أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Dec 13, 2012

هموم الإنتاج في بال صانعي الأفلام | فيلم اليوم: "الصرخة" | مهرجان دبي السينمائي الدولي - 3


YEAR 6 | ISSUE 771
يوميات مهرجان دبي السينمائي الدولي 3 

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هموم الإنتاج في بال صانعي الأفلام
 محمد رُضا
المخرج الفلسطيني: رشيد مشهراوي

غاب إسم المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي عن الساحة بعض الوقت. بعد «عيد ميلاد ليلى» قبل أربع سنوات أنجز فيلماً تسجيلياً قصيراً لحساب "الجزيرة الوثائقية" ثم …. لا شيء بإستثناء حضوره مهرجان دبي في العام الماضي وعودته إليه هذا العام. أين أنت؟ تسأله فيضحك ويقول: 
"نعم غبت عن الإخراج منذ «عيد ميلاد ليلى» لكن معظم الوقت قضيته في تحضير فيلمي الجديد الذي صوّرته في فلسطين".
رشيد مشهراوي من مواليد غزّة لكنه هاجر إلى باريس منذ نحو عشر سنوات حيث لا يزال يعيش ويعمل وهو التقى بالمنتج التونسي حبيب عطيّـة على أعتاب فيلمه التسجيلي السابق وقررا الإشتراك معاً في صنع الأفلام. لذا حبيب عطيّـة هو منتج الفيلم الجديد وعنوانه «فلسطين ستيريو» الذي تم تصويره كمشروع فرنسي في رام الله.
" لقد إنتهيت من التصوير لكني سأدخل الآن عملية ما بعد التصوير من مونتاج ومكساج ومسائل فنيّة أخرى" يقول المخرج معبّراً عن حبوره بإنجازه. لكن الفيلم يحتاج إلى 25 بالمئة من ميزانية ما بعد التصوير ليكتمل وهذا هو أحد الأسباب المهمّـة التي من أجلها يؤم المخرج ومنتجه المهرجان الحالي وذلك بحثاً عمّـن يستطيع الإستثمار في هذا المشروع وإنجازه ليكون جاهزاً للعرض في مهرجان "كان" المقبل.
الحال أن العديد من الأفلام تنتظر إكتمال عناصر إنتاجها إما وهي لا زالت على الورق قبل دخول التصوير أو بعده. والمهرجانات السينمائية العربية صارت تنوب عن وكلاء الأعمال في هذا الشأن، إذ تتيح علاقات ولقاءات مباشرة بين السينمائيين والممولين سواء أكانوا أفراداً أو منظّمات وشركات. 
لكن المنتج التونسي يؤكّد أن ذلك لم يعد صعباً كما كان الحال لسنوات من قبل. والحقيقة هي أنه ليس صعباً خصوصاً إذا ما كانت الميزانية محدودة. لكن ما هو صعب إيجاد الميزانية من مصدر واحد لأن لا أحد يملك ناصية التمويل كاملاً خشية من الفشل فشلاً كاملاً. 
المنتج البريطاني فيليب رفاييل الذي ساهم في إنتاج فيلم اللبناني فيليب عرقتنجي «تحت السقف» يعرف شيئين أو ثلاثة حول هذا الموضوع وكلها تناقض ما سبق:
"لم يعد سهلاً تحقيق أفلام مختلفة. طبعاً ليس لديك مشكلة فيما لو أعجب المشروع شركة أميركية إذ ستوفّر له الإمكانيات المطلوبة والتسويق بكل سهولة. أما الفيلم البديل أو الفيلم الذي نسعى نحن لإنتاجه لأنه النوع الذي ننشده فهو يمر بأزمة".
بول يفسّر ذلك مضيفاً: "قبل سنتين لم يكن لدي سوى مشاريع في اليد. لم يكن من بينها أي مشروع مؤكد. واحد عملت عليه منذ ثلاث سنوات، وآخر عملت عليه منذ خمس سنوات وكلاهما كان مجمّداً بالوعود المقطوعة وغير المنفّذة. هذا العام وحتى نهاية العام المقبل تغيّرت الصورة. المشروعان جاهزان للإنطلاق وفوقهما مشروع جديد لفيليب عرقتنجي صار جاهزاً للإنتاج. ما أقصد قوله أنه لا يوجد قانون واحد لهذا الوضع، لكن السائد هو أن تمتد فترة ما قبل التصوير لسنوات طويلة قبل أن تكتمل العدّة".
المخرج الإماراتي مجيد عبدالرزاق يلقي ظلالاً على جانب آخر، إذ يقول: "لقد إنطلقت في دروب السينما عن كل قناعة وكل اندفاع. وأقول بسعادة غامرة أنني حققت ثلاثة أفلام بمجهودي الخاص. الآن أجد أنه لزاماً عليّ تحقيق الفيلم الرابع على نحو يؤمن دخلاً ما. وأفهم أن ذلك يعني تغيير وجهة، لكن صعوبة التسويق هي التي أجدها أهم من صعوبة الإنتاج لأن الإنتاج يمكن أن يتوقّـف إذا لم يكن هناك سوق يستوعب".

هذه الآراء كلها تتحدث عن خبرة… لم أسع إلى القيام بتحقيق حول الموضوع لكنها تهادت واحدة بعد الأخرى لأن مشاكل الإنتاج وهمومه تعيش في عقول كثيرين هذه الأيام.
الخيط بين الإخراج والإنتاج لم يكن رفيعاً كما هو حال اليوم. ففي الماضي القريب كان المخرج يترك للمنتج الشؤون المالية وتأمين عناصر الإنتاج وعلى المنتج أن يترك للمخرج قراراته الفنية. تغييب المنتج بات إستسهالاً مؤثراً على نحو سلبي. طبعاً لا زال هناك منتجون كثيرون يعملون في السينما، لكن تكاثر عدد المخرجين الجدد الذين يعتقدون أنهم يستطيعون حمل بطيختين في يد واحدة، وهم بالكاد يستطيعون حمل بطيخة واحدة بيدين.

-------------------------------------------------------

فيلم اليوم:  
صرخة يمنية

الصرخة ***

المخرجة اليمنية خديجة السلامي تتحدّث عن الوضع الذي ساد صنعاء ومدن يمنية أخرى خلال التظاهرات التي سادت اليمن مطالبة بتنحي رئيس الجمهورية علي عبدالله صالح والتي انتهت بتنحيه فعلاً وإعادة تشكيل البلاد على هيئة حكومية جديدة… لكن السؤال المطروح حتى من قبل أن تنجز المطالبات الجماهيرية اليمنية ما أرادت إنجازه هو: هل المسألة مسألة تغيير أشخاص أم أن المطلوب تغيير مفاهيم؟.
يتركنا الفيلم مقترحاً أن تغيير الأشخاص ليس المسألة بل أن المفاهيم السياسية والإجتماعية السائدة هي بيت القصيد…. وهذا البيت لا زال بعيداً عن المنال. في الحقيقة ربما بعيد جدّاً عن المنال.
«الصرخة» في حقيقة أمره ليس عما حدث وكيف حدث، بل عن كيف وجدت المرأة نفسها في قلب الإنتفاضة، وهذا في جزئه الأول، وكيف شاركت (الجزء الثاني) وإلى أين انتهت (الثالث). هذه الأجزاء متوالية من دون قواسم أو خطوط فاصلة، لكن المشاهد يتلقّـفها بفضل تتابع تدريجي جيّد. فالمخرجة المعروفة تبدأ بإلقاء نظرة سريعة على المظاهرات التي اندلعت، ثم تدخل لب الموضوع لأن ما يهمّـها هو دور المرأة فيها. وتكشف بوضوح عن أن الشرخ الحاصل بين الرجال والنساء، تبعاً لكل ما هو معلوم من مفاهيم وتقاليد متوارثة، حاول أن يرسّخ نفسه ويحد من إشتراك المرأة في التعبير عن مواقفها تلك.
هذا يتّـضح مثلاً، في إقتراح البعض أن تقام خيم النساء في مكان قصي من المدينة، لكن النساء رفضن ذلك لأن في ذلك استبعاد لدورهن في العملية السياسية الحاضرة. هذا ما تشير إليه واحدة من الناشطات اليمنيات اللواتي يتم إجراء أحاديث معهن وتصويرهن خلال مشاركاتهن  المظاهرات. عند هذا الحد، نحن لسنا فقط أمام فيلم يبحث عن دور المرأة ويحث عليه، بل أمام فيلم يريد أن يطرح قضيّـة المرأة المهضوم حقّـها بالكامل. 
المشاهد تمر أحياناً متسارعة وأحياناً على وتيرة متكررة لكن خديجة السلامي تحقق الفيلم الذي لا يتسبب وضجر المشاهد متحاشية تكرار المشاهد أو المفادات بالضرورة. ما لا يحدث، للأسف، هو منح الفيلم محطّـات يرتاح فيها الصوت وتؤدي الكاميرا دورها في الرصد والتعريف والمتابعة وحدها من دون تعليق أو تسجيل حوارات. هذا لو توفّـر لمنح الفيلم غطاءاً فنيّـاً صحيحاً مع العلم بأن ما هو ماثل فيلم جيّـد في حدوده وعلى الرغم من شريط الصوت المتتابع والمتنقل ما بين تعليق المخرجة لما تقوم به وتعليق الناشطات حول أعمالهن. هناك مشاهد قليلة تفتقد الأهميّـة، أو أن الأهمية التي في البال لم تتشكّـل صورياً وفي مقدّمتها ذلك الذي تتحاور فيه إحدى الناشطات مع إبنها الذي يبلغ من العمر عشر سنوات. صحيح أن الفكاهة هنا هي تعريفنا بما يفكّـر به صبي لم يبلغ بعد سن المعرفة والنضج، الا أن الحوار لم يكن طبيعياً (من الأم على الأقل) بل كان مصنوعاً لخدمة الرسالة التي وصلت سريعاً ولم تكن تتطلب المزيد.
من ناحية أخرى، هذا العمل يبقى مختلفاً بين الأعمال التي تحدّثت عما سمي بـ "الربيع العربي"، ففي حين أن همّ معظم ما تم إنتاجه من أفلام تسجيلية وروائية الحديث مباشرة عما حدث وكيف، فإن غاية المخرجة هي البحث عما لم يقع وهو امتداد الثورة إلى حد يسمح بإنعتاق المرأة من سجن إجتماعي ساد قبل عبدالله صالح وخلال عبدالله صالح وبعد عبدالله صالح.
هناك عشر دقائق أخيرة تعزز هذا كلّـه: المخرجة (التي تعيش في باريس) عادت بعد حين إلى صنعاء لترى ما حل بالنساء اللواتي نزلن إلى الشارع وعشن في الخيم المشادة خلال الفترة التي شهدت وطيس الصراع، فإذا بالخيم باتت فارغة والمئات من النساء غادرن المكان ولم يبق سوى بعض المؤمنات بضرورة التواجد حتى كامل التغيير (نحو خمسة عشر إمرأة). لكن المخرجة تسأل على نحو مباشر حول كيف يمكن أن يحدث هذا التغيير إذا ما كان الرجل ضحية للسائد بدوره. مشاهد الرجال وهم يخزّنون القات حزينة الفعل كونها ترميز لحال سائد يبدو من بعيد كما لو أنه لا علاقة له بالحدث وبالمفهوم الكبير من ورائه، لكنه مرتبط به على نحو وثيق.



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2012
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system