أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Oct 5, 2012

الفترة الذهبية للنقد السينمائي | مهرجان أبوظبي في حلّـة جديدة | نظرة أخرى على هيتشكوك




المخرجان بهمان قوباضي ومارتن سكورسيزي معاً في ستين ثانية

 إتفق الإيراني بهمان قوباضي مع المخرج الأميركي مارتن سكورسيزي على تقديم فيلم مشترك بينهما تحت عنوان    «ستون ثانية منّا»٠ 

سيقوم قوباضي بإخراجه  وسكورسيزي بإنتاجه وسيتناول العلاقات الأميركية- الإيرانية القائمة اليوم. تم إعلان ذلك خلال مؤتمر صحافي عقداه في مهرجان "بوسان" الكوري المنعقد حالياً


 YEAR 6 | ISSUE 755

نبيل عسلي يفوز بجائزة أفضل ممثل 

خرج الممثل الجزائري  نبيل عسلي بجائزة أفضل ممثل في ختام الدورة الرابعة من مهرجان "برشتينا" في كوزوفو وذلك عن فيلم مرزاق علواش الأخير «التائب» حول متطرّف سابق يعود إلى قريته لاجئاً وتائباً، لكن ماضيه يدفعه لرحلة جديدة. 

مهرجان أبوظبي السادس: الإدارة عربية والأفلام عالمية


  
علي الجابري
واحد من المهام الرئيسية التي أقدمت عليها مهرجانات السينما العربية منذ إطلاقها في دمشق وتونس والقاهرة في الستينات، هو إبقاء الإدارة عربية. كانت سورية في الدورة الوحيدة التي أقيمت لما عـُرف بمهرجان دمشق السينمائي الدولي، في مطلع ذلك العقد، وتونسية في تونس ومصرية في مصر. ولم يكن هناك اختلاف عن هذا الوضع بين المهرجانات الصغيرة في منطقة الشرق الأوسط او في منطقة شمالي أفريقيا. مهرجان دمشق توقّـف لبضع سنوات لكنه حين عاد كان طبيعياً أن يعود بإدارة سورية جديدة. مهرجانا قرطاج التونسي والقاهرة المصري انتقلا من أيد محلية إلى أخرى محليّة أيضاً. تناوبت الإدارات لكن الواقع يُـشير إلى أن ما كان محط اهتمام للسينما العربية البديلة (قرطاجة) وما كان يشكل حضور السينما العربية والعالمية الأقوى في دول المنطقة (القاهرة)، لم يتقدّم صعداً، بل اكتفى بالإستمرار في مرابضه دورة إثر دورة كما لو كان المطلوب منه التواجد وليس تفعيل الواقع السينمائي. والوضع ذاته وبل أسوأ منه أصاب مهرجان دمشق إذ أصبحت فكرة إقامته محددة بعروض الأفلام المقرصنة أساساً على أسطوانات ولو أنه بقي محط اهتمام العاملين كونه النافذة الكبيرة الوحيدة الذي يمكن للمواطن السوري الإطلال منها على العالم.  بكلمة،  هذه الثلاثة تحوّلت إلى تنفيذ مهام حكومية في نهاية الأمر، كل على نحو مختلف. طبعاً هي سينمائية الهوية لكنها نشاطات وظائفية وليست إبداعية.
فجأة أرتفع صرح مهرجانات جديدة في العالم العربي: دبي ومراكش وأبوظبي ثم الدوحة. والجامع، لجانب أنها مهرجانات سحبت البسط من تحت أقدام المهرجانات التقليدية وتمتّـعت بميزانيات هائلة، أن إداراتها قُـيدت لأجانب. جهة فرنسية تشرف على مهرجان مراكش، ومدير كندي على دبي، ثم مديرة استرالية على الدوحة. أما أبوظبي فأقيم أولاً بإدارة عربية إذ أسندت إلى الإعلامية نشوى الرويني التي استعانت بالزميل سمير فريد، لكن بعد تعثّـر الدورتان الأولى والثانية تم الإستغناء عنهما وتعيين أميركي (بيتر سكارلت) لدفع المهرجان إلى الأمام. وهو فعل ذلك بحكم خبرته واتصالاته. مهرجان أبوظبي كسب مواقع مهمّـة خلال السنوات الثلاث الماضية على الرغم من مآخذ اعتاد نقاد المهرجانات الإعلان عنها في كل دورة (من مستوى عدم انتظام حافلات المهرجانات وما فوق).

الآن، مهرجان أبوظبي عاد إلى إدارة عربية كذلك مهرجان الدوحة السينمائي. وكان مهرجان دبي استغنى عن خدمات مديره الكندي (نيل ستيفنسون) من العام 2007. والمثير للإهتمام أن إدارات هذه المهرجانات باتت إماراتية. (في حين لا يزال مهرجان مراكش يعمل تبعاً لإدارة فرنسية) صحيح أن مهرجان أبوظبي ينتمي إلى مؤسسة 24Forty Five وهي لا تزال بمدراء معظمهم أجانب، الا أن المهرجان هذه السنة، وللمرّة الأولى من إدارة الإماراتي علي الجابري وهو في الأساس مخرج سينمائي عبّرت أعماله عن موهبة تستحق الإهتمام، كذلك هو ممثل ظهر في عدد من الأفلام القصيرة والطويلة من بينها فيلمي مناف الجناحي «الدائرة» و«ظل البحر».

هذا ليس التغيير الكبير الوحيد الطاريء على مهرجان أبوظبي بل هناك ما يعكس ثقة كبيرة بإدارتها الجديدة متمثلاً بقدرته على حشد نحو 200 فيلم من أصل 1600 فيلم تم عرضه على المهرجان (حسب جهته الإعلامية) بعضها يشهد عرضه العالمي الأول، والأكثر منها هو الأفلام العربية والأجنبية التي تحمل نوعيّـة فنية واضحة. بكلمات أخرى، الذين توقّـعوا أن يشكّـل التغيير عائقاً أمام قدرة الإدارة الجديدة على مواصلة العمل بنجاح ورفع سقف التوقّـعات وجدوا أنفسهم أمام سعي لا للإستمرار بنجاح بل لرفع سقف الفاعليات ذاتها.
العنوان الأول للدورة التي تنطلق في الحادي عشر من هذا الشهر وتستمر حتى العشرين منه، هو فيلم الإفتتاح: «مراجحة» Arbitrage  فيلم سعودي التمويل، أميركي الصنعة بعنوان «مراجحة». موّله المنتج الشاب محمد التركي (ثالث أعماله في أميركا) وحققه المخرج الجديد نيكولاس جاريكي ويقوم ببطولته رتشارد غير في دور رجل مؤسسة مصرفية عملاقة يدخل عنق زجاجة من المآزق الشخصية والمالية على خلفية الوضع الإقتصادي الراهن في الولايات المتحدة. جاريكي يدفع بعمل قد لا يبحث في ذلك الوضع نقدياً، كما فعل فيلم «نداء هامشي» و«رجال الشركة» (وهما فيلمان جيّدان تم إنتاجهما قبل عامين)، لكنه يوحي به متعاملاً مع نموذج من القمّـة الإقتصادية التي تثير نقم الأميركيين حالياً كونها ساهمت، بتلاعبها، بوضع الإقتصاد الأميركي على حافة الإنهيار من العام 2008 وما بعد.
يلعن أبو الفسفاط: تونس
كالعادة هناك مسابقات عدّة. مسابقة للأفلام الروائية الطويلة، وأخرى للوثائقية الطويلة وثالثة للأفلام القصيرة ثم مسابقة أفلام الإمارات وأخرى بإسم "آفاق جديدة"، وكلّـها- بإستثناء مسابقة أفلام الإمارات- مختلطة بين ما هو نتاجات عربية وأخرى عالمية. 
في الصدارة، كما هو متوقّـع دائماً، تلك المسابقة التي تعرض فيها الإنتاجات الروائية الطويلة. من بينها الفيلم المصري «بعد الموقعة» الذي جال بنجاح إعلامي، أكثر منه فني او جماهيري. بينها كذلك أول فيلم يحققه الجزائري محمد موسى منذ مطلع السبعينات عندما انبرى ليحقق «عطلة التحري طاهر». الفيلم الجديد هو «حرّاقة بلوز» 
وعلى ذكر الأفلام الجزائرية، فإن الدورة الحالية من مهرجان أبوظبي السينمائي تحشد عدداً من الأفلام الآتية من ذلك البعد بمناسبة مرور خمسين سنة على استقلاله، وتحتوي لجانب «عطلة التحري طاهر»، «الأفيون والعصا» لأحمد الراشدي و«مفكرة سنوات الجمر» لمحمد لخضر حامينا و«معركة الجزائر» لجيلو بونتوكورفو و«زد» لكوستا-غافراس وكلاهما من تمويل جزائري، الأول في مطلع الستينات والثاني في مطلع السبعينات.
فيلم جزائري حديث آخر هو «عطور الجزائر» لرشيد بلحاج. ومن الجوار الفيلم التونسي «مانموتش» للتونسي نوري بوزيد. وهناك فيلم تونسي آخر نجده في قائمة الأفلام التسجيلية المتسابقة هو «يلعن أبو الفسفاط» 
كما هو متوقّـع من الدورة، فإن عالمية العروض تشمل كل المسابقات والأقسام فنرى «البحث عن النفط والرمال» في مسابقة الأفلام الوثائقية (وهو إنتاج إماراتي ومصري) جنباً إلى جنب «العالم أمامها» وهو فيلم كندي من إخراج الهندية نيشا باهوجا.
روائياً يطالعنا الفيلم الباكستاني «إنقاذ الوجه» والصيني «أي ويوي» والإيطالي «بينوكيو» جنبياً إلى جنب «بريق روبي» الأميركي و«تقاليد» الألماني و«جينجر وروزا» البريطاني
وإلى جانب هذا وسواه هناك البرامج الخاصّـة. هواة السينما الكلاسيكية (وإلى جانب استعادة الأفلام الجزائرية بمناسبة نصف قرن على إستقلال ذلك البلد) يستطيعون مشاهدة «لورنس العرب» من جديد مرمماً وقاذفاً بمعظم ما ينتج من أفلام اليوم، بكاميرات الدجيتال، إلى زوايا الخجل. ليس هناك ما هو أفضل تصويراً من جاك هيلديارد تحت إدارة المخرج ديفيد لين لا من حيث الحرفة التقنية ولا من حيث الجماليات مما ورد في هذا الفيلم. أيضاً بين المستعاد «الغناء تحت المطر» مع الثلاثي المرح جين كيلي ودونالد أو كونر وديبي رينولدز.

الناقد وفلسفة الفيلم | كيف كان وكيف هو اليوم 

الفترة الذهبية للنقد السينمائي
 1970-1960

المسألة، في نهاية الأمر، ليست أن كل جيل تجاوز الخمسين ينظر إلى الخمسين سنة الماضية بحنان. ليست في أن النوستالجيا تتحكّـم في كثيرين منّـا لدرجة أنهم مبتعدون عما يحدث في دنيانا اليوم. بل هي في أن شعورهم وإدراكهم كما معرفتهم بما يحدث اليوم تدفعهم لمقارنة اليوم بالأمس. 
إنها حقيقة قائمة هي تلك التي تقول أن المرء، بصرف النظر عن مجال عمله، يحن إلى الماضي. جدّتي كانت تحن إلى سنوات ما قبل الماضي عندما كانت صغيرة تصعد سلّـم السراي بصحبة أبيها الضابط العثماني. كثيرون يحنّون إلى يوم "كان من الممكن ترك باب البيت مفتوح لأن الدنيا كانت أماناً". وآخرون يترحّـمون على أيام كان الجيران فيها يعرفون بعضهم بعضاً ويتشاركون في الحياة الإجتماعية، او أيام "التلفزيون الأولى" او "السينما الماضية" او بعض الصحف الورقية التي توارت أمام هجمة المتغيّرات.
في حين أن ذلك كلّه حق له دوافعه، تماماً كما من حق الشباب القول أنهم سعداء بهذه الفترة من الحياة حيث كل شيء متاح بضغط زر او إثنين (ماذا سيقول بعد خمسة عشر سنة؟) الا أن السعى للعودة إلى الوراء يمشي في طريقين: طريق عام مدفوع بإحساس متشابك من شباب فائت وحياة من النشاطات الإجتماعية التي كانت سائدة والأشخاص الذين كانوا أحياءاً يُذكرون نشب الواحد منا عليهم قبل رحيلهم، وآخر هو نوع من الدرس التطبيقي في الفوارق الكبيرة بين الأزمنة. هنا لا تلعب "النوستالجيا" الدور الأول، بل محاولة قراءة الماضي الذي تأسس في داخل الفرد وأين مضى ذلك الماضي؟ أين اختلف؟ وكيف تطوّر إلى ما هو عليه اليوم.

في النقد السينمائي هناك تشبّـع مواز للتشبّع الحاضر. هذه المرحلة النقد متشبّـع بها. في العصر الذهبي للنقد السينمائي في الستينات والسبعينات كان متشبّـعاً كذلك بالمرحلة التي مر بها. 
آنذاك، كانت هناك حركات إجتماعية مختلفة وتيارات سينمائية مواكبة لها. الصرخة ضد الحروب كانت أعلى مما هي عليها اليوم. التظاهرات لصالح القضايا الإجتماعية على إختلافها كانت مؤثرة. العالم كان موزّع القوى بين ثلاث معسكرات: الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي ودول عدم الإنحياز التي كانت داعمة، بصورة فاعلة، العديد من الدول التي كانت تصون حريّـاتها واستقلالها من ذلك المعسكر. العالم بأسره بدا كما لو كان يولد من جديد. السنوات لم تكن بعيدة عن نهاية الحرب العالمية الثانية والمجتمعات كانت أخذت تدرك مغبّة السقوط فيها من جديد وجيل ما بعدها كان يقود البحث عن تجارب اقتصادية وعلمية وثقافية وفنية مختلفة. إلى ذلك، ثورة في الحياة النسائية كانت دفعت إلى ما عرف بحريّـة المرأة وبظهورها كعنصر فاعل وعامل في المجتمعات. 
السينما كانت مثل "الورق النشّاف" الذي كنا نستخدمه صغاراً لننشف الحبر الذي نكتب به. كانت تتشبّع، بكل معنى هذه الكلمة، بما يمر به العالم من متغيرات. إلى ذلك، كان إنهيار نظام الاستديوهات إيذاناً بفتح المجال أمام حريّات التعبير المختلفة. في الماضي كان الاستديو هو من يؤلّـف كل الإنتاجات. الجميع، كتّاباً ومخرجين وممثلين وباقي العناصر، كانوا موظّـفين بأجور إسبوعية عملوا أو لم يعملوا، وفي المقابل فإنهم ينفّذون "الفورميلا" المطلوبة من كل ستديو لمن يعمل لديه (وهي فورميلا لا تتغيّر كثيراً من ستديو إلى آخر). أمر آخر مهم: الرقابات (في الدول المتقدّمة) انتهت، بما فيها تلك التي كانت تمارسها هوليوود على نفسها. بذلك استكمل المخرج عداده وأصبح هو العنصر المقرر وفي أحيان العنصر المؤلّـف للفيلم (ولو إلى حين بعدما قامت الاستديوهات بهجوم مضاد مسلّمـة الرسن إلى المنتجين الذين كانوا دائماً العقل المادي لكل عمل. 
في أنحاء العالم كانت هناك سينما جديدة: في مصر، في لبنان، سوريا، العراق، تونس، فرنسا (حيث سبقت السينما ثورة 1968 الطلابية)، البرازيل، تشيلي، الولايات المتحدة، كوبا، بريطانيا، إيطاليا وسواها. سينمات عكست ما يدور على نحو أو آخر.
إذ دفع ذلك العمل السينمائي إلى حدود جديدة تتألّـف مقوّماتها من مخرجين يحاولون الإشتراك في التعبير عن المرحلة الجديدة (فنّـا او كاختيار مواضيع) فإن النقد السينمائي لم يكن بوسعه أن يبقى بعيداً عن التأثّـر. النقد هو حالة مواكبة على طول الخط. الناقد لا يدشّـن التغيير بل ينتمي إليه (او لا ينتمي إذا شاء). وفي تلك الآونة فإن المنتمين كانو أكثر من غير المنتمين.

إذا كان لابد من إشارة خاصّـة بي، كوني في نهاية الأمر من ممارسي نقد الأفلام من العام 1969 حينما كنت لا زلت في السابعة عشر من عمري (قبل ذلك بسنة كنت بدأت الكتابة عن الموسيقا والسينما غالباً من دون أجر حتى مطلع خريف 1968)، فإن النقد السينمائي في تلك الآونة كان متمحوراً حول إتجاهين: نقد يستخدم الإنشاء لوصف الأفلام ونقد (أقل عدداً) يستخدم السينما لوصف الأفلام. الأول بطبيعة الحال كان لا يرى ضيراً من الحديث عن المواضيع و"القضايا" و"الطروحات" حتى ولو اضطر الأمر إلى استخدام نبرة خطابية وعاطفية، والثاني كان عليه القيام بالوظيفة النقدية مستخدماً العناصر ذاتها التي تكوّن الفيلم تقنيا وبصرياً وصوتياً. تلك التي يعتمدها الفيلم ألفبائيات لغوية في تحقيقه. بذلك لا يمكن الحديث أولاً عن "المضمون" بل عن السينما التي حوت المضمون. 
لم يكن حولي من العرب الذين سبقوني إلى مزاولة النقد السينمائي من أمّ هذا الإتجاه الثاني سوى الراحل سمير نصري. أما معظم الزملاء في الصحف اللبنانية الأخرى فهم متدرّجون في إهتماماتهم من فريد جبر إلى عادل سابا ووليد شميط وجورج الراسي، كما في حجم إهتمامهم ولون اهتمامهم السينمائي. لاحقاً في مطلع السبعينات سطع ناقد لم يتكرر إلى اليوم أسمه إدغار نجـّار.
في مصر كان المنتشر هو مزيج من الإتجاهين مع تغليب الأوّل. لكن حتى أولئك الذين اهتموا بالمضامين أكثر كانوا يفعلون ذلك بدراية وقدرة فائقة على ملاحظة الجوانب الفنية. تابعت، حينها، فتحي فرج وسامي السلاموني (رحمهما الله) ومصطفى درويش (الذي كان أقرب هؤلاء تماثلاً مع الإتجاه الفني) وسمير فريد ورفيق صبّان وشلّة أخرى معظمها توقّـف عن الكتابة اليوم. 
بما أنني لم أستطع التأثر لا بأسلوب سمير نصري (بسبب عدم اتفاقنا في الرأي على الأفلام وارتياب كل منا بالآخر) ولا بأسلوب أي من الذين مارسوا الكتابة في الإتجاهات الإنشائية لرفضي لها، لم يكن أمامي، وكنت أقرأ الإنكليزية جيّداً من البداية، سوى أفراد تلك المدرسة الأولى من النقاد البريطانيين والأميركيين وجلّهم من جيلين سابقين: روبين وود (لاحقاً هاجر إلى كندا)، توم ميل، ديفيد مكيليفاري، رتشارد كومبس، فيليب ستريك، فيليب فرنش (لا يزال يكتب لليوم)، مرغريت دورات، ديفيد روبنسون، جوزف ماكبرايد، رايموند دورغنات، ألن آيليس، غوردون غاو.


"الأفلام كانت تهم» Movies mattered كما كتب، ذات مرّة،  ناقد آخر ذائع ومحترف هو ديفيد روبنسون، واصفاً العقد الستيناتي. السينما اليوم لا زالت تهم لكنها تهم على نحو آخر. هناك فجوة عميقة بين النقد وبين المشاهد. طبعاً هناك قراء كثيرون للنقد السينمائي، ولكل تفضيله الخاص عمّـن يرتاح للقراءة إليه وما شكل ونوع ومستوى ما هو مكتوب، الا أن الحضور الجماهيري للنقد السينمائي كان أوسع وأكثر إنتشاراً وذلك بفضل الحضور الثقافي الذي ساد تلك الفترة على النحو الذي ذكرته آنفاً.
بذلك كان النقد محصّـناً من ناحيتين: من مصادر العمل السينمائي المتجدد والمختلف في كل سينما حول العالم، ومن حلقة جماهيرية تواكب تلك المتغيّرات وتريد مشاركة الناقد الإطلال عليها والتعامل معها. إنها فترة لم يكن ليتحقق لمخرجين متضاربي الشأن أي تقدير خارج الإطار المحلّـي لولا تلك الحالة الثقافية الجامعة. فما يجمع بين إنغمار برغمن الراكن إلى حكايات الإيمان والريبة والمتعامل مع شطر جغرافي محدود، وبين ميغويل ليتين التشيلي الذي كان يسرد تاريخ النضال في بلاده وتلك المجاورة، وبين صلاح أبوسيف او حسين كمال الأول او عبد اللطيف بن عمّار من تونس او محمد العسكري من الجزائر وهال آشبي من الولايات المتحدة وعشرات الأسماء اللامعة حينها، كان العمل تحت غطاء تلاحمت فيه الظروف الثورية (سلمية او غير سلمية) التي قام بها الإنسان نفسه (وليس التكنولوجيا او المؤسسات الصناعية الكبرى مثلاً) لخلق فهم جديد لعالم كان يعيش في كل ركن من أركانه حالة وعي وتطوّر كبيرين.
على ذلك، كانت هناك مسلّمات خاطئة خصوصاً في واقعنا العربي التالي بعض أركانها الرئيسية:
الإيمان بسينما تطرح القضايا بلغة مباشرة لكي يتبنّاها الجمهور: في هذا الشأن، لم يكن مهمّـاً عند النقاد التابعين لهذا الفهم من العمل النقدي، أن يكون الفيلم مُـحلّـى بمكوّنات فنية لأن الفن، في نهاية مطافه، فعل برجوازي مرفوض بالنسبة إليهم. بذلك، رفض هؤلاء نظرية المخرج- المؤلّـف على اعتبار أنها لا زالت تتبع وضعاً ثقافياً واجتماعياً رجعياً.
السينما كحالة ثقافية: الفريق أعلاه رآها "نضالاً" واعتبر أن "الكاميرا سلاح يطلق 24 لقطة في الثانية". فريق آخر وجد أن السينما هي جدال ثقافي (وليس بالضرورة فني) بين النقد وبين الجمهور.
السينما كصناعة ترفيهية: ما سبق لم يقلل شأن النقاد الذين اعتبروا السينما هي صناعة لتداول الترفيه في الخانات المعتادة: كوميديا، دراما، ميلودراما، بوليسي، تاريخي إلخ… هؤلاء افتقدوا معايشة المتغيرات الحاصلة من ناحية وتمسّكوا بالفهم الذي ساد سينما الآباء والأجداء من ناحية أخرى وكانوا حتى في ذلك الحين الأسبق معارضين لأي اختلاف عن السائد. فالسائد مريح لأنه موجّـه لجمهور لا يحب التعقيد ولا تعرف ألوانه مناطق رمادية تصلح لإثارة النقاش.
في مقابل هذه الإتجاهات الرئيسية الثلاثة، عرف النقد السينمائي موقعاً رابعاً أعتقد أنه كان الأقل شعبية هو ذلك الذي يُـقيّـم كل فيلم بحسب ما أريد له أن يكون. بذلك فيلم مايكلأنجلو أنطونيوني «الصحراء الحمراء» جيّـد إذا ما حقق ما صبا إليه المخرج واختاره، وفيلم هوارد هوكس «إلدورادو» جيّد إذا ما حقق ما صُـنع الفيلم من أجله. سنوات ضوئية بين العملين على كل صعيد، ثم أن واحداً ينتمي إلى سينما النخبة والآخر للسينما الشعبية. 
الجودة لا تعرف معياراً واحداً. ميغويل ليتين مخرج ثوري بأسلوب وتعاليم ذلك الأسلوب وجون بورمان مخرج فني مع اهتمامات جماهيرية حسب تعاليم ذلك الأسلوب. صلاح أبوسيف لديه سينما أخـّـاذة كذلك كمال الشيخ ويوسف شاهين: أنظر كم يختلف كل واحد من هؤلاء عن الآخر  رغم ذلك.
لإيصال حكم ناجح ينطلق من هذا المفهوم على الناقد أن يؤم الصرح الفني بأسره. أن يتعامل مع عناصر الصورة وعناصر الإنتاج وألفبيات ما يشكل اللغة التي يختارها المخرج للتعبير، والقواعد التي يراها مناسبة لإيصال ذلك. هذا المفهوم هو الذي يقبل سينما جان-لوك غودار بأسرها (او بمرحلتها الثورية في النصف الثاني من الستينات وحتى نهاية السبعينات) جنباً إلى جنب سينما ستانلي كوبريك، روبرت ألدريتش، ميكلوش يانشكو، مارتن رت، فديريكو فيلليني، يازوجيرو أوزو، ساتياجيت راي، توماس غوتيريز أليا، سيرجيو ليوني ومئات جيدين سواهم قبلهم وبعدهم.
وهذا المفهوم هو الذي يعتبر أن الفيلم لا يمكن أن يكون مُداناً لأنه من إنتاج هوليوودي، او جيّداً لمجرد أنه مستقل او بديل او يحمل قضيّته فوق رأسه.

الإختلاف حول ماهية السينما كان، رغم كل شيء، إختلافاً إيجابياً لا زال سائداً عندنا ربما أكثر مما هو سائد عند سوانا (وبسبب المتغيّرات او- بالأحرى- جمودها) لكن الفترة ذاتها التي كانت أثرى على كل صعيد حضاري ممكن، هي التي تغيّرت تماماً. سينما اليوم تختلف ليس في تقنيات العمل والإيصال فقط، بل في الكيفية التي حوّلت فيها الناس إلى مطيعين وليس إلى طلائعيين. إلى تابعين عوض أن يكونوا روّاداً. إلى أرقام تشكّـل مجموعاً بدل أن يكون لكل واحد منهم، او-على الأقل- لكل فئة هويّتها الذاتية. هذا هو الخطر الماحق الذي يهدد حياتنا الثقافية والإنسانية وهو ما يعمل بالضرورة على أن يصبح الناقد (خصوصاً الناقد الفعلي ذا الإتجاه المؤمن بالسينما لذاتها) مهمّشاً في مقابل إنتشار من هم أصحاب آراء فقط.

نظرة أخرى على  هيتشكوك فنان كل العصور
(1 من 3) 

ساد النقد العربي، ولا يزال، جملة من المعايير والإعتبارات التي بات من الضروري طرحها كونها لم تؤد إلا إلى تلبية رغبة البعض منّا تأسيس سينما على هواه وتبعاً لنظراته ومفاهيمه الخاصّة به
في التاسع والعشرين من شهر أيلول/ سبتمبر 2011 قامت أكاديمية العلوم والفنون السينمائية في لوس أنجيليس، وهي الأكاديمية التي تمنح الأوسكار، بعرض فيلم تم إكتشاف وجوده قبل أشهر قليلة في صندوق مهمل في  حديقة أحد منازل مدينة هاستينغز النيوزلاندية. الفيلم بعنوان «أشباح بيضاء» White Shadows
الفيلم ليس كاملاً، بل تم معالجة وترميم ثلاث "بكرات" هي مجموع ما تم اكتشافه من ذلك الفيلم الذي، حسب مراجع موثوقة، قام ألفرد هيتشكوك بكتابته وتصميمه الفني، وتوليفه أيضاً
الإكتشاف أحدث رضى طيّباً ليس فقط بين محبّي سينما ألفرد هيتشكوك، بل بين المتابعين والمؤرخين عموماً، فهو "دروس أولى في كيف وضع هيتشكوك تصوّراته الأساسية التي صاغت فنّه لاحقاً"، كما يقول عميد "مجلس النقاد الأميركيين" ديفيد ستارِت٠
لكن إذا ما أردنا الإبتعاد عن هذه الغبطة التي لها دواعيها المحقّة بالطبع، فإن «أشباح بيضاء» كان الأول  من أربعة أفلام قام هيتشكوك فيها بمساعدة المخرج البريطاني غراهام كَـتس Graham Cutts. 
هذا يعني بوضوح أن كَـتس كان مخرجها في حقبة مهمّـة من حقبات ومراحل حياة المخرج هيتشكوك، وقد التحق هيتشكوك بالعمل مع كَـتس بناءاً على رغبة المنتج مايكل باكون. لكن المؤكّد أن كَتس كان مستاءاً من وجود هيتشكوك الذي كان أكثر دراية منه بالأجواء البصرية والمفاتيح التقنية التي يراها هيتشكوك ضرورية. بعض المؤرّخين كتب عن أن تأثير هيتشكوك البصري على «أشباح بيضاء» و«فضيلة خطرة» (1924) و«المغامرة الشغوفة» (1925) و«الحارس»(العنوان الإنكليزي لفيلم ألماني بالكامل بعنوان Die Prninzessin Und der Ceiger ) وهي الأفلام التي أخرجها كَتس، كان دامغاً. والمؤكد أن المنتج باكون أعجب بهيتشكوك (الذي تعرّف على المخرج الألماني  ف. د. مورناو خلال قيام هذا بتحقيق فيلم «الضحكة الأخيرة») وحين وقع خلاف بين كَتس وباكون، سارع الثاني لمنح ألفرد هيتشكوك الفرصة كاملة في «حديقة المتعة» سنة 1925

الشعور بالذنب
لكن، بصرف النظر عن مدى إسهام ألفرد هيتشكوك في فيلم غراهام كَتس «أشباح بيضاء» او في أي من أفلامه الأخرى، فإن الثابت أن هيتشكوك من الأهمية بحيث أنه حتى وإن كان إسهامه في حدود البصريات والتصاميم الديكوراتية، فإنه من الأهمية القصوى، للمجتمع النقدي والسينمائي على حد سواء، مشاهدة هذا الإكتشاف ما يعرّفنا أيضاً على من كان غراهام كَتس الذي أنجز 39 فيلما ما بين 1922 و1943 ومات  دون الشهرة التي ربما استحقّها.
وُلـِد ألفرد هيتشكوك  يوم الأحد في الثالث عشر من آب/ أغسطس سنة 1899 في ضاحية شرقي لندن إسمها ليتونستون. السنة ذاتها التي وٌلد فيها كل من الممثلين همفري بوغارت، فرد أستير وجيمس كاغني (لم يمثّـل أي منهم تحت إدارته لاحقاً)وكان الطفل الثالث لعائلة كاثوليكية. والده وليام، كان صاحب دكان خضار  وإسم والدته إيما وإسم أخويه وليان ونيلي. والده توفى حين كان ألفرد في الخامسة عشر من العمر وهو كان متديّـناً وضع إبنه في مدرسة كاثوليكية  متزمّتة تركت أثّرها في نشأة صبي خائف تحوم حول رأسه الشكوك وعقد الذنب من الخطأ والخطيئة والخوف من العقابذات مرّة كتب والده لصديقه رئيس نقطة البوليس في البلدة طالباً منه وضع هيتشكوك في القفص لخطأ إما كان صغيراً لا يستدعي العقوبة او أن هيتشكوك كان بريئاً منه على أي حال لكن هيشتكوك عوقب وسوف لن ينس هذه الحادثة التي ارتكبت بحقّه وهو صغير. في أفلامه شكّـل موضوع المتّـهم البريء من أي ذنب أحد أهم العناصر التي تتمحور حولها حبكاته وتعيشها شخصياته
بعد وفاة والده، ترك ألفرد الدراسة الكاثوليكية ودخل معهداً لدراسة الهندسة الميكانيكية التي كان أبدى شغفاً بها منذ صباه، ثم اتجه الى العمل في شركة لأعمال الكايبل والتلغراف أسمها "هانلي" او، على نحو كامل: Hanely Telegraph and Cable Company  
كما دخل مدرسة أخرى بعد الدوام حيث ألم بالرسم والهندسة ما جعله يقترح على الشركة إستخدامه في مجال تصميم الدعايات٠

معطيات هيتشكوك
اوروبا دخلت الحرب العالمية الأولى وتم طلب هيتشكوك للتجنيد لكنه أعفى  (لأسباب صحيّة إذ اعتبر بديناً لا يناسب الشروط الضرورية للخدمة). وفي أحد الأيام أغارت الطائرات على ضاحية ليتون حيث سقطت قنبلة قريباً من منزل العائلة. حين هرع هيتشكوك الى البيت وجد والدته في حالة رعب لكن ما انطبع في بال هيتشكوك وذاكرته كان أكثر من حالة رعب. هيتشكوك إستخدم ذكريات الحادثة في مطلع فيلمه الثاني عشر »جريمة« (1930)  والأهم أن العائلة سريعاً ما شكّلت لنفسها وجوداً في معظم أفلامه. وهي موجودة لسبب لم يكترث نقاد عديدون لتناوله او فحصه. فصلابة العائلة في أفلامه قد تكون السبب الحائل ضد سقوط أفرادها في براثن الجريمة، وقد يكون غياب ذلك التعاضد مقدّمة للإنهيار الكامل٠
الى ذلك، وجود العائلة في الفيلم ميّز أعمال هيتشكوك  عن الأفلام البوليسية الأخرى حيث البطل عادة ما يكون شخصاً وحيداً لا علاقات عائلية له حتى تتمكن القصّـة المروية من حصره في الموقف المطلوب بذاته ومن دون روابط. لكن حتى في أفلام هيتشكوك التي حوت شخصية رئيسية لا عائلة بادية من حوله، كما الحال في «شمال، شمالي غرب» North By Northwest، فإن سعيه للإرتباط هو سعي عائلي الى جانب أن من حوله لديهم ذلك الإرتباط عادة. هذا وضع أساسي في أفلام كثيرة له منها 
Strangers  On a Train, Rebecca, Dial M For Murder, Rear Window 
وصولاً إلى فيلمه ما قبل الأخير «نوبة جنون» Frenzy 
غريبان في القطار Strangers on the Train

هذا لا يعني إن أفلامه كانت أفلاماً عائلية او أن الإهتمام بالعائلة كان مصدر إلهامها وعنصراً درامياً أوّل، لكنها كانت موجودة على نحو يشي بأهميّة دلالاتها. مسليّة وعميقة في آن معاً كما الحال في المشاهد التي تقع بين التحرّي  وزوجته في فيلم «نوبة جنون» او تلك التي تكشف عن سعي غريس كيلي في «نافذة خلفية» Rear Window للزواج من الرجل الذي تحب (جيمس ستيوارت) وبناء حياة زوجية سعيدة، بينما هو مشغول عنها بمراقبة عائلة أخرى تتحطّـم. 



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2012
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system