أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Nov 5, 2012

الناقد وفلسفة الفيلم | سكايفول: يؤرخ لعالم جديد | حول شراء ديزني لإمبراطورية "حرب النجوم" | ألوان كريستوف كيشلوفسكي الثلاث


YEAR 6 | ISSUE 762

الناقد وفلسفة الفيلم | هل سألوك قبل أن يقرروا عنك؟ | محمد رُضا

أشاهد هذه الأيام بعض الأفلام الجديدة المرسلة لي على أسطوانات وذلك تمهيداً للتصويت لجوائز الغولدن غلوبس. إلى جانبها لدي اشتراكات خاصـة تتيح لي مشاهدة أفلام أخرى من تلك التي لا أمل في توزيعها في أي مكان في العالم (بما فيها بلد المنشأ أحياناً). أسطوانات غير مقرصنة على "بلو راي" او النظام العادي وبنحو واضح دائماً. التنكولوجيا تتيح للناقد اليوم، ولغير الناقد طبعاً، أن يُشاهد الفيلم في راحة منزله وعلى الشاشة التي يختار وفي الجو الذي يريد. يتيح لك أن توقف العرض حين يرن جهاز الهاتف، او توقفه حين تشعر بالجوع او توقفه حين يخطر لك أن تكتب ملاحظة عما تراه او حين يشغلك صوت خارجي ليسألك إذا كنت تنوي الخروج اليوم او في الغد.
طبعاً يتيح لك أن تدرس الفيلم على نحو لم تكن تستطيع أن تفعله في صالات السينما… هذا هو الإعتقاد الشائع… لكن هل هذا صحيح؟
كيف، لو كان صحيحاً، جرت عملية كتابة أفضل المقالات التحليلية لأفلام الروائع قبل اختراع الأسطوانات والوسائط الإلكترونية؟ كان الناقد يرى الفيلم بمعية جمهور إما عادي او متخصص. يجلس فوق مقعده مسترخياً أو متحفّزاً. كان يذوب في الصالة والآخرين حيال الطروحات التي يتولاها الفيلم فوق الجميع. صحيح دائما ما كان هناك تفاوت في نوعية الإستقبال، لكن لحظة عرض الفيلم فإن التأثير شامل. لا يوجد ما يجعلك تتذكر، كما الحال في البيت، أنك تنتمي- جسداً على الأقل- للحياة.
ودعوني أضع كل ذلك في كلمات أخرى: في العام 1968 شكا الناقد البريطاني الراحل رايموند دورغنات أن العروض المنزلية المتاحة على شاشات التلفزيون (قبل الفيديو وأسطوانات اللايزر والأسطوانات الحديثة وعروض الكومبيوتر) تؤثر في درجة ونوعية إستقبال الفيلم: "الصور المتحركة أصبحت منتشرة كما الطباعة. أصبحت تستدعي تركيزا وطاقة عاطفي أقل من السابق واشتراك من المشاهد أقل أيضاً. المشاهد الذي كان عادة ما يتفاعل مع الفيلم أصبح الآن يأخذ ملاحظات"
أسأل نفسي الآن ماذا لو بقي حيّاً ليعرف ما آلت إليه العروض السينمائية اليوم. أولاً وقبل أن أجيب على هذا السؤال كل ما سأذكره يبدو آلياً وطبيعياً وتلقائياً. هل لا يزال هناك من يفكر كيف يمشي؟ او باللحظة التي عليه أن يفتح فمه لإسقاط اللقمة فيه؟ او في سرعة الإستجابة الى وخز في الخاصرة؟ أو كيف نستنشق الهواء؟ هل غريب أن تشاهد شجرة؟ لا… لكن المخيف هو أنه صار أيضاً من الطبيعي أن نفتقد الشجرة. بكلمات أخرى، الأفلام منتشرة حولنا بكل طريقة ممكنة: عن طريق تنزيلها على الكومبيوتر او مشاهدتها من دون تنزيل، او عن طريق الأسطوانات. تستطيع أن تشترك، حسب موقعك في هذا العالم، بمن يوفّر لك آخر الأفلام مقابل اشتراك شهري. تدفع. تصلك رسالة إلكترونية تعطيك "كلمة سر" والموقع وما عليك سوى أن تنقر وتدخل وتشاهد. أليست الغاية هي أن تشاهد؟

إذا كنت مصرّاً على مشاهدة الفيلم على الشاشة الكبيرة في الصالات المخصصة لذلك، فإن التجربة معك، كواحد من الغالبية الا إذا كنت مختلفاً مثلي، هي التالية: تشتري البطاقة. تشتري الطعام والكولا. تدخل الصالة. تحتل مقعداً. تفتح الهاتف وتطالع بريدك عليه. ربما كنت طلبت بريدك قبل أن تشتري البطاقة بدقيقة، لكن التلقائي، وقد شاهدت ذلك بأم عيني، هو الجلوس وفتح الهاتف في الدقيقة ذاتها. إذاً باتت حركة معتادة مثل أن تبادر حين تنام إلى إغماض عينيك. 
ستأكل وستشرب وستتولى إرسال رسالة وفحص موقع والرد على مخابرة قبل أن يبدأ عرض الفيلم. عرض الفيلم ليس إيذاناً بأن عليك أن تتخلّى عن أنانيّتك. سيخطر لك فجأة أن عشر دقائق مرّت عليك منذ أن فحصت فيها بريدك؟ هو قلق أكثر من ضجر لأن الفيلم لن يسبب الضجر إلى درجة أن يدعوك إلى فعل شيء آخر. هذا كلّـه إذا كنت فرداً واحداً. أما إذا كنت واحداً من إثنين وأكثر فعليك إما أن تقول شيئاً او ترد على شيء يقال لك.

حسناً، الأمر لم يكن على هذا النحو أيام دورغنات. هذا ما كان الأمر عليه:
تدخل صالة كبيرة. الصالة بشاشة عريضة. الشاشة أمامها ستارة. هناك موسيقا خافتة في الصالة (إذا كانت أولى). الناس تدخل تباعاً وتتوزّع في الأرجاء. جموع جاءت تشاهد الفيلم ذاته. تدق ساعة كبيرة دقة واحدة. إنها اللحظة التي ستفتح الستارة عن اللحظة التالية، لحظة بدء الصورة- الثانية الأولى منها- على الشاشة. الستارة تفتح إما صعوداً كما لو أنها ستودّعنا للأبد أو من النصف إلى الجانبين كما المسرح. في الحالتين كانت تقول سأنحب من الوجود لساعتين. 
إنها لحظة لبداية رائعة. هناك فاصل ربما واهن لكنه ليس بالفعل كذلك تمثّله الستارة بين العالم الذي تركته وراءك وذلك الذي ستتقدّم إليه. وما أن يبدأ العرض حتى يجدك وقد رفعت يداك مستسلماً. لا هواتف ولا إتصالات ولا رسائل إلكترونية ولا حديث شفهي في صالات السينما (الا في بعض مدننا)
حين يبدأ الفيلم فإننا جميعاً تحت سطوته. أنت ذائب في المجموع من دون وعي. والجميع تحوّل إلى شريك فيما يعرض. الذهاب إلى السينما كان الحدث الأسبوعي لمعظم الناس. كان المتعة الكاملة التي تشترك فيها كل الحواس والبعض كان يذهب للسينما كل يوم او أربعة مرّات في الأسبوع او ثلاثة. الإقبال كان كاسحاً وأسعار التذاكر رخيصة. الحياة بأسرها كانت رخيصة وهاوي السينما كان لديه عالماً واحداً ونصف. العالم هو السينما والنصف هو حياته خارجها.
ليس من باب المقارنة مع اليوم لأن معظم من قرأ إلى هذا السطر يعلم ما سأقول. لكن الغاية ليست نوستالجية (ولا ضير إذا كانت) بل محض علمية: في زمن ولّى كان الفيلم هو المهيمن على المشاهد. اليوم المشاهد هو المهيمن على الفيلم. يوقفه. يعيده ويؤخره. يلغيه. عتمة السينما استبدلت بنور البيت. ما كان يوماً أحد عناصر تسلل الفيلم إلى ذواتنا صار قابعاً في صندوق لا يستطيع أن يخرج.
وضمن ذلك كلّه اختلفت الكتابة.

معظم من يكتب النقد السينمائي اليوم يشاهد أفلامه على الكومبيوتر او على شاشة التلفزيون. البعض، حتى يتسنّى له مبدأ "الخبطة الصحافية" او "الخبطة النقدية" إذا أردت، لا مانع لديه أن يشاهده على الكومبيوتر مقرصناً. حتى وإن لم يكن فإن غياب شاشة الصالة والتجربة الكبيرة لمشاهدة الفيلم فيها إقتناص من دور الفيلم ومن دور الناقد على حدة.
أهل العلم وتجار الإقتصاد والتكنولوجيا والعلوم، أهل السياسة والإدارات والمصالح الكبرى لم يسألوك إذا ما كنت توافق على كل هذه التغييرات التي أصابة حياتك. لم يسألوك إذا كنت تريد استخدام الأعلاف الطبيعية او تلك الجينية المخلوطة لحماً وهرمونات. النتيجة أنهم سمموا الحيوانات وحافظنا نحن على شراء اللحوم.
لم يسألوك إذا ما كنت تريد أراضي الزرع طاهرة ونقية بل عمدوا إلى حبوب وبذور جينية وكيماوية على المزارع نثرها فوق أرضه لكي تضاعف كم المزروع. النتيجة مروعة. حسب علماء تحتاج الأرض إلى نحو 35 سنة لكي تصلح نفسها بعدما أفسدت تربتها الكيماويات. وبالنسبة للطعام…. أكثر من نصف السكان حول العالم يأكلون ما يحصلون عليه حتى وإن لم يكن قمحاً حقيقياً او فاكهة أصلية. الشكل شكل عنب والطعم مثل نشارة الخشب. 
لم يسألوك حين نشروا الأسلحة النووية. حين حرموك من الصناعات لقاء استيراد ما تريد. حين لوّثوا البيئة. حين قتلوا الثروة السمكية. حين جففوا الأنهار وتسببوا في الفيضانات وحين جعلوا البلاد ترزح تحت أعباء الديون وحين أباحوا لقوى أن تقتل وأخرى أن تُـقتل. لم يسألوك لأنك لست أكثر من "زبون". نقطة ماء في اليم. لكن النقاط المتكاثرة إذا ما سارت في وجهة واحدة أثرت في اليابسة. فاضت او تسببت بالروي. السحابة الواحدة لا تفعل شيئاً. إذا ما تجمّعت جلبت المطر. وأنت وحدك لا تفعل شيئاً. مع آخرين يدركون عما أتحدث فيه وعنه يستطيعون التغيير. 
إذ لم يسألوك عن كل هذه الأمور المصيرية في حياة النفس البشرية، لم يسألوك أيضاً إذا ما كنت تحب أن تلغي التقليد السينمائي بل غيّروه لك. ولا حسنات ومباديء وأخلاقيات الإنسان بل قاموا بإتلافها ناشرين مباديء إستغلالية وحاثينك على أن ترفض كل ما سبق وتؤمن بأن الآتي هو أفضل. خدعوك بسيارات ملوّنة وسريعة وحجبوا عنك فن السيارة. الأسلوب الخاص بكل إنتاج. المعدن الأصلب الذي كانت تُصنع منه. خدوعوك في الدواء وفي الطعام وفي الهواء. أنت زبون ورقم يدفع وصاحب المصلحة المختفي بعيداً عن العين   قبض.  
استغلوك ولا زالوا وأنت صمت ولا تزال صامتاً. حتى ناقدك (غيري فأنا على الأقل أكتب عن هذا الموضوع دائماً) أكثر صمتاً من الفيلم الصامت نفسه. لا يكترث لما يحدث لأنه إما لا يعلم او لا يريد أن يعلم فيكترث فيختار الطريق الصعب للحياة.
هذا كلّّـه كلام في النقد وفلسفة السينما التي وحدها لا زالت تحاول التحذير. ترتفع إلى مصاف راق حاملة رسائل مكتوبة بمداد الحقيقة. كلام في النقد وفلسفة السينما لأن كيف ينظر الناقد إلى الفيلم هو جزء من نظرته إلى العالم. هو كالفيلم مع او ضد او حيادي. الأول والثاني موقف لمن يريد الحوار. الثالث هو الذي يمشي ملتصقاً بالجدار خشية أن يتعرّض لأذى… غير مدرك أن الأذى تعرّض له آخر مرّة  تنفس فيها.


Skyfall | يؤرخ لعالم جديد على جيمس بوند 

كيف يتعامل فيلم "سكايفـول" مع  أوضاع
العالم الراهن؟ وهل خسر الغرب حربه ضد
الإرهاب؟ محمد رُضا يجيب.

في العام 1962 إتخذ الزعيمان الراحلان جون ف. كندي ونيكيتا خروتشيف وضعاً قتالياً حول جزيرة كوبا كانت تبنّت النظام الشيوعي بينما تبنّت موسكو الدفاع عنه وأرسلت طاقماً من صواريخها الموجّهة إلى الساحل الأميركي غير البعيدة. البيت الأبيض، في المقابل، هدد بالتدخل العسكري إذا ما استلمت كوبا صواريخها المنصوبة. الوضع إزداد توتراً والحرب الباردة سخنت والسباق إلى القمر زاد الأمور تعقيداً.  في ذلك العام، تحديداً، وُلد فيلم جيمس بوند الأول متشرّباً الحرب الباردة بالكامل. اليوم، وبعد خمسين سنة ليس هناك كندي وليس هناك خروتشيف، لكن جيمس بوند لا يزال موجوداً.
«سكايفول» حصد إيرادات عملاقة في عروضه البريطانية مسجّـلاً 20 مليون باوند (نحو 32.4 مليون دولار) في أيامه الثلاث الأولى. بذلك هو ثاني أعلى الأفلام التي أنجزت إيرادات في "الويك إند" الأول لها من بعد «هاري بوتر والمقدّسات المميتة- 2». هذا الرقم هو أعلى بنحو سبعة ملايين جنيه عما حققه «كازينو رويال» في العام 2006 وأكثر بنحو خمسة ملايين جنيه عما حققه «كمّ العزاء» (2008). 
خمسون سنة منذ أن ظهر شون كونيري بالشورت على شاطيء الكاريبي وجلس تحت شجرة صغيرة يرقب أرسولا أندرسن تظهر من الماء بالبيكيني كما لو كانت حورية. لكن بوند الحالي لا يتمتّع بما كان بوند الأول يتمتّع به. في الأفلام الثلاثة التي قام دانيال كريغ ببطولتها قلّـما تجد على وجهه إبتسامة او في وقته متّسعاً للراحة وهو بالكاد يعيش حياة مترفة وحتى الأجهزة الرائعة التي كانت متاحة لشون كونيري وروجر مور من سيارات تنقلب إلى غواصات، وأقلام حبر تصلح لكي تحمل متفجرات او زر كم يحتوى على خيط مشدود يتيح لبوند استخدامه للإنتقال بين مرتفعين. كل ما لدى بوند العصر الحالي هو مسدّس لا يعمل إلا ببصمته، وآلة صغيرة ترسل إنذاراً في وقت الخطر. 

إنه عالم غير العالم الماضي. الحرب الباردة كانت شلالاً من الثلج بالمقارنة. او كما تقول رئيسته "م" (جودي دنش) في هذا الفيلم "بالأمس كنا نعلم من هم أعداءنا. الآن لا وجه للأعداء ولا بلد او خريطة. نحن الآن في وضع أخطر مما كنا عليه سابقاً". تقول ردّاً على استجواب الحكومة لها حينما تبيّن أن أحدهم خرق أسرار المخابرات البريطانية لتؤكد أن أشرار الستينات والسبعينات كانوا أكثر وضوحاً من أقرانهم اليوم.
هذا الجزء الثالث والعشرون من سلسلة بوند أكثر تعاملاً مع العالم الحاضر ومشاغله ومشاكله. صحيح أن الإرهابي الذي في الفيلم لا ينتمي إلى كتلة سياسية او دينية، بل هو إرهابي، إسمه سيلفا ويقوم بدوره جافييه باردم،  يعمل لحسابه ويعيش فوق جزيرة كانت آهلة بالسكان قبل أن يستولي عليها من سكّانها بعدما أشاع أن تلويثاً نووياً أحاق بها. سيلفا لديه حساب قديم مع رئيسة الإستخبارات "م" التي، حسب وصفه، نكّـلت به قبل عشرين سنة. بدورها تعيش "م" كابوساً فهي أصدرت الأمر بإطلاق رصاصة صوب هدف غير ثابت. الرصاصة أصابت بوند ولم تصب عدوّه. بوند مات… لقد سقط في الماء وشاهدناه يغرق على أنغام أغنية المقدّمة التي تغنيها أديل. هذا في الدقيقة العاشرة من الفيلم.
حقيقة أنه ظهر فجأة من دون اكتراث الفيلم لتحديد الكيفية مدروس بحد ذاته. بعد خمسين سنة بوند فإن هذه الشخصية، بصرف النظر عن حقباتها المتغايرة، باتت أسطورة والأسطورة لا تموت. في الواقع، موتها الإفتراضي وظهورها بعد ذلك هو مثل ترسيم حدود عريضة يختلط فيها الموت بالحياة. صحيح أن أفلاماً أخرى كثيرة قدّمت أبطالها كما لو ماتوا في مكان ما من الفيلم، لكن ذلك التقديم، في أغلب الأحوال، كان أقرب إلى التفعيلة التشويقية. هنا هو أقرب إلى تجسيد بوند كحضور وجداني. 
على هذا كلّـه وعلى الرغم من أن العالم الذي يتعامل الفيلم الجديد معه هو واقعي بمخاوفه من حروب إرهابية تستخدم فيها التكنولوجيات الرقمية والإلكترونية على نحو يتجاوز الخيال، الا أن المشكلة- الصميم هي شخصية. لم يعد الروس والهنود والصينيون أعداءاً. قضى بوند في السنوات الأربعين الأولى على تلك الشخصيات التي كانت تعمل خارج حدود دولها لتشعل فتيل حرب عالمية هنا او الإضرار بالإقتصاد الدولي هناك. بوند منذ استلام دانيال كريغ البطولة يعمل على حل مشاكل شخصية إلى حد بعيد. عداء مهني بين بوند ورئيسته. حالات إنتقام شخصي. أشرار لا يكترثون لمن يربح الحرب المقبلة بل يريدون الإقتناص من بوند لذاته (وفي هذا الفيلم من "م"). بوند في مداولاته في الأفلام العشرين السابقة هو غيره في الأفلام الثلاث الأخيرة. حتى مشاهد الحب ليست مثيرة والعري ليس مجّـانياً والوقت المخصص لها محشور. في بوند اليوم لا يوجد ما هو سعيد يزخر بفرص السخرية.
بوند بذلك يختلف عن ذلك الذي أحبّه البعض لمغامراته، وكرهه البعض لسخريته الهازئة من كل شيء. بوند الحالي يُـصاب ويتألّم ويشكو ويشعر بالضير. إنه شخصية طوّرته السيناريوهات الأخيرة حتى أصبح إنساناً. في ذلك يلتقي وشخصيات "السوبر هيرو" الأخرى: باتمان يكشف عن ملامح إنسانية، كذلك بورن في سلسلته الجاسوسية. بوند لا يستطيع، كمشروع مرشّح للإستمرار لسنوات أخرى قادمة، أن يتصرّف كما كان سابقاً. الحياة الحاضرة لا تسمح له بذلك. 
أخرج هذا الفيلم سام مندس جمال أميركي»، «الطريق إلى الهلاك» من بين أخرى) وهو ينجز بلا تردد أحد أفضل أفلام بوند منذ تاريخه الأول. في بعض النواحي أفضلها بالفعل. سابقاً ما حاول آخرون شحن بوند ببعض الفن، لكن شغل مندس، وبينما هو مثير ومشوّق للغاية، هو أيضاً عمل مشغول بفن في عناصر وبصرياته كلها.

تحقيق | شراء ديزني لـ "حرب النجوم": أهي بداية أم نهاية؟ 

في الإسبوع الماضي تمّت صفقة
قيام ستديو ديزني بشراء إمبراطورية
جورج لوكاس. هنا نظرة على خلفيات
القرار وما قد يؤول إليه وضع سلسلة 
Star Wars

 حينما ابتاعت مؤسسة ديزني المعروفة مؤسسة "لوكاسفيلم" قبل أيام، كانت بذلك تشتري كل شخصيات سلسلة «حرب النجوم» البشرية منها (الأميرة لايا، لوك سكايووكر، هان سولو) وغير البشرية (C-3PO وR2-D2 والغوريللا تشوباكا) وكل مخلوق بين البشر وغير البشر مما يخطر على بال سبق له وأن ورد في الأفلام الستّة التي حملت إسم السلسلة كما المسلسلات التلفزيونية الحيّة والأنيماشن وكل مشروع مقبل يتناول، بنص العقد، أي من الشخصيات التي ظهرت في هذه الأفلام. 
لقد اشترت ديزني "كوناً" من الخيال العلمي كان المخرج جورج لوكاس رصفه عبر سنوات دؤوبة بدأت العام 1977 عندما خرج الفيلم الأول «ستار وورز» وأنجز نجاحاً عملاقاً ليس بمقاييس تلك السنة فحسب بل بمقاييس السنوات اللاحقة أيضاً.
طبعاً، يمر من دون ذكر لا في العقد ولا سواه، أن شركات الأفلام الهوليوودية الضخمة جميعاً، رفضت تمويل المشروع عندما أمسك المخرج بالسيناريو ودار عليها مؤسسة مؤسسة لعله يجد الجهة المستعدة لتوزيعه. في نهاية المطاف وجد ضالته عندما أعادت شركة "تونتييث سنتشري فوكس" النظر ووافقت على توزيعه. لنا أن نتصوّر دهشتها من نجاح ذلك الفيلم الذي لم يكلّف أكثر من 11 مليون دولار لصنعه، لكنه جلب لا أقل من 897 مليون دولار حول العالم.

إمبراطورية فضاء
إنها حكاية نجاح لا تقع الا في هوليوود ولا تحدث الا للمؤمنين فعلاً بما يُسمّى بـ "الحلم الأميركي". إنها برهان على وجوده. قبل ذلك التاريخ، كان لوكاس (68 سنة) فتى يتلمّس طريقه حينما أنجز بضعة أفلام قصيرة ما بين 1965 و1968. بعض هذه الأفلام كان تسجيلياً (مثل «الإمبراطور»، «الحافلة») وبعضها الآخر روائي نظرة إلى الحياة» و«هيربي») لكن عمله لم يتوقّف عند فعل الإخراج، بل هو كتب وصوّر وساعد في الإنتاج والإخراج وقام بتوليف أفلام أخرى عديدة. كان همّـه البقاء على مقربة من حقول العمل السينمائي بحثاً عن فرصة لإطلاق صوته الخاص.
في تلك الفترة تعرّف على المخرج والمنتج فرنسيس فورد كوبولا وعمل في مكتب إنتاجه على فيلميه «قوس قزح فنيان» و«أناس المطر»). سنة 1971 واتته فرصة تحقيق فيلم روائي طويل كتب له قصّـته وقام أيضاً بمونتاجه هو  THX 1138. بعده ترك الفضاء وحقق كوميديا إجتماعية- شبابية بعنوان «أميركان غرافيتي» وذلك سنة 1973
من العام 1973 إلى العام 1977 لم يفعل شيئاً سوى الهوس بشيء أسمه «ستار وورز». ما أن أنجزه حتى باتت هوليوود كلها أرضاً منسبطة أمامه. فجأة هو أحد كبار المخرجين- المنتجين لجانب فرنسيس فورد كوبولا عبر «العراب» وستيفن سبيلبرغ عبر «جوز». 
من حينها، تضم لائحة أفلام لوكاس 80 فيلم من كتابته و67 فيلم  او حلقة تلفزيونية من إنتاجه و19 فيلم من إخراجه (بما فيها أفلامه القصيرة الأولى) و18 فيلم من توليفه بالإضافة إلى عدد أقل من الأعمال التي ظهر فيها مباشرة او غير مباشرة كممثل (ثمانية) او تلك التي صوّرها بنفسه (سبعة).

محور معظم هذه الأفلام هو واحد: "ستار وورز" وإثر أن برهن الفيلم عن نجاحه الكبير أنطلق المخرج- المنتج بتحقيق أفلام أخرى من السلسلة. سنة 1980 قام بإنتاج «الإمبراطورية تضرب من جديد» الذي جلب إليه إرفن كرشنر لإخراجه. بعد ذلك، في العام 1983 انتج «عودة الجيداي» من إخراج رتشارد ماركاند. ثم ابتدع خطوطاً ممتدة من هذا المشروع في كل إتجاه. فجأة صارت هناك شجرة بأغصن عديدة. هذا فيلم تلفزيوني بعنوان «إيووكس: معركة إندور» وفيلم آخر بإسم «دجاج روبوت» وحلقات تلفزيونية تحمل إسم «ستار وورز» ثم حلقات ومسلسلات أخرى بقصص مختلفة تحمل الإسم ذاته. وأضاف إليها أفلاماً وحلقات أنيماشن وابتكر جيشاً من شخصيات ألعاب الفيديو والكومبيوتر. هذا عدا تأسيسة مؤسسة تحمل إسمه لصنع وإنتاج تقنيات الأفلام الخيالية- العلمية والمؤثرات الخاصّة. بكلمة بنى لوكاس من فيلم واحد نواة إمبراطورية خاصّة به وما لبث أن اعتلاها أيضاً.
في العام 1999 قرر العودة إلى الشاشة الكبيرة بسلسلة جديدة من «ستار وورز» فاختار  ثلاثية تقع أحداثها قبل الثلاثية الأولى فكان «الأذى الشبح» (1999)  و«هجوم الكلونز» (2002) و«إنتقام سث» (2005) وهي أفلام أخرجها بنفسه بينما اكتفى بإنتاج «حرب الكلون» The Clone Wars الذي أخرجه ديف فيلوني سنة 2008

صفقات ديزني
بالنسبة لديزني الصورة كانت مختلفة. كما نعلم جميعاً بدأت الشركة كبيت لأفلام الكرتون في الثلاثينات وتوسّعت وكبرت في الخمسينات والستينات وما بعد. في الحقبة الأولى، كانت شكوى مؤسسها وولت ديزني أن هوليوود لم تنظر إلى ديزني وانتاجاتها وفنونها بعين التقدير. ديزني كانت مؤسسة صغيرة تتعامل ونوع لا يثمر عن أفلام كرتونية طويلة متواصلة. على عكس مترو غولدوين ماير، وورنر، كولمبيا، يونيفرسال، فوكس، باراماونت ويونايتد آرتستس، لا تستطيع صنع أفلام على نحو يومي (كما كان الحال آنذاك) بإستثناء ما قد توفّره على صعيد الأفلام القصيرة بطولة ميكي ماوس والعم دونالد دَك. 
في السبعينات قررت ديزني أن تتحوّل إلى مؤسسة شبيهة بباقي المؤسسات المذكورة فأخذت تقدم على تحقيق أفلام حيّة، ولو أنها كانت ملتزمة بالكوميديا العائلية. في الثمانينات دخلت مجال كل أنواع الدراما. في الوقت ذاته لم تعد المؤسسة الوحيدة المنتجة لأفلام الأنيماشن الطويلة بل انتقلت الوصفة إلى باقي الاستديوهات الأخرى. اليوم الأفلام الكرتونية التي تحققها دريمووركس وباراماونت وفوكس تنافس تلك التي تنجزها ديزني وأحياناً ما تتجاوزها فناً او إيراداً.
هذا التجاوز هو ما دفع المؤسسة المعروفة لشراء شركة «بيكسار» للأنيماشن سنة 2006. تلك كانت قدّمت، كشركة مستقلّة، أفلاماً ناجحة عديدة مثل «توي ستوري» و»حياة بقّة» و«مونسترز» و«البحث عن نيمو»، قبل أن تبتاعها ديزني في صفقة شملت كذلك كل شخصياتها الكرتونية ومشاريعها المستقبلية كما مكتبتها الخاصّة. الثمن الذي دفعته ديزني لهذا الإستحواذ هو 7 بلايين و400 مليون دولار
ديزني اعتبرت هذه الخطوة ضرورية لسد فراغ ولزيادة عدد المنتوج من أفلام الأنيماشن وهذا كان دافعها في صفقة أخرى. فبعد ثلاث سنوات قامت بإبرام اتفاق مع مؤسسة "مارفل" الشهيرة بشخصيات الكوميكس (من «ثور» إلى «سبايدرمان» و»ذ هَلك» إلخ…) فقامت بشرائها مقابل  حفنة أخرى من الدولارات بلغت أربع بلايين.
إستراتيجياً، الخطوة الحالية بالغة الأهمية بالنسبة إلى ديزني فحصّتها خلال العام الماضي من مجمل إيرادات السوق الأميركي في العام الماضي بلغت 12.2 بالمئة، مسجلة إيرادات بلغت 977 مليون و900 ألف دولار. الاستديو الأول في هذا التعداد هو باراماونت (الحصّة: 19.2 بالمئة والإيراد العام بليون و957 مليون دولار) ثم وورنر في المركز الثاني وصوني (صاحبة شركة كولمبيا) في المركز الثالث.
عالمياً، حيث بلغت إيرادات الشركات الأميركية مجتمعة 13 بليون 600 مليون دولار جاءت باراماونت أيضاً في المركز الأول تبعتها وورنر وحلّت ديزني الثالثة.
الإستراتيجية الحالية تقوم على أن تشترك "لوكاسفيلم" في سد الثغرات. ستديو ديزني سيواصل إنتاج أفلامه المعتادة. بيكسار تتكفّل بالأنيماشن. مارفل تتكفّل بالفانتازيا والأكشن الأضخم من الحياة و"لوكاسفيلم" تكون مشروع ديزني للخيال العلمي بأسره.
ولم تتأخر ديزني. مساء الأربعاء الماضي سارعت لإصدار إعلان يقول أنها تعمل حالياً على فيلم جديد من سلسلة «ستار وورز» يكون فاتحة أفلامها في هذا المضمار. في الوقت ذاته فإن شركة فوكس (مالكة حقوق توزيع الأفلام السابقة) تعمل على إنجاز أجزاء من السلسلة بالأبعاد الثلاثة. 


ملفات ميسر المسكي | كريستوف كيشلوفسكي: حين يروي اللون دواخل الإنسان٠

كان الناقد السوري الصديق ميسر
المسكي كتب هذا المقال خصيصاً
لـ "ظلال وأشباح" ونشر هنا سابقاً.
هنا أعيد نشره راجياً للزميل الذي 
يعيش في حلب زوال الأزمة ودوام
السلامة- م. ر


لم يأتي كيشلووفسكي إلى عالم السينما عن قصد ٍ وتخطيط، بل أن الظروف قادته إلى الإلتحاق بمعهد ٍ للتدريب على تقنيات المسرح كان يملكه أحد أقربائه. و هو قال لاحقا  أن لو قريبه ذاك كان يملك مصرفا  لكان كيشلووفسكي الآن يعمل في مجال المال و المصارف٠
تقدمَ كيشلووفسكي مرتين بطلب ٍ للإنضمام إلى معهد لودج البولوني الشهير للسينما (من خرّيجيه: أندريه فايدا ورومان بولانسكي) لكنه رُفض. في المرة الثالثة قـُبل طلبه. تخَرَجَ كيشلووفسكي من المهعد عام 1968 و عَملَ في السينما الوثائقية سنوات طوال نالَ فيها سمعة طيبة، قبل أن يُقدم على أول إنتاج سينمائي روائي له و ذلك في فيلم "موظفين" عام 1975. ينقل أصدقاء كيشلووفسكي عنه أنه قد أقسمَ مرة أنه لن يعمل إلا ّ بالسينما الوثائقية و لن يعمل خارج بولندا. لكن يبدو أن مخرجنا ما كانَ قد أقسمَ إلا ّ ليكسر قسمه. في عام 1991 قـَدّمَ كيشلووفسكي فيلمه الأول خارج بولندا بتمويل فرنسي "حياة فيرونيك المزدوجة". النجاح الذي صادفهُ الفيلم سَمَحَ بتأمين التمويل الفرنسي لثلاثية كيشلووفسكي "ثلاثة ألوان: أزرق، أبيض، أحمر" و هي ألوان العَلـَم الفرنسي. كيشلووفسكي أسقـَط َ رؤياه الخاصة على معاني الألوان تلك. فالأزرق هو عن الحرية، الأحمر عن الأخوّة، أما الأبيض فهو عن المساواة٠
لم يتناول كيشلووفسكي رموز الألوان تلك من المنظور السياسي بل من المفهوم الميتافيزيكي لحالة شخصيات أفلامه الثلاث. حصدت هذه الأفلام الكثير من النجاح و الإحتفاء بها في المهرجانات العالمية٠
توفي كريستوف كيشلووفسكي عن عمر يناهز 54 عاما  إثر مضاعفات عملية قلب ٍ مفتوح خَضَعَ لها بعد إصابته بنوبة قلبية و ذلك عام 1996٠

"أزرق" - 1993

فيلم كيشلووفسكي الأول في الثلاثية هو عن الحرية. حرية الفرد من آلامه. حرية الفرد من ذكرياته التي تعذبه. حرية الفرد في إختيار حياة بدون٠
 " ذكريات، حب، و لا حتى أطفال".
الفيلم عن رحلة أمرأة تحاول إنتشال نفسها من قاع اليأس عبر تخليها عن كل ما يربطها بالماضي الذي لا تعود ذكرياته إلا ّ لمزيد ٍ من تمزيق الروح التي إستكانت إلى نفي ذاتها خارج الماضي ...والحاضر! ٠
مُرهَف فيلم كيشلووفسكي. و رهافته حادّة كنصل السكين٠

جولي (جولييت بينوش في دور لامع و آخّاذ)، زوجة موسيقي شهير و إبنتهما يتعرضون لحادث سيارة على طريق ٍ ريفية. يقضي الزوج و الإبنة و تنجو جولي بجراح ٍ عميقة في الجسد و الروح. تحاول الإنتحار وتتراجع. عليها الآن أن تواجه ذكرياتها التي تداهمها في كلّ لحظة من حياتها و التي تقودها كلّ مرة إلى مواطن أعمق من الألم. تُقرر جولي الإنقطاع التام عن ماضيها. تبيع المنزل الذي طالما كان جزءا من الماضي، تنقل والدتها إلى دار للمسنين، تحرق المخطوطة الموسيقية الأخيرة التي كان يعمل عليها الزوج. و في تصفية حساب ٍ أخير مع الماضي تدعو صديق العائلة، و الذي كانت طالما تعلم أنه يحبها لكنه لم يجرؤ على البوح أيام كانت زوجة صديقه الموسيقي، تدعوه إلى ليلة حبٍ أخيرة و تغادر خلسة  عند الصباح إلى حياتها الجديدة التي أرادتها حُرّة  من كل الماضي. حياة لا صعود فيها و لا هبوط، لا هضاب و لا وديان، لا تعاسة ولا سعادة. هي حياة مسطحة إلى اللانهاية٠
كيشلووفسكي لا يستدّر عطفنا و لا دموعنا لمأساة جولي. هنا ليس هناك من ميلودراما إنفعالية تدفعنا للتماهي مع آلام جولي الثكلى بزوجها و إبنتها. يترك المخرج مسافة صريحة بين الشخصية و المـُشاهد. كيشلووفسكي لا يبحث عن مناديل تخرج من الجيب لتكفكف الدمع. بل يبحث عن دراسة في الموت و الحزن و الطبيعة المـُدمّرة للذاكرة. عن محاولة أمرأة لإن تعيش من جديد في حياة حرّة من الماضي٠
أداء جولييت بينوش البديع للشخصية يضيف لهذه المسافة بيننا و بين جولي. أداء منضبط، ملجوم، لا يستدّر التعاطف. نعلم أن الألم حاضر في كل ساعات أيامها، لكنها لا تـُظهره. هي لا تريد التواصل مع الناس حولها. لا تريدهم في عالمها الجديد و لا ترغب أن تدخل عوالمهم. و حتى عندما يصل الألم إلى ذروته داخل جولي فهي تـُنزل بنفسها ألم ٍ جسدي لكي تـُفرّغ هذه الشحنة من العذاب. (مشهدٌ قاس ٍ حين تمرر جولي ظهر يدها العارية على جدار ٍ حجري شديد الخشونة. و في المشهد التالي نرى أثر الندوب على يدها. بينوش قالت أنها أدّت هذا المشهد بشكل حقيقي)٠
أغلب لقطات الفيلم مُقرّبة (كلوز - آب) فـ كيشلووفسكي يريد الإقتراب من جولي و الدخول إلى عالم  حُزنها الدفين و الذي لا تريد هي أن تشارك الآخرين به. هذه اللقطات المـُقربة التي تسيطر على الفيلم، هي محاولة جولي التركيز على الأشياء الصغيرة المـُحيطة بها لإغلاق عالمها الداخلي المكسور بالحزن على كل ما يذكرها بالماضي كما يشي برغبتها في البقاء متحررة من أي إرتباط إنساني مع الأفراد اللذين تلتقيهم في حياتها الجديدة والمتوحدة التي إختارتها٠
في واحدة من تلك اللقطات الـُمقرّبة نرى جولي تـُمسك بمكعب سكر ناصع البياض و تغطـّس طرفه بفنجان القهوة، فتنتشر القهوة السوداء بسرعة في المكعب و يبدأ بالتفكك. لقطة واحدة بديعة تصف حالة جولي حين إنتشرَ سواد الحزن في حياتها إثر فقدانها للزوج و الإبنة.
كيشلووفسكي، و رغم جوّ الحزن القاسي المـُسيطر على الفيلم، يُبقي السؤال دائما  مموها : هل تستطيع جولي أن تبقى مفصولة عن الحياة حولها؟ هل ستعوضها محاولاتها المتكررة للعودة إلى ذاكرة الجنين قبل الخلق (مشهد يتكرر حيث جولي تغطس في المسبح و تبقى تحت سطح الماء) عن علاقة إنسانية مع من يحيط بها؟
جولي حرّة في أن تختار الحياة أو الموت. كما أنها حرّة في رغبتها الإستقلال عن آلامها. لكن هل تستطيع إغلاق روحها عن الحياة؟
في مشهد أخير بديع و شديد البلاغة، ترافقه موسيقى أوركسترالية عالية النبرة، نرى جولي جالسة في فراشها دامعة العينين فيما تمرّ و ببطء صور كل اللذين إلتقتهم في حياتها الجديدة. لقد أمتصّت وجودهم إلى داخلها، أصبحوا ذاكرتها الجديدة. صارَ لها حياة من جديد. على وجه جولي في اللقطة الأخيرة نرى شيء ما قد يشبه الإبتسامة قبل أن تتلاشى الصورة في السواد٠
نالَ الفيلم جائزة أفضل فيلم و أفضل ممثلة في مهرجان فينيسيا لذلك العام٠

"أبيض"- 1994

في الجزءالثاني من ثلاثيته يتناول كيشلووفسكي برؤياه الخاصة مفهوم المساواة الذي يرمز له اللون الأبيض في العلم الفرنسي. إنها المساواة التي يسعى إليها كارول، المهاجر البولندي الذي يجد نفسه على قارعة الرصيف بعد أن طلـّقته زوجته الفرنسية لإنه لم ينجح في أداء واجبه الزوجي في زواج ٍ لم يعمّر أكثر من ستة أشهر٠
إذا  ، كارول مُعدَم الحال، غارق في الحنين إلى وطنه، مُهان من زوجته، لكن في داخله تتـّقد الرغبة بأنتشال نفسه من القاع الذي بلغه و العودة إلى السطح ليبلغ المساواة مع زوجته (الفرنسية جولي ديلبي) التي لم تترك فرصة إلا لتعمّق من  إحساسه بالذلّ.

داخل حقيبة صديق بولوني يضغط كارول جسده (لا يملك جواز سفر و لا المال لإستصدار واحد جديد) لأربع ساعات في رحلة جويّة تنقله من باريس إلى وارسو. في المطار يسرق اللصوص الحقيبة و حين يكتشفون خيبتهم بمحتوياتها يوسعون كارول ضربا  و يرمونه في خلاء مُقفر. كارول الذي تغطي الكدمات وجهه، ينظر حوله ويقول بسخرية : " الوطن أخيرا "٠
في بولونيا يبدأ سعي كارول (دور لا ينسى للممثل البولوني زبينغيو زاماكوسكيالدؤوب لتكوين ثروة ترفعه من الحضيض و حين يفلح بذلك يبدأ بنصب فخّ مُحكم للإنتقام من زوجته الفرنسية التي يستدرجها إلى بولونيا٠
في "أبيض" عليك أن تقبل الدخول في لعبة كيشلووفسكي الغريبة لتكتشف و تستمتع بحس الطرافة الداكن والدفين لشخص ٍ يبحث عن المساواة بزوجته التي لا زال َيحبها و يكرهها في آن. مساواة تحمل طعم الإنتقام. كيشلووفسكي لا يتيح لنا معرفة ما سيأتي إلا ّ بالقدر الذي يجعلنا متعلقين بسيرة كارول نحو المساواةالإنتقام. لكن منذ البداية يشي لنا المخرج بحال كارول المقهور في باريس. فعلى درج المحكمة التي يقصدها كارول لحضور جلسة الطلاق من زوجته يمرّ بين سرب ٍ من الحمام على الدرج، تطير الحمامات، يرفع كارول رأسه ليتابع أحدها بشغف ٍ ساذج، و فجأة تتبرز الحمامة عليه. مخذول و مُحرَج،  يمسح كارول براز الحمام عن كتفه ويدخل المحكمة حيث تكتمل حلقة إذلاله بإعلان زوجته أمام الجميع أنه غير قادر على القيام بواجبه الزوجي٠
كارول الذي بنى ثروة و أستدرج طليقته إلى بولونيا، يفلح أخيرا  في ممارسة الحب معها، لقد بلغ َ المساواة و من بعد ذلك يبدأ بلعبة الإنتقام الغريبة و المفعمة بالحبّ الذي ما فارقه نحو زوجته٠
كيشلووفسكي يرسم عبر أفلام ثلاثيته خطـّا  بالكاد مرئي يجمع بينها. ففي هذا الفيلم و في جلسة المحكمة و في لقطة سريعة تكاد تغفل عنها لو حركت عينيك بعيدا  عن الشاشة لثوان، نرى جولي (جولييت بينوش من الجزء الأول: أزرق) تحاول دخول القاعة لكن الشرطي المولج بالأمن يمنعها.
كما أنه في الأفلام الثلاث يتكرر مشهد تلك المرأة العجوز المحنية الظهر التي تحاول أن تضع زجاجة في صندوق النفايات المخصص للزجاج لكن فتحة الصندوق مرتفعة و تبدو المرأة دائما  بحاجة للعون. في "أزرق" فإن جولي التي أختارت الإنفصال عن محيطها لا تساعد السيدة. لكن في فيلمنا الثالث "أحمر" فإن فالنتين الباحثة عن التواصل مع الآخرين تعين السيدة العجوز في وضع الزجاجة في صندوق النفايات٠
 يتركك فيلم "أبيض"، فيلم يتركك محتارا  فيما إذا كان عن المساواة مع الآخر، أم عن الإنتقام منه،  أم الهيمنة عليه. اللون الأبيض في فيلم كيشلووفسكي هو في أكثر درجاته قتامة. قد لا يكون "أبيض" يحمل تلك الشحنة النفسية والعاطفية التي يسبرها كيشلووفسكي ببراعة في "أزرق"، لكنه بالتأكيد له مناخه الخاص في دراسة الجوانب الداكنة والمتناقضة في مسألة الحبّ و المساواة٠
نالَ الفيلم جائزة أفضل مخرج في مهرجان برلين السنمائي لذلك العام٠

"أحمر" - 1994

أختار َ كيشلووفسكي اللون الأحمر، و الأخير، في ثلاثيته ليكون عن الأخوّة. لكن ربما كان من الممكن أن نقول أن "أحمر" هو عن كل ما كان يمكن أن يكون و لم يحدث٠
الفيلم عن شخصيات يتقاطع وجودها و حياتها و لهفتها، لكن لا تلتقي٠
فالنتين، شابّة تعمل كفتاة إعلان و عارضة أزياء. نعلم أن لديها صديق لكننا لا نراه بل نسمعه على الهاتف. عبر الشارع من شقتها يسكن شاب على وشك أن يصبح قاضيا  و له صديقة يتكرر حضورها الفعلي في سياق الفيلم٠
طوال الفيلم فالنتين و الشاب الذي سيصبح قاضيا  تتقاطع خطوط حركتهما (عبر الشارع كل ٍ إلى شقته، أو في المقهى الجاور، أو في حديقة الحيّ...) لكنهما لا يلتقيان ، لا يتعارفان. كل ٍ منهما ساهي عن وجود الآخر. كلٍ منهما يبحث عن آخر ينتمي و يتوق إليه. لكن ذلك لا يحدث. و يترك لنا كيشلووفسكي مساحة للتخيل: ماذا لو إلتقيا؟

في ليلة، تدهس فالنتين (تؤديها أيرين جاكوب بحضور ٍلافت) كلبة  كانت تعبر الشارع. تصيبها بجروح ثخينة، لكنها تحملها إلى طبيب يعالجها و من ثمّ تعيدها إلى العنوان المدوّن على طوق الكلبة، حيث تلتقي بقاض ٍ سابق، متقاعد لا يكترث لما حَلّ بكلبته بل و حتى يطلب من فالنتين أن تأخذها لنفسها. اللقاء المتوتر الأول بين فالنتين والقاضي لا يلبث أن يتكرر. لكن في كل مرّة ينفتح كل ٍ للآخر قليلا  إلى أن يجدا مساحة للبوح عن دواخلهما٠
القاضي (يلعب الدور بأقتدار الفرنسي المخضرم جانلوي ترنتينيان) يحمل جرحا  قديما  حين خانته زوجته وغادرت مع رجل ٍ آخر. لم يستطع أن ينساها. و حين توفيت، بعد سنوات بعيدا  عنه، لم يستطع أن يُحب أمرأة غيرها. اليوم هو يتنصت على إتصالات جيرانه و يراقبهم عبر النافذة و يكتشف لوعتهم و شغفهم و بحثهم عن ما كان يمكن أن يكون٠
كيشلووفسكي يترك لنا حرية التخيل أنه كان يمكن لفالنتين أن تعوّض القاضي عن زوجته الراحلة، لكنهما ألتقيا متأخرين أربعين عاما . هو على حافة الرحيل و هي لا تزال تبحث عن إحتمالات الحياة القادمة٠
 كما أن قصة هذا القاضي العجوز تتقاطع مع ذلك القاضي الشاب الذي يكتشف فجأة أن صديقته تخونه مع رجل ٍ آخر، فيقرر الهرب من صدمته إلى البر الإنكليزي عبر المانش و على عبارة تتواجد عليها فالنتين الذاهبة لملاقاة صديقها هناك. عاصفة بحرية تضرب العبّارة التي تنقلب و تأخذ معها أرواح المئات.
القاضي المتقاعد يتابع بقلق على التلفزيون التقريرالإخباري الذي يتحدث عن نجاة حفنة من الركاب الذين لا نلبث أن نرى وجوههم على الشاشة، هم كل من لـَعبَ أدوارا  رئيسية في الثلاثية: جولي (جولييت بينوش)، (جولي ديلبي)، فالنتين (أيرين  جاكوب)، و القاضي الشاب و.......!٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2012
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system