أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Nov 23, 2012

البرلمان الأوروبي يحتفي بالسينما المصرية | في حب السينما | إختيارات ستانلي كوبريك في أفلامه | الرئيس لينكولن من غريفيث إلى سبيلبرغ


YEAR 6 | ISSUE 765



البرلمان الأوروبي يحتفي بالسينما المصرية  | … اليوم (الثامن والعشرين من هذا الشهر) يعرض المخرج إبراهيم البطوط فيلمه الجديد «الشتا اللي فات» (وعنوانه الإنكليزي هو Winter of Discontent) على المجلس الأوروبي في قاعة البرلمان الأوروبي في الساعة السادسة والنصف مساءاً. والنقاش يدور من بعد الفيلم حول «الصور والثورة». الجلسة ستضم نائب رئيس البرلمان الأوروبي إيزابل دوران ورئيس اللجنة الثقافية في البرلمان دوريس باك لجانب عدد من رؤساء أقسام أقليمية ومجالس تابعة للبرلمان. في المقابل، سيحضر مخرج الفيلم إبراهيم البطوط ومنتجه وممثله الأول عمرو واكد لجانب مشاركة من دره بوشوشة وهند بوجمعة بصفتهما سيمثلان السينما التونسية التي شهدت بلادها ذلك "الربيع" الثوري ذاته. لكن فيلم «الشتا اللي فات» هو الوحيد الذي سيعرض، ما يرفع من قيمة ملاحظة أن السينما المصرية في العام الحالي كانت حاضرة في أكثر من محفل. في الحقيقة، ما من مهرجان سينمائي كبير الا وطلب أفلاماً مصرية بمناسبة "الربيع" الذي لا يزال يحدث اليوم

لغتان مختلفتان | يوم الثلاثاء أدرت ندوة عن «المضمون المحلي والمضمون العالمي… أيهما أفضل» ألقيت خلالها الأسئلة على ثلاثة إعلاميين معروفين: طارق الفطاطري، خلود أبو حمص وفادي إسماعيل. ووجدت أنني أتحدّث لغة مختلفة عما يتحدّث فيه أصحاب الإختصاص. 
أنا بطبيعتي النقدية أتكلّم عن غياب "الثورة الثقافية" وعن الحاجة إلى "سد النقص الموجود على صعيد البرامج الثقافية" وكيف أن ما هو مستورد من برامج يشكو من ثقافة لا تكترث لنا وما هو منتج عندنا لا يرتفع إلى مستوى الآتي من الخارج في معظم الأحيان. إذاً لدينا مشكلة. الضيوف تحدّثوا في مشاكل أخرى ركّزت على موضوع "الترفيه" فإذا بنا- كمشاهدي تلفزيون- بحاجة إلى الترفيه بسبب كل ذلك الكم من الأخبار الداكنة التي تقع فوق كوكب الأرض. ما دفعني للرد: "الترفيه هو جزء غالب بالطبع من البرامج التي تنتج أو تستورد، ولا خلاف… لكن ماذا عن النوعية؟" … ولم أجد جواباً.

خمسة  | لو كان عندي مهرجان سينمائي لأصررت على خمسة أمور:
- أن أفعل كل ما لا تفعله المهرجانات الأخرى.
- أن لا أخصص دعماً للإنتاج لأن هذا ليس من وظائف المهرجانات أساساً.
- أن أدعو نقاداً إلى لجان التحكيم.
- أن أدعو نقاداً ليس لخاطر أن يكتبوا بل لما حققوه من إنجازات خلال حياتهم المهنية الطويلة.
- أن أقيم أمسيات مفتوحة يقيمها بعض المتخصصين في السينما (مخرجون، كتّاب سيناريو، نقّـاد، ممثلون، مؤرخون، كل يتحدّث من خلال خبرته).

من إستديو إلى شوبينغ مول | قبل أسابيع إلتقيت بمسؤول في شركة استثمارات كان عرض شراء ستديوهات تويكنغهام البريطانية حين أعلن أصحابها نيّتهم في البيع وأخبرني أن الفارق بالسعر الذي عرضه عن السعر الذي بيع الاستديو به لم يكن كبيراً: "لقد فوجئنا بإتمام الصفقة لأن الذين اشتروا (مؤسسة هندية) ليس في نيّتها الحفاظ على هذه الإستديو بل هدمه وإنشاء شوبينغ مول بدلاً عنه".
طبعاً سيكون في مطعم هندي بكل تأكيد، لكن هذا الاستديو له تاريخ كبير وحرام أن يضيع هباءاً. الراحل مصطفى العقاد امتلكه لفترة وحينها لم تكن تتوقّـف أعماله. عرض عليّ أن أحجز لنفسي ستديو مونتاج فيه حين كنت لا أزال أسعى لبرنامج سينما تلفزيوني. لكني لم أكن بعد اتفقت مع محطّـة على مثل هذا البرنامج وبعد أسابيع كانت المساحة قد أجّـرت بالطبع لآخرين. زرت مصطفى العقاد فيه مراراً. كنت أحب الذهاب إليه والغداء في مطعمه لأنها الفرصة لأشاهد ممثلين ومخرجين بعضهم تحوّل إلى الوظيفة عندما لم يعد راغباً في تحقيق الأفلام. 

Mail | الصديق عبدالله العيبان من الكويت بعث بالتعليق التالي وصل إلى بريد "ظلال وأشباح" من دون أن يظهر في الموقع ولا أدري السبب:
"أعجبني موضوع غياب هاوي السينما، وكذلك ردود القراء عليه, من سلمى دهب! هناك طبعا هواة للسينما حقيقيين لكن كغيرهم لا يبرزون، كحال مجتمعاتهم وبيئتهم و محيطهم. والاسوأ كما ذكرت كل شيء حرام حتى يأذن بحله؟؟ وكذلك قلة الاهتمام بتنمية الهوايات،كله عيب! لكن القانون الالهي يعمل كذلك، فلكل مجتهد نصيب، ولك في نجاح جورج لوكاس وامبراطوريته خير مثال. فهو لم يدخر جهدا رغم المحبطات"

ورسالتان من محمد يموت وإبراهيم سعد الدين تسألان عن "كتاب السينما" بعدما ذكرت قرب صدوره. الكتاب الآن في التصميم الفني ويشمل على نقد 318 فيلم من أعمال العامين الماضيين. وسيمكن الحصول عليه، بعد صدوره بمناسبة مهرجان دبي السينمائي، في المكتبات العامّة مع مطلع العام المقبل إن شاء الله.
في حال أي مشكلة في إستخدام بريد هذه المجلة يمكن الكتابة إليّ على:


في حب السينما
(بإستلهام من تعليق الأخت سلمى دهب)

ثوابتنا الحالية في الحياة تختلف عن الثوابت التي يمكن لها أن تفرخ هواة حقيقيين. 
كما تذكرين يا أخت سلمى، الغالب هو "إدعاء الهواية أو الحب" لإضفاء مظهر او وضع النفس في مكانة ما. الحب ممارسة وليس فكرة. الحب هو عشق يصحو المرء وينام عليه لا يتحوّل لا إلى واجب ولا إلى عامل ضغط٠ إنه مثل الحضارة. لا يفيد مطلقاً الحديث عنها إذا لم نزاولها اليوم وليس بالأمس، أي إذا لم تزل فعلاً يومياً ممارساً في حياتنا أخلاقاً ومهنية ومباديء وإبداعات . لا يكفي أن نرجع إلى التاريخ فنختار ما يناسبنا منه ونستشهد به لنقول أننا نحن أصحاب حضارة (سواء أكانت فينيقية او فرعونية أو أشورية الخ…). الحضارة أيضاً هي ممارسة عن قناعة تؤمِـن بالفرد وشأنه وحقوقه الإبداعية أولاً وتؤمّـن له كل ما يتطلّبه ذلك من شروط عمل. من دراسة صحيحة. من بيئة تعيش أمل الحياة. من دواء. من فرص عمل. من حقوق التعبير في شتّى جوانبها. 
السينما والحضارة متكاتفتان لأن الواحدة تؤدي إلى الثانية. طبعاً معظم الإنتاجات في كل بلد لديه صناعة رديئة وبعضه غير حضاري على الإطلاق. لكن التربة ذاتها حضارية إذ هي تمّـت ضمن مواصفات العمل الإبداعي والإقتصادي والصناعي وحريّـة التعبير والإختيار (فني، جماهيري كما إختيار المضمون والشكل). بعضنا يحتقر الغرب لما هو عليه، لكنه لا يسأل لماذا نحن لسنا على بعض خصاله. هم قوم ضالّون، كما لو أننا لم نتجاوزهم في ضلالات أخرى. لا يؤمن لهم، كما لو أننا نعيش بيوتاً مفتوحة الأبواب ومجتمعاً مثالياً في عافيته النفسية والبيئية. سمعت عن أميركا الكثير قبل عيشي فيها، وبل قبل زيارتي الأولى لها، لكن نظافة مدنها تعمل كعقرب الساعة. مدينة نظيفة من الأوبئة. شعب يعيش بقوانين ثابتة. سائقو سيارات حريصون على قانون القيادة. بلد فيه مراكز ثقافية لا تحصى وجمعيات فنية وأدبية أكثر منها، وبلد لديه مكاتب تموّلها الحكومة لحفظ التراث الأدبي والسينمائي… لا يمكن أن لا يكون حضارياً.
السياسة شيء آخر.
معظمنا نشأ على حب الرغبة في الكتابة في السينما وليس على حب السينما. الفارق أن الرغبة قد تعود إلى أسباب عديدة من بينها عدم وجود منافذ كتابة أخرى، أو استسهال سرد القصص التي لا تتطلب أياماً من القراءة في الكتب، أو ربما للإجابة على تساؤلات ذات أصول أدبية او مسرحية في أفضل الحالات. لكن حب السينما هو الجارف لكل الأسباب التي لدى الفريق الأول. حبّـها قد لا يؤدي إلى النقد وحده، بل إلى التمثيل أو كتابة السيناريوهات أو إلى الإخراج أو إلى الإنتاج أو إلى أي جانب آخر من جوانب العمل. 
من ينشأ على الكتابة في السينما يقلّـد من نشأ على الكتابة عنها قبله. من يحب السينما ليس لديه من يقلّده. الشخص منّا لا يحب شريك حياته لأن شخصاً آخر أحب شريك حياته. يحب لأن الحب هو غاية. لذلك الفريق الأول لا يبدع في خلايا كتاباته وسرعان ما يتقوقع في آراء وضعها بنفسه او استقاها من سواه. كل ما قيل عن أن السينما هي هذا أو هي ذاك ليس صحيحاً طالما أن الرغبة هي ربطها بمفهوم فردي يؤدي إلى تخصيصها فردياً. وكما كنت دائماً أذكر: ليست هناك سينما أفضل من أخرى لا من حيث النوع ولا من حيث البلد المنتج ولا من حيث هوية الإنتاج، مؤسساتي تابع لشركات تلتهم السوق أو أخرى مستقلة وبديلة. لا السينما التجريبية تخلو من السينما ولا السينما الترفيهية تخلو من عناصر التجريب. لا سينما المؤلّف هي له وحده، ولا السينما المؤسسة على التنفيذ الحرفي تخلو من التأليف. 
المسألة: سينما. 
تحبّـها بكاملها. يشاهدها المحب جميعها بصرف النظر عن أي عامل آخر.قد يختص أكثر بنوع أو بأكثر إذا أراد لكنه يشاهدها جميعاً كلما كانت لديه فرصة. القيمة الفعلية لذلك هو أن يكون ملمّـآً بأعمال مخرج لم يترك أثراً فنياً في حياته (جاك ستاريت، توم لفلن، محمد سلمان الخ…) كما ملماً بأعمال مخرج على درجة كبيرة من الإبداع (فيلليني، الشيخ، هيتشكوك، تاركوفسكي، مالك الخ…) وسيجد أن القسم الأكبر الغالب ليس الفريق الأول ولا الفريق الثاني، بل فريق ثالث يكمن في الوسط. هذا وحده يشكل نسبة تصل إلى خمسين بالمئة (ثلاثين بالمئة للمخرجين الذين داوموا على تحقيق أفلام لا قيمة فنيّة لها وعشرين بالنسبة لأهل القمّـة في هذا المجال). كيف يمكن أن تكون ناقداً أو حتى ضارب طبل في السينما من دون أن تعترف بتلك النسبة؟ من دون مشاهدة أفلامها؟
ذات مرّة أعلن مراسل سياسي تحوّل إلى النقد على كبر أنه أصبح من الخبرة في السينما بحيث بات يستطيع أن يكون إنتقائياً. هذا هراء. ذلك الشخص الذي من ناحية أخرى له الفضل في صنع مجلة سينمائية، كان يتحدّث بلغة صاحب مصنع غزل ونسيج قرر رفع مستوى إنتاجاته لا أكثر. جيد لصاحب المصنع وليس جيّداً لهاوي سينما. 
التقوقع في صندوق هو أسهل الأمور. في شتى مضارب الحياة لدى المرء إختيارات. مشي المسافة كلّـها. مشي بعضها (وهذا البعض قد يكون النصف أو أكثر أو أقل) أو عدم مشيها مطلقاً. كتّـاب السينما الذين جاؤوا ليدلوا بدلوهم تبعاً لحب الرغبة في الكتابة النقدية، مشوا بعض المسافة وقرروا أن هذا كاف. أعمارهم تكبر ومواقفهم ومفاهيمهم ومداركهم تبقى على حالها. وهذا يشمل بعض "كبار" كتّـابنا. لذلك نجد في كتابات معظم النقاد مرجعيات إنشائية الأسلوب أو أدبية المنهج او-عند الذين لا يستحقّون كلمة ناقد على الإطلاق- تطريزاً بالكلمات "الذائقة" بدل "الذوق" و"صناع" بدل "صانعي" و"تماهى" التي لا معنى عربي فصيح لها (الا إذا كان حيوان المهى هو المقصود) ويقصد بها محاذاة او السير في ركب مسالم ومتآنس وهناك عشرات الإستخدامات الأخرى.
التقوقع سهل لأنه بعد حين لا يطلب من نفسه المزيد. يتوقّف. يستند إلى القليل الذي كوّنه والذي انطلق منه ويحافظ عليه. لذلك كتابات العديدين الآنية تشبه كتاباتهم السابقة وهذا ليس له علاقة بالثبات في الرأي. الرأي أساساً قائم على إعتبار السينما "قضية" معيّنة إختارها هو لها لا أكثر. أعرف زملاء أعزّهم بدأوا أفضل مما استمروا. وآخرين يكتبون المادة ذاتها مرّة تلو المرّة ولا يلحظون.
أنت ناقد؟ يعني أنك أنت هاوي للسينما. تحبّها بكل أطرافها، تاريخها، لمحاتها، جوانبها، مداركها ومعلوماتها وتقبل أنها ليست دائماً ما تريد.
أنت ناقد/ هاو؟  إذاً أنت شخص تشاهد فيلماً جديداً أو قديماً واحداً على الأقل كل يوم. لا يهم مصدره ولا نوعه ولا إذا ما كان رسوم متحركة او تسجيلي او روائي حي.
أنت ناقد/ هاو ويمر معك إسم ديفيد فينشر لأول مرّة ستجري بحثاً عنه. وكما فعلت يا صديقتي الروحية، يقرأ عن هيتشكوك فيسعى لمشاهدة أفلامه. أوزو؟ أسم غريب. من هو؟ فيلم نوار … هل لي أن أشاهد بعضاً من نماذجها؟ أنت ناقد/ هاو؟ إذاً شاهد وأقرأ واشترك واجعل السينما (أو أي فن بمقامها) يداويك من أمراض الدنيا ومن السياسة والحروب والجهل المتفشي.

سلمى أشكرك من منتصف القلب لما ذكرتيه بخصوص «ظلال وأشباح». كلماتك هي ما قصدت من هذا الموقع أن يكون. غايتي السينما وحبّي لها وهذا الموقع هو عصارة ما أعرفه وإنعكاس لما زلت أتعلّـمه وسوف أبقى تلميذاً أمام ذلك الفن الشاسع والمترامي. لا أكتب كمن فهم وأقفل الباب عليه واعتبر نفسه قد وصل إلى سدّة لا ينازعه عليها أحد. كذلك  لم أقصد مطلقاً حجبها. سابقاً ما خامرني الشعور بأنني أريد أن أفعل ذلك، ولأني شخصية مفتوحة وغير باطنية سارعت لعرض مشاعري على القراء الذين ساعدوني العودة إلى رشدي وإدراك أن "دخول الحمّـام ليس كالخروج منه"، كما تقولون. لكني ثابت اليوم في العمل على هذه الصفحات الإفتراضية. لقد باتت جزءاً من يومياتي إلى جانب مسؤولياتي الأخرى جميعاً.
أخيراً، نحن لسنا في ظرف طبيعي في هذا العالم وذلك منذ أن سادته قوى خارجية أسماؤها تشي بأهدافها مثل "البنك الدولي» ومجموعة G20 والآن، كما يكشف أكثر من فيلم UN التي أنشئت سابقاً لخدمة الإنسانية فأصبحت جزءاً من الآلة التي لا تقيم وزناً للإنسانية بل للمال والمصلحة والسلطة التي يمكن جنيها منها. نحن في وضع نجابه فيه دبابات لا تنتمي إلى دول بل إلى Aliens أرضيين ألتقوا على مصلحة واحدة: الإثراء. ونواجه فيه سياسات لا تعمل لخدمة الفرد العادي بل لخدمة نفسها على حسابه. عالم لا يعرف العدل وإلا لما وقعت فيه جرائم الأمس ولا اليوم ولا هدرت ولا تزال دماء ضحايا لا أجد إلا حفنة محدودة من الضالعين في الخطأ، بينما معظم الضحايا (الأموات منهم والغالبية الحيّـة) هم الذين يريدون، ببساطة، حياة أفضل. عالم يخرج عن الحق كل يوم وبل كل ساعة. لننظر إلى فلسطين وكيف عاملتها القوى المختلفة منذ أكثر من نصف قرن وحتى اليوم.
السينما نقلة نوعية لعالم بديل. ليست مخدّراً لكن فرصة لتجديد خلايا الوعي حتى ولو كان الفيلم مجرد a feeling good movie يتركك سعيداً بما شاهدته متمنياً لو كان هناك مثيل له على هذه الأرض متسائلاً، ربما، عن السبب الذي ليس له مثيل وكيف يمكن أن يكون له مثيل.

السينما تنبأت بالمتغيّرات قبل وقوعها أكثر من مرّة وفي إحدى المرات تحدّثت عن العالم كما سيأتي. ها هو الممثل ند بيتي يطلق خطبته الرائعة في فيلم "نتوورك" لسيدني لوميت (1976)  يقف في مكتبه كرئيس مؤسسة إعلامية كبيرة ويقول لمذيع أعلن على شاشة التلفزيون أنه لا يصدّق شيئاً وأنه يريد الحقيقة. يقول له (وعذراً لعدم ترجمتها إلى العربية):

You are an old man who thinks in terms of nations and peoples. There are no nations. There are no peoples. There are no Russians. There are no Arabs. There are no third worlds. There is no West. There is only one holistic system of systems, one vast and imane, interwoven, interacting, multivariate, multinational dominion of dollars. Petro-dollars, electro-dollars, multi-dollars, reichmarks, rins, rubles, pounds, and shekels.
It is the international system of currency which determines the totality of life on this planet. That is the natural order of things today. That is the atomic and subatomic and galactic structure of things today! And YOU have meddled with the primal forces of nature, and YOU WILL ATONE!
Am I getting through to you, Mr. Beale?
You get up on your little twenty-one inch screen and howl about America and democracy. There is no America. There is no democracy. There is only IBM and ITT and AT&T and DuPont, Dow, Union Carbide, and Exxon. Those are the nations of the world today.
What do you think the Russians talk about in their councils of state -- Karl Marx? They get out their linear programming charts, statistical decision theories, minimax solutions, and compute the price-cost probabilities of their transactions and investments, just like we do.
We no longer live in a world of nations and ideologies, Mr. Beale. The world is a college of corporations, inexorably determined by the immutable bylaws of business. The world is a business, Mr. Beale. It has been since man crawled out of the slime. And our children will live, Mr. Beale, to see that perfect world in which there's no war or famine, oppression or brutality -- one vast and ecumenical holding company, for whom all men will work to serve a common profit, in which all men will hold a share of stock, all necessities provided, all anxieties tranquilized, all boredom amused.

فهم الإختيارات المحدودة أمام شخصيات ستانلي كوبريك ودوافعها


ما هي الدوافع التي تقف وراء جنون جاك نيكولسن في «السطوع» (او «اللمعان»)؟
ما هي الدوافع التي تقف وراء جنون ڤنسنت دأونوفرو في «سترة معدنية واقية»؟
ما هو سبب الجنوح القوي لشخصية مالكولم ماكدووَل في «كلوكوورك أورانج»؟
هل تحرير العبيد كان كل همّ «سبارتاكوس»؟ هل البحث عن رغد الحياة هو هم بطل «باري ليندون»؟ هل الحرب في «ممر الخلود» أو في «دكتور سترانجلوف» هي كل ما في بال القائمين بها؟
الإجابات تتنوّع خصوصاً إذا ما أضفنا باقي أفلام ستانلي كوبريك: "خوف ورغبة» و«قبلة القاتل» و«القتل» و«لوليتا»؟ ماذا عن «2001: أوديسا الفضاء» و«عينان مغلقتان بإتساع»؟.

السؤال الناتج عن الأسئلة السابقة هو: كيف يمكن لمخرج أنجز أفلاماً مختلفة الأنواع أن ينجز سبباً أو دافعاً واحداً تلتقي عليه كل شخصياته؟ الجواب ليس هيّناً على الإطلاق وقد لا يكون هيّناً بالنسبة للمخرج المعروف. حتى في إطار «السطوع» و«سترة معدنية واقية» حيث يفقد كل شخص في البطولة إتزانه فيقدم على فعل جانح متمثّـل بالقتل فإن تفاصيل الدافع تختلف بعض الشيء. هذا الإختلاف الجزئي يكشف من ناحية ثانية على أن الدافع الدفين هو واحد بينهما لكنه هل هو ذاته بينهما وبين أفلام كوبريك الأخرى؟

إنه من البدهي ملاحظة أن شخصية جاك تورانس (جاك نيكولسن) في «السطوع» إنما فقدت رجاحة عقلها تبعاً لضغط كبير. المراقبة الممعنة في الكيفية التي عالج بها المخرج رواية ستيفن كينغ بعدما حذف ما أراد حذفه من أحداث تشي بأن هذا الضغط الكبير مؤلّـف من ضغوط صغيرة وأنها جميعاً بدأت قبل فترة طويلة من وصول تورانس إلى الفندق المنعزل الذي ينوي البقاء فيه وحيداً مع زوجته وندي (شيلي دوفال) وإبنه داني (داني لويد) خلال موسم إقفاله الشتوي. 
في مقالة سابقة حول هذا الفيلم ذكرت أن بداية الفيلم تحمل معنى جمالياً ساحراً. تلك اللقطات المأخوذة من "عين الصقر" (كما تسمية اللقطات المحلّقة) وهي تتابع سيارة صغيرة منطلقة على طريق لولبية في أرض كبيرة ومجهولة ووحيدة. في الحقيقة إذ تحمل هذا المعنى الجمالي في التكوين البصري كما الروحاني يتجلّـى معنى آخر عندما نقصد البحث عن دوافع شخصية جاك التي أدّت به إلى الجنون.
إنها سيارة منطلقة في سرعة (حين يسأله مدير الفندق عن الوقت الذي قضاه على الطريق من المدينة إلى موقع الفندق يجيب جاك: "ثلاث ساعات ونصف" ويبدي مدير الفندق عجبه بوضوح). لا نرى من يقودها، في مطلع الأمر، لكن قائدها لا يقصد النزهة وسط تلك الجبال والغابات التي يمر بها. وطوال ما نراه من الرحلة هناك سيارة واحدة فقط تشاركه الطريق (تأتي من الإتجاه المعاكس). هذا الرجل هارب من ضغوط الحياة في المدينة بلا ريب. لكن وجوده في الفندق بعد استلام مهمّـة العناية به خلال فترة إقفاله هو مفتاح لضغوطات أخرى. قبل الخوض فيها علينا أن نعاين المكان المختار: مبنى ضخم يقع في اللا مكان تحيط به جبال كبيرة وأرض واسعة بلا مباني أخرى. إذا ما قصد جاك العزلة فقد وجدها على نحو مثالي. لكن هذه العزلة هي مرحلة صراع في داخل جاك الذي يبدأ بتخيّـل مشاهد له مع آخرين (ليس لهم وجود) في الفندق… آتين من زمن أبعد… المشاهد الأخرى هي قادمة… ذلك الشلال الدموي نبوءة تتراءى لضحاياه المحتملين. في الوسط حديقة على شكل أحجية تدخلها فتضيع فيها والعائلة تفعل ذلك معاً والأب والإبن (طارد وطريد) يدخلانها لاحقاً. الأب أيضاً أمام دهاليز مشابهة: هناك نموذج بلاستيكي لتلك الحديقة في الفندق. الفندق بدوره دهاليز. دهاليز جغرافية ترمز لدهاليز نفسية يعيشها ذلك الكاتب الذي جاء ليستفيد من عزلته بعيداً عن ضغط المدينة فسقط تحت إستكمال ذلك الضغط في المكان النائي.
الضغط والرغبة يتوزّعان حاجة أبطاله من حين أن قام كوبريك سنة 1953 بإنجاز فيلمه الروائي الأول «خوف ورغبة» حيث أربعة جنود وجدوا أنفسهم وراء حدود العدو خلال الحرب وكيف تنازعتهم عوامل الخوف والرغبة في الحياة في وسط وضع متآكل. والتآكل صفة نفسية وجسدية يعبّر عنها كوبريك بوضع أبطاله في الحمامات: توم كروز ونيكول كيدمان في مشهد لهما في الحمّام وحديثهما عن تآكل علاقتهما. المجنّـد البدين يقتل نفسه في الحمّـام. وجاك نيكولسون يواجه خيالاته الزمنية وهو في الحمّـام أيضاً. وفيما يشبه الحمّام هناك مشهد ذي دلالة في فيلم «سبارتاكوس». 
لكن التآكل ليس محدوداً في الحمامات (وما يرمز إليه من إفراز مادة من الجسم هي نتيجة تآكل معوي الخ…). في أحد المشاهد القريبة من نهاية «2001 أوديسا الفضاء» هناك مشهد لنقلة زمنية: الملاح يتقدّم في ممر مضاء جيداً في منزل ما. ينظر جانباً. تتركه الكاميرا وتمسح أفقيا ما يراه وصولاً إلى باب مفتوح يؤدي إلى غرفة شاسعة حسنة الإضاءة ومزدانة بأثاث مريح. لا تدخل الكاميرا أول الأمر إذ نتابع فقط رجلاً  يأكل طعامه. الرجل يسمع أصواتاً. يترك مكانه ويأتي إلى الباب ينظر منه إلى الخارج. لكنه لا يرى الرجل الأول الذي عبّرت الكاميرا عن وجهة نظره. لماذا؟ لأنه الرجل الأول هو الرجل الثاني. ينظر إلى مستقبله ثم يتحوّل بالمطلق إليه.
التفعيلة ذاتها تتكرر بعد قليل. لأن وجهات النظر في السينما لا تستطيع أن تزدوج في مشهد واحد (هي إما لهذا أو لذاك من الأشخاص) فإن الكاميرا تدخل تلك الغرفة مع ذلك الرجل الذي وقف عند بابها مستطلعاً. إذاً هما واحد. يجلس من جديد ليأكل. تصطدم يده بكوب ماء فيقع وينكسر يقوم من مكانه. ينحني ثم ينظر إلى جانبه… هناك رجل مسن على ذلك السرير العريض الكامن إلى يمينه. مرة ثانية هذا الرجل (الثاني) هو ذات الرجل المسن الذي ينتظر الموت. خذ من هنا الرموز المرغوبة كما تريد.

وجدت شبهاً بين مشهد الغرفة الساطع بالأضواء ومشهد مماثل في The Shining. وحركة كاميرا منسابة. طبعاً في الفيلم الآخر الكاميرا تنساب سريعاً وراء الولد في أكثر من مشهد مذكّرة بسرعة إنسيابها في المشاهد الأولى للسيارة وهي فوق المرتفعات. هذه المشاهد يمكن أن نضمّـها إلى مشاهد الدهاليز لخلق الحالة المتكررة والتي ينشدها الفيلم لكي يرفع من سمات وأجواء المكان ومعانيه. 
في كلا الفيلمين هناك أصوات لأشياء. هناك في «السطوع» كثير منها. كيف يكون ذلك ونحن، إفتراضياً، في فندق معزول وخال من الناس بإستثناء أفراد العائلة الثلاثية و-من حين لآخر- ذلك الرجل الأسود الطيّب (سكاتمان ستروذر). مشهد للدلالة: يجلس هالوران يتحدّث والصبي عند طاولة مطبخ وبينما يحدّثه هناك أصوات لصحون وزحزحة كراسي… من يقوم بها؟ الفيلم لا يريد الإجابة على ذلك إمعاناً في توزيع مظلّـة من الغموض يختلط فيها ما هو واقع مع ما هو خيالي.
شخصيات كوبريك تفقد علاقتها بالواقع كلّما تعاملت معه وأكاد أقول كلّما تقدّم بها العمر. جاك هو نموذج واحد لكن شخصيات أفلامه الأخرى تفعل الشيء ذاته:
سترلينغ هايدن كانت لديه خطّـة لسرقة ميدان سباق الخيل والخطّـة نجحت لكنها لم تعمّر طويلاً. إنهارت فيما بعد عندما تداخل الجشع بعض الشخصيات المحيطة بها. «سترة معدنية واقية» منقسم إلى قسمين: الأول يدين المؤسسة العسكرية التي تنزع من الإنسان قيمته فينتهي الأمر به إلى أحد أمرين: إما أن ينتحر (كما يفعل فنسنت دأونوفورو) أو يقبل فيدخل حرباً كفيلة بانتزاع ما ربما تبقّـى له من قيمته. التكنولوجيا تقوم بمهام العمل على إنهاء دور الإنسان: الصاروخ النووي المبرمج لتدمير العالم في «دكتور سترانجلوف» والكومبيوتر العملاق الذي يود الإجهاز على الإنسان في «أوديسا الفضاء». في «كلوكوورك أورانج» هناك ذلك الشاب الذي للقضاء على جنونه الناتج عن حالة إجتماعية متحللة، يتم إدخاله برنامجاً حكومياً يخرج منه طائعاً مثل روبوت صغير.
كيفما نظرت إلى هذه الشخصيات تجدها قائمة على إنسان ضد مستقبل آيل إليه. هي محط نزاع بينها وبين ما لا تفهمه وربما استسلمت له على هذا الوضع. في «ممر المجد» وبالإضافة إلى رسالته المعادية للحرب أيضاً حديث عن الضابط الذي يحاول تدمير القالب الجامد الذي تعيش فيه المؤسسة العسكرية وهو يخسر في النهاية كون خياراته أقل من قدراته، ذات خسارة جاك نيكولسن في «سطوع» حيث لا مهرب له من دخول نفق الدهاليز… تلك التي يسقط في نهايتها عندها ويموت من الجليد متآكلاً في سرعة بالغة.


إبراهام لينكولن من مصدر المتاعب عند غريفيث إلى بطل قومي لدى سبيلبرغ

إنبرى معظم النقاد الأميركيين وجل المشهورين منهم إلى منح الفيلم الجديد «لينكولن» أعلى درجات تقديرهم. الإعجاب بمنتوج ستيفن سبيلبرغ الجديد شمل مايكل فيليبس من «شيكاغو تربيون» ومايك لاسال من «سان فرنسيسكو كرونيكل» وجو مورغنتسيرن في «وول ستريت جورنال» كما أ. أو سكوت في «نيويورك تايمز» وروجر أيبرت في «شيكاغو سن- تايمز».
فقط ناقد معروف واحد ممن تابعناهم خرج عن هذه القاعدة هو ركس ريد الذي كتب عن الملل الذي إنتابه خلال العرض في «نيويورك أوبزرفر» في حين منحه نقاد «فارايتي» و«ذ نيويوركر و«نيويورك بوست» علامات معتدلة.
بالنسبة للمخرج والمنتج ستيفن سبيلبرغ، الذي حظى بغالبية إعجاب مماثلة عن فيلمه الأخير «حصان حرب» على الرغم من مشاكل واضحة فيه، فإن «لينكولن» الذي سنعود إليه هنا في نقد خاص، هو بمثابة عودة إلى درامياته الإجتماعية التي إعتاد عليها سابقاً في «اللون قرمزي» (1985) و«أميستاد» (1997). كلا هذان الفيلمان  تعاطيا مع شخصيات أفرو-أميركية في مسعاها للتحرر. في الفيلم الأول تحرر السود من السود في حكاية عائلية عن الجور والعنف الجنسي وفي الثاني التحرر من طغمة العنصرية البيضاء التي أوغلت في منتصف القرن الثامن عشر في الولايات المتحدة. هنا في «لينكولن» المناسبة متاحة للعودة إلى طرح الجانب نفسه، لكن من خلال البحث في سيرة حياة الرئيس إبراهام لينكولن في سنوات حكمه وهي فترة قلقة إذ شهدت دعوته لتحرير العبيد والحرب الأهلية التي إندلعت بفعل هذه الدعوة.
إنها شخصية مركّـبة ومثيرة للإهتمام تناولتها السينما، مباشرة او من خلال التعرّض لها في عداد مواضيع أخرى، 207 مرّات من سنة 1902 وإلى اليوم مروراً بأعمال محض خيالية كذلك الذي شوهد قبل أشهر قليلة بعنوان «إبراهام لينكولن: صائد فامبايرز» الذي صنعه على هيئة قاتل مصاصي دماء أكثر من رئيس دولة لدرجة أن المرء كان يخشى أن ينجح الفيلم تجارياً إلى حد إطلاقه سلسلة يواجه فيها لينكولن وحوشاً أخرى بعناوين مثل «إبراهام لينكولن ضد وحوش من الفضاء» او «لينكولن ضد الرجل الذئب» او «معركة حياة أو موت: لينكولن ضد وحش فرنكنستين» او «لينكولن وشبح الأوبرا».
لكن معظم الأفلام التي تداولت الرئيس السادس عشر الذي تولّى الرئاسة في الثاني عشر من شباط/ فبراير سنة 1861 حتى إغتياله في الخامس عشر من نيسان/ أبريل سنة 1865) قدّمته على نحو جدّي إما في قصص حياة وسِـير كما الحال في واحد من أفضل الإنجازات الروائية ولو أنه ليس من أفضل أعمال مخرجه وهو «لينكولن الشاب» لجون فورد (1939) أو من خلال أعمال أبحرت في حياته ومهنته كما حدث حين أقدمت محطة NBC على إنتاج مسلسل بإسم الرئيس سنة 1988 لعب فيه سام ووترستون دوره.
في عداد كل ذلك، فإن النظر إلى التاريخ دائماً ما عني أمراً واحداً: التاريخ له أبواب مختلفة يدلف المخرج في الباب الذي يختاره وما يختاره يعود إلى موقفه الشخصي من الرئيس والحرب الأهلية وبالتالي من مسألة الرق والعبودية التي مزّقت البلاد ما بين 1861 إلى 1865
والإختيار كان متاحاً منذ البداية: المخرج مع او ضد أو يختار، عن صواب أو خطأ، موقف القاريء الحيادي. والباب الذي إختاره البعض كان مفجعاً كما الحال مع ديفيد وورك غريفيث حين قام بتحقيق فيلم «مولد أمّـة»، ليس لأن موقفه من الحرب كان تأييداً على بياض لـ "قضية" الجنوبيين الذين عارضوا منح السود حرّيتهم والذين دخلوا حرب الإنفصال ضد أميركيي واشنطن العاصمة وولايات الشمال فقط، بل أيضاً لأنه في أحد بطاقات الفيلم (وكان صامتاً بالطبع) يورد عبارة تخص لينكولن نفسه تقول: "ضعف القائد العظيم سوف يُـبلي الأمة". إنه فيلم من روائع السينما الصامتة فنيّاً لكنه من تراجيدياتها لأنه حمّـل السود الذين جيء بهم عبيداً من أفريقيا طرفاً من المسؤولية  إذ تقول عبارة واردة في مطلع الفيلم وهي تصوّر وصول السود إلى أحد الموانيء "زرع البذرة الأولى للإنشقاق". لاحقاً يتم تصوير السود خطراً ماحقاً على البيض وذريّتهم حين يصوّر مجنّدين سود يقتحمون منازل البيض بعد إنتصار الجيش الإتحادي في موقعة وفي بال كل منهم إغتصاب إمرأة بيضاء، ما دفع- حسب سيناريو كتبه مبشّر متطرف كمسرحية في الأساس أسمه توماس أف. ديكسون- عصبة الكوكلس كلان لكي تهب إلى نجدة البيض. ولم تتوقّـف الحملة في زهاء الثلاث ساعات من مدّة عرض الفيلم بل إمتدّت لما بعض العرض فالفيلم حفـّز بعض المشاهدين البيض للهجوم على جيرانهم السود وقتلهم ما دعا إلى منع الفيلم في عدد من الولايات الأميركية حينها ثم سحبه من عروض تلفزيونية برمج الفيلم لها سنة 1995.
أمر مؤكد واحد لصالح فيلم سبيلبرغ: لقد استعان بالممثل دانيال-داي لويس للعب الدور والجميع يوافق على أن الممثل الأيرلندي قدّم "لينكولن" على نحو مبدع يستحق عليه الأوسكار. قبله قام بتمثيله، لجانب ووترستون، ممثلون جيّدون وغير مشهورين عادة من بينهم جون أندرسن في «مؤامرة لينكولن» [جيمس كونواي- 1977]، رايموند مايسي في «آب لينكولن في إيلينوي» [جون كروموَل- 1940]. لجانب هؤلاء قام هنري فوندا، وكان ممثلاً مرموقاً لم تغرب عنه شمس النجومية حتى وفاته سنة  1982 بلعب هذا الدور في فيلم جون فورد «مستر لينكولن الشاب» (1939).


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2012
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system