أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Oct 20, 2012

أحوال شائكة من تونس والجزائر | تهميش دور المنتج | خلفيات ونتائج مهرجان أبوظبي


 YEAR 6 | ISSUE 760

سنوات ضوئية |

تهميش دور المنتج 

 يتحدّث الجميع في السينما العربية، في داخل المهرجانات وخارجها، عن المخرجين. إنهم كل شيء، كما يتردد. هو المؤلّـف وهو المفكّـر وهو المبدع وهو الصانع و"الكل بالكل". وهي صفات يمكن مناقشتها خصوصاً حين يأتي الأمر لما يعرف بسينما المؤلّـف. تلك التي تبدو مثل جدار عازل بين فريقين من السينمائيين: واحد يكتب سيناريوهاته وينفّذ أفلامه على نحو أسلوبي، والثاني الذي يستند إلى سيناريوهات مكتوبة له وينفّـذ أفلامه حسب الفورميلاً. لكن هناك واحداً من الصفات التي أضيفت إليه منذ سنوات أنه هو المنتج أيضاً.
إنه من سمات النقد السينمائي الآني المؤسفة الإستجابته السهلة لكل ما يبدو اختلافاً. كثير من الذين يفضّلون سينما المؤلفين يفعلون ذلك لأنهم أيديولوجياً ضد السينما الجماهيرية. هذه الأخيرة لابد أنها خالية من القضايا والفن لمجرد أنها غير مؤلّـفة من قِبل مخرجيها او غير مستقلّة. وعلى العكس طبعاً فإن الفيلم المستقل او المؤلَّف هو السينما التي تستحق الإشادة والتقدير.
هذا خطأ شائع وجسيم. القائمون به لا يحبّون السينما. ليس كل السينما على أي حال، وتقسيمهم لما هو جيّد وما هو رديء لا يؤخذ بعين الإعتبار أن هناك جيّـد ورديء في كل نوع وفي كل شأن. ذلك لأن الإبداع ليس محصوراً في نوع سينمائي دون آخر او في نوع إنتاجي دون آخر. السينما ليست للتجزأة. تشتريها جميعاً لأنك تحبّـها. لاحقاً ما تفصّـل حسب الفيلم وليس حسب ما تستهويه أنت.
ما يزيد الطين بلّة هو أمر آخر.
بما أن المخرج هو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة، يعتبر البعض، فلم لا نتعامل معه على هذا الأساس في كل شيء. ما فعلته المهرجانات السينمائية الثلاث عربياً وبضع مهرجانات أخرى عالمية هو التعامل مباشرة مع المخرج كمنتج. فجأة صار عليه أن يأخذ مهاماً جديدة لا علاقة له بها. عليه تحمّل مسؤوليات وتبعات قد لا يدري كيف يتعامل معها. ذلك أنه حين تتقدّم جهة داعمة  تنتمي إلى أحد المهرجانات الرئيسية في منطقتنا، لمخرج لكي تدفع له سلفاً كل او بعض تكاليف فيلمه بغنى عن المنتج، فإن ما تقوم به هو تهميش دور لا يجوز تهميشه يقوم (وعليه أن يقوم) على كتفي المنتج وليس المخرج. 
التعامل المادي المباشر مع المخرج على أساس أنه هو صاحب العمل، يكلّف السينما العربية أحد أهم أركانها. وهو أمر لم تدّعيه السينما العالمية لا تلك التي تنتهج أسلوب سينما المؤلّف ولا تلك التي تخرج عنه. لكننا نفعل ذلك وفي بالنا أننا نخدم المخرج الذي تحوّل بعضه إلى خامة مفادها التجارة بفيلمه المصنوع، ولو إفتراضاً، على أساس أنه ليس تجارياً.


مهرجان أبوظبي السينمائي الدولي  

خلفيات جوائز مهرجان أبوظبي السينمائي
Gebo and His Shadow |  جيبو وظلّـه لمانويل دي أوليفييرا

سار كل شيء على ما يرام في حفلة توزيع الجوائز ليلة أمس الأول،  إلى حين قيام شخص عربي من لجنة تحكيم الأفلام الروائية بالوقوف أمام المايكروفون والتوجّـه إلى الحاضرين بخطبة طويلة وفي غير مكانها، سادها التلعثم وكلمات التفضيل وتفسير ما لا حاجة لتفسيره. وكما لو أن ذلك وحده لم يكن كافياً، أصر السينمائي على ترجمة ما قاله إلى الإنكليزية المكسّـرة التي لم يفهم منها الأجانب شيئاً في حين كانت الإدارة خصصت مترجمة متخصصة لتترجم للأجانب الموجودين كل ما يُنطق بالعربية. مع خبط الرجل الكلمات بعضها ببعض حاولت المترجمة فهم ما يقصد وتعذّر عليها ذاك في بعض الأحيان. 
الجيّـد في هذا الشأن أن خطبة العربي غير العصماء جاءت في نهايات الحفل. ما سبق (نحو ساعة وثلث) كان سلساً وناجحاً وخالياً من الهفوات. حفلة الختام كانت تشابه الدورة بأسرها: مدروسة ومحددة وعملية. قبل وقوف ذاك على المنصّـة ليقول شيئاً مثل "عادة يفتخر الفيلم باستلامه جائزة، لكن هذه المرّة تفتخر لجنة التحكيم بالفيلم" (!)، لم يطل وقوف أحد. الكلمات كانت مقتضبة وفي مكانها. البهجة انتشرت والنتائج جاءت في صالح كل من قدّم عملاً جيّداً مع وجود ذلك التفاوت بين التوقّعات.
حسناً، لم يكن الفيلم التركي «أراف: مكان ما في الوسط» ليسم أوسطاأوغلو الذي فاز بجائزة اللؤلؤة السوداء أفضل ما عُـرض من أفلام شاركت في مسابقة الفيلم الروائي، لكنه كان واحداً من أفضلها لجانب «في البيت» للفرنسي فرانسوا أوزون و«جيبو والظل» للبرتغالي مانويل دي أوليفييرا و«مانموتش» لنوري بوزيد، لكن كل واحد من هذه الأفلام، بإستثناء «جيبو والظل» كانت لديه مشكلة تكمن ما بين السيناريو والإخراج. ما تميّز به «أراف» التركي هو همّـه الإجتماعي الكبير متناولاً حكاية فتاة تعمل في مطعم تلتقي بسائق شاحنة وتحبل منه في لحظة حلمت بها بخلاص من وضع عاطفي واجتماعي متأزم لتكتشف أنها تُـركت وحيدة لمواجهة مستقبل غامض. في الموازاة هناك حكاية الشاب الذي كان يحبّها بصمت والذي يوجّـه جمّ غضبه إلى بيت أسرته التي تعاني التصدّع حين يعلم بما حدث مع من يحب. لا يخلو الفيلم من تلك العناصر الميلودرامية، لكنه يتجاوز الهبوط في حفراتها أكثر من مرّة، وفي المرّات التي يسقط فيها يبقى شاغلاً للعين وللإهتمام بفضل توليفته من الخاص والعام الذي يعرضه.
تعريف جائزة "لجنة التحكيم الخاصّـة"، التي حاول أحد الزملاء تفسيرها على المسرح فأخفق مرّتين، مرّة بالعربية ومرّة حين ترجم نفسه فإذا به يقول شيئاً مختلفاً عما قاله في المرّة الأولى، هو أنها الجائزة التي يراها أعضاء لجنة التحكيم موازية إلى حد بالجائزة الكبرى. تقف ثانية وعلى مقربة وراءها لكنها لا تصل إلى موازاتها. بكلمات عملية: حين يخفق فيلم جيد ما، ولأسباب مختلفة، في الحصول على الجائزة الأولى فإنه- في أحيان كثيرة كما حدث هنا- يحصد ما يعرف بـ "جائزة لجنة التحكيم الخاصّـة". هذا هو كل الغموض الذي لم يكن بذلك القدر من الغموض المستوجب لخطبة إنشائية على الإطلاق. 
«جيبو والظل» هو من فاز بها وإذا ما كان هناك فيلم يحلّـق عن كل الأفلام الأخرى في هذه المسابقة فهو هذا الفيلم الذي كان، والحال هكذا، يستحق الجائزة الأولى بلا نزاع. المخرج البرتغالي الذي دخل سن الـ 104 سنوات ولا يزال يعمل بنشاط بمعدّل فيلم كل ثمانية عشر شهراً كتابة او إخراجاً، مانويل دي أوليفييرا، يقدّم صياغة سينمائية عن مسرحية للبرتغالي الراحل (1930) راوول جرمانو برانداو حول عائلة من رجل عجوز أسمه جيبو (الفرنسي ميشيل لاندسال) والأم دوروتيا (الإيطالية كلوديا كاردينالي) وزوجة إبنهما كانديدنا (جين مورو).   هذه الصياغة ليست مستقلّة لا عن النص ولا عن الصرح المسرحي في الشكل والتصميم العام وتستمد معظم شحنتها من الإجادة المطلقة من هذا الإلتزام. فهي موضوعه في موقع واحد (غرفة استقبال في منزل متواضع) وبل في مكان واحد من هذه الغرفة غالباً (مكتب يعمل عليه جيبو كمحاسب ولجانبه كرسي آخر تتبادل زوجته وزوجة إبنه الجلوس عليه) وفي زمن واحد (ليل ونهار) وبلا أحداث تتطلّب فعلاً معيّناً، بإستثناء واحد يقع مباشرة بعد منتصف الفيلم الذي لا تزيد مدّة عرضه عن 88.
رغم ذلك هو فيلم مشبع: جيبو محاسب يعيش وزوجته في دعة حالكة لديهما إبن شاب تحوّل إلى السرقة ومطارد من قِـبل الشرطة. الأحداث تقع في أواخر القرن التاسع عشر او مطلع القرن العشرين، وفي كلا الحالتين كانت الكهرباء توفّـرت (وليس كما قال الخطيب "فيلم عن عصر ما قبل الكهرباء") لكن بيت جيبو خال منها لأنه معدم (كتب المسرحي برانداو أعماله كلّها في زمن قريب من سنوات حياته التي امتدت لـ 79 سنة). ها هو يحصي للشركة المصاريف والعائدات بأناة وأذنه لشكوى زوجته من الفقر الشديد الذي يعيشانه. زوجة إبنه (التي يعطف عليها جيبو كثيراً) تستمع إلى حوارهما متأثرة. الثلاثة يعيشون وضعاً مادياً وعاطفياً صعباً رغم قوّة العلاقة الأسرية بينهم، تلك التي خرج عنها الإبن الغائب. 
في أحد المشاهد يعود الإبن خلسة وفي حضور جارين (فنّان معدم بدوره وإمرأة عجوز) وبعد انصرافهما يسطو الإبن على مال أودعه الأب في خزنته على أنه مال الشركة الذي عليه تسليمه لها، ويهرب. تحاول زوجته منعه لكنها تفشل. يفيق الأب ويحاول اللحاق به لكنه لا يستطيع مجاراته في الركض. 
المشهد الأول من فيلم حادثة قتل لا نرى فيها لا القاتل ولا الضحية. في المشهد الأخير نعرف أن المال الذي كان بحوزة جيبو لم يكن مال الشركة بل مال الضحية، بذلك يكون ما قام بسرقته- وقتل من أجله- آل لإبنه، أما هو فيواجه وصول رجال الشرطة وصياح أحد الشهود مشيراً إليه: "هذا هو الفاعل". جيبو انتهى.

الآفاق والتسجيلي
جائزة أفضل فيلم عربي في المسابقة تم حجبها بعد مداولات وخلافات. لكن البديل كان منح المخرج نوري بوزيد جائزة أفضل مخرج عربي عن فيلمه «مانموتش» ما يُـثير مسألة مفادها أن المسابقة الرسمية للفيلم الروائي الطويل شهدت ثلاثة أفلام عربية فقط (كانت أربعة لكن تم سحب فيلم «بعد الموقعة» ليسري نصرالله بعد أن تم إطلاقه في الصالات التجارية في الإمارات قبل افتتاح المهرجان ببضعة أيام) هما الفيلم التونسي المشار إليه وفيلمين جزائريين «عطور الجزائر» لرشيد بن الحاج و«حراقة بلوز» لموسى حدّاد. لكل من الفيلمين الجزائرين مشاكلهما الفنية التي تحد من استحواذ الإعجاب. فإذا كانت هناك جائزة لأفضل فيلم عربي وكان «مانموتش» أفضل ما هو معروض لم إذاً لم يتم التصويت عليه ومنحه هذه الجائزة؟ هل يمكن أن يكون أحد الأعضاء تشبّث بفيلم عربي آخر؟ أم هل هناك من أرتأى عدم منح أي فيلم عربي أي جائزة؟
لجنة تحكيم قسم «آفاق جديدة» التي مثّلها عربياً المخرج نواف الجناحي من الإمارات والمنتج العراقي محمد الدراجي منحت جائزتها الأولى للفيلم الإيراني «عائلة محترمة» للمخرج مسعود بخشي. وفي مجال تفسيرها اختياره أوردت "لمعالجته الجديدة مستخدماً الرواية مع واقعية حدثية" وهو كلام لا يعني شيئاً كثيراً ولا جديداً. لكن الفيلم إذا ما كان جيّداً (وهو كذلك) فهو لأن المخرج تمسّك بالنقر على مجتمع قابع تحت نظام يحصي أنفاسه وهاجم الفساد في أركانه. تبدأ الحكاية بمشادة بين بطل الفيلم المغترب  بعد عشرين سنة من الهجرة وموظّـف يخبره أن أوراقه التي ستجيز له السفر مجدداً لم تنته بعد. مع نهاية الفيلم، ليست الأوراق هي وحدها المحجوزة، بل هو نفسه إذ يدخل السجن بفعلة من شقيقه الذي يريد الإستيلاء على الأرث. ومع أن المحور يدور حول وضع عائلي، الا أن المخرج بخشي يطرق باب كل فرصة ليوعز بأن ما يحدث هو جزء من فساد يمتد ليشمل إدارات ومؤسسات حكومية ويدور في مجتمع مراقب لا يكن لفرد مستقل الروح أي قيمة إنسانية. رحلة بطل الفيلم في بلده هي بانوراما شاسعة لمناطق اضطراب فوق أرض الواقع تمتد لتشمل ما آلت إليه البلاد إثر حربها مع العراق وإلى اليوم.
الفيلم الذي فاز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة هنا هو «وحوش البرية الجنوبية» للأميركي بن زيتلن أما جائزة أفضل فيلم عربي فذهبت لفيلم آن ماري جاسر «لما شفتك» المصاب بركاكة كتابة قاتلة ولا يخلو من هشاشة في التنفيذ أيضاً. لكنه يبقى مقبولاً بالمقارنة ولو أنه لا يصل إلى مستوى "تحفة" كما عمّـم البعض هنا. أما جائزة أفضل مخرجة من العالم العربي فذهبت إلى المصرية هالة لطفي عن فيلمها الجيد «الخروج للنهار».
المحطّـة الثالثة المهمّة في المهرجان هي محطة الفيلم التسجيلي. 
كما سبق القول، حشد المبرمجون عدداً كبيراً من الأفلام الجيّدة في هذه المسابقة تقدّمها الفيلم الفائز بالجائزة الأولى «عالم ليس لنا» للمخرج مهدي فليفل الذي هو من مواليد مخيم "عين الحلوة" في لبنان والذي يعود إليه ليسجّل معايشته له. 
في نطاق جائزة لجنة التحكيم الخاصة أنجزت سارا بولي هنا ما لم تنجزه في معظم المهرجانات التي تسابق فيلمها «حكايات نرويها» فيها. إنه الفيلم الذي تكشف فيه المخرجة كيف اكتشفت أنها ليست إبنة الرجل الذي عاشت في كنفه مع أشقائها منذ أن أنجبتها أمّـه، زوجة ذلك الرجل. 
الروسية ليوبوف أركوس فازت بجائزة أفضل مخرج جديد، والفيلم التسجيلي التونسي الممتاز «ملعون أبو الفسطاط» لسامي تليلي حظى بجائزة أفضل فيلم من العالم العربي في هذا المجال، بينما نال وائل عمر وفيليب ديب جائزة أفضل مخرج عربي.

إذ انتهت أيام المهرجان الحافلة فإن الجهد الكبير المبذول من قِـبل الإدارة لإنجاحها يبقى ثابتاً ويماثله جهد مدير البرمجة العربية إنتشال التميمي في استحواذ كل ما استطاع الوصول إليه من أفلام ليس في عداد أفلام المسابقة الأولى فقط، بل في نطاق كل الأفلام العربية المشاركة بصرف النظر عن الأقسام الذي انضوت تحته. التميمي قام بجهد ملحوظ في فترة زمنية قصيرة تلت صرف المدير السابق، بيتر سكارلت، وتعيين المدير الحالي علي الجابري.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
 أحوال عربية شائكة من تونس والجزائر

[تمت كتابة هذا الموضوع قبل يوم من إعلان النتائج
نوري بوزيد

إذا ما صحّ التوقّـع فإن فيلم المخرج التونسي نوري بوزيد هو الذي سيخرج بالجائزة الأولى بين الأفلام العربية، او بكلمات أوضح: لابد سيخرج بجائزة ما كونه أفضل فيلم عربي معروض.
إنه اليوم ما قبل الأخير لأفضل دورات هذا المهرجان. تبعاً لما تم تسجيله من وقائع عبر تاريخه، وحسبما لمسه هذا الناقد في العام الماضي حين أمّ المهرجان للمرّة الأولى، فإن هناك نقلة جيّدة متمثّلة في هذه الدورة الأولى تحت إدارة علي الجابري- ليس من حيث نوعية الأفلام العربية بحد ذاتها، فغالبها جاء مخيّـباً للآمال، لكن من حيث التنظيم والديناميكية والإدارة الفنية لكل شيء. كما من حيث التنوّع الكبير الذي يضم، من دون حدود مصطنعة، بين الأفلام العربية والأفلام العالمية على تنوّع كل منها الشديد.
خيبة الأمل ليست- في شكل رئيسي من مسؤولية المهرجان او مبرمج القسم العربي إنتشال التميمي، هذا الزميل انطلق من دون تأخر في جمع الأفلام التي أتيحت وساهم في تفعيل الحوارات التي تلي العروض وإدارة المؤتمرات بالحماسة ذاتها. بل هي مسؤولية السينما العربية التي كانت تغط  في نوم عميق قبل ربيع الثورات والآن تغط في نوم عميق بعدها. طبعاً الإستثناءات، وبينها فيلم نوري بوزيد، موجودة، لكن ما تم عرضه على نحو عام جاد من دون أن يكون جيّداً والجدّ لا يصنع فيلماً جيّداً والا لكانت غالبية المعروض جيّـداً.
فيلم بوزيد يأتي في أعقاب الربيع التونسي وأحداثه في أتونها. يبدأ الفيلم وقتال الشوارع بين قوّات النظام والثائرين عليه محتدمة واليد العليا حتى بدء الفيلم لقوات النظام التي نراها تنهال على المتظاهرين بالضرب المبرح. البداية دفقاً من لقطات العراك والهروب واللجوء إلى داخل المباني هرباً من بطش القوات النضامية ونظرات الخوف التي تعتلي الأعين وهم يتابعون ضرب أحد المتظاهرين ثم موت آخر قريب.
بعد ذلك، ينبري المخرج بموضوعه في إتجاه آخر وإن لم يكن بعيداً. «مانموتش» هو دراما إجتماعية على خلفية الأحداث الدائرة وفحواها يتمحور حول فتاتين صديقتين (سهير بن عمارة ونور مزوي) واحدة محجّـبة والثانية لا تؤمن بالحجاب وكلاهما خامتان صالحتان وتعملان معاً في مطعم. المحجّبة تتحاشى الإحتكاك مع صاحب المطعم الذي يتحرّش بها، أما الثانية فهي مخطوبة لتونسي عائد من هجرة سنوات في باريس. لكنه عائد بعقلية مثيرة فيما يتعلّق بحرية الفتاة المخطوبة إليه، ففي حين هو أبعد عن ممارسة الشعائر ويسمح لنفسه بالشرب، الا أنه يريد من خطيبته أن تتحجّـب مدّعياً أن والدته هي التي تريد ذلك. يساعده في ذلك شقيقها الخارج من السجن معتنقاً التعاليم المتطرّفة والذي يحب الصديقة المحجّـبة. يلج الفيلم من هنا مشاكل كل فتاة مع محيطها ومشاكلهما معاً مع المحيط العام، وهو بذلك عمل رئيسي يتجاوز عثرات أفلام تونسية ومصرية أخرى تناولت موضوع الحياة الإجتماعية في وسط الظروف الحاضرة. 
لكن المشكلة التي يعاني منها هذا الفيلم هو تكراره مفارقات لا تضيف فوق ما تم الحديث فيه. الطرح الذي نراه في الدقيقة الخمسين مثلاً كان تم طرحه قبل ذلك بربع ساعة. الفيلم لا يتصاعد لكنه يستمر وبوضوح. ما ينقذه هو الإخراج من ناحيته التقنية والفنية وتأطير مشاهده وتصميم حركة الكاميرا كما تمثيله الجيّد والتلقائي من قِـبل الجميع بلا إستثناء. وكما في أفلام بوزيد الأخرى، كل واحد يريد من الآخر شيئاً لا يستطيع الآخر تقديمه. الجميع يدور في رحى تلك الإرادات صغيرة وكبيرة والفيلم إذ يسند بطولته لشخصيّتين نسائيّتين يذكّـر قليلاً بالفيلم الروماني الحديث «وراء الهضاب» (راهبة في كنيسة تشترك في محاولة فرض التديّن على صديقتها). في «مانموتش» (الذي ينتهي بمشهد يموت فيه المخرج الذي يلعب دور صغير كلاعب أوكارديون أعمى) الفرض ممارس على المتحررة من قـِبل شقيقها وأمها وخالتها، قبل أن تعترف الأخيرة بأن هذا هو طريق خطأ ويعترف الشقيق بأنه بات يفهم أكثر معنى الحريّـة الفردية التي تتحمّل تبعات ما تقوم به.

هجرة جزائرية 
موسى حدّاد

«مانموتش» فيلم قوي في بنائه وفي توجيه أحداثه صوب ذرواتها وذلك على الرغم من ذلك التكرار المشار إليه. وهو أحد ثلاثة أفلام عربية في المسابقة الرئيسية (الآخران «الحراقة بلوز» و «عطور الجزائر» لرشيد بن حاج وكلاهما جزائري). لكن المسابقة الثانية الواردة تحت إسم «آفاق جديدة» تحتوي على خمسة أفلام من إخراج عرب بينها «المواطن» و«لما شفتك» اللذان وردا معنا في تقارير سابقة. 
من المثير ردّ الفعل المتباين على الفيلمين: رفض في غير موضعه تماماً للأول ورفض في موضعه تماماً للآخر. بالنسبة لفيلم «المواطن» فإن المحور الثابت إتهام مخرجه بأنه "باع نفسه لهوليوود وصراحة، يتمنّى هذا الناقد لو أنه فعل ذلك حقّـاً. هذا الفيلم لا يكفي لعبور المسافة الضوئية الطويلة بين التجربة الأولى والوصول إلى هوليوود- ليس قبل أن يُـتاح له العرض التجاري ليثبت لأهل هوليوود جدارة المخرج. إذا ما نجح الفيلم نقدياً وجماهيرياً ولو بحدود متفاوتة، ربما استيقظ مخرجه على رنين هاتفه يخبره بأنه مطلوب في ستديو باراماونت او كولمبيا. أما إذا لم يحقق هذه الخطوة فإن عليه أن يجهد من جديد لتحقيق فيلم ثان يقربه من هذه النتيجة أكثر. 
ما لا يدركه كثيرون هنا هو أنه لا جدوى من أن تذهب لتحقيق فيلم هوليوودي وفي بالك أن تحقق فيلماً فنيّـاً. تستطيع تحقيقه من دون سفر. في أميركا تحقق الفيلم الذي يبني لك قدماً في الداخل. بعد عشر سنوات يمكن له، إذا ما أراد، إنجاز فيلم يعجب كل النقاد.
بالنسبة لفيلم «لما شفتك» فرد الفعل جامعة أكثر من الحال الأول، وهي لا تبتعد عما ذكرناه هنا يوم أمس في نقدنا للفيلم.
هذا الإجماع تبلور أيضاً في مواجهة الفيلم الجزائري «الحراقة بلوز» لموسى حدّاد. عرض ليل أمس وبعض النقاد تسلل منه بعد منتصفه تباعاً ومن بينهم من لم يعرف عنه عدم تكملة فيلم للنهاية. هذا الناقد تحمّـل حتى النهاية متململاً في جلوسه كلّما لاحظ زملاءه يغادرون أماكنهم. ليس أن الفيلم رديء بل لأنه ركيك. والفارق كبير. هنا لدى المخرج حدّاد خامة درامية رائعة. موضوعاً جيّداً وآنياً، ثم تطبيق ركيك لحواشيه المختلفة. حكاية صديقين يرغبان في الهجرة إلى أسبانيا رغم أنهما لم يحصلا على التأشيرة ما يعني أن طريقتهما الوحيدة غير شرعية ("الحراقة" تعني «هجرة غير شرعية") عبر البحر. أحدهما سيغادر خلال أيام وهو على علاقة حب مع فتاة تعمل في شركة، والثاني لاحقاً ريثما يجمع المال. هذا الخط الأصلي تتفرّع منه الحكايات الجانبية والمشاكل الفرعية التي سريعاً ما تستولي على الفيلم. فالأحداث ذات حس ميلودرامي في الصميم وتلفزيونية في الشكل وخالية من أي بارقة فنية في كل الحالات. 
المخرج نفسه يعود بعد غيبة عقود. كان أحد العاملين في صرح السينما الجزائرية أبان الإستقلال (له فيلم آخر معروض هنا هو «عطلة المفتّـش طاهر» أنجزه سنة 1972) وهو يحمل إمارات عمله ذا المنحى والمعالجة الكلاسيكية إلى اليوم بعناصرها التقليدية التي ربما ناسبت الجمهور حينها. أما جمهور اليوم المعتاد على حدّة العمل والباحث عن شكل ومعالجة جديدتان فسيبتعد عن هذا المنوال الذي لا يحقق المرجو.
قبل أعوام ليست بالبعيدة أنجز الجزائري الأحدث مرزاق علواش «حراقون» الذي كان أفضل على أكثر من ناحية بما فيه نقل الصراع من الأرض إلى البحر بين غرباء يشتركون في هدف مجهول. هنا يمضي المخرج معظم وقته على اليابسة وحين ينتقل إلى البحر فإن تلك النقلة لا تكوّن سوى مفصل يخفق في أن يأتي كذروة.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2012
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system