012، بتمويل كندي بحت. تناولت موضوعاً إنسانياً أيضاً: علاقة صحافية كندية بشاب فلسطيني مولود في مخيم فلسطيني في لبنان.
هذه نماذج حديثة الإنتاج، يُقابلها إنتاج لبناني صرف، تمويلاً ومواضيع واشتغالات، وإن شاركت مؤسّسات وصناديق دعم عربية وأجنبية في صنعه: «عصفوري» لفؤاد عليوان و«قصّة ثواني» للارا سابا مثلاً. في الجانب الوثائقي، هناك «ليال بلا نوم» (إنتاج مشترك بين لبنان والإمارات العربية المتحدّة وقطر وفلسطين وفرنسا) لإليان الراهب، و«أبي يُشبه عبد الناصر» (إنتاج لبناني بحت) لفرح قاسم، و«عندما يأتي الظلام» (إنتاج لبناني لحساب «الجزيرة الوثائقية») لسينتيا شقير، و«رجل خطير جداً» لمازن خالد، و«إيقاع الفصل الثالث» لماريا عبد الكريم، و«خلفي شجر الزيتون» لباسكال أبو جمرة. الأفلام الثلاثة الأخيرة روائية قصيرة، ذات إنتاج لبناني. هذا تنويع إنتاجي يترافق وتنويعاً درامياً وجمالياً. الروائيان الطويلان لعليوان وسابا غائصان في حكايات محلية. المحليّ قادرٌ على أن يكون أعمّ، لأنه إنسانيّ. الذاكرة والحرب الأهلية والراهن ركائز «عصفوري». البؤس والفقر المدقع والثراء الناقص ولقاء الأقدار ركائز «قصّة ثواني». الحكايات المروية في فيلم فؤاد عليوان متشعّبة. لكن أبطالها مرتبطون بعضهم مع البعض الآخر بطريقة أو بأخرى. الحكايات المروية في فيلم لارا سابا منطلقة من ارتباط كهذا. المحليّ الفاقع بمحليّته سمة «عندما يأتي الظلام». وثائقي تلفزيوني سلّط الضوء على أزمة الكهرباء في لبنان. «خلفي شجر الزيتون» محليّ هو الآخر. لكن محلّيته منطلقة من سؤال الارتباط/ الصدام بين شريحة من اللبنانيين وإسرائيل. إسرائيل حاضرة في «الصدمة» لزياد دويري أيضاً. لكن، من وجهة فلسطينية. الفيلم القصير لأبي جمرة طرح سؤال «العمالة» اللبنانية لصالح دولة عدوّة، انطلاقاً من راهن لا يزال عاجزاً عن وضع أسس جذرية لحلّ هذه المعضلة. الفيلم الطويل لدويري سار في «حقل ألغام». لكنه برع في عبوره من دون انفجارات. طرح سؤال الهوية. ناقش مسألة الانقطاع عن الأصل. قرأ تداعيات التداخل المعقّد والصعب والملتبس بين «كيانين» عدوين. لا أحكام قاطعة في «الصدمة». إنه مسار طبيب جرّاح، فلسطيني إسرائيلي، وجد نفسه فجأة أمام مأزق: انقطع عن فلسطينه، وبات إسرائيلياً. لكن زوجته الفلسطينية ظلّت فلسطينية. تنفيذها عملية استشهادية/ انتحارية في تل أبيب وضعه أمام هذا السؤال/ المأزق. 
الشابة فرح قاسم اختارت إحدى أبرز سمات الفيلم الوثائقي اللبناني الحديث شكلاً لعملها «أبي يُشبه عبد الناصر»: العلاقة بأحد أفراد العائلة، والذهاب معه، عبر الكاميرا وبفضلها، إلى أمكنة حميمة في الذاكرة والحاضر. في المكان والزمان. في الحياة والموت. لم يكن فيلماً عن الأب فقط. الأب أساسي في الفيلم الوثائقي القصير هذا. الكاميرا رافقته. لكن فضاءات أخرى شكّلت منعطفات وحكايات. هناك الأم. هناك طيف الأم بالأحرى. هناك العلاقة بالخادمة. بالجيران. بالمدينة (طرابلس). فرح قاسم ظلّت في طرابلس. مثلها فعل مازن خالد. اختار بيروت ليروي شيئاً من مناخاتها، في الراهن اليوميّ. مدينة مشغولة بنفسها ربما. أو منشغلة عن نفسها بهوامش عديدة. مازن خالد رسم ملامح معروفة لمدينة معروفة. لشارع في المدينة (الحمرا). لتفاصيل متنوّعة: أناس منشغلين بعيشهم. ناشط سياسي مُلاحَق. حقيبة. مقهى. المجهول. هذا كلّه مختلف عن مناخ «إيقاع الفصل الثالث». ماريا عبد الكريم أنجزت عملاً أول: عن شابّة في العشرين من عمرها. عن حلم ورغبات ووقائع.
لا يُمكن لهذه النماذج أن تختزل واقع الحركة السينمائية الحالية في لبنان. هناك عناوين عديدة. هناك مشاريع أيضاً. الأفلام الروائية الطويلة الثلاثة («الصدمة» و«عصفوري» و«قصّة ثواني») تبدأ عروضها التجارية المحلية في الأسابيع الأولى من العام المقبل. القراءات النقدية مهمّة. لكن «الاستقبال الشعبيّ» لثلاثة مواضيع كهذه لا يقلّ أهمية. مأزق الأفلام الوثائقية والروائية القصيرة لا يزال كما هو: صعوبة واضحة في الوصول إلى المُشاهدين السينمائيين. الوثائقيّ يُعرض، أحياناً، على الشاشة الصغيرة. الروائي القصير وجد له منفذاً عبر تجربة لا تزال تخوضها المحطة التلفزيونية اللبنانية «أم. تي. في.»، متمثّلة بعرض بعض النتاجات مساء كل أحد. 
هذه نماذج. جزء من صورة أكبر وأوسع أيضاً.   

3  سينما وسياسية | جذور الشر في سينما الخيال العلمي 

مما انطلقت سينما الخيال العلمي؟ أين هي الجذور
الإجتماعية والسياسية التي وجّـهت أفلامها الأولى؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Capricorn One

لم تصدّق والدتي، والعديد ممن كانوا في خمسينات العمر في ستينات القرن الماضي أن الأميركيين حطّـوا على سطح القمر و"لا على سطح بيت الجيران" كما كانت تضيف. والدتي (رحمها الله) لم تتعلّم القراءة والكتابة ولم تتابع الأخبار الا عبر المذياع (إكتشفنا التلفزيون في السبعينات) لكنها قررت أن الأمر ليس سوى خدعة والمخرج بيتر هايامس أيّـدها في ذلك وأرسل تأييده سنة 1977 عندما قام بإخراج Capricorn One: فيلم خيال علمي من بطولة جيمس برولين (والد جوش برولين الحالي) وإيليوت غولد وسام ووترستون وأو.ج. سيمبسون يتحدّث عن وكالة الفضاء الأميركية تنتج للإستهلاك المحلّـي والعالمي أكذوبة مفادها أن ثلاثة ملاحي فضاء (سيمبسون، ووترستون وبرولين) متوجّـهين إلى سطح كوكب المريخ. والعالم يتابع إطلاق المركبة الفضائية من دون أن يدري أن الملاحين تم شحنهم إلى مرآب طائرات في وسط صحراء غير آهلة. هناك يتبعهم دكتور كيلوواي (هال هولبروك) الذي يصارحهم أن وكالة ناسا لا تستطيع أن تنجز ما تعد به وأن الكونغرس الأميركي على وشك إيقاف المعونة الإقتصادية إذا لم يتم القيام بالتمثيلية. حين تحترق المركبة بالفعل يتم الإعلان الحداد على أرواح الملاحين الثلاثة وفي الخفاء محاولة صيدهم وقد أنطلقوا في ثلاث وجهات صحراوية. جيمس برولين هو الوحيد الناجي الذي يعود إلى زوجته التي كانت تحضر حفل تأبينه بينما دكتور كيلوواي يخطب في الملأ معزيـاً أرواح القتلى.
على ضعف في حكايته وسرده، أوعز «كابريكورن وان» بأن نظرية أن الإنسان لم يحط على سطح أي كوكب آخر قد تكون حقيقية. بذلك اشتغل على "نظرية مؤامرة" وانتمى إلى أفلام الحقبة من "نظريات مؤامرة" أخرى، كما أيّد والدتي في اعتقادها الراسخ أن لا أحد استطاع أن يحط على سطح القمر أو سواه.
ستانلي كوبريك، تقول الحكايات، كان وافق، حين كان لا يزال يعمل في الولايات المتحدة، على صياغة مشروع فيلم عليه أن يبدو كما لو كان تصويره تمّ فوق سطح كوكب آخر. وهو وافق مدركاً أن مهمّـته الأولى هي توفير تصميم مناخي ومكاني جيّد للمشروع. هذا قبل أن يكتشف أنه أداة لقيام ناسا، حسب ما يرد في Room 237 لرودني أشر (2012)
«كابريكورن وان» ورد أيضاً في الفترة التي كانت فيه السينما الأميركية تنظر ساخرة من المباديء التقليدية التي قامت عليها الولايات المتحدة. الحرب الفييتنامية وضحاياها فتحا الباب واسعاً أمام أفلام لا علاقة روائية أو نوعية بالحرب لكنها توظّـف نظرتها إليها لتمارسها في أنواع أخرى جاعلة من نفسها مجازات جاهزة للتطبيق أو موحى بها. إنها في فيلم الوسترن الأميركي Soldier Blue [رالف نلسون-1970] وفي الكوميديا The Russians Are Coming, The Russian Are Coming [نورمان جويسون-1966] وParallax View [ألان ج. باكولا- 1974].

أشرار القمر
في سينما الخيال العلمي أنت غازياً أو مغزياً… هذا في الغالب لأنه مثل «كابريكورن وان» هناك أفلام أخرى تخرج عن هذا المألوف يحضرني منها الآن Westworld [مايكل كريشتون- 1973] أيضاً من بطولة جيمس برولين لكن مع يول براينر وممثل تحوّل إلى الإخراج هو رتشارد بنجامين. المنتج، للمناسبة فقط، هو منتج «كابريكورن وان» وأسمه بول ن. لازاروس الثالث. 
 رحلة ميلييس إلى القمر

حين تغزو الأرض الكواكب الأخرى فإنها تفعل ذلك استكشافاً فالإنسان طالما حلم بالوصول إلى الكواكب الأخرى وجورج ميلييس حقق له هذا الحلم في «رحلة إلى القمر» سنة 1902 هذا قبل مئة عام من اليوم وقبل محاولات الروس والأميركيين على حد سواء بنحو نصف قرن أو يزيد قليلاً. في تلك الرحلة وجد العلماء أن القمر مأهول بسكان أشرار وأنه ليس مكاناً آمناً للحياة فيهربون عائدين إلى الأرض وتحط مركبتهم في البحر، لكنهم يخرجون سالمين منها.
لكن لماذا على سكان القمر أن يكونوا أشراراً؟ لماذا لم يجد أهل الأرض سكاناً طيّبين هناك؟
الجواب بسيط في ظاهره: الناس تريد أن ترى أعداءاً وليس أصدقاءاً. أي رواية سينمائية (أو حتى مطبوعة) لا تلتزم بمبدأ وجود صراع ما وبالتالي تقسم المتصارعين إلى أخيار وأشرار تفشل في أسباب وجودها أساساً. من ذا الذي يريد أن يرى فيلماً كل الناس فيه أخياراً؟ أو فيلماً أهل الأرض وأهل الفضاء متفاهمين ومسالمين ومثاليين. لابد إذاً من صراع. فلو صعد علماء جورج ميلييس إلى القمر ووجدوا فوقه من استقبلهم بكل ترحاب ولم يكن لهم ضغينة واستضافوهم حق ضيافة ثم عادوا لما كان هناك داعياً للخطر، وبالتالي ليس هنا داعياً للمشاهدة وقبل ذلك للفيلم أساساً. 
لكن هناك ما هو أبعد من هذا فيما يتعلّق بالسينما الأميركية. نعلم أن كريستوفر كولمبوس وصل، كغيره قبله، إلى ساحل القارة الأميركية فاعتبر نفسه، واعتبره العالم القديم مكتشفاً. الآن بعضنا يعلم أن كولومبوس كان فاتحة الكوارث على تلك القارة: البيض إذ حلّوا فوقها آتين من بريطانيا وفرنسا كما من أسبانيا سرقوا الذهب وقتلوا الأرواح واستباحوا الممتلكات وأبادوا القبائل وذلك بهدف الإستيلاء والثروة والمنفعة الإستيطانية. أكثر من سجل تاريخي يؤكد أن البيض حملوا الوباء الأصفر الناتج عن الجرذان التي لم تكن الأراضي الأميركية تعرفها قبل أن تنقلها السفن معها. القارة الأميركية حملت 500 أمّـة (كل أمّـة بعشرات القبائل إن لم يكن أكثر) لتتحوّل في نحو مئتي عام فقط إلى بضعة قبائل لا تزيد عن مئة وعشرين. وحتى اليوم هناك من يستبيح أراضيهم في البرازيل والأرجنتين وسواهما برغبة الإستفادة من الأدغال هناك ما يزيد من تفاقم المشاكل البيئية. 
لكن ما علاقة كريستوفر كولمبوس بسينما الخيال العلمي؟
خليك على الخط.
حين تحقيق فيلم عن كريستوفر كولمبوس ستقف على أحد جانبي الخط: أنت إما معه كفاتح (بصرف النظر عن رأي التاريخ فيه) ولربما تريد سرد مغامراته، أو أنت مع مواطني القارة الأميركية الأصليين ضدّه. هذا الموقف يتدرّج إلى سينما الوسترن ومنها إلى "السيانس فيكشن". في سينما الوسترن هناك مثل هذا الخيار: أنت إما مع البيض أو مع الهنود الحمر (قبائل أميركا الأصليين) والسينما عرفت هذا وذاك. أحد النقاد الأميركيين (ولا أذكر أسمه الآن) كان قرر: "أفلام الغرب الأميركي إما جمهورية أو ديمقراطية" على أساس أن الجمهورية يمينية والديمقراطية يسارية. مع إنتشار البيض قبل وبعد الإستقلال باتت الحاجة لمزيد من الفتوحات ماسّة والجيش الأميركي أمّـن ذلك الإنتشار مع ما استدعاه ذلك من إبادة قبائل هندية أو تشريدها من أراضيها الثرية بالنباتات والحيوانات أو حصارهم في مستوطنات لا تختلف كثيراً عن مستوطنات اعتقال. البيض برروا ذلك كلّـه بأن الأرض الأميركية لا تحتوي متحضّرين  بل همجيين بحاجة لاعتناق المسيحية والكنيسة باركت ما قاموا به من قتل أو تدجين كما قامت الكنيسة الأسبانية بمباركة ما قام به كولمبوس والعسكر من قتل وتدمير للشعوب الأصلية. لكن المشكلة أن من اعتنق المسيحية من هنود أميركا وجدوا أنهم الآن باتوا جزءاً من منظومة عنصرية في كل الأحوال.

الدين وفلسطين 
إذ أكتب ذلك يخطر لي أنني أكتب عن الطريقة التي سلبت بها العصابات الصهيونية فلسطين: هي أيضاً أدعت أن الأراضي لم يكن بها شعب، وهي أيضاً نكّـلت بالشعب (الذي قالت أنه غير موجود) ورحّـلت واعتقلت ولا تزال. وكل ذلك من مبدأ ديني وعنصري بالغ الأذى. وبل يبيح مسلمون دم مسلمين آخرين هذه الأيام على أساس أنهم كفّـار كما أن الأنباء مؤخراً أشارت إلى السعي لفرض الجزية على المسيحيين أو قتلهم في سوريا. بكل ذلك أعني أن الدين حين يختلط بالسياسة وبالنوازع الإقتصادية يتحوّل إلى فعل فاشي بصرف النظر عن مصدره. 
جون كارتر كما ورد في الكوميكس

بمثل هذا المفهوم الذي تبنّـاه الأميركيون حيال الهنود الحمر تمّـت كتابة روايات الخيال العلمي الأولى، فإذا بها تتحدّث عن بشر (معظمهم بيض وعلى حق) يغزون العالم الآخر ليجدوا فوقهم من لا يستحق العيش. أحدى هذه الروايات تلك التي وضعها إدغار رايس بورو تحت إسم «جون كارتر» سنة 1912  التي تحوّلت إلى فيلم عرض في مطلع هذا العام [إخراج أندرو ستانتون].
إدغار رايس بورو كتب ما لم يسع الفيلم الجديد لبثّـه ومفاده ذلك المفهوم بأن من حق الإنسان الأبيض إستعمار بلد أو كوكب آخر سعياً وراء جني الفائدة الإقتصادية وأن من حق الولايات المتحدة، بل من واجبها، الدفاع عن هذه المصلحة وحمايتها وبل تأمين سلامتها وهذا ما فعلته خلال حروب الإحتلال البيضاء لما يعرف بـ "الولايات المتحدة الأميركية".
هذا كان مفاد نظرته العنصرية أيضاً حين كتب «طارزان»: الإنسان الأبيض الذي يسيطر على مخلوقات الغابة الأفريقية: الحيوانات والبشر على حد سواء.
لسنوات طويلة بعد ذلك رأينا أفلاماً كثيرة تعمل بالمفهوم ذاته: تنتقل إلى الكواكب الأخرى لكي تحرر أو تطوّع أو تهزم. التغيير الأساسي تبلور في نهاية الأربعينات عندما انتقلت الأفلام إلى تصوير هجوم أهل الفضاء الشرسين على أهل الأرض المسالمين. السبب في هذا التغيير سياسي إذ في الفترة ذاتها بدا واضحاً أن حليف الأمس (السوڤييت) باتوا أعداء اليوم وأن الشيوعية صارت النقيض الإقتصادي الكامل للرأسمالية. وإذ انتشرت مبادئها بين المثقّـفين وإتحادات العمّـال الليبرالية في الولايات المتحدة، كان لابد من مواجهتها سياسياً (حملات مكارثي) وسينمائياً (بأفلام تصوّر الغزاة على أساس أنهم يعتنقون مبدأ يشكل خطراً على الحرية والديمقراطية والرأسمالية)


4  رحيل | تشارلز دارنينغ وجاك كلوغمن                      

مما انطلقت سينما الخيال العلمي؟ أين هي الجذور
الإجتماعية والسياسية التي وجّـهت أفلامها الأولى؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Charles Durning (24/12/2012-28/2/1923)

تشارلز دارنينغ واحد من الممثلين الذين يحفظ معظمنا وجهه ولا يتذكّـر إسمههذا إذا ما استطاع المشاهد أن يبقى غافلاً عن حضور هذا الممثل العريق الذي ظهر في أكثر من   مئة فيلم ونحوها من أعمال مسرحية وتلفزيونية. من بين أفلامه عملين غير معروضين بعد (أو هما توجّها إلى سوق الـ DVD مباشرة) هما Roque Assassin ["قاتل الروكيت" | جاسون كونوبيسوس] و Amazing Racer ["متسابق مذهل" | فرانك إ. جونسون] وكان يقوم بتمثيل فيلم جديد حين وافته المنية هو Scavenger Killers ["قتلة زبّالون" | ديلان بانك].
في السينما من العام 1962 عندما ظهر في دور صغير جدّاً في فيلم لأندرو ل. ستون (حقق أفلامه من 1927 إلى 1972 ومات سنة 1999] ثم ترعرع في الأفلام ليبدأ بالسطوع من مطلع السبعينات. هو، على سبيل المثال، التحري الخاص في فيلم برايان دي بالما "شقيقتان" Sisters (سنة 1973) وفي فيلم جورج روي هيل لاعباً شخصية رجل البوليس "اللدغة" The Sting مع بول نيومن وروبرت ردفورد (1973). في العام 1979 إشترك في دور مساند في فيلم «البداية من جديد» Starting Over [إخراج ألان ج. باكولا] الذي تولّى بطولته بيرت رينولدز. من ذلك الحين ظهر مجدداً في كثير من الأفلام التي مثّلها أو مثّلها وأخرج رينولدز ومنها: Sharky's Machine / آلة تشاركي [بيرت رينولدز- 1981]، The Best Little Whorehouse in Texas /أفضل بيت صغير للعاهرات في تكساس [كولين هيغينز- 1982] Stick/  ستيك [رينولدز- 1985].
كان ممثلاً بديناً، لكنه رقص على خشبة المسرح وفي بعض الأفلام برشاقة محسوبة ذلك لأنه بدأ حب التمثيل بالتدريب على الرقص المسرحي وتمثيله منذ السبعينات ونال "توني" (رديف الأوسكار مسرحياً) سنة 1989 عن «على سطح صفيحي ساخن» وقبل ذلك لعب شخصية تشارلي في "موت بائع متجوّل" وشخصية المحافظ في مسرحية جاسون ميلر «موسم البطولة ذاك» سنة 1973
مثّـل كوميديا ودرامياً وكان بارعاً في الإثنين. عميق الأداء بصرف النظر عن نوعية الدور فهو الرجل الذي ينوي طلب يد دستين هوفمن (المتزيّن بشكل إمرأة) في «توتسي» [سيدني بولاك- 1992] ودور المعماري الثري الخسيس جاك أمستردام في True Confessions [أولو غروسبارد- 1981] وأحد أفضل أدواره تم في The Choirboys  ["فتيان الكورس" روبرت ألدريتش- 1977]. وتفضيلي الشخصي صعب لأنه من بين الممثلين الجيّدين في أي دور أدّاه لكن من بين أفلامه المنسية (ومنسي مخرجه الممتاز أيضاً) "عندما يتّـصل غريب» When A Stranger Calls [فرد وولتون- 1979].

فيلموغرافيا نقدية لبعض ما شاهده الناقد له:
1973: Sisters |Brian Di Palma ***
1973: The Sting| George Roy Hill ***
1974: The Front Page | Billy Wilder****
1975: Dog Day Afternoon |Sidney Lumet ***
1977: Twilight's Last Gleaming | Robert Aldrich ***
1977: The Choirboys | Aldirch ***
1979: When A Stranger Calls | Fred Walton ****
1981: True Confession | Ulu Grossbard ****
1981: Sharky's Machine |Burt Reynolds ***
1982: Tootsi | Sydney Pollak ***
1985: Stick | Reynolds ****
1986: Where The River Runs Black | Christopher Cain ***
1987: The Rosary Murders | Fred Walton ****
1988: Cop | James B. Harris ****
1988: Far North | Sam Shepard ***
1990: Dick Tracy | Warren Beatty ****
1996: One Fine Day | Michael Hoffman ***
2000: O Broethe, Where Art Thou? | Joel & Ethan Coen **
2006: Local Color | George Galo ***


 Jack Klugman (24/12/2012-27/4/1922)

جاك كلوغمان ممثل مسرحي وسينمائي وتلفزيوني يحمل وجهاً مألوفاً. ليست لديه أفلام سينمائية كثيرة لكنه  أحد نجوم الشاشة الصغيرة عبر عقود وأحد أكثر البرامج التلفزيونية شيوعاً له هو "دكتور كوينسي" (الثمانينات) الذي لعب فيه شخصية طبيب يخرج عن مهنته في كل حلقة ليحل لغزاً بوليسياً. 
عهدناه أولاً كأحد دزينة المحلّـفين (المحلّـف رقم 5) في فيلم سيدني لوميت 12 Angry Men سنة 1957 وفيلمه التالي بعد ذلك هو Cry Terror لأندرو ل. ستون (1958) وبعد ذلك استعين به في أفلام متباعدة خصوصاً وأنه كان دائم الإنشغال تلفزيونياً.




5 |  ممر الذكريات |  1970 في السينما 2-    
سكولوموفسكي الذي أخّـر مشروع حياتي
Deep End

تجنّبت الكتابة في صحيفة "الأنوار" منذ ذلك الحين. والحقيقة أنه لم يصلني أي عرض منهم، ولا أنا حاولت إصلاح ذات البين. وللقاريء أن يتصوّر ذهولي بعد سنوات عديدة عندما قيل لي صديق "لقد قرأت لك مقالاً ممتعاً في «الأنوار» عن السينما الصامتة"، وبما أنني لم أبعث إلى "الأنوار" بمادّة عن السينما لا صامتة ولا ناطقة بحثت في أرشيف  مجلة «الصياد" (وكان لها مكتب في لندن وتتبع دار "الأنوار") عن أعداد الجريدة ووجدت بالفعل مقالة تحمل إسم "الجزء الثاني" ولم أجد الجزء الأول. إسمي هناك والمقال مقالي لكني لم أبعث به إلى "الأنوار" بل طلبته مني "الحياة السينمائية" التي تصدرها المؤسسة العامة للسينما لنشره عندها، لكن أحدهم (لا أعرفه) ربما باع المقال للصحيفة مع صوره النادرة حينها.
في السينما تعرّفت أكثر على المخرج جوزف لوزاي عندما عرضت له صالات السينما فيلمه «الوسيط» The Go-Between الذي كان، ولا يزال عندي، مخرجاً ثقيل اليد أحبّه باقي النقاد فساعدني ذلك على الحذر منه. وأحد أكثر النقاد العرب إعجاباً به كان الزميل الراحل سمير نصري الذي كتب مدحاً طويلاً في هذا الفيلم الذي شارك في كتابة السيناريو المسرحي هارولد بنتر. الآن لا أصلح للحديث عميقاً في هذا الفيلم لأني فقدت مقالتي الخاصّة به ولا يصح الكتابة من الذاكرة طبعاً. 
كنت أعمل بشكل دائم في صحيفة «المحرر» اللبنانية آنذاك وكنت لا زلت في مطلع شبابي أترك الثانوية بعد دوامها والتحق بمقر الجريدة مساءاً وأحياناً كنت عوض التوجّـه للمدرسة أتوجّـه إلى المكتب الذي أعطي لي في طابق تحت الأرض من بناية في منطقة راس النبع. كان معي تحت الأرض الصديق إلياس سحّـاب الذي دبّر لي العمل في ذلك المكان أواخر قبل نحو سنة. حكاية ذلك أنه دخل على صاحبها المرحوم  وليد أبو ظهر، كما أخبرني إلياس وقال له حين كان الإعداد لصدور الصحيفة جار: "من تريد ليكتب السينما في هذه الصحيفة". قال له صاحبها: "شو رأيك بفريد جبر؟". قال له إلياس (الذي لم يكن التقاني من قبل لكنه قرأ لي في "الدستور" التي بدأت أنشر فيها سنة 1968 : "نريد إسماً جديداً وليس تقليدياً… وهناك هذا الشاب محمد رضا الذي يكتب جيّداً وفي رأيي أنه أفضل من جلب إسم مستهلك".
وافق أبوظهر وتم الإتصال بي ودخل معي إلياس سحّـاب مكتب صاحبها الذي قال مباشرة: "تكتب في السينما؟" قلت: "نعم. فقط في السينما". قال: "تستطيع البدء من الآن. أريد صفحة كاملة يومياً". أدهشني ذلك وقلت لإلياس …. كيف يمكن كتابة صفحة يومية عن السينما؟ أستطيع كتابة نصف صفحة ويوم الأحد صفحة كاملة" قلت ذلك كما لو أن هذا أفضل بكثير. وحصلت على ما أردت.
العمل اليومي هو الذي ما جعلني منضبطاً في الكتابة إلى اليوم. وكنت حرّاً فيما أريد أن أكتبه بإستثناء التصحيح اللغوي الذي قل عدده مع الأيام. معظم ما كتبته في "المحرر" لا زال موجوداً في أرشيفي وأتمنّى نشره في كتاب أو على هذا الموقع يوماً ما. 
كان المكتب تحت الأرضي مؤلّـف من أربع مكاتب أحدها لإلياس سحّاب والثاني لرسام كاريكاتوري والثالث لكاتب رياضي والرابع لي. لكن المتعاونون مع إلياس سحّـاب كونه محرر الشؤون الثقافية كانوا كثيرين ومن بينهم تلك المرأة الجميلة التي تكبرني سناً وخبرة والتي كانت ترميني بنظراتها وتغازلني على طريقة "قرأت لك مقالتك عن فيلم …. وأحببت المقال كثيراً"… وكانت نظراتي الشبقة إليها مفهومة فكانت تتغنّـج كثيراً ما زادني إقناعاً بأني سأفقد عذريّتي معها. لكن الذي حدث هو غير ذلك تماماً. في أحد الأيام تهادت إليّ وسألتني أن نشاهد فيلماً معاً… لم يكن هناك فيلم لم أشاهده في ذلك الأسبوع وكنت مشغولاً بمحاولة إنجاز صفحة الأحد فقلت لها: "إذا انتظرت ليوم الإثنين (موعد تغيير برمجة الأفلام آنذاك) سأختار لك فيلماً تموتين فيه (ولم أقصد أن تصاب بنوبة قلبية مثلاً أو أسعى لقتلها)" قالت: "لكني أريد مشاهدة فيلم الآن… بم تنصحني أن أشاهد؟"
الفيلم الذي كان عالقاً في بالي هو Deep End دراما نفسية عن شاب له مشكلة جنسية  لم ينجح في حلّها فانتحر في حمّـام المرأة (الأكبر منه سنّاً) التي كان يريدها. المخرج هو ييرزي سكولوموفسكي. فنصحتها به.
ويا ليتني نصحتها بفيلم «تعاليلي يا بطّـة» أو «أمي» (الفيلم الهندي الذي كان لا يزال معروضاً بعد سنوات من إنتاجه)، لأن هذه المرأة عادت في اليوم التالي وبادرتني: "هوا أيه الفيلم ده اللي بعتني عليه…. عقدتك أنت إيه بالضبط؟"… لم تجد كلمات دفاعي نفعاً وهي غادرت المكتب منفعلة… في الحقيقة لم أرها بعد ذلك على الإطلاق. أما عذريتي فمشكلتها إنحلّـت بعد ثلاثة أو أربعة أشهر لكني كنت حذراً على أي فيلم أوجّـه الفتاة التي التقيت بها…


ولممر الذكريات بقية. 



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2012
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular