Nov 30, 2012

قضية "العاشق" لعبداللطيف عبد الحميد | هل سرق تشابلن أفكاراً من ألان رنيه وكيف؟ | مهرجان الدوحة | بين فيلمين: "فالكيري" و"المجند رايان" | الإختفاء الغامض لبرينس


YEAR 6 | ISSUE 766


  محتويات العدد 766   

وجهة نظر | كمال رمزي يرى في قرار مهرجان القاهرة سحب فيلم عبداللطيف عبدالحميد تعسّـفاً لا يستحقه المخرج عبداللطيف عبد الحميد أو تاريخه. 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملف مغلق| تحقيق في قضيّـة إختلف عليها مؤرخون ونقاد: هل ضمّـن تشارلي تشابلن فيلمه «أزمنة معاصرة» مشاهد مسروقة من «الحرية لنا» لرينيه كلير؟ هناك أدلّة وإلتباس بهوية الشركة التي رفعت الدعوى على تشابلن وحيثيات أخرى | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مهرجانات| هوڤيك حبشيان يجد في الدورة الجديدة لمهرجان "الدوحة" خطوة ممتازة على الطريق الصحيح ويرمي نظرة شاملة على نشاطاته وبعض أعماله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إستعادات | يكتب الزميل مهند النابلسي عن فيلمين يراهما متّصلين لأكثر من سبب «إنقاذ المجند رايان» لستيفن سبيلبيرغ و«فالكيري» لبرايان سينجر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نهايات | نعرف الكثير عن حياة السينمائيين الكبار في مختلف المجالات… لكن هل نعرف كيف انتهوا؟ | الحلقة الأولى: لويس لو برينس.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وجهة نظر | كمال رمزي

العاشق مضطهداً
http://www.charliechaplin.com/en/biography/articles/6-modern-times

لم أصدق الأخبار القائلة إن مهرجان القاهرة السينمائى استبعد فيلم «العاشق» للسورى عبداللطيف عبدالحميد من المشاركة فى التسابق.. سببان، عندى، لعدم التصديق، أولهما يرجع لما أعرفه، عن ماريان خورى، المدير الفنى للمهرجان، من نزاهة وجدية وشجاعة، فضلا عن قدراتها التنظيمية، التى تأكدت، المرة تلو المرة، فى «بانوراما الأفلام الأوروبية»، التى تقدمها عاما بعد عام، بنجاح يكاد يحولها إلى مهرجان محترم، ثقافى بامتياز، يبتعد تماما عن بروبجندا المهرجانات الصاخبة.. ماريان، خريجة مدرسة يوسف شاهين، من الصعب الاقتناع أنها صاحبة قرار رفض «العاشق».


أما السبب الثانى، وهو الأهم، فإنه يتعلق بالفيلم ومبدعه، كاتبه ومخرجه، عبدالطيف عبدالحميد، صاحب البصمة المرموقة، على خارطة السينما العربية عموما، والسورية على نحو خاص. أفلامه تتجاوز العشرة، تدافع عن نفسها بنفسها، لا يمكن أن تخطئها حتى لو لم يكتب اسم عبداللطيف عليها، ذلك أنه فنان صاحب رؤية، فكريا وفنيا، عناصرها الجوهرية تنساب فى الأعماق، من فيلم لآخر.. فمنذ فيلمه الأول، الرقيق، الجارح «ليالى ابن آوى» 1989، يعبر عن هموم تمس المواطن العربى، داخل وخارج سوريا، فثمة أسرة تعيش على زراعة الطماطم، تكاد تكون معزولة عن العالم، يسيطر عليها الأب الخائب، العصبى المزاج، بأداء خلاب من الموهوب أسعد فضة ــ سيطالعنا فى أفلام تالية ــ هو الآمر الناهى، الفاشل فى ذات الوقت، الذى لا يعرف كيف يبعد الثعالب التى تلتهم وتفسد حقله.. لكن الفيلم أكبر من أن يكون مجرد احتجاج ضد النظام الأبوى، فهزيمة 67 التى تداهم الأسرة، تعطى معنى سياسيا أعمق، فالنظام الذى يهيمن عليه شخص واحد، لابد أن ينتهى بكارثة.

تتوالى أفلام عبداللطيف، الكثير من مشاهدها لا يبهت فى الذاكرة.. فى «قمران وزيتونة» 2001. أى طفلان وصبية، يعيشون حياة ضنينة فى قرية منسية بالريف، وبينما الأب مصاب وقعيد إثر إصابته فى الحرب ضد إسرائيل، تمارس الأم قمع أبنائها، الذين يقع عليهم قمعا أشد، من مدير المدرسة الفظ ــ أسعد فضة أيضا ــ وتحت المطر، وعقاب الصبية، عليهم تحية العلم والهتاف بينما الدموع تسيل من مآقيهم.

  جهاز «الراديو»، يلعب دورا مهما فى «ليالى ابن آوى» ويشغل حيزا أوسع فى «ما يطلبه المستمعون» 2003، الذى يمس شغاف القلب، خاصة فيما يتعلق بقصة الحب الرقيقة بين شاب وفتاة، فى القرية النائية، ويغدو أمله، الذى تعرفه هى وتتمناه، أن يذكر اسمه واسمها، فى برنامج «ما يطلبه المستمعون»، حيث يهديها أغنية لفيروز.. لكن الشاب يغادر الدنيا شهيدا، إثر غارة إسرائيلية على موقعه العسكرى.. وفى مشهد مهيب، لا ينسى، يعتمد على مفارقة إنسانية مبللة بالشجن، يأتى موكب الشهيد، محمولا على الأعناق، ملفوفا بالعلم، بينما صوت فيروز يتهادى، بالأغنية المهداة للحبيبة.

فى سينما عبداللطيف عبدالحميد، ستجد شيئا من النبل، وشيئا من الاحتجاج، وشيئا من الحزن، وشيئا من الأمل، وقبل وبعد هذا كله، ستجد المواطن العربى، أنت وأنا وهو وغيرنا.. سامح الله من منع «العاشق» عنا.

ملف مغلق  | محمّـد رُضــا                     

قضية رنيه كلير ضد تشارلي تشابلن
هل "أزمنة معاصرة" ملطوش؟
أزمنة معاصرة: تشابلن في المصنع
"أصبح الفيلم ضحية قضية إنتحال غريبة. شركة فرنسية- ألمانية بإسم "توبيس" إدّعت بأن تشابلن سرق أفكاراً ومشاهد من فيلم كلاسيكي آخر عن العالم الصناعي في القرن العشرين هو "الحرية لنا" إخراج رنيه كلير. القضية كانت ضعيفة وكلير، وهو معجب كبير بتشابلن، شعر بالحرج الشديد بسببها. رغم ذلك، توبيس واصلت وجددت القضية في أيار/ مايو 1947 بعد الحرب العالمية الثانية. في ذلك الحين قرر ستديو شابلن الموافقة على مبلغ متواضع فقط ليتخلّـص من هذا العبث. شابلن ومحاموه اقتنعوا أن تصميم الشركة ذات الغالبية الألمانية (على القضية) كانت بسبب الإيعاز المعادي للنازية الذي ورد في فيلم (شابلن) «الدكتاتور العظيم»".
ما سبق ترجمة، بإستثناء ما ورد بين قوسين في هذا التصريح، لما ذكره موقع يحمل إسم تشارلي تشابلن على صفحة http://www.charliechaplin.com/en/biography/articles/6-modern-times 
وفيه دفاع واضح عن مسألة احتمال أن الكوميدي الأميركي الأشهر قام بانتحال (أو سرقة أو إقتباس) مشاهد وأفكار من فيلم «الحرية لنا» الذي حققه رنيه كلير سنة 1931 مودعاً إياها في فيلم «أزمنة معاصرة» الذي حققه تشابلن سنة 1936.
الكلمات المهمّـة في هذا التصريح هي:
توبيس/ "الدكتاتور العظيم"/ رنيه كلير/ تشارلي تشابلن/  وقضية الإنتحال ذاتها أو بكلمات أخرى: هل استوحى/ إقتبس/ نقل/ سرق/ إنتحل/ لطش تشابلن من رنيه كلير أو لم يفعل.
توباس | شركة لإنتاج وتوزيع الأفلام تأسست مطلع الثلاثينات في برلين ووزّعت أفلاماً من سنة 1930 وأنتجت أفلاماً من سنة 1932. توقّفت عن الإنتاج سنة 1946. عدد الأفلام الموزّعة والمنتجة يبلغ على الأقل 67 فيلم من بينها «الحرية لنا» الذي انتجته ووزّعته في عامها الثاني (كان واحداً من ثلاثة أفلام انتجتها في ذلك العام)
علاقة "توباس" بالمخرج الفرنسي رنيه كلير تستحق التسجيل: «الحرية لنا» كان الفيلم الروائي الطويل الثامن للمخرج كلير والثالث الذي قامت الشركة المذكورة بإنتاجه له من بعد «تحت سقف باريس» (1930) و«المليون» (1931). وفّرت الشركة أيضاً المعدات وأجهزة التسجيل الصوتية لفيلم لوي بونييل «عصر الذهب» (1930) والفيلم الكلاسيكي «بوليش» للمخرج آبل غانس. في الحقيقة كل ما أنجته ووزّعته "توبيس" من أفلام هي  فرنسية حتى عام توقّـفها ولمخرجين عديدين آخرين من بينهم جوليان دوفيير وكرستيان- جاك وجان-بول بولان ومارك إليغريه وأندريه كايات. وما أريد الوصول إليه هو أن الإدعاء بأن شركة "توبيس" كانت "ذات غالبية ألمانية"، كما ورد في النص أعلاه،  ليس صحيحاً. 
لكن الصحيح هو أن هناك شركة ألمانية أخرى بإسم «توبيس» أيضاً. تم إنشاؤها سنة 1931 (أيضاً) وأنجزت نحو عشرين فيلم كلها ألمانية.

الدكتاتور العظيم إذ أقول ذلك، هناك إحتمال أن تكون الشركتين هي واحدة وأن غالبية رؤوس الأموال في الشركة الفرنسية كانت ألمانية- وهذا مجرد إحتمال، لكن ما يناقضه حقيقة أن الشركة الألمانية تحت إسم Tobis Film لم تنتج أو توزّع أي فيلم فرنسي، بل قامت بإنتاج ما بين 20 إلى 25 فيلم قصير وطويل كل مخرجيها ألمان. وبعض هؤلاء المخرجين، مثل رودو ريتر، تشارلز كلاين، كيرت هوفمن كانوا يهوداً وصولاً إلى مطلع الحرب العالمية الثانية، فعلى أي أساس استندت شركة تشارلي تشابلن في قولها أن المعتقد هو أن الإيعاز بمواصلة شركة "توبيس" دعوتها على تشابلن بالإنتحال أو السرقة كان بإيعاز من كون فيلم تشابلن «الدكتاتور العظيم» (الذي تم تحقيقه سنة 1940) كان معادياً للنازية؟ يُضاف إلى ذلك ما ذكرته سابقاً من أن الشركة التي لابد أنها أدّعت كانت الشركة التي انتجت فيلم «الحريّة لنا» وهي الشركة الفرنسية.
فوق كل ما سبق، إذا ذهبت إلى "ويكيبيديا" تجد أن إسم الشركة التي أنتجت الفيلم هو "توبيس-تونبيلد سيندكات". تبحث عن أفلامها في IMDP فلا تجد لها فيلماً واحداً. فما هي؟ 
ليس لدي جواب على ذلك، لكن هناك "توبيس" واحدة رفعت دعوة (أو هددت على الأقل برفع دعوة) وأقدر تقديراً بعيداً أنها الفرنسية. حقيقة تسخيف الموقع الناطق بإسم تشارلي تشابلن للموضوع يعزز الشكوك، كذلك القول أن المبلغ المدفوع كان قليلاً. الحقيقة هي أن ستديو تشابلن لم يرد الدخول إلى المحاكم.
الحرية لنا لرنيه كلير

مقارنة | في الأساس تختلف القصتان: 
«أزمنة معاصرة» عن عامل في مصنع يطرد منه بعدما فقد عقله خلال العمل. يتم إدخاله إلى المصحّة ويجد نفسه، بعد الإفراج عنه بلا عمل. يلتقط علماً أحمر سقط من شاحنة (يوضع العلم لتحذير السيارات الأخرى) ويحاول تنبيه السائق بما حدث ملوّحـاً بالعلم في الوقت التي تحيط به مظاهرة عمالية فيبدو الأمر كما لو كان يقودها. يُلـقى القبض عليه واتهامه بأنه قائد شيوعي. بعد حين يتم الإفراج عنه بعدما كشف محاولة بعض المساجين للهرب. في الشارع من جديد يلتقي بفتـاة شابّـة (بوليت غودارد) التي تسرق رغيف خبز فيلقي رجل بوليس القبض عليها. لكن تشارلو يخلّصها ويرتبطان بصداقة عاطفية. يجد عملاً في متجر كبير. بعد الدوام يؤديان رقصة في المتجر على عجلات تزلّـج. بعد ذلك تجد عملاً في مطعم وتطلب من صاحبه تشغيل تشارلو في المطعم الكبير والمكتظ الذي يعمل فيه ويقبل. لكن تشارلو يتسبب في هرج وفوضى كبيرة تؤدي به إلى الطرد. 
«الحرية لنا» يبدأ في السجن. سجينان صديقان إميل (هنري مارشان) ولوي (رايموند كوردي) يسعيان للهرب من السجن. يكتشف أمرهما فيساعد إميل صديقه على الهرب قبل أن يقبض عليه البوليس. لوي يشق حياة جديدة كبائع أدوات فونوغراف موسيقية، ثم يرتقي فيصبح بوّاباً في مصنع ثم- وفي نقلة زمنية سريعة أخرى- يصبح مالك المصنع. بعد حين يتم إخلاء سبيل إميل الذي يقع في حب فتاة تعمل في ذلك المصنع أسمها جين (رولا فرانس) حيث يتم إلحاق إميل فيه. هناك يكتشف إميل أن زميل السجن هو صاحبه. في البداية يخشى لوي أن الفضيحة لكنه سريعاً ما يتخلّى عن حذره ويبادر إميل الصداقة من جديد وحين تهرب زوجة لوي مع عشيقها يفرح لذلك مقدّراً الحريّـة التي أخذ يعيد إكتسابها. عصابة من الأشقياء تهدد لوي بفضحه وذلك بغية إبتزازه ويكتشف البوليس حقيقته. لكن لوي كان قرر تمليك العمال المصنع والهرب مع صديقه إميل إلى حياة حرّة خالية من تقاليد الحياة المادية.
حقيقة أن القصّـتين مختلفتين (كل مخرج كتب السيناريو بنفسه) لا يعني أنهما لا يشتركان في الأفكار التي يتداولها كل فيلم:
موقف رافض لحركة الصناعة الرأسمالية.
ينظران إلى العمال على أساس أنهم ضحايا للمجتمع المرفّه.
يقدمان شخصيات متجانسة: تشارلو مع الفتاة من طبقة واحدة. إميل ولويس من طبقة واحدة ومستقبل كل ثنائي في تلك الصداقة.
الفيلمان يتعاملان مع تقلّـص الحرية الفردية وتحوّله إلى آلة.
كلاهما يتقصّـدان تصوير النظام على نحو بوليسي قامع. 
لكن هذه الأفكار مشاعة وقد تتبنّاها في قصّـص مختلفة أفلام كثيرة. ما يؤكد أو ينفي إقتباس فيلم أحداثه عن فيلم آخر هو مشاهد بعينها وهنا ما يكفي لتعزيز إحتمال أن يكون تشابلن "إستلهم" فيلمه من فيلم رنيه كلير المشاهد الثابتة التالية:

1 «الحريّة لنا»: جزء من الأحداث تقع في مصنع يُـعامل عمّـاله كقطيع.
- «أزمنة معاصرة»: جزء من الأحداث تقع في مصنع يُـعامل عماله كقطيع.

2 «الحرية لنا»: إميل ورفاقه في المصنع يعملون على تركيب أجهزة تمر أمام كل منهم بطريقة آلية. على كل عامل أن يؤدي عمله على ذلك الجهاز حال مرور الجهاز أمامه وإلا عرقل السير الآلي للعمل.
- «أزمنة معاصرة»: شارلو ورفاقه في المصنع يعملون على تركيب أجهزة تمر أمام كل منهم بطريقة آلية. على كل عامل أن يؤدي عمله على ذلك الجهاز حال مرور الجهاز أمامه وإلا عرقل السير الآلي للعمل.
الحرية لنا: لحظة الإكتظاظ

3 «الحرية لنا»: يتأخّـر إميل عن مواكبة عمله ما ينتج عنه تراكم الأجهزة التي لم يستطع الشغل عليها.
- «أزمنة معاصرة»: يتأخر تشارلو عن مواكبة عمله ما ينتج عنه تراكم الأجهزة التي لم يستطع الشغل عليها. 
أزمنة معاصرة: ترتيب المشهد نفسه يليه إكتظاظ مماثل

4 «الحرية لنا»: يؤدي ذلك إلى فوضى في نظام العمل يتدخل المشرف للحد منه.
- «أزمنة معاصرة»: يؤدي ذلك إلى فوضى في نظام العمل يتدخل المشرف للحد منه.

5 «الحرية لنا»: خلال هذا الفصل من المشاهد تقوم الشركة بإطعام العمّـال عبر صحون متحرّكة وهم في أماكنهم توفيراً للوقت.
- «أزمنة معاصرة»: خلال هذا الفصل من المشاهد تحاول الشركة إطعام العمّـال عبر إبتكار آلة تُـطعم العامل المقيّد في مكانه توفيراً للوقت. 

6 «الحرية لنا»: مشهد البداية بان على جياد من الدمى يصنعها المساجين تتجه من اليمين إلى اليسار ثم ترتفع قليلاً وتمر على صانعيها وهم يعملون عليها. المفهوم هو النظام المتعسّف الذي يخلق أناساً يتم محو هويّاتهم الذاتية.
- «أزمنة معاصرة»: مشهد البداية مونتاج لمجاميع بشرية تعمل وتتحرك كقطعان الماشية. المفهوم هو النظام المتعسّف الذي يخلق أناساً يتم محو هويّاتهم الذاتية.

7 «الحرية لنا»: تصميم مناظر وديكور المكان (جدران كبيرة، أبواب ضخمة، شيء ولو يسير من عالم مستقبلي.
- «أزمنة معاصرة»: تصميم مناظر وديكور المكان (جدران كبيرة، أبواب ضخمة، شيء ولو يسير من عالم مستقبلي يُـضاف إليه هنا فكرة "الرئيس" يراقب من خلال شاشة "مونيتور" كبيرة.

هناك أيضاً اللقطة النهائية: إميل ولوي يمضيان على الطريق الطويل كذلك يفعل تشارلو وصديقته ولو أن تشابلن كثيراً ما أقدم على تصوير نفسه ماضياً على طريق مماثل منفرداً، عادة. 
الحرية لنا
الحكم | كون القصّـتان مختلفتان كما أوضحت، يجعل «أزمنة معاصرة» مختلف عن «الحريّـة لنا» في الحكاية ذاتها لكن "الثيمات" متشابهة كذلك الفصل الأهم في فيلم تشابلن مأخوذ عن ذلك الفصل من فيلم ألان رينيه ما يجعل نقل تشابلن عن رينيه واضح. 

أيهما أفضل؟ | • «الحرية لنا» يتعامل والسياسة على نحو أكثر تحليلاً للبنية الإجتماعية، بينما يتعامل معه تشابلن كمفارقات أو رسائل عابرة. فيلم رنيه كلير كوميديا غنائية (واحد من أول الأفلام الفرنسية الناطقة). فيلم تشابلن كوميديا ساخرة ذات ميل ميلودرامي مشكلة فيلم رينيه هي منتصف فوضوي. مشكلة فيلم تشابلن أنه مؤلّــف من فصول بالكاد مترابطة. حسنة «الحرية لنا» الأولى هي مضامينه المعالجة، إخراجياً، بإدراك فني كبير. حسنة «أزمنة معاصرة» التوقيت الكوميدي لتشابلن (آخر فيلم من بطولة شخصية تشارلو وآخر فيلم صامت أنجزه تشابلن) وانفصاله عن تلك المشاهد المتشابهة بحلول جيّدة (جنون تشارلو واعتدائه على رفاقه ثم دخول الآلة التي يمر عبر دواليبها في المشهد الشهير عند رينيه وليس عند تشابلن: في فيلم رينيه ينضوي الفرد في المجتمع. الرسالة بذلك أكثر نضجاً وشمولية بينما عند تشابلن تبقى فردية في معظم الوقت نظراً لظرورة بناء الفيلم على شخصية بطولية في الأساس. 


مهرجانات | هوڤيك حبشيان              

الراديكالية تنتصر في الدوحة 
التائب لمرزاق علواش
"بعد مهرجان أبو ظبي، لقاء سينمائي آخر في الخليج العربي، يخلع عنه الثوب القديم. هذا اللقاء ليس الا مهرجان الدوحة، الذي عُـقد في  العاصمة القطرية"



هناك أولاً رئيسٌ جديد، عبد العزيز الخاطر، الذي عُيِّن بعد اقالة اماندا بالمر، الأوسترالية التي لم تكن تحسن الخيارات دائماً. خبرتها في مجال صناعة المهرجانات كانت جد محدودة. بعد ثلاث دورات من توقيعها، بات هناك حاجة لتسليم المهام الى مسؤول آخر. هذا المسؤول هو الآن ابن البلاد، يعرف زواريبها جيداً، وإن لم تكن خبرته واسعة، ولكنه يتسم بالهدوء ويجيد الاستماع. التسليم والتسلم حصلا بزمن قياسي. كاد المهرجان يُلغى قبل أن يجري انقاذه سريعاً. التغيير الثاني تمثل في انتقاله من تشرين الأول الى الثاني. التصاقه زمنياً بمهرجان ابو ظبي، لم يكن دائماً في مصلحة مهرجان الدوحة. وها انه يتضارب، في توقيته الجديد، مع موعد آخر هو "ايام قرطاج السينمائية". لكن، لا بأس، لكلٍّ منهما قارته وأولوياته وضيوفه وطموحاته. هذا التوقيت الجديد لـ"الدوحة" يتيح له ان يوفر للقادمين من الخارج، ظروفاً مناخية افضل. على بُعد أسابيع من نهاية السنة، لا تعود الرطوبة عالية في الدوحة، فيصبح التنزه بين فيلم وآخر في أزقة سوق واقف، حيث تعقد بعض العروض، هواية ممتعةالتغيير الثالث شمل الضيوف. فهم أقل عدداً هذه السنة، قائمة الصحافيين المدعوين تقلصت، بسبب خفض الموازنة. هذه السنة، كانت "النهار" الوسيلة الاعلامية اللبنانية الوحيدة التي غطت الحدث. أما النفضة التي شهدها المهرجان في عهد رئيسه الجديد، فطاولت الأماكن الجديدة التي يُعقد فيها المهرجان، وتوزعت بين المتحف الاسلامي الجميل ومدينة كاتارا ومسرح الريان. لم تعد هناك عروض في المجمع التجاري، المكان الذي احتضن سابقاً معظم الأفلام. انه زمن التقشف في العالم أجمع، ولهذا التقشف في الدوحة فوائد لا نستطيع انكارها: لملمة كل ما كان فضفاضاً الى الآن، من الصور الفوتوغرافية المشغولة على عجل لبريجيت لاكومب التي كانت تحتل الجدران، الى بعض مظاهر البذخ غير الضرورية. اصحاب الشأن اقتنعوا ربما بأن هذه المظاهر لا تصنع مهرجاناً سينمائياً ذا شأن. ايضاً، في عداد التغييرات: جعل المهرجان ثمانية أيام بدلاً من ستة. أخيراً، القيت السجادة الحمراء هذه السنة في معلم شعبي، على احد مداخل سوق واقف، بين بائعي التحف والمتلذذين بنفخة أركيلة مسائية
لا يزال للمهرجان بعد دورته الرابعة رصيداً مهماً: روبرت دو نيرو. الممثل الأميركي الذي أسس "ترايبيكا"، وهو النسخة الأميركية الأصلية لهذا المهرجان، يحرص على الحضور الى الدوحة، عاماً بعد عام. هذا يعطي المهرجان صدقية معينة ويفتح أمامه الآفاق، وإن كان الاعتماد عليه سيُظهر عاجلاً ام آجلاً محدودية هذا الرهان. في هذا السياق، يجب الا ننسى ان "ترايبيكا"، ولد من حاجة لدى دو نيرو: 11 ايلول، مانهاتن، الارهاب، الصراع الكاريكاتوري بين الخير والشر. هذا كله دفع أشهر سائق نيويوركي في السينما الأميركية الى الرد على صوت الغريزة والغوغاء بصوت العقل والفنّ. لكن مهرجان الدوحة، في دوراته الاولى، أخذ لحم المهرجان الأميركي وتخلى عن عظامه، كونه لم يكن معنياً بالأهداف الثقافية والحضارية لـ"ترايبيكا" الأميركي. وها ان السينما تضعه أمام استحقاق جديد ظهر جلياً في ليل الافتتاح: عرض فيلم "الاصولي المتردد" لميرا نايير ("الأسد الذهب" عام 2001 عن "عرس موسم الريح")، الذي ينشغل بالتداعيات النفسية والثقافية الناتجة من الهجوم الارهابي على مركز التجارة العالمي في ايلول المشؤوم. بأسلوب حاد وقاسٍ، تروي نايير حكاية شاب باكستاني ينهار حلمه الأميركي مع انهيار البرجين. معنوياً، ربط فيلم نايير لحظتين مأسويتين يمر بهما العالم، واحدة باتت في ضمير الصورة (الشاشة) والثانية لا تزال ترسم ملامح العالم العربي والاسلامي. طبعاً، لوصول الفيلم الى هنا أسباب تتخطى الفنّ والأهداف السامية والمصادفات: فمؤسسة قطر للأفلام، راعية المهرجان ومنظمته، ضخت الأموال في الانتاج، وكان أول انتصار رمزي لها اختيار الفيلم لافتتاح مهرجان البندقية الأخير
93 فيلماً عُرضت في هذه الدورة، بين قصير وطويل، جديد وقديم، روائي ووثائقي. أحصينا سبعة عناوين في المسابقة المخصصة للأفلام الروائية العربية الطويلة، التي ترأست لجنة تحكيمها التونسية هند صبري. من بين هذه الأفلام، اثنان سبق أن عُرضا في كانّ، وهما اللذان نالا أهم جائزتين: "التائب" للجزائري مرزاق علواش (جائزة أفضل فيلم عربي) و"يا خيل الله" لنبيل عيوش (جائزة أفضل مخرج عربي). ما يدعو للاستغراب ان علواش سبق ان نال في الدوحة الجائزة نفسها العام الماضي مصحوبة بمئة ألف دولار، يوم قدّم "نورمال". في جديده، الذي ليس سوى فيلم قصير تعرض للمطّ، اراد مخرج "عمر قتلته الرجولة" وضع الحوادث في سياق ما عُرف بـ"العشرية السوداء". للأسف، لم يكن في مخيلة المخرج مادة درامية تضمن له فيلماً كاملاً متكاملاً. لكن، لم يكن هذا رأي لجنة التحكيم
ما انجزه نبيل عيوش مع "يا خيل الله" أكثر جرأة وعمقاً. اذ رصد سيرة منفّذي انفجارات 16 أيار 2003 في الدار البيضاء، التي تسببت بـ"تروما" حقيقية للمغاربة. يأخذنا النص الى حكاية شقيقين ورفاقهما في أحياء الحرمان والفقر وكل تلك المعاناة التي ستقود الضحايا الشباب الى إثم لا غفران له. من خلال ابراز هذين الفيلمين عن الراديكالية الاسلامية، وافتتاح المهرجان بـ"اصولي" ميرا نايير، بدا الهدف واضحاً: عقلنة الدين وتحديد الخطّ الفاصل بين القناعات، من أجل وعي ايماني يليق بالعصر. بقية افلام مسابقة الروائي العربي تضمنت اعمالاً تفاوت مستواها، في طبيعة الحال، بين ضعيف وجيد ومقبول. "عشم" للمصرية ماغي مورغان صعد في قافلة الأفلام المصرية التي ارادت تأريخ تلك اللحظة المصيرية في الوجدان المصري: 25 يناير. من خلال مقاربة الحياة العاطفية لستة أزواج، يتقدمهم عشم، البائع المتجول. "دي فيلت" للهولندي التونسي كريم ألكسندر بيتسترا، هو الآخر، يغوص في مخلفات "ثورة الياسمين"، لكن نظرته اكثر سلبية، اذ يناقش الهجرة التونسية الى أوروبا هرباً من البؤس. تونسي آخر عرض في هذه المسابقة فيلمه "الاستاذ". انه محمود بن محمود الذي يلقي نظرة على واقع حقوق الانسان في عهد بورقيبة من خلال قصة حبّ بين استاذ جامعي وواحدة من طالباته. اكتفى الفيلم بجائزة أفضل ممثل لأحمد الحفيان في دور الاستاذ
للمناسبة، وجّه المهرجان في ذكرى اربعينية الثورة الجزائرية، تحية خاصة الى تلك السينما التي خرج من عباءتها سينمائيون مثل محمد لخضر حمينا. اكتفى المنظمون بأربعة افلام: "نوبة نساء جبل شنوة" لآسيا جبار؛ "عمر قتلته الرجولة" لمرزاق علواش؛ "رياح الأوراس" لحمينا، وأخيراً "روما ولا انتوما" للشاب الأكثر موهبة في السينما العربية، طارق طقية. في خانة الأفلام الوثائقية العربية الطويلة، كانت المفاجأة في انتظارنا. هذه المفاجأة كانت متوقعة بعض الشيء لأن ثمة اصداء ايجابية كانت قد وصلت الينا بعد عرضه الأول في تورونتو. نتكلم عن "النادي اللبناني للصواريخ" للثنائي جوانا حاجي توما وخليل جريج، اللذين نالا جائزة "أفضل فيلم وثائقي". يتميز الفيلم بفكرته الخلاقة، اذ يذهب الى فصل منسي من التاريخ اللبناني: من يتذكر اليوم ان لبنان كان اول أرض لأطلاق الصواريخ في الشرق الاوسط، وذلك في ستينات القرن الماضي؟ هذا الحدث ظلّ خارج الذاكرة الجمعية، وهذا ما يحاول الشريط الاضاءة عليه، في ظل المتغيرات التي تعصف بالمنطقة، رابطاً تلك الحادثة بالسياق العربي الذي تطورت فيه.

ظل راجل

المتغيرات هي ايضاً المادة الوثائقية التي تبني عليها حنان عبدالله فيلمها "ظل راجل" (افضل مخرجة وثائقية)، فتتعقب سيرة اربع سيدات من خلفيات ثقافية واعمار مختلفة. في المقابل، توزعت مسابقة الأفلام العربية القصيرة على ثلاثة برامج، اطلق على واحد منها اسم "آمال الربيع"، وجاء في النص الممهد له، الآتي: "حان الوقت لنعيد النظر في تاريخنا وشعاراتنا واوهامنا ومخاوفنا. حان وقت تدمير التماثيل وتكسير الروتين". أما تحت عنوان "صُنع في قطر"، فعرضت مجموعة من الأفلام ــ المحاولات التي أبصرت النور على أراضي الامارة التي تنفق على الثقافة والفنّ أموالاً باهظة. لكن الشيء الايجابي في هذا القسم أن 8 مخرجات من قطر شاركن فيه، في دورة ضمّت عدداً لا يستهان به من السينمائيات العربيات المبتدئات، وخصوصاً من منطقة الخليج. وكانت المخرجة السعودية عهد كامل اعطت زخماً وصدقية لهذه التشكيلة النسائية، بعدما قدمت فيلمها القصير الثاني، "حرمة"، حيث نتابع معاناة امرأة يموت زوجها فتضطر الى ان تتدبر أمورها الحياتية
الأفلام التي صُنعت خارج البلدان العربية، كان لها ايضاً حصتها في الدوحة: 22 عملاً في قسم "أفلام عالمية معاصرة"، منها "حصة الملائكة" لكن لوتش و"اطفال ساراييفو" لعايدة بجيك. بيد ان واحداً من الاكتشافات المهمة في هذا القسم كان "النمر الأبيض" للروسي كارين شاخنازاروف. هذا شريط عن الحرب والدبابات والكراهية التي لا تحتمل بين الروس والألمان. لكن أهم ما فيه انه يقفز فوق اسوار البطولة والتمجيد الأبله للنصر الوطني (وليس الالهي، يا لخسارتنا!).
كم من السوداوية ضرب الأفلام خلال المهرجان، لكنه تبخر لحظة استعادة "سينما باراديزو" لجيوسيبي تورناتوري، في الهواء الطلق، مساء السبت الماضي. لم يكن الضجيج الصادر عن المحتفين بالكرمس في كل أرجاء "كاتارا" عائقاً للابحار مع الفريدو وتوتو في عالم الصور المتشحة سواداً وبياضاً. فيلم عن رقيب يحتج على مشاهد القُبل في الأفلام، مَن كان يحلم بهذا في الدوحة؟ 
إستعادات | مهند النابلسي              

عالم سوريالي بين فالكيري سنجر  ومجنّد سبيلبرغ  
فالكيري

في فيلم توم كروز "فالكيري" (2008)  نشاهد تفاصيل محاولة  الاغتيال والانقلاب الفاشلة ضد هتلر ، والتي تمت قبل تسعة أشهر من انتحاره يائسا في مخبأه ببرلين ، حيث يلخص هذا الفيلم المفبرك  محاولات المقاومة في قيادات الجيش الألماني للتخلص من الفوهور واعلان حالة الطوارىء لانقاذ المانيا من المصير  الذي آلت اليه بعد هزيمتها التاريخية الكاسحة في الحرب العالمية الثانية ! يثني هذا الشريط المصطنع على روح المقاومة وبسالتها وعنادها ، ويخلد بطل محاولة الانقلاب ويظهره كبطل تاريخي  هو وزملاءه ، كما يتوعد النازيين بالعقاب الشديد للجرائم التي ارتكبت بحق الانسانية ! وينسى صانعو الفيلم جرائم أمريكا واسرائيل والغرب المرعبة بحق اليابان وفلسطين  وفيتنام وافغانستان والعراق وباقي الدول المستعمرة ... الفيلم بالرغم من ميزانيته الكبيرة والجهد التمثيلي-الاخراجي الا انه فيلم ركيك غير مقنع ولا ممتع ! الفيلم الذي أخرجه برايان سينغر يستعرض "بسماجة مصطنعة" بطولة  الكولونيل فون ستاوفنبيرغ الذي عاد مصابا من غارة جوية في تونس ، ليلقى تقديرا خاصا أهله للاقتراب من الفوهور ، ليتمكن لاحقا من التخطيط لعملية الاغتيال الفاشلة ، وليلقى وزملاءه الاعدام لاحقا ! ولا يمكن انكار مشاهد استعراض حالة برلين في العام 1943 والاتقان في اخراج لقطات الانفجارات والمشاهد التي صورت هتلر ومساعده هيملر ، أما المؤثرات الحاسوبية  التي زاد عددها عن الثمانمئة ، فقد استخدمت بمهارة فائقة لاظهار مشاهد اسقاط طائرة الكولونيل في شمال افريقيا ، وتطرقت لتفاصيل اصابته وجروحه البليغة واصابعه المفقودة ( والتي لم يحاول اخفاء اصابته بوضع يده بجيب بنطاله !). 
  
أما في فيلم ستيفن شبيلبيرغ " انقاذ الجندي رايان " (1998) فتقوم فرقة أمريكية مدربة بالبحث وراء خطوط العدو لايجاد الابن الرابع رايان ، واعادته الى امه الثكلى بعد أن قتل اخوته الثلاثة في معارك الحرب العالمية الثانية . حيث تبذل الفرقة وقائدها جهودا خارقة لايجاد رايان الرابع ، ولكن الأخير يرفض الانسحاب ويصمم على مواصلة القتال  بأي ثمن ، وهكذا يسطر الأمريكيون ( حسب ادعاء الشريط المميز ) ملحمة بطولية وبسالة نادرة ، واضعين نصب أعينهم هدفهم الكبير المتمثل بتحرير اوروبا من النير النازي الجامح ، وهنا تكمن رسالة الفيلم الخفية والمتقنة !
إنقاذ المجنّـد رايان

يستعرض هذا الفيلم الاستهلال المذهل لعملية الانزال التاريخية على شاطىء النورماندي في العام 1944، حيث استغرق هذا المشهد المثير حوالي 27 دقيقية من وقت الفيلم ، وتكمن روعة هذا الشريط في الاستعراض والاسترجاع الواقعي لمشاهد أقسى معارك الحرب العالمية الثانية ، كما تم اختيار مشاعد "انزال اوماها" كأحسن مشاهد معارك حربية بتاريخ السينما ، حيث كلفت هذه المشاهد 12 مليون دولار ، وانشغل بالاداء الملحمي المؤثر حوالي 1500 كومبارس غالبيتهم من الجنود الحقيقيين ، كما تم استعراض وادخال حوالي عشرين لثلاثين عملية بتر حقيقية مسجلة لاستعراض الجروح التي تعرض لها الجنود الأمريكان اثناء نزولهم على الشاطىء ، واستخدمت كاميرات خاصة للتصوير تحت الماء لاظهار اصابات الجنود اثناء محاولة الانزال على الشاطىء ، كما تم استخدام حوالي أربعين برميلا من الدم المزيف لتصوير الجروح والنزف وسكب الدماء على الشاطىء (كنتيجة لوابل الطلقات الغزير المتواصل من دفاعات الجنود الألمان المتحصنين في أعلى الشاطىء ) ! أبدع الممثل توم هانكس بدور البطولة مع سبعة ممثلين آخرين ، وبرر شبيلبيرغ الأخطاء التكتيكية والقتالية التي ظهرت في الفيلم برغبته المقصودة لاظهار التاثير الدرامي المنشود ، وقد نجح وابدع في ذلك محولا فيلمه لتحفة سينمائية خالدة !
   
وفي بداية القصة المثيرة للاعجاب يتعرض قائد الوحدة وفرقته لوابل من الرصاص المنهمر ، حيث يسقط أربعة ألآف جندي أمريكي  في احدى معارك شاطىء النورماندي  البالغة العنف والشراسة ، والتي تحولت لمجزرة مرعبة ،  حتى أن لون ماء البحر يتحول الى الوردي بفعل الدماء التي سفكت وانسكبتوفي سياق القصة  نفسها يتساءل أحد الجنود عن سبب اعدام الأسرى الألمان وهم في حالة استسلام فيجيبه القائد بلا مبالة ظاهرة : انه عالم سيريالي  !

أوردت هذه المقتطفات من الفيلمين الحربيين مع اختلاف المستوى الفنيالاخراجي والزمني مابين الفيلم الأول "فالكيريوالفيلم الثاني الحائز على الاوسكارات ، لأخرج بنتائج تقودنا للاعتراف بأن عالمنا البائس وفي بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين لا يزال يعاني من ازدواجية المعايير ومن شتى صنوف الطغيان والعنف والوحشية وسفك الدماء ، وكأنه لم يتقدم خطوة واحدة باتجاه البعد الحضاريالانساني ، والأمثلة يصعب حصرها ونراها انتقلت من اوروبا والغرب ، لتتمثل بمشاهد سوريالية يومية مرعبة تسود المشهد البانورامي الحالي لأوطان العرب والمسلمين  ! 

نهايات  | محمّـد رُضــا                     

الإختفاء الغريب لأول مخرج في العالم: هل قتل أديسون لو برينس؟
لوي دو برينس

في العام 1888، أي قبل سبع سنوات من العرض الجماهيري الذي أقدم عليه الأخوين لوميير، قام الفرنسي القاطن بلدة ليدز البريطانية لويس لو برينس بتصوير أول فيلم على سيليلويد. مدّته الأصلية لم تتجاوز الإثني عشر ثانية لكن ما بقى منه الآن ثانيتين٠ الفيلم بعنوان "مشهد حدائق راوندهاي" وفيه مجموعة شخصيات تتمشّى في حديقة عامّـة. بيت الى يسار الصورة ورجل ينزل درجاته القليلة. إنتهى الفيلم٠
السائد أن الأخوين لوميير هما أول من حقق أفلاماً. حسب السجلات، بدءاً بسجل "غينس" فإن أول فيلم على شريط سيليلويد واحد (أي ليس فيلماً مسجّـلاً على أنابيب أسطوانية كما كان الحال قبل التاريخ أعلاه)، فإن لوي (أو لويس) دو برينس، وهو فرنسي المولد أيضاً، هو أول من أخرج فيلماً ونسخته لا زالت موجودة على الإنترنت تحت إسم Roundhay Garden Secene. هذا قبل سبع سنوات من تاريخ عرض لوميير لأفلامهما في الثامن والعشرين من كانون الأول/ ديسمبر سنة 1895. 
توماس أديسون
الأكثر من ذلك، أن العرض التجاري الأول لم يتم على يدي لوميير ليس واقعاً دقيقاً. ففي الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر سنة 1895 (أي قبل أكثر من خمسين يوم من تاريخ عروض الأخوين لوميير) قام الأخوين الألمانيين إميل وماكس سكلادانوفسكي بإقامة أوّل عرض تجاري وذلك لمجموعة من الأشرطة المصوّرة وذلك في مدينة برلين.  على ذلك، وللإنصاف، فإن الفارق نوعي: عروض الأخوين سكلادانوفسكي كانت قطع من الأشرطة المصوّرة، بينما عروض الأخوين لوميير  فيلمين كاملين (ولو من ثوان). وعلى الضفّة البعيدة من المحيط الباسيفيكي كانت شركة أديسون أقدمت قبل أكثر من عام (تحديداً في الرابع عشر من نيسان/ أبريل، سنة 1894) على إقامة أول معرض لأدوات التصوير وكانت غايتها من البداية تجاوز الفترة الصامتة كلّها وإنجاز كاميرا وآلة تسجيل صوتي في جهاز واحد٠
لكن حياة المخرج أول مخرج سينمائي لم تكن سهلة. وإختفائه بعد عامين من تحقيقه «مشهد حديقة راوندتري» (وفيلمين قصيرين أيضاً صوّرهما في العام ذاته) كان غريباً.
وُلد في مدينة متز الفرنسية في 1841/8/28. في العام 1866 إنتقل للعيش في إنجلترا حيث تزوّج هناك من دارسة علوم جميلة ومعاً أسسا مدرسة "ليدز تكنيكال سكول".  انتقل بعد ذلك إلى الولايات المتحدة حيث أمضى بضع سنوات يطوّر ويدرّس مادة التصوير ثم عاد إلى ليدز حيث صوّر أفلامه على أول شريط سيليلويد الذي لا يزال مستخدماً حتى اليوم (لجانب الدجيتال بالطبع).
لو برينس اختفى في 16 أيلول/ سبتمبر سنة 1890 في حادثة لا زالت لغزاً:  لو برينس كان في فرنسا في ذلك اليوم وهو ركب قطار الساعة 2:42 بعد ظهر ذلك اليوم من محطّة بلدة ديجون قاصداً باريس. وصل القطار باريس ولم يكن عليه لو برينس. حين لم يظهر في أي مكان تنادي أهل الفقيد ورجال سكوتلاند يارد والبوليس الفرنسي ومشّطوا المسافة بين ديجون وباريس ولم يجدوا أي أثر للمخترع. آخر من شاهده شقيقه الذي ودّعه على المحطّة٠
النظريات تقول أشياء مختلفة. ربما سقط من القطار ولم يعثر عليه. ربما انتحر إذ تردد أنه كان على حافة الإفلاس. كما تكهّـن البعض أن هناك إحتمالاً بأنه قـُـتل. مع عدم وجود جثّـة لفحصها يصعب القول. 

لكن موقع sciencedirect.com يكشف سنة 2008 أن طالباً من جامعة نيويورك أسمه أليكسس بدفورد لديه اهتمامات بأصل التصوير كان يبحث في ملفّـات المخترع الأميركي توماس أديسون عندما وجد في مكتبة نيويورك مفكّرة بين أوراق أديسون المهملة تقول بالحرف: "إريك اتصلي بي اليوم من ديجون. لقد تم التنفيذ. برينس انتهى. كان ذلك نبأ سعيداً لكني جفلت عندما أخبرني. الجريمة ليست اختياري. أنا مخترع واختراعاتي لتحريك الصور تستطيع الآن المضي قُـدماً".
أغرب من ذلك أن ولده مات بعد عامين خلال زيارة للولايات المتحدة وفي ظروف غامضة أيضاً٠    

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2012
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular