أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Nov 15, 2012

غياب هاوي السينما | السينما الفرنسية (الجديدة) | شراء ديزني لحرب النجوم- تعليق | عملان تسجيليان مبهران حول قضية واحدة


YEAR 6 | ISSUE 764

أين هاوي السينما؟



هناك إحتمال، خطر ببالي وأنا أقرأ كتاب "حياة في العتمة" الذي وضعه برايان كَالو عن الناقدة الأميركية بولين كايل بعنوان Pauline Kael: A Life in the Dark أنني العربي الوحيد الذي يقرأ هذا الكتاب. إحتمال كبير جدّاً، ليس لأني فلتة زماني، وليس لأن سواي لا يقرأ- لا أقصد، بل لأني هاوي سينمائي حتى الأبد وهذا ما يتيح لي أن لا أكف عن مشاهدة الأفلام وقراءة الكتب السينمائية. 
بالنسبة للبعض، هواية السينما ليست ضرورية. الضروري هو الموقف الذي يتّـخذه المرء حيال السينما أو حيال فيلم أو مجموعة أفلام. هذا الكلام غير صحيح فكيف يمكن أن تأخذ هذا الموقف إذا لم تكن تهوى السينما؟ ألا تخشى أن تكون متعدّياً أو فضولياً أو وصولياً؟
بالنسبة للبعض الآخر… السينما حرام والصورة حرام والعالم الذي نعيش فيه والحياة التي نقوم بها، وحتى صلاتنا وصومنا حرام لأنه هو الذي قال كذلك؟ ولم يقول ذلك؟ لأنه يعتقد أن لديه مفاتيح المعرفة. الآن ينتقدون التمثيل والإخراج وغداً يغلقون آخر صالة في المدن التي تقع تحت وبالهم. 
بالنسبة للبعض الثالث… روح يا محمد فتّـش لك على شغل آخر بدل ما عمضيّع حياتك هدراً…. هذا بالمختصر المفيد.
لكن الحقيقة، كما أعرفها، أن هواة السينما قليلون. نعم هناك جمهور ونعم هناك قراء و-للأسف- هناك مليون كاتب مقالات سينمائية (معظمها مترجم ومستوحى ومقتبس ومنقول إلخ…) لكن أريد معرفة الهواة الحقيقيين. 
رسالة إلى بريدي الخاص من القاريء الصبور والمواظب عبد الرحمن عيتاني تقول: "هل لك أن تعود إلى قديمك قبل خمس سنوات عندما كنت تكتب لنا عن المخرجين ونظريات السينما وخفاياها؟".
فكّرت فيما يقصده، فأنا عملياً لم أتوقف الكتابة في هذه الأمور. لكن لحظةنعم مقالاتي في السنوات الأخيرة هي آنية أكثر. لها علاقة بسينما اليوم أكثر مما أريد أنا شخصياً أن تكون. لكن السبب في ذلك هو أنني لم أشعر أن هناك من يريد أن يعرف ويغرف. مثلاً لو كتبت عن الحداثة عند المخرج الإيطالي مايكلأنجلو أنطونيوني هل هناك من سيكترث للقراءة؟ ماذا لو كتبت عن تاريخ السينما البوليسية الفرنسية؟ او عن الأيام الأخيرة من حياة وأفلام أورسن وَلز؟ ماذا لو رغبت في دراسة عن مخرجي الخمسينات في السينما اليابانية؟ ماذا لو كتبت عن غريتا غاربو او عبد السلام النابلسي او هنري فوندا؟ هل قرأ أحدكم ما كتبته عن همفري بوغارت؟
لا أعلم. لا أعلم من يقرأ ماذا. كم هو صبور على المادة. هل يشعر بالحماس لمعرفة المزيد؟ هل يأخذ عنوان الفيلم مني ويجري بحثاً على الإنترنت ليشاهده؟ هل هناك من هو مهووس بالسينما سواي؟
بالتأكيد. إذاً أين هو؟
لو كنت من الذين يكتبون عن راغب علامة او هيفاء وهبي او في السياسة لكنت استلمت خطابات أكثر (لا أطلب منكم أن تكتبوا أو لا تكتبوا- لا علاقة لي بإختياراتكم)… ذات مرّة قرأت نحو سبعين رسالة  وتعليق حول عادل إمام في مشكلته مع الحكم الجديد. هل يستطيع ناقد ما أن يفوز بخمسة؟
لا. لأن هناك فارقاً بين القراء والهواة. الهاوي يريد معرفة الأكثر (كما حال الصديق القاريء عبد الرحمن عيتاني) لكن القاريء راض بما يعرفه إذا ما قرأه. كثيرون يكتفون بالعناوين. أعرف ذلك وهم يعرفون (هؤلاء لم يصلوا إلى هذا السطر لذلك أنتم لستم منهم).
ترى ما السبب؟ هل إختفى هاوي السينما؟ هل إختفى لأن البعض هاجم حب السينما والسينيفيليزم؟ أهو خطأ أن يحب المرء من يحب بإخلاص؟ أن يجعلها نسيم حياته؟ رحيق أيامه؟ أن يتقرّب منها أكثر وأكثر ويعرف فيها أكثر وأكثر؟ 
أحب أن أكتب عن أنطونيوني والحداثة او عن السخرية في أفلام فديريكو فيلليني او عن قمّة الواقعية في سينما يازاجيرو أوزو. أو عن وسترن جون فورد… لكني أتقاعس اليوم ولم أكن أتقاعس بالأمس ولسان حالي يقول: Who gives a damn؟ 
ربما أنا على خطأ. لكن فقط ربما وهذا بيدكم أن تبرهنوا عليه.




علامات في سينما الموجة الفرنسية الجديدة  

نفس لاهث | جان- لوك غودار
يأتي إطلاق مجموعة جديدة من أسطوانات الدجيتال حاملة عدداً من أفلام مجموعة السينمائيين الذين أسسوا ما عُرف بـ "موجة السينما الفرنسية الجديدة"، أمثال جان-لوك غودار وإريك رومير وفرنسوا تروفو للتذكير بأن تلك الموجة، وعلى عكس موجات أخرى لاحقة، كانت من بين الأكثتر تأثيراً. في الوقت نفسه،  على الرغم من أن عصر الدجيتال وصالات المولات وطغيان الأفلام السائدة، تبدو السينمات الأخرى كما لو كانت جزيرة معزولة عن الإهتمام الجماهيري الشاسع ومنطقة بعيدة ثقافياً عنّـا. تزورها المهرجانات فتطلبها وتمنحها في العديد من الحالات جوائز مناسبة، لكن فاصلاً كبيراً يقوم بينها وبين الإهتمام الجماهيري العام. 
في إعتبار كثيرين أيضاً، أن السينما الستيناتية التي شملت على بروز بديل للسينما الأميركية داخل السينما الأميركية نفسها، وخارجها في كل من العالم العربي والبرازيل وتشيلي والأرجنتين وبريطانيا وفرنسا وسواها من الدول، هي الآن مزارات يؤمّـها الهواة على قلّـة عددهم. ومع أن هذا المنظور لا يخلو من الصواب، الا أن الصورة الكاملة تفيد بالعكس: هناك عديد من سينمائيي اليوم تخرّجوا من المدرسة الواقعية الإيطالية والمدرسة البريطانية الجديدة والموجة الفرنسية الجديدة ويمارسون، على نحو واضح، تعاليمها. بالتالي، فإن الأثر موجود ولو أن التأثير على النطاق الجماهيري محدود.
بالنسبة للسينما الفرنسية فإن "الموجة الجديدة" بدأت بكتابات تلت الحرب العالمية الثانية أمّـها نقاد الكاييه دو سينما في الخمسينات أمثال فرانسوا تروفو وجان-لوك غودار وأندريه بازان وإريك رومير وكلود شابرول وجاك ريفيت. قبلهم، سنة 1948، كتب الناقد الذي سبق تروفو وغودار ورومير وشابرول وريفيت بالتحوّل إلى الإخراج، ألكسندر أستروك مقالاً بعنوان «مولد السينما الطليعية: الكاميرا- القلم" نشر في مجلة "الشاشة" (L'Ecran) في الشهر الثالث من ذلك العام وجد فيه أن السينما آيلة لأن تماثل التأليف بالنسبة للكتاب، وأن تتبوأ كوسيط تعبيري كحال فنون الرسم والموسيقا. 
لكن بإعتراف فرانسوا تروفو، فإن ما حققته تلك الموجة التي انطلقت مستقلة عن السينما السائدة لم يكن ليتبلور على منهج صحيح لولا فيلم "اللاجيء الصغير" لموريس إنجل الذي هو مصوّر سينمائي في الأساس حقق ثلاثة أفلام أولها ذلك الفيلم الذي أتمّ العمل عليه سنة 1953. حسب تروفو "سينمانا لم تكن لتلد لولا لذلك الأميركي الشاب موريس إنجل الذي أظهر لنا الطريق صوب إنتاج مستقل بفيلمه الممتاز هذا".

هوية مختلفة
تشكل الحروب حوافز للتغيير. ما أن تنتهي حتى يحاول المبدعون الإنطلاق من ثوابت جديدة في كل مضمار ممكن من الحياة الثقافية او الفنية. السينمات حول العالم تعاملت مع توابع حروب كل سينما على حدة بدرجات متفاوتة من النتائج تبعاً لاختلاف الظروف والثقافات ذاتها. بالنسبة لأوروبا فإن أكثر سينماتها تطوّراً في منهج جديد كانت الإيطالية بتوجّـهها صوب الواقعية الجديدة والفرنسية بتوجهها صوب ما عُرف ب "الموجة الجديدة"
كلاهما، في الحقيقة يعتمدان المفهوم العام للواقعية. الإيطاليون (روسيلليني، دي سيكا وسواهما)  انبروا إلى إبتكار سينما لا تتصل بتلك المنظّـمة والمنتجة تبعاً لـ "الفورميلا" المعهودة درامياً وإنتاجياً لجمهور محدد سلفاً، وساعدت حقيقة أن معظم الاستديوهات خلال الأشهر الأخيرة من الحرب أغلقت أبوابها على الإستغناء عن معدّاتها وأماكن التصوير المغلقة فيها والخروج إلى الشارع وبل استخدام ممثلين غير محترفين في الكثير من الأحيان.
في فرنسا فإن الإستلهام لسينما هي في خلاصتها واقعية النبض والتصوير والمنهج ومستقلّة بدورها عن السينما المؤسسة كلاسيكياً تبلور عما شكّل سريعاً الموجة الجديدة. 
أربعمئة نفخة  | فرنسوا تروفو
هنا لابد من الإشارة إلى أن مخرجين فرنسيين كباراً من طراز رينيه كلير وجان رنوار وجاك فيدر تركوا فرنسا خلال احتلالها ما ساعد على تشكيل نواة مخرجين جدد من بينهم من سبق الموجة الجديدة المتعارف عليها مثل رنيه كليمان (الذي استخدم في فيلمه «معركة خطوط القطار» (1946) أسلوباً سابقاً لواقعية الإيطالي جيلو بونتوكورڤو في «معركة الجزائر»).
إنه في الخمسينات ما أسس الناقدان جاك دونيال- فالكروز وأندريه بازان مجلة "كاييه دو سينما" وهما كانا متأثران بكتابات الناقد ألكسندر أوستروك الباحثة عن هوية جديدة للسينما الفرنسية. 
وواحد من أوّل ما أسسته المجلة المعروفة كان التأكيد على أن السينما الأفضل هي تلك المعبّرة عن الذات. بالتالي شكّـل هذا الأساس رفضاً للسينما المؤسسة بأسلوب تقليدي متعارف عليه. استمر التنظير لسينما مختلفة لمعظم سنوات الخمسينات وفي العام 1959 انتقل نقاد الكايية دو سينما واحداً إثر آخر إلى الإخراج فأنجز فرانسوا تروفو «الـ 400 نفخة» ثم تبعه جان-لوك غودار بـ «نفس لاهث» والباقون مثل إريك رومير وألان رينيه وأغنيس فاردا. بعد ذلك تشكّل جيل جديد من بينه لوي مال وجاك ديماي من دون أن ينقطع سبيل الجيل المؤسس. المهم ملاحظته أن الموجة لا تعني قطعاً سيادة أسلوب تعبيري واحد بين هؤلاء، فأفلام إريك رومير تختلف عن أفلام جاك ريفيت وهذه عن أفلام غودار او شابرول او تروفو. 
في الوقت ذاته، لم تقض الموجة الجديدة على السينما الفرنسية التقليدية، وفي الستينات والسبعينات كان هناك ثراءاً في الأساليب بحيث تجاورت هاتين السينماتين لجانب محاولات تنشد إختلافاً عنهما معاً مثل تلك التي أقدم عليه كلود ليلوش وألان روب- غرييه من بين آخرين عديدين.

شراء ديزني لـ "حرب النجوم"
أهي بداية جديدة أم نهاية   


 حينما إبتاعت مؤسسة ديزني المعروفة مؤسسة "لوكاسفيلم" قبل أيام، كانت بذلك تشتري كل شخصيات سلسلة «حرب النجوم» البشرية منها (الأميرة لايا، لوك سكايووكر، هان سولو) وغير البشرية (C-3PO وR2-D2 والغوريللا تشوباكا) وكل مخلوق بين البشر وغير البشر مما يخطر على بال سبق له وأن ورد في الأفلام الستّة التي حملت إسم السلسلة كما المسلسلات التلفزيونية الحيّة والأنيماشن وكل مشروع مقبل يتناول، بنص العقد، أي من الشخصيات التي ظهرت في هذه الأفلام. 
لقد اشترت ديزني "كوناً" من الخيال العلمي كان المخرج جورج لوكاس رصفه عبر سنوات دؤوبة بدأت العام 1977 عندما خرج الفيلم الأول «ستار وورز» وأنجز نجاحاً عملاقاً ليس بمقاييس تلك السنة فحسب بل بمقاييس السنوات اللاحقة أيضاً.
طبعاً، يمر من دون ذكر لا في العقد ولا سواه، أن شركات الأفلام الهوليوودية الضخمة جميعاً، رفضت تمويل المشروع عندما أمسك المخرج بالسيناريو ودار عليها مؤسسة مؤسسة لعله يجد الجهة المستعدة لتوزيعه. في نهاية المطاف وجد ضالته عندما أعادت شركة "تونتييث سنتشري فوكس" النظر ووافقت على توزيعه. لنا أن نتصوّر دهشتها من نجاح ذلك الفيلم الذي لم يكلّف أكثر من 11 مليون دولار لصنعه، لكنه جلب لا أقل من 897 مليون دولار حول العالم.

إمبراطورية فضاء
إنها حكاية نجاح لا تقع الا في هوليوود ولا تحدث الا للمؤمنين فعلاً بما يُسمّى بـ "الحلم الأميركي". إنها برهان على وجوده. قبل ذلك التاريخ، كان لوكاس (68 سنة) فتى يتلمّس طريقه حينما أنجز بضعة أفلام قصيرة ما بين 1965 و1968. بعض هذه الأفلام كان تسجيلياً (مثل «الإمبراطور»، «الحافلة») وبعضها الآخر روائي نظرة إلى الحياة» و«هيربي») لكن عمله لم يتوقّف عند فعل الإخراج، بل هو كتب وصوّر وساعد في الإنتاج والإخراج وقام بتوليف أفلام أخرى عديدة. كان همّـه البقاء على مقربة من حقول العمل السينمائي بحثاً عن فرصة لإطلاق صوته الخاص.
في تلك الفترة تعرّف على المخرج والمنتج فرنسيس فورد كوبولا وعمل في مكتب إنتاجه على فيلميه «قوس قزح فنيان» و«أناس المطر»). سنة 1971 واتته فرصة تحقيق فيلم روائي طويل كتب له قصّـته وقام أيضاً بمونتاجه هو  THX 1138. بعده ترك الفضاء وحقق كوميديا إجتماعية- شبابية بعنوان «أميركان غرافيتي» وذلك سنة 1973
من العام 1973 إلى العام 1977 لم يفعل شيئاً سوى الهوس بشيء أسمه «ستار وورز». ما أن أنجزه حتى باتت هوليوود كلها أرضاً منسبطة أمامه. فجأة هو أحد كبار المخرجين- المنتجين لجانب فرنسيس فورد كوبولا عبر «العراب» وستيفن سبيلبرغ عبر «جوز». 
من حينها، تضم لائحة أفلام لوكاس 80 فيلم من كتابته و67 فيلم  او حلقة تلفزيونية من إنتاجه و19 فيلم من إخراجه (بما فيها أفلامه القصيرة الأولى) و18 فيلم من توليفه بالإضافة إلى عدد أقل من الأعمال التي ظهر فيها مباشرة او غير مباشرة كممثل (ثمانية) او تلك التي صوّرها بنفسه (سبعة).
محور معظم هذه الأفلام هو واحد: "ستار وورز" وإثر أن برهن الفيلم عن نجاحه الكبير أنطلق المخرج- المنتج بتحقيق أفلام أخرى من السلسلة. سنة 1980 قام بإنتاج «الإمبراطورية تضرب من جديد» الذي جلب إليه إرفن كرشنر لإخراجه. بعد ذلك، في العام 1983 انتج «عودة الجيداي» من إخراج رتشارد ماركاند. ثم ابتدع خطوطاً ممتدة من هذا المشروع في كل إتجاه. فجأة صارت هناك شجرة بأغصن عديدة. هذا فيلم تلفزيوني بعنوان «إيووكس: معركة إندور» وفيلم آخر بإسم «دجاج روبوت» وحلقات تلفزيونية تحمل إسم «ستار وورز» ثم حلقات ومسلسلات أخرى بقصص مختلفة تحمل الإسم ذاته. وأضاف إليها أفلاماً وحلقات أنيماشن وابتكر جيشاً من شخصيات ألعاب الفيديو والكومبيوتر. هذا عدا تأسيسة مؤسسة تحمل إسمه لصنع وإنتاج تقنيات الأفلام الخيالية- العلمية والمؤثرات الخاصّة. بكلمة بنى لوكاس من فيلم واحد نواة إمبراطورية خاصّة به وما لبث أن اعتلاها أيضاً.
في العام 1999 قرر العودة إلى الشاشة الكبيرة بسلسلة جديدة من «ستار وورز» فاختار  ثلاثية تقع أحداثها قبل الثلاثية الأولى فكان «الأذى الشبح» (1999)  و«هجوم الكلونز» (2002) و«إنتقام سث» (2005) وهي أفلام أخرجها بنفسه بينما اكتفى بإنتاج «حرب الكلون» The Clone Wars الذي أخرجه ديف فيلوني سنة 2008

صفقات ديزني
بالنسبة لديزني الصورة كانت مختلفة. كما نعلم جميعاً بدأت الشركة كبيت لأفلام الكرتون في الثلاثينات وتوسّعت وكبرت في الخمسينات والستينات وما بعد. في الحقبة الأولى، كانت شكوى مؤسسها وولت ديزني أن هوليوود لم تنظر إلى ديزني وانتاجاتها وفنونها بعين التقدير. ديزني كانت مؤسسة صغيرة تتعامل ونوع لا يثمر عن أفلام كرتونية طويلة متواصلة. على عكس مترو غولدوين ماير، وورنر، كولمبيا، يونيفرسال، فوكس، باراماونت ويونايتد آرتستس، لا تستطيع صنع أفلام على نحو يومي (كما كان الحال آنذاك) بإستثناء ما قد توفّره على صعيد الأفلام القصيرة بطولة ميكي ماوس والعم دونالد دَك. 
في السبعينات قررت ديزني أن تتحوّل إلى مؤسسة شبيهة بباقي المؤسسات المذكورة فأخذت تقدم على تحقيق أفلام حيّة، ولو أنها كانت ملتزمة بالكوميديا العائلية. في الثمانينات دخلت مجال كل أنواع الدراما. في الوقت ذاته لم تعد المؤسسة الوحيدة المنتجة لأفلام الأنيماشن الطويلة بل انتقلت الوصفة إلى باقي الاستديوهات الأخرى. اليوم الأفلام الكرتونية التي تحققها دريمووركس وباراماونت وفوكس تنافس تلك التي تنجزها ديزني وأحياناً ما تتجاوزها فناً او إيراداً.
هذا التجاوز هو ما دفع المؤسسة المعروفة لشراء شركة «بيكسار» للأنيماشن سنة 2006. تلك كانت قدّمت، كشركة مستقلّة، أفلاماً ناجحة عديدة مثل «توي ستوري» و»حياة بقّة» و«مونسترز» و«البحث عن نيمو»، قبل أن تبتاعها ديزني في صفقة شملت كذلك كل شخصياتها الكرتونية ومشاريعها المستقبلية كما مكتبتها الخاصّة. الثمن الذي دفعته ديزني لهذا الإستحواذ هو 7 بلايين و400 مليون دولار

ديزني اعتبرت هذه الخطوة ضرورية لسد فراغ ولزيادة عدد المنتوج من أفلام الأنيماشن وهذا كان دافعها في صفقة أخرى. فبعد ثلاث سنوات قامت بإبرام اتفاق مع مؤسسة "مارفل" الشهيرة بشخصيات الكوميكس (من «ثور» إلى «سبايدرمان» و»ذ هَلك» إلخ…) فقامت بشرائها مقابل  حفنة أخرى من الدولارات بلغت أربع بلايين.
إستراتيجياً، الخطوة الحالية بالغة الأهمية بالنسبة إلى ديزني فحصّتها خلال العام الماضي من مجمل إيرادات السوق الأميركي في العام الماضي بلغت 12.2 بالمئة، مسجلة إيرادات بلغت 977 مليون و900 ألف دولار. الاستديو الأول في هذا التعداد هو باراماونت (الحصّة: 19.2 بالمئة والإيراد العام بليون و957 مليون دولار) ثم وورنر في المركز الثاني وصوني (صاحبة شركة كولمبيا) في المركز الثالث.
عالمياً، حيث بلغت إيرادات الشركات الأميركية مجتمعة 13 بليون 600 مليون دولار جاءت باراماونت أيضاً في المركز الأول تبعتها وورنر وحلّت ديزني الثالثة.
الإستراتيجية الحالية تقوم على أن تشترك "لوكاسفيلم" في سد الثغرات. ستديو ديزني سيواصل إنتاج أفلامه المعتادة. بيكسار تتكفّل بالأنيماشن. مارفل تتكفّل بالفانتازيا والأكشن الأضخم من الحياة و"لوكاسفيلم" تكون مشروع ديزني للخيال العلمي بأسره.
ولم تتأخر ديزني. مساء الأربعاء الماضي سارعت لإصدار إعلان يقول أنها تعمل حالياً على فيلم جديد من سلسلة «ستار وورز» يكون فاتحة أفلامها في هذا المضمار. في الوقت ذاته فإن شركة فوكس (مالكة حقوق توزيع الأفلام السابقة) تعمل على إنجاز أجزاء من السلسلة بالأبعاد الثلاثة. 


 بين منجم سامي تليلي ومنجم باربرا كوبل: عملان تسجيليان 
مبهران عن قضية واحدة.

يلعن أبو الفسفاط 
بداهة، إذا ما كانت الجائزة الأولى (جائزة اللؤلؤة السوداء) لمهرجان أبوظبي السينمائي في القسم التسجيلي ذهبت إلى فيلم «عالم ليس لنا» لمهدي فليفل، كيف يمكن تبرير جائزة "أفضل فيلم من العالم العربي" التي مُنحت إلى «يلعن أبو الفوسفاط» لسامي تليلي؟ 
أو إقلب السؤال: إذا كان «يلعن أبو الفوسفاط» لسامي تليلي أفضل فيلم عربي تسجيلي، فكيف يفوز «عالم ليس لنا» بجائزة أفضل فيلم؟ 
كلاهما جيّد ومؤلّـف من تحقيق يجريه كل فيلم لموضوعه، لكن العمل الذي هو أشد التصاقاً بموضوع آني هو «يلعن أبو الفسفات» في مقابل موضوع مستمر منذ أجيال فلسطينية ولبنانية كثيرة تعيش حالة الضنك والعبث الإجتماعي والإقتصادي الضارب أطنابه في كل صباح ومساء.  فيلم سامي التليلي هو الأهدأ منوالاً وأسلوباً. شيء مهم في المعالجة التي اختارها هذا المخرج لموضوعه يقرّبه من قضايا أخرى طرحتها أفلام غربية سابقة تحدّثت عن موضوع العمّـال والحقوق المهدورة وتأثير ذلك على المجتمع العمّالي والمدني بشكل عام يحضرني منها الفيلم السويدي 31  Adalin  والأميركي «هارلن كاونتي، الولايات المتحدة الأميركية» Harlan County, USA
«يلعن أبو الفوسفاط» يؤسس موضوعه سريعاً: الكاميرا تجوب المكان والوضع المعيشي الذي هو لبّ الموضوع. مناجم قفصة التونسية كما كان وضعها سابقاً ولا يزال: فرصة استثمار وإثراء للقلّـة على حساب الغالبية. لقد تم تشكيل الكيان الإقتصادي القابض على هذه المصلحة: الخيرات هي للمستثمرين والعمل المضني والحياة المتقشّفة والعناء والمخاطر والفقر هي ما يجنيه العاملون في ذلك المنجم من أبناء البلدة والمنطقة.
يبحث الفيلم بعد تأسيس ذلك الواقع في حوادث العام 2008 كيف انطلقت. ما الذي دعا إليها. من الذي خاضها. وكيف ووجهت، وإذ تتلقّف، سمعاً وبصراً حقائق على الأرض تثير النقمة- أو على الأقل- السؤال حول كيف يمكن لمثل هذا الوضع أن يستشري ويخرج من طوره الإنساني سريعاً ليصبح وصمة إجتماعية على جبين أي من المتسببين به، تكتشف سريعاً أن المسألة لم تكن، في ذلك العام الحاسم التي انطلقت فيه التظاهرات الشعبية معادية للوضع السائد، مشكلة قائمة بين مالك ومملوك، صاحب عمل وعمّال، او أثرياء وفقراء، مكتفين ومحتاجين، بل سريعاً ما تدخّـلت فيه حكومة زين بن عابدين لتضرب بكل قوّتها المتظاهرين ولتبطش بقضيّتهم.
يكشف لك ذلك من قام المخرج سامي التليلي بمقابلتهم من الذين اشتركوا في المظاهرات، بعضهم قُـبض عليه والبعض الآخر هرب إلى الجبال يحتمي فيها من ذلك البطش. خلال ذلك، وحتى من قبل أن يعلن الفيلم، على لسان بعض متحدّثيه أن الثورة التي خلعت حكم الرئيس التونسي السابق لم تبدأ سنة 2011 بل وُلدت في ذلك المكان والزمان الذي يبحث فيه «يلعن أبو الفوسفاط». حينها أخمدت السلطة النار او هكذا اعتقدت، لكن ما أخمدته هو ما ظهر منها وليس ما بقي مستعراً.
في هذا الفيلم تكتشف أيضاً موهبة مخرج يعرف ألفبائيات الأسلوب البحثي الصحيح للفيلم التسجيلي. تتكاثر الشخصيات التي تتولّى الحديث، لكن الفيلم لا يضيع بينها ولا تتزاحم المواقف بحيث يستطيع الفيلم أن يأخذ منها موقفاً حيادياً. نعم هو فيلم بأجندة سياسية كما يجب أن يكون وكما كان قبله عدد من الأفلام أهمها- على صعيد المقارنة على الأقل- فيلم باربرا كوبل «مقاطعة هارلن، الولايات المتحدة الأميركية".
حرب مقاطعة هارلن | باربرا كوبل
هذا الفيلم، الذي صوّرته المخرجة على سنوات، بدءاً من العام 1972، وخرج للعروض سنة 1976، وهي السنة التي نال فيها الأوسكار كأفضل فيلم تسجيلي، يدور حول وضع مماثل في لبّه: عاملو المناجم في مقاطعة هارلان، في ولاية كنتاكي قاموا بإضراب امتد ثلاثة عشر شهراً طلباً لأجور أفضل وسعياً للإنضمام إلى إتحاد عمال المناجم. خلال هذه الفترة، وما سبقها من مسببات ثم ما تلاها من نتائج، نتابع مخرجة مؤمنة بدورها بالقضيّة التي تثيرها كما بعمّال ليس لديهم ما يخسرونه فوق ما خسروه من أوضاع معيشية. ولأن السُـلطة وأصحاب المؤسسات الإقتصادية عادة ما يتكاتفون في مواجهة أي وضع يهدد مصالح تلك المؤسسات، فإن المضربون عن العمل واجهوا هجوماً شرساً من قِـبل رجال الشرطة ومن قِـبل أزلام (او شبّيحة كما هو دارج القول هذه الأيام) أصحاب المنجم لتفريق المتظاهرين بالقوّة دافع فيها المضربون عن أنفسهم وبعضهم أبلى جيّداً، لكن التجربة كانت مريرة وبعد مقتل عامل هدد موته بتوسيع رقعة هذه الحرب بين الفرقاء، قامت السلطات الفدرالية بالضغط على أصحاب المنجم لتسوية الأمور سلمياً  ورفع أجور العاملين. 
باربرا كوبل، التي التقيت بها قبل نحو عشرين سنة في مهرجان اسطنبول السينمائي، لم ترتد بدورها إلى الوراء وتخفف من موقفها المتضامن حتى ولو تم تلوين الفيلم سياسياً به. ما هو مثير للإعجاب في كلا الفيلمين، التونسي والأميركي، هو أن درجة التضامن من قبل مخرجيهما لا تعلوان فوق حسن تحقيق وإخراج العملين بوعي سينمائي تنفيذي يصب في مكانه. إنهما عملان فنيّان مبهران في الوقت الذي يؤدّيان فيه الرسالة الإجتماعية على أفضل وجه.



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2012
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

7 comments:

  1. أستاذ محمد رضا السلام عليكم ..

    تعقيباً على مقالة "أين هاوي السينما؟" بكلمتين: نحن هنا!
    لقد طلبت نسختي من كتابة Pauline Kael: A Life in the Dark .. وحضرتك من الأهمية التي لا تقدر بجملة أو تعقيب أو كتاب بأكمله ..

    http://www.amazon.com/Pauline-Kael-A-Life-Dark/dp/0143122207/ref=wl_it_dp_o_pC_nS_nC?ie=UTF8&colid=1N6OB3CYL0VMH&coliid=I13A8WVXN1MW2A

    استمر ونحن معك.
    مهند الجندي.

    ReplyDelete
  2. صبحي عبد الحميدNovember 19, 2012 at 8:18 AM

    بسم الله الرحمن الرحيم
    أعتقد أستاذ محمد أن المسألة هي مسألة ان الانسان العربي يمر بفترة حرجة من حياته الثقافية والسياسية وكل شيء. وان هذا يمنعه من التركيز على الموضوع الثقافي بصفة عامه فنحن لو قارنا كل المواقع التي تتناول العمل السينماءي بالنقد والتحيل سنجد ان نسبة القراءة متدنية جدا اذا قارناها بنسبة قراء المواقع السياسية او حتى المواقع الاخبارية الخفيفة. هذا واقع مؤسف ولا تعاني انت منه فقط بل كل المواقع الاخري. لقد احصيت عدد الذين يدخلون موقعا معينا على الانترنت فبلغ 30 شخص في اليوم رغمما يصرفه كاتب ذلك الموقع من وقت ومن جهد ملحوظ. وشكرا على ما تكتبه وتحضره لنا الذي هو بالفعل متميز وبل شديد التميز عن اي موقع اخر
    صبحي عبد الحميد

    ReplyDelete

  3. رأيي من رأي القاري ء الأول فنحن جميعاً هواة سينما جادين ولو أننا نمارس عملنا بصمت. أنت بذلك تكون صوت الصامتين . تتكلم عنا وتواكب الجديد فنحن يا استاذ نتعلم منك وبصمت ايضا
    عبد الرحمن الشاعر

    ReplyDelete
  4. تحياتي إلى جهودك. كلامك صحيح خصوصاً بهالفترة القاسية. مخزوننا من المعرفة السينمائية ينضب لولاك ولولا نقاد آخرين مثل ابراهيم العريس ونديم جرجورة وكم واحد. ساهر وحدو

    ReplyDelete
  5. على الرغم من تناولك الصريح لما حدث بينك وبين مهرجان الدوحة الا أن المسألة تثير الحزن على الواقع السينمائي الذي نمر به نحن نقاد السينما العرب. ماذا نقول أكثر من ذلك؟

    ناقد وزميل...

    ReplyDelete

Disqus Shortname

Comments system