أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Dec 8, 2012

المهرجانات العربية | عطور الجزائر | بيرت رينولدز | دجيتال أو لا دجيتال


YEAR 6 | ISSUE 768


  محتويات العدد   
وجهة نظر | السينمائيون المحترفون قبل غيرهم يدركون حدود الدجيتال… فلم نتمسّـك به؟ | محمد رُضــا 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مهرجانات | إنتهى القاهرة وانطلق مراكش واليوم يبدأ دبي… ما هو وضع المهرجانات العربية هذا العام ولماذا تبدو دورة القاهرة الأخيرة… أخيرة فعلاً؟ | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حول فيلم يتحدّث الناقد كمال رمزي عن فيلم جزائري يضع مشاهديه أمام مأزق الحياة الإجتماعية والسياسية في هذه الأزمنة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ممثلون هل إنتهى بيرت رينولدز؟ غالباً نعم، لكن هذا لا ينهي تاريخه وأعماله. نظرة بانورامية على مسيرته وبعض أهم أعماله.

وجهة نظر | محمد رُضا

التصوير الرقمي… جمع الصفر صفر

•  دجيتال أو لا دجيتال؟ هذا هو السؤال، أو على الأقل واحد من الأسئلة التي حاول الممثل كيانو ريڤز الإجابة عليها في الخامس والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر خلال حضوره مهرجاناً بولندياً بإسم «كاميرإيماج». كان قبل مؤتمره الصحافي قدّم على شاشة المهرجان فيلماً من إنتاجه بعنوان «جنباً إلى جنب». فيلم تسجيلي حول تأثير الدجيتال في المجالات الفنية والعلمية والتقنية و-بالطبع- السينمائية. وهو حذّر من خطر الدجيتال ووصف تجربة التصوير والعمل بالدجيتال على أنها إعتداء. 

  هذا هو الكلام السليم الذي لن يدفع هوليوود أو سواها لنبذ الدجيتال (المستخدم في كافة شؤون العمل الفيلمي حالياً وليس فقط في التصوير) لتغيير منهجها والعودة إلى الأصول، لكنه الكلام الذي كان لابد له أن يقال. وإن سمحتم لي هذا كان رأيي منذ أن أشرقت شمس الدجيتال بكثافة قبل عدّة سنوات. صار كل من أمسك بكاميرا دجيتال وصوّر خمس دقائق بها مخرج. وبل كل من صوّر "شيئاً" بتلك العدسة التي في جهاز هاتفه أطلق على نفسه إسم مخرج. ولا أكشف سرّاً إذا قلت أن أحد الأصدقاء عرض عليّ مؤخراً إدارة مهرجان يعزم القيام به لعرض أفلام الهواتف النقّـالة لكني رفضت. رفضت العرض ورفضت المبدأ فالإخراج ليس وضع العين على الكاميرا والضغط على الزر. 100 سنة سبقت الدجيتال لم تكن هباءاً ولا مجرد خطوات عابثة في سبيل هذا النوع من التصوير. الإخراج هو ملكية شاملة وإعادة تشييد وكل ما يجعل من عملية المخرج سهلاً هو ضد حرفته وضد صنعة السينما بأسرها. الإخراج هو الطريق الصعب لإعادة تكوين الحياة على شريط. التصوير بالدجيتال والمؤثرات بالدجيتال والتمثيل بالدجيتال ليس أكثر من صنع الفيلم في مصنع معلّبات ثم تقديمه للمخرج لكي يوقّع عليه قبل توزيعه على الآكلين.

ونحن مفتونون بالسرعة. نريد أن نقفز إلى الغد. وإذا ما الغرب استنبط شيئاً فنحن مع التقليد والإستنساخ وحشره في جداول أعمالنا. لذلك معظم المخرجين الجدد انتقلوا إلى التصوير بالدجيتال من لا تصوير على الإطلاق. سهّـلت لهم تلك الكاميرا التي لا تحتوي على أفلام عملية كانت تستغرق البذل والجهد والعلم والمعرفة معاً. طبعاً، بالنسبة لمخرجين في أقطار لم تعرف السينما بدا ذلك خشبة إنقاذ، لكن هل لنا أن ننظر عملياً إلى هذا الموضوع: المعظم الكاسح من الأفلام الخليجية صوّرت بالدجيتال ولولاها لما كانت هناك أفلام… لكن هل صاغ ذلك صناعة؟ مركزاً؟ هل خرج من لدينا سينمائي لا يشق له غبار؟

•  البعض في هوليوود، ومن بينهم كيانو ريفز، أدرك المغطس الذي سقط فيه صانعو الأفلام هناك. إنه وعلاوة على ما ذكرت من استسهال الحرفة وتحويلها إلى تركيبات هندسية هناك حقيقة أنها أخرجت الذات من العملية الفيلمية على أكثر من صعيد وتسببت في حرمان العديدين من الفنانين والفنيين مجالات العمل. ومهما قيل، فإن لا «لورنس العرب» ولا «ذهب مع الريح» ولا «الأرض» أو «السقا مات» أو «ظل المحارب» أو ألوف سواها كان يمكن صنعه بالدجيتال لو كان متاحاً آنذاك. والحمد لله أنه لم يكن متاحاً.


مهرجانات 
 موسم المهرجانات من زحمة عربية إلى زحمة عالمية
الهجوم: أحد الأفلام التي تسترعي إهتمام المهرجانات حالياً
 شهد الأحد الماضي  إنطلاقة الدورة الثانية عشر من مهرجان مراكش السينمائي الدولي الذي، لجانب مهرجان دبي، أكثر المهرجانات العربية ثباتاً. ليس فقط أن إدارته لم تتغير بل كذلك نسقه من بين المهرجانات العالمية ووجهته بين المهرجانات العربية  ما يجعله محافظاً على موقعه كل عام بصرف النظر عما يقع في المحيط العربي من تبدّلات ومتغيّرات.
مهرجان مرّاكش لديه هذا العام خمسة عشر فيلماً في المسابقة ستعرض على الجمهور وعلى لجنة التحكيم التي يقودها المخرج الأيرلندي جون بورمان. ثلاثة من هذه الأفلام عربية هي «زيرو» لنور الدين لخمري و«خيل الله» لنبيل عيّـوش (المغرب أيضاً) و«الهجوم» لزياد الدويري  المقدّم بإسم لبنان ومصر وقطر وفرنسا وبلجيكا علماً بأن التمويل النقدي والإنتاجي ربما جاء من قطر وبلجيكا فقط.
هناك مجموعة أخرى من الأفلام العربية خارج المسابقة من بينها «الطريق إلى كابول» لبراهيم شكري و«موسم الرينو» لبهمان قبضاي، وهو كردي إيراني في الأصل لكن تمويل فيلمه هذا جاء، حسب المعلومات المتوفّـرة من العراق وكردستان وتركيا (!). هناك أيضاً «البيارة» لمحمد عبدالرحمن التازي و«ملك» لعبدالسلام كيلاي وهما مغربيان أيضاً. هذه الأفلام لجانب أفلام مغربية أخرى يعرضها "مراكش" وأخرى يعرضها مهرجان دبي المقبل، لجانب ما سبق عرضه في مهرجان أبوظبي تواصل التأكيد على وضع جيّـد للسينما المغربية. شأنها هنا كشأن صناعات كثيرة: وفرة في العدد وعدد محدود على المستوى النوعي.

لكن إذ ينطلق مهرجان مراكش اليوم وتبدأ دورة مهرجان دبي التاسعة أعمالها في التاسع من كانون الأول/ ديسمبر المقبل، تنتهي أعمال مهرجان القاهرة في السادس من الشهر ذاته، وغالباً بنتيجة معروفة: تهميش شامل للدورة (رقم 35) من قِـبل السينمائيين والجمهور على حد سواء وذلك نظراً للأحداث الجلل التي تقع في الشارع المصري، وليس بعيداً عن دار الأوبرا حيث تقام معظم العروض الرئيسية.
وهناك حقيقتان متناقضتان في هذا الخصوص: من ناحية لم يكن في ظن القائمين على المهرجان السينمائي العتيد أن رئيس الجمهورية محمد مرسي سوف يصدر قراره بإحكام القبضة على كل البلاد ما سيشعل لهيب الوضع الأمني هناك. لذلك لم يكن من المتوقّع له أن يحجب الدورة الحالية بناءاً على ذلك وحين أصدر الرئيس قراره بالإستيلاء على صلاحيات الحكم المختلفة كان ذلك قبل أيام قليلة من بداية المهرجان قبل أيام.
الحقيقة الثانية هي أن الأيام القليلة الفاصلة بين الإعلان والإفتتاح كانت كافية لإلغاء الدورة لصالح المهرجان نفسه وهذا ما كان يجب أن يحدث. دورة محتجبة أفضل بكثير من دورة فاشلة خصوصاً وأن المرء يتوقع أن يكون عدد المعتذرين عن الحضور من سينمائيين وضيوف الآتين من شتى أنحاء العالم قريباً من النصف (حسب المهرجان هناك 450 دعوة عالمية)
الأسوأ إلى حد، أن نجوم السينما المصريين هم أول المعتزلين وإن كان ذلك ما يحدث عادة بإستثناء الظهور المبرمج في يومي الإفتتاح والإختتام. ولسبب يحتاج إلى بحث عميق لم يقدم عليه بعد أي ناقد او صحافي زميل فإن الأفلام المصرية عادة ما تقرر الإحتجاب عن مهرجان القاهرة لكنها مستعدة للذهاب إلى مهرجان واغادوغو إذا ما دعيت.  وهذه العادة لها عقود وليست جديدة.
ما تؤكده الدورة الحالية هو ما ذكرناه سابقاً: المهرجان بحاجة إلى نفضة شاملة. إلى تجديد في خلايا الدم الفارزة لماهية الحدث ولما هو مطلوب منه ولكيفية طرحه بثبات وقوّة على صعيد المهرجانات. ولا يكفي مطلقاً الحديث عن أنه المهرجان الوحيد بين المهرجانات العربية المعترف به رسمياً من قبل "إتحاد المهرجانات الدولية" فهذا الإعتراف ليس أكثر من إشتراك سنوي له أجر ثابت ولا يعني المهرجان غير المنتمي للإتحاد بأنه غير معترف به أو أنه أقل شأناً. بل ها هو مراكش ودبي وروما من تلك التي لا اشتراك لها في ذلك الإتحاد لكنها تقدم على إنجاز مهرجانات ناجحة يتمنّى المرء لو تصيب المهرجان القاهري بالعدوى.

وفرة عربية
ما تطرحه المهرجانات مجتمعة في هذا الموسم هو إشتراكها في عرض الأفلام وعرض الإحتفالات الموازية. مهرجان مراكش يحتفي بالسينما الهندية، التي كانت شبعت إحتفاءات في الأعوام القليلة في دبي وأبوظبي والدوحة والقاهرة. 
ومهرجان القاهرة احتفى (أو "كرّم" كما هو التعبير المنتشر) المخرج الصيني زانغ ييمو (الذي لا علم لي إذا ما وصل فعلاً إلى القاهرة أم لا) وهو ذاته الذي يحتفي به مرّاكش. وبينما خرج فيلم «يا خيل الله» لنبيل عيّـوش من مهرجان "كان" في الربيع الماضي ودخل بجدارة مهرجان أبوظبي في تشرين الأول/ أكتوبر انتقل إلى مهرجان الدوحة (لينال صاحبه جائزة أفضل مخرج في الدورة التي انتهت قبل نحو أسبوع) ويعرض هذا الأسبوع في مسابقة مهرجان مراكش.
طبعاً لكل مهرجان جمهوره، لكن اشتراك فيلم واحد في أكثر من مسابقة هو ما يجعل المرء يتساءل عن حقيقة مستوى الأفلام العربية وكيف يفشل المبرمجون، أحياناً، في الإتيان بأفلام جديدة. هل بسبب إمتناع أصحابها أم بسبب عدم توفّرها أصلاً؟
هذه لن تكون المشكلة في مهرجان دبي السينمائي المقبل. رئيسه عبدالحميد جمعة يذكر أن المهرجان إذ يعرض 161 فيلماً هذا العام هناك ستون فيلم عربي مشترك و52 فيلماً تشهد عرضها العالمي الأول. وهذا من أصل 2100 طلب إشتراك تم تقديمه. الستون فيلم عربي هي، في معظمها، أعمال لم تعرض في مهرجانات من قبل والمدير العام للمهرجان، مسعود أمرالله العلي يؤكد في حديث خاص: "فوجئت هذا العام بكثرة الأفلام العربية التي تم إرسالها إلينا لكي نشاهدها ونختار منها ما نراه جيّـداً للعرض داخل المسابقة أو خارجها. هذا الكم يلغي فكرة أن هناك أزمة إنتاجية في العالم العربي".
وهناك إلغاء آخر: هذا الكم يلغي فكرة أن وضع مهرجان دبي تأثّـر نتيجة المنافسة التي شهدها في الأعوام الخمس الأخيرة سواء عبر تأسيس مهرجان أبوظبي أو إطلاق مهرجان الدوحة وكلاهما تمتّـع (سابقاً على الأقل) بميزانية أكبر بقدر ملحوظ من تلك التي تمتع بها مهرجان دبي.
عملياً، وبين المهرجانات العربية، تجاوز دبي هذه المنافسة وإذا ما كان له ند في هذه المنطقة العربية فهو ذلك الند البعيد: مهرجان مراكش. كلاهما أكثر إستقراراً من سواه، وكلاهما يتمتع بإدارة لديها خبرة سينمائية بعيدة (وصول المخرج علي الجابري إلى سدّة مهرجان أبوظبي هو أفضل ما تحقق لهذا المهرجان منذ سنوات لكنه لم يُمنح الوقت اللازم لترتيب البيت بل سريعاً ما شمّر عن ساعديه هو ومدير البرمجة العربية إنتشال التميمي وأنجزا بالفعل دورة ناجحة).
المقارنة بين دبي ومراكش لها وجه آخر على صعيد مناهض: في حين أن المهرجان المغربي لا يسعى لأن يكون الإختيار العربي الأول، بل يتّـجه بكليّته لاحتضان السينما الدولية أساساً، فإن أفضل ما أنجزه دبي في الواقع هو تحوّله إلى بيت للسينما العربية. ليس فقط أن فيه قسمين كبيرين لهذه السينما (المسابقات الثلاث في الروائي والتسجيلي والقصير و"ليالي عربية") بل أن مسابقاته المذكورة منفصلة عن باقي المسابقات، الأمر الذي لا نجده في المهرجانات العربية المذكورة بإستثناء القاهرة الذي كان فشل في جعل هذا القسم العربي أكثر فاعلية مما انتهى عليه.
وفي الغرب
وإذا كانت الشكوى الأولى هو كثرة المهرجانات العربية في هذا الموسم من كل عام، فإن ذلك ليس تميّزاً. حول العالم، هناك مهرجانات تقع في الربع الأخير من العام أكثر مما يقع في الأرباع الثلاثة منه. في الشهرين الماضيين وحدهما توالت مهرجانات لندن، ريكيافيك (آيسلند)، هامبورغ (ألمانيا)، كوناس (ليتوانيا)، ريو ديجنيرو (البرازيل)، فلديفيا (أسبانيا)، بوسان (كوريا)، سيتجز (أسبانيا)، جيلافا للتسجيلي (جمهورية تشيك)، فيانيل (النمسا)، طوكيو، CPH- Forum (الدنمارك)، ثيسالونيكي (اليونان)، روما، موريللا (المكسيك)، مونتريال للأفلام التسجيلية، 4+1 (موزع بين خمسة مدن لاتينية بما فيها مدريد ومكسيكو سيتي وبونس آيريس)، و"مختبر تورينو" (إيطاليا) ومهرجان مونتريال للسينما الجديدة… وكل هذا هو جزء من كم أكبر. صحيح أنها ليست جميعاً مهرجانات أولى لكن كل منها له خصائص ومنتـظم إدارياً وعروضاً ويستقبل أفلاماً كثير منها لا يعرض في سواه. 
الأمر لا علاقة له بالطقس ولا بالمكان وربما ليس حتى بالفترة الزمنية ذاتها، بل بحقيقة أن نهاية العام هي الأمثل لتقييم شامل. وهذا ما سنعود إليه قريباً.

مهرجان القاهرة: نهاية فصل داكن؟
 نهاية حزينة تلك التي كان على مهرجان القاهرة السينمائي الإختباء عن الأعين والإستعاضة عن حفل الختام بنوع من المؤتمرات الصحافية لإعلان جوائزه. طبعاً الظروف هي التي حكمت، لكن الظروف هي دائماً ما تحكمنا لأننا ضعفاء. الإنسان هو الذي يصنع الظرف ثم يسقط تحته. دكتور فرانكنستاين خلق وحشاً ثم إبتلعه الوحش. 
نهاية حزينة حتى ولو كانت الظروف حجّـة والحقيقة مختلفة. شيء مثل أن يكون الممثلون ناصريون أو مباركيون أو سواهم قرروا مقاطعة الختام كما قاطعوا الإفتتاح وكما قاطعوا المهرجان بإسره.
ما هي الحقيقة؟ 
من السهل الإختباء وراء الظروف، فهذه هناك في ميدان التحرير وأمام قصر الرئاسة وفي تقارير الحكومة وغير الحكومة. في جعبة الأخوان والأخونجية الذي لن يكن للسينما (ولا للفن ولا للثقافة) قائمة في عهدهم. جماعة من المتخلّفين دينياً قبل أن يكونوا متخلّفين في النواحي الأخرى وهناك نسخ أسوأ طبعاً لكنها، وبالموافقة مع سمير فريد هذه المرّة، هي نسخ لحقيقة واحدة.
مهرجان القاهرة سقط تحت عجلات الظروف؟ لا. كان ساقطاً عندما مرّت الظروف فوقه، ذلك أن حدثاً كهذا ركبت ظهره إدارة عاجزة عن التطوّر وسادته روح من «المعلش» والعزّة بالنفس فوق ذلك، كان لابد له أن يسقط. الحال لم يكن كذلك دائماً فأيام المرحوم سعدالدين وهبة كانت أفضل، وحتى أيام حسين فهمي كانت أفضل. هل أتذكّـر كيف كان المهرجان آنذاك؟ ألم يكن بالله عليك يا محمد رُضـا المكان الذي تحب أن تأوي إليه كل شتاء؟ بلى والله. اليوم؟ هو المكان الذي لا زلت أحب أن أعود إليه، لكن ليس في مثل هذه الحالة.
لقد كتبت هنا مراراً وتكراراً عن كيف يمكن لهذا المهرجان أن ينمو ويزدهر… لكن الجماعة محصّـنة ضد النصيحة وضد النقد على حد سواء. هي تغلط؟ مستحيل. هي تعلم أقل مما يعلم الآخرون؟ … كيف يمكن ذلك؟ 
يمكن ذلك إذا كان قادة المهرجان لا يرون إلا "بعض" وبعض قليل من أفلام المهرجان ذاته، ما البال بالسينما ككل؟ هل يمكن أن يكون أي مهرجان بيد أمينة سوى بأيدي النقاد؟ لديك النقاد ولديك المخرجين (ليس كل النقاد وليس كل المخرجين لكني أتحدّث عمن يستحقّون الصفة). وحدهم يستطيعون تحريك مهرجان ما إلى نجاح كبير. لكن كان على مهرجان القاهرة أن يبقى بأيدي المجموعة ذاتها التي تخطط لشيء واحد… أن تبقى.
يجب أن لا يعود المهرجان في دورته المقبلة على هذا النحو. ربما ستنتهي الظروف بعد عام من الآن، وستختفي الحجّـة… لكن حتى إذا لم تفعل فإن هذه الدورة عليها أن تكون نهاية مطاف والبدء من جديد بمطاف آخر.


حول فيلم | كمال رمزي
سينما الثأر.. عطور الجزائر | كمال رمزي

كأن السينما المغاربية أرادت تصفية حسابها مع قوى الإرهاب التى اغتالت العديد من الفنانين، معنويا وجسديا، فإلى جانب «مانموتشى» للتونسى نورى بوزيد، يقبع رشيد بن حاج، الجزائرى، بفيلمه «عطور الجزائر»، ثم المغربى محسن نصرى، صاحب «المغضوب عليهم»، الذى يعالج قضيته الشائكة، بقدر كبير من الشفافية ورحابة الأفق: فرقة مسرحية يتم اختطافها، من قبل مجموعة إرهابية، بناء على أوامر أميرها. وخلال أيام الاعتقال يكتشف كل طرف ما يماثله عند الطرف الآخر، وبالتالى تخفت روح العداء.

على النقيض من هذا التوجه الإنسانى، يأتى «عطور الجزائر» مدججا بشحنة كراهية، تتفجر لتصيب، من دون تمييز  الأبرياء والجناة. كاتب السيناريو، المخرج، رشيد بلحاج، حقق من قبل «زهرة الرمال»، «شجرة الأقدار»، «الخبز الحافى».. وهو، فى هذه المرة، يعود إلى سنوات «العشرية السوداء»، أو «العشرية الدامية» التى عاشتها الجزائر فى التسعينيات، حيث المذابح الهوجاء، المتبادلة، بين قوى تتصارع بجنون، على السلطة.. الفيلم، من وجهة نظر «كريمة» ــ بأداء الإيطالية مونيكا جريتورى ــ وذكرياتها التى تتخلل الحاضر، عن طريق الفلاش باكات.. هى، غادرت الجزائر منذ عقدين، بعد ان ضاقت ذرعا ببلادها، خاصة والدها، المتحجر القلب، الذى تكن له مقتا شديدا. فى باريس تغدو مصورة فوتوغرافية شهيرة. رسائل والدتها الصوتية، التى تركها على الهاتف، بصوتها المتهدج بالرجاء، المؤثر، يجعلها تقرر العودة إلى الجزائر ــ مؤقتا ــ لتساعد أسرتها فى الخروج من مأزق الشقيق المعتقل، الذى أصبح أمير الجماعة، ووالدها، طريح سرير بحجرة عناية مركزة، إثر إصابته بجلطة.. مصور الفيلم القدير، الإيطالى، فيتوريو استورارو، الحاصل على الأوسكار ثلاث مرات، عن «الحمر»، «الامبراطور الأخير»، «القيامة الآن»، صاحب مقولة «التصوير ــ كتابة بالضوء»، ولعل صورة الجزائر، بحدائقها متعددة الطوابق، وتجمعاتها البشرية، وقلعة المحكوم عليهم، تكتسب حضورا قويا، خلال عدسته..لكن يبقى جوهر  الفيلم ومضمونه.

«كريمة» تفاجأ ليلا بأصوات إطلاق رصاص وانفجار مفرقعات، تعرف من والدتها أن الإرهابيين هاجموا منطقة قريبة، ثم زغاريد نساء، إعلانا أن الغارة انتهت.. تتذكر شقيقها الرقيق، أيام الطفولة، مع شقيقتها الصغرى، «وسامية» ابنة أحد المجاهدين ضد الفرنسيين، استشهد على صدر والدها الذى أوصاه برعايتها.. وفى موقف من أبشع ما يمكن أن تقدمه السينما، يقوم الأب، المجاهد سابقا، باغتصاب ابنة زميله، ويسلم ابنته الصغرى، إلى إعرابى فى الصحراء، خوفا من افتضاح أمره. وبينما تغادر «كريمة» البلاد، يتزوج شقيقها من المعتدى عليها، رحمة بها. ومع الأيام، تنتقب الزوجة ويغدو الشقيق منخرطا فى الإرهاب.. ربما يقال ان الاغتصاب مجرد رمز لنزعة هيمنة جيل على جيل، ولكن غلظة الحدث وما  ترتب عليه من مواقف، يثبت أن بلحاج، يراه واقعيا ورمزيا فى آن.. أيا ما كان الأمر، فإن القول الفصل نجده فى تلك الجملة التى كتبتها الشاعرة الجزائرية، حبيبة العلوى، وتصف فيها حادثة الاغتصاب بأنها «جد مبتذلة فى التناول الأدبى والفنى لتاريخ الجزائر».

طبعا، من حق بلحاج نقد قدامى المجاهدين، لكن تشويههم على هذا النحو يصب فى طاحونة البكاء على أيام الاستعمار اللذيذة، وما يؤكد هذا شخصيةسائق سيارة الأجرة التى تحمل «كريمة» و«سامية» ووليدها، حيث لا يتوقف السائق العجوز، المرح، عن غناء مقاطع من أوبرات فرنسية، بصوت صداح، لأنه كان يعمل فراشا فى دار أوبرا، تركت آثارا متحضرة فى روحه.أما عن الجماعات المتطرفة، فإن الفيلم يقدمها بذات التنميط المتكرر، يجسدها الشقيق المعتقل، الذى يرفض التوقيع، فى البداية، على اتفاق «الوئام الوطنى»، ثم، بعد إلحاح «كريمة»، يوقع، وقد بيت النية على مواصلة حربه ضد «أعداء الله».. ولاحقا، فى طريق عودة «كريمة» مع «سامية» إلى بيتهما عقب زيارة «مراد»، تنطلق رصاصات لتصيب «سامية» فى ظهرها.. وبهذا يكون بلحاج قد ودع الجميع باللعنات، كما لو أنه يثأر من الماضى والحاضر، وان أضاء بصيصا من الأمل، فى جيل جديد، تمثله إحدى قريبات «كريمة»، تقنع المصورة القادمة من باريس، بالانضمام إلى مظاهرة نسائية ضد تغييب المرأة.. تساءل الكاتب الجزائرى رشدى رضوان «هل يمكن القول ان رشيد بلحاج جرح أصبعه من آخر وردة قطفها فى حديقة عطور الجزائر».. الإجابة تأتيه وتأتيه من قلب الفيلم: نعم.

ممثل |
بيرت رينولدز | ليس فيلم آخر عن نجم هوى   

بيرت رينولدز ينزع السهم الذي أطلقه (دفاعاً عن نفسه) في فيلم جون بورمن «خلاص»٠
آخر مرّة ظهر فيها الممثل بيرت رينولدز على الشاشة كانت سنة 2011 حيث لعب دور مخرج في فيلم كوميدي بعنوان «ليس فيلم آخر عن ليس فيلم آخر» Not Another Not Another Movie لمخرج بريطاني أسمه ديفيد مورفي. ميزانية الفيلم لم تتعد الأربع ملايين دولار ما ينبأ عن أن كل الممثلين الذين لعبوا في الفيلم لجانب رينولدز، مثل مايكل مادسن وديفيد ليو شولتز وإيلي غيربر وجنيفر شيولي والآخرين تقاضوا جميعاً ما يقل عن مليون دولار. بالنسبة لرينولدز كان دخل نادي الملايين عن الفيلم الواحد في السبعينات والثمانينات أيام ما كان نجماً كبيراً لا ينازعه على نجوميّته سوى قلائل في مقدّمتهم كلينت ايستوود.
دور رينولدز في هذا الفيلم مساند، كذلك الحال في معظم ما مثّله منذ منتصف التسعينات بإستثناءات قليلة من بينها فيلم جيّد توجّـه مباشرة إلى سوق الأسطوانات بعنوان «صفقة» سنة 2008 وآخر قبله بسبع سنوات عنوانه «مُـساق» لجانب سلفستر ستالون.
لكن الوضع كان مختلفاً قبل ذلك. بيرت رينولدز (76 سنة حالياً) لم يكن فقط نجم أول، بل كان منتجاً ومخرجاً وممثلاً جيّداً في الكوميدي والبوليسي على حد سواء. وفي النوع الثاني كان يعكس، لجانب ايستوود، شخصية الرجل الذي عجنته الأيام حتى بات بطلاً قوياً. 
ولد سنة 1936 في بلدة أسمها وايكروس في ولاية جورجيا لكنه انتقل مع والده، الذي كان رئيس البوليس،  إلى بلدة جوبيتر في ولاية فلوريدا. لكن بيرت ترك الدراسة حبّاً بالسينما وأم نيويورك حيث درس التمثيل المسرحي والتحق سنة 1959 بالتلفزيون حيث لعب في مسلسلات أسبوعية مختلفة كما ظهر طويلاً في مسلسل «غنسموك» قبل أن يمثل أول فيلم له  لاعباً دوراً صغيراً في فيلم عنوانه «أنجل بايبي» لبول ونكدكوكس (الذي كان مخرجاً تلفزيونياً في الأساس)
الأدوار كبرت سينمائياً حين مثّل «مئة بندقية» [توم غرايز- 1969] فورد أسمه ثالث الأسماء بعد جيم براون وراكيل وولش. كان ذلك فيلم وسترن وهو حال فيلمه التالي «سام ويسكي» [أرنولد لافن- 1969]. مهارته الإدائية وحضوره كممثل طاغ تبلور سنة 1972 عندما إختاره الأيرلندي جون بورمن بطلاً لفيلم رائع بعنوان «خلاص». في هذه الدراما نجد أربع شخصيات (رينولد أحدها) يتركون المدينة ويتوجّهون إلى رحلة قوارب عبر نهر جارف غارق بين غابات الجنوب الأميركي. هناك تقع معظم الأحداث التي على هؤلاء الأربعة لا مقارعة الطبيعة القاسية فقط، بل رجال الغابة الشرسين.
في العام ذاته لعب دور التحري في «بوليس» ثم «تحري» في العام التالي وكلاهما للمخرج بَز كوليك. لعب بطولة فيلمين أيضاً للمخرج بيتر بوغدانوفيتش هما «عند حب ضائع» (1975) و«نيكولوديون» (1977). بعد ذلك  ظهر رينولدز في أدوار كوميدية أبرزها ما مثّـله في سلسلة «سموكي والعصبة» التي نتج عنها ثلاثة أفلام وسلسلة «كانونبول رَن» التي تم إنتاج جزئين منها. 
لكن الأدوار البوليسية هي ما منح رينولدز نجاحاً أساسياً. إنه كما لو أن الحكايات الجنائية التي قدّمته كتحري تابع للبوليس أو تلك التي لعبها كتحري خاص كانت تلقائية بالنسبة إليه. خذ مثلاً «آلة تشاركي» (1981) و«الملعب الأكبر» (The Longest Yard لروبرت ألدريتش- 1975) و«حرارة» [رتشارد رتشاردز- 1986) و«نسخة أولى» [دونالد سيغل- 1980] تجد أن رينولدز لا ينتصر فقط على هفوات الإخراج فيها، بل أيضاً على مادة قد لا تكون جديدة.
مع كلينت ايستوود في «حرارة المدينة»٠
إرث رينولدز إمتذ ليشمل قيامه بإخراج خمسة أفلام أربعة منها في عز نجوميّته. صحيح أنه مثّـل الكوميديا والكوميديا الرومانسية، وهما نوعان مختلفان، الا أن إختياراته من الأفلام مخرجاً كانت بوليسية غالباً. الفيلم الأول في هذا لإتجاه كان «غاتور» سنة 1978  وبناءاً على إعجاب نقدي ونجاح جماهيري تقدّم بعد ذلك بعامين ليحقق فيلماً فني الصبغة أسمه «النهاية»، ثم ليعود إلى القالب البوليسي في «آلة تشاركي». سنة 1985 أخرج فيلماً جيّداً آخر هو «ستيك». ثم انقطع عن الإخراج حتى سنة 2000 عندما أخرج «المنتج الأخير». وهو داوم تمثيل النوع البوليسي طوال الثمانينات فظهر في «حرارة» و«استأجر شرطياً« و«مالوني»
بعد ذلك تراجع من الصف الأول إلى الثاني في غالبية أعماله حتى اليوم ولو أنه لم ينقطع عن العمل. لم يعد معروفاً بين جمهور السينمائيين والأفلام لا تبيع التذاكر بسبب إسمه. رينولدز تمنى على كلينت ايستوود، وهو في عز نجاحه، أن يمثلا فيلماً مشتركاً فكانت النتيجة بطولتهما لفيلم «حرارة المدينة» سنة 1984. للأسف، فإن الفيلم تحت إدارة مخرج فاشل هو رتشارد بنجامين، كان أسوأ ما مثّـله كل من ايستوود ورينولدز في مهنتهما.
أواخر الثمانينات كانت بداية مأزق رينولدز مع جمهوره. على عكس ايستوود، لم يكرر العمل مخرجاً أو خطط لكي يقلل من ظهوره ممثلاً ويكثر من أفلامه وراء الكاميرا، بل استمر في التمثيل بغزارة في الوقت الذي كان الصف الأمامي إنتقل إلى عهدة ممثلين آخرين أمثال توم كروز، إيدي مورفي، توم هانكس، بروس ويليس، أرنولد شوارتزنيغر ومل غيبسون. 
فيلمه الجديد «ليس فيلم آخر عن ليس فيلم آخر» لن يُـنقذ وضعه حتى ولو قام ببطولته، لكنه بالتأكيد يذكّـر بنجم أفل سبقه إليها كثيرون غيره.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2012
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system