أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Dec 16, 2012

الغرب السينمائي يغزو العالم العربي | نادين خان: هرج ومرج | خيري بشارة: "موندوغ"


YEAR 6 | ISSUE 772
يوميات مهرجان دبي السينمائي الدولي  5
الغرب السينمائي يغزو العالم العربي برضاه
برلين تلغرام

في أحد ضواحي مدينة باريس هناك ستديو تاريخي أسمه "باثي/ ألباتروس". تدخله فتجد فيه مكاتب لبضعة منتجين فرنسيين منكبّين على العمل. أحد هؤلاء بالمير بدنييه وهي اليوم أحد أكثر المنتجين العاملين في السينما الفرنسية إهتماماً بالإنتاجات العربية.
يذكّـرنا بالمنتج الراحل أومبير بالسان الذي دعم عدداً ملحوظاً من المخرجين اللبنانيين والمصريين في التسعينات ثم انتحر لأسباب مادية أو مجهولة قبل بضع سنوات. المنتجة هي زوجة المخرج الفلسطيني رعد أندوني قابلته حين كان يصوّر فيلما بعنوان Fix ME (كما يُـكتب العنوان بالإنكليزية). الآن المخرج يستعد لتصوير فيلمه الثاني بينهما وهو «صيد الأشباح» وللغاية سيبني مقر إعتقال واستجواب إسرائيلي في مكان ما في الضفّـة الغربية.
حسب تحقيق لمجلة «سكرين» فإن بالمير باتت مقصداً لسينمائيين عرب آخرين يبحثون عن التمويل الذي هو اليوم له أكثر من وسيلة وباب لكنها جميعاً كان عليها -وقد كانت يوماً كذلك- أن تكون إستثنائية.
للإيضاح، لدينا أرضية إنتاج من المفترض أن تكون كافية: منتجون وممولون وموزّعون محلّيون من أكثر من دولة عربية هم الأهل لتوفير التمويل المطلوب للأفلام وتأمين تحقيق أحلام مخرجيها. المخرج يقابله المنتج وكلاهما عماد العمل في أي صناعة حقيقية قائمة (فرنسية، بريطانية، دنماركية، إيطالية، هندية، أسبانية إلخ…). وهذا المنوال كان سائداً ولسنوات. لكن مع عواصف المتغيّرات التكنولوجية والأزمات السياسية والإقتصادية جفت معظم الآبار وبات الإستثناء هو السائد. 
هذا الإستثناء هو أن يدخل في صميم الإنتاج سينمائيون أجانب. طبعاً الحال ليس جديداً، لكن ما هو جديد تضاؤل كم المنتج داخل البلد من قِـبل منتجين محليين وارتفاع نسبة الإعتماد على مصدرين يعملان أيضاً كمصدر كبير واحد: صناديق الدعم العربية التي تم تأسيسها في دبي وأبوظبي والدوحة والمنتجون الأجانب.

آبار قديمة وأخرى جديدة
هذا العام نلحظ وجوداً فرنسياً كثيفاً في العديد من الأفلام المشتركة رسمياً في الدورة التاسعة من مهرجان دبي السينمائي. وإذا ما أخذنا أفلام مسابقة المهر الروائية والتسجيلية نموذجاً نجد أن   فيلماً تم تمويلها (على نحو جزئي غالباً) من قبل شركات فرنسية. هذا يشمل «برلين تلغرام» للعراقية ليلى البياتي (الذي هو في الواقع إنتاج ألماني/ فرنسي/ بلجيكي) و«أخي» للمغربي كمال الماحوطي (فرنسي/ مغربي) و"نسمة الليل" للتونسي حُـميدة الباهي (تونسي/ فرنسي/ إماراتي) و«موسم حصاد» لنسيم أمعوش وميس دروزة (فرنسا/ الإمارات/ فلسطين) و«غزة تنادي» و«رسائل من الكويت» لكريم غوري (فرنسا/ الكويت/ الإمارات). فإذا أضفنا مجموعة أخرى من الأفلام التي تتداخل فيها الجهات الأجنبية المنتجة (سويسرا، الولايات المتحدة، بلجيكا، ألمانيا) فإن العدد يقترب من أن يكون غالباً على عدد الأفلام المنتجة من داخل البلد ومعظمها لبناني أو مصري.
هذا وحده يعكس واقعاً من ناحية هو إيجابي ومن ناحية أخرى يحمل نقصاً. الأولى أن مهرجانات السينما العربية باتت وسيلة جذب للمخرجين الجيّدين الطامحين وعنصر جذب للشركات الأجنبية التي تتوخّـى ضمانات من السوق المحلية قبل أن توافق على إبرام الإتفاقات مع العلم أن ليس كل الشركات الأجنبية تشترط أن ينال الفيلم العربي دعماً من مهرجان خليجي، لكنها جميعاً ترحّـب أن تكون هذه المشاريع مدعومة.
الناحية الأخرى هي إنعكاس لواقع نضبت فيه آبار التمويل العربي التقليدي نظراً لعدم قدرة المنتجين العاملين الإعتماد على إيرادات السوق، وبل على السوق ذاته بوجود الإختيارات اللاهية العديدة من إنترنت وأسطوانات ووسائط يتم إستنباطها اليوم بسرعة قياسية.
في المقابل، هناك عدد متزايد من المنتجين الذين يوجّـهون اهتمامهم اليوم صوب العالم العربي. يدركون أن ما يحدث في هذا الجزء من العالم مهم وقد يفجّـر مواهب جديدة أو يحفّـز بعض القديمة للعمل. والأهم أنهم يجدون في صناديق الدعم في بعض المهرجانات العربية حافزاً للإستفادة قدر الإمكان وبصورة منطقية ومقبولة من كل الأطراف. لجانب السيدة بدنييه هناك السويسرية فرنسين لوسير والألمانية جوانا تيشمان. بناءاً على ذلك نجد أن الصياغة التمويلية باتت ممكنة بين أطراف عربية (مثل "دبي فيلم كونكشن") وبين جهات أوروبية وبل تتطوّر على نحو ملحوظ منذ عامين. هذه الصياغة، أو الحياكة بالأحرى، هي ما ساعدت على إنجاز فيلم «وجدة» للسعودية هيفاء المنصور (داخل المسابقة هنا) و«نوستالجيا» لزيد زبو حمدان كما «بيروت أحبّك» لزينا الخليل.
وللمرة الأولى نجد لاعباً إضافياً على هذه الساحة متمثّـل بمؤسسة «ييرو إيماج» التابعة لصندوق دعم الإتحاد الأوروبي، الذي كان لحين قريب جدّاً مهتم بدعم الإنتاجات الأوروبية وحدها أما الآن فهو منفتح على مشاريع لمخرجين غير أوروبيين.
كل ذلك عليه أن يساعد السينمائيين العرب على إجادة هذه اللغة العالمية القصوى، وهي لغة الفيلم. التعبير عن ذواتهم ودوخلهم بالطريقة الفنية الصحيحة، ومعظم ما هو معروض هنا في دبي حتى الحين ناضج وجيّـد ما ينعكس إيجاباً على هذا المهرجان الذي لا يزال، والأرجح أنه سيبقى، الأول عربياً.

  
 فيلمان مصريان من عالمين واحد يُصيب وآخر يُخيب
 محمد رُضا

هرج ومرج

السينما المصرية في المسابقة ممثلة بثلاثة أفلام هي «الشتا اللي فات» لإبراهيم البطوط الذي عرضناه حين شاهدناه في مهرجان "فينيسيا" و«موندوغ» لخيري بشارة و«هرج ومرج» لنادين خان، وهذان لم يسبق لهما العرض في أي مكان.
ما هو لافت أن الأحداث التي تمر بها مصر تدفع بسينمائييها إلى محاولات شتّى بهدف التعبير ذاتياً أو إجتماعياً عنها. ففيلم البطوط «الشتا اللي فات» يجمع بين ما هو ذاتي في رؤيته بما هو عام في محيط تلك الرؤيا حول الوضع الذي كان سائداً متوقّـفاً عند نهاية الفصل الأول منه (على إعتبار أننا لا زلنا نتابع أحداث الفصل الثاني حالياً). وفي حين يغرف «هرج ومرج» من الواقع المصري معينه وصلب حكايته، يتحاشى، وبنجاح، عن تحديد الإطار الزمني فلا الأحداث تقع في عصر مبارك ولا في الفترة الحالية، ولا في أي عصر آخر محدد في الواقع. أما «موندوغ» فينفرد بعيداً بنفسه عن كل شيء وإن يبقى مهموماً بعلاقة غير مرتاحة بين مخرجه، كمسيحي قبطي وبين مصر التي يحبّـها ولو أن سيجرّب العيش بعيداً عنها تبعاً لمسارات هذا الفيلم.
خيري بشارة، لمن لا يعرفه، من بين أفضل مخرجي جيله في الثمانينات، هو ومحمد خان والراحلين عاطف الطيب رضوان الكاشف وداوود عبدالسيد حفروا للسينما المصرية منهجاً جديداً وواعداً. في التسعينات كان بعضهم لا يزال يعمل على نحو شبه متواصل، وفي العقد الأول من هذا القرن توقّف الجميع (بإستثناء رضوان الكاشف الذي توفّـي باكراً) على نحو وشبه متواصل أيضاً.
خيري بشارة من بين الذين استمروا في العمل في التسعينات فحقق «حرب الفراولة» و«أمريكا شيكا بيكا» و«ايس كريم في جليم»، ثم مال للعمل التلفزيوني من العام 2003 وانشغل به منذ ذلك الحين إلى أن قرر العودة عبر فيلمه الجديد «موندوغ».
وهو كان دائماً يملك أفكاراً شبه سوريالية. لفتات خاصّـة ذات لُـبنة غرائبية. لكنه في فيلم عودته يبني الفيلم كلّـه على هذه اللـبنـة. يكفي كبداية أن نعلم أن الفيلم يدور حول مخرج تحوّل إلى كلب!… ليس أي مخرج بل خيري بشارة نفسه.
إذ تم تقديم الفيلم بكلمة "عظيم" وإداءات ممثليه بأنها "عبقرية"، فإن الواقع أن العمل هو أبعد عن أن يكون على هذا النحو. إنه فيلم بالغ التميّز بفكرته وبجوانب معيّنة من تنفيذه، بل لا ريب أنه لا يشبه أي فيلم آخر تم إنتاجه في سينمات العرب، لكن كل هذا لا يجعله بالضرورة فيلماً عظيماً، ولا حتى جيّداً للأسف.
البداية حول خيري بشارة وزوجته وإبنه وبعض أفراد الأسرة في مشاهد تسجيلية. تعريف بالعائلة ومرور سريع على تاريخ بشارة مخرجاً وحول عائلته وكيف التقى بزوجته (الفعلية) ثم يدلف إلى قرارهما دخول تجربة جديدة في حياتهما وهي العيش في الولايات المتحدة. كل ذلك قبل تغيير منوال العرض من تسجيلي إلى روائي من دون دراما. المقصود بذلك هو أن المشاهد التي كانت عولجت تسجيلياً (أو وثائقياً كما يفضّـل البعض) توقّفت وتم الإستعاضة عنها بمعالجة روائية لكنها، وعن قصد، ليست في وارد تفعيل حكاية درامية (أو كوميدية) مؤلّفة من فصول العمل التقليدي.
هنا يختفي المخرج من الصورة ويتم تقديم إبنه ليحل مكانه. الفكرة هي أن خيري بشارة اختفى عن البيت والعائلة على حين غرّة. قام المخرج بتصوير مشاهد لزوجته وإبنه وهما يزوران معالم نيويورك وبعض حدائقها، كما في نقاشاتهما داخل المنزل الذي يعيشان فيه، قبل أن يكشف الفيلم عن أن مخرجه مختف. الإبن يبحث عنه سريعاً ويلتقي بفتاة تعيش في مبنى وجارها هو تاجر مخدرات. وهي تؤكد أن والد الشاب زارها وأنه طلب النوم على الكنبة في الصالون: "لن تصدّق ذلك… في الصباح استيقظت ونظرت إلى حيث نام لأجد وقد تحوّل إلى كلب".
ها هو الكلب… حيوان أسود كبير الحجم ينتقل من مالك إلى مالك. يلجأ إلى مغني بلوز يفترش الأرض وهذا يبيعه إلى إمرأة بيضاء (لابد من الكلمة لأن الفيلم مبني على العرقيات) التي تعرف تاجر المخدرات بحكم أنها مدمنة. الكلب يعود إلى المغني. تاجر المخدرات يشتريه. يعود بعد ذلك مرّة أخرى إلى المغني وبين كل مالك وآخر هناك الكثير من المشاهد التي يتابع الفيلم فيها الكلب في تنقلاته في الشوارع والحدائق. يركض من مكان لآخر. يتابع الكلاب الأخرى ويشترك في اللعب معها أحياناً، أو يسير على غير هدى في أحيان أخرى. ولمعظم الوقت نتابع تعليقاً صوتياً يراد منه نقل ما يفكّـر الكلب به بصوت عال. إنه لسان حال الكلب.
بالعودة إلى الشخصيات الآدمية فإن ما يتماثل لا يقصد به تشكيل عناصر للحكاية. صحيح أن هناك مشاعر نابضة بين بعض الشخصيات وأخرى، لكن لا شيء من هذه المشاعر يستطيع أن يتبلور من ذاتية الممثل إلى مستوى التعبير عنه. ما نمضي نحو ساعتين وثلث الساعة معه هي حياة كلب ومحيطه القريب من البشر. 
هذا هو فيلم ذاتي. إذا صدّقـنا جديّـة المخرج فإنه يتحدّث عن نفسه كما لو كان كلباً، بل هو يصف نفسه على هذا الوضع ولغاية يمكن تفسيرها بالعاطفية فهو يجد أن الكلاب أكثر وفاءاً من البشر وأنهم حين يحبّون يخلصون في حبّـهم. لكن الغالب والأبعد منالاً على التفسير هو الجانب النفسي. طوال الفيلم نرى الكلب يجر وراءه الحزام الذي يربطه. باقي الكلاب لا أحزمة لها. هل يعكس ذلك شعور المخرج بأنه أمضى حياته رهينة مسؤولياته تجاه الآخرين؟ هل الحزام رمز لوضع يجد المخرج فيه نفسه مطالباً بالإمتثال لقوانين وأعراف إجتماعية وسياسية؟ هذا مرجّـح ويستحق التسجيل إذا ما كان القصد هو هذا النحو. إما إذا لم يكن ذلك مقصوداً، فإن مشاهدة الكلب يركض بحزامه في كل الإتجاهات لا تعد أكثر من مجرّد تكرار.
هناك فكرة كان يمكن لها أن تشكّـل واحداً من فيلمين: عمل مدروس بعناية يحتوي على قصّـة فعلية ولو كانت خيالية، والآخر فيلم كوميدي من إنتاج وولت ديزني حول الرجل الذي انقلب كلباً. لكن الفيلم يشق طريقاً ثالثاً: إذ هو مناف تماماً لكل إمكانية تجارية، الا أنه لا ينجز المستوى الفني الكامل. ما كان بحاجة إليه هو إلغاء المشاهد التسجيلية التي شغلت نصف الساعة الأولى وربع الساعة الأخيرة وكتابة نص جديد يبحث في إطار هذه الفكرة غير المطروقة.

مكان وزمان
عُرض هذا الفيلم كإشتراك مصري في المسابقة وهذا هو شأن فيلم نادين خان الأول «هرج ومرج»
نادين هي إبنة محمد خان من الجيل الذي ينتمي إليه خيري بشارة. والمرء أمام تجارب لمخرجين هم أبناء مخرجين سابقين، يجد نفسه أمام توقّـعات متعددة. هناك أن يبز الإبن (أو الإبنة) أباه، واحتمال أن يأتي عمل الإبن أوهن وأضعف من عمل أبيه، أو أن يختلف عنه في أوجه كثيرة.
نادين تختلف أكثر مما تلتقي وتنجز فيلماً ربما ليس بجودة "أحلام هند وكاميليا" أو "زوجة رجل مهم" لأبيها، لكنه يوازيهما تجديداً في الرؤية إلى الوضع الماثل.
تستخدم نادين السينما الروائية مضغوطة في نحو 80 دقيقة تستعرض أحداثاً تقع في سبعة أيام: فجر الإثنين، صباح الثلاثاء، ظهر الأربعاء، مساء الخميس، ليل الجمعة، ثم فجر الأحد. وتلم شمل أحداثها وشخصياتها في حارة غير مسمّـاة (بناها الفيلم كديكور). الحكاية بسيطة، لكن مدلولاتها كبيرة: الحارة. رجلان شابّـان يعادي كل منهما الآخر راغباً بالفوز بحب فتاة معيّنة في الحارة. الفتاة هي إبنة "كبير الحارة" الذي يخشى على فضيحته بعدما مارس الغرام مع زوجة أحد جيرانه وصوّرها بهاتفه الذي تمّـت سرقته. هناك مباراة كرة قدم بين الشابّـين وجائزتها فوز المنتصر بيد الفتاة. 
إنها القاهرة. أو مصر. أو ربما رقعة في بلد عربي آخر بصرف النظر عن اللهجة. المهم هو أن هناك هذا النموذج لمجتمع ما يرزح تحت قدره من الفقر الرهيب تمزّقـه شخصيات تعيش واقعها من دون قدرة على التغيير. متعاملة مع يومياتها كما لو أن المكان والزمان المحدودين هما حدود سجن قائم. المخرجة تقول أن هذا الفيلم هو فانتازيا داكنة. الأحرى أنه عمل سوريالي من نوع صعب، فهو من حيث بيئته بالغ الواقعية ومن حيث معالجته يدعو للدهشة على الرغم من أن شخصياته لا تقوم بما هو خارج المتوقّـع وليس من أحداثه ما هو شاطح نحو وضع غرائبي. ما هو مدهش فيه هو بناءه المزدوج هذا: كيف تحفر عميقاً في واقع، وشفافياً في أبعاده المختلفة. 
هناك صوت مذيع لا نراه ينقل لأهل الحارة ما يحدث معهم. يُـعلن، مثلاً، عن وصول شاحنة الماء تارة وعن وصول شاحنة الغاز تارّة، وينقل أخبار الحي وما يحدث فيه على غرار ما فعل الأميركي سبايك لي في «حمى الغابة» من قبل. لكن هذا التلاقي في الأفكار قد يكون صدفياً إذ لا يوجد ما هو إستيحاء محدد لا من سينما لي ولا من سينما سواه. حتى سينما محمد خان لا علاقة لها هنا بممارسة إبنته. الأصح قوله هو أنها بقيت في الإطار الواقعي ذاته لكنها طرحت فيه زاوية جديدة مختلفة تماماً.



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2012
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system