أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Oct 25, 2012

جورج لوكاس يبيع | محمد خان يعود | أفلام العيد... أو بأي حال ... | موجة السينما الفرنسية الجديدة: كيف بدأت؟ | تاريخ السينما 1 | سحر هيتشكوك الدائم: دراسة كاملة


  YEAR 6 | ISSUE 761

من "لوكاس" إلى "ديزني" بـ 4.05 بليون دولار

لا أذكر أن هناك سينمائي سبق جورج لوكاس او تبعه في مضمار كيفية تحويل نجاح فيلم واحد إلى مؤسسة. الفيلم هو «حرب النجوم» والمؤسسة "لوكاس فيلم" التي عمدت إلى توفير ستديو خاص بالخدع والمؤثرات كما قام لوكاس بتحقيق نسخ مختلفة من فيلمه فإذا به ثلاثية حتى منتصف التسعينات، ثم ثلاثية ثانية في العقد الأول من القرن، وبين ذلك وبعده هو ألعاب فيديو ورسوم متحركة وشخصيات لها ملكية تُصنع منها الدمى والألعاب الثابتة منها والإلكترونية. كل مجال ممكن لاستثمار ذلك الفيلم تم ولا يزال. 
اليوم تأتي الأنباء أن مؤسسة «لوكاس فيلم» بيعت إلى مؤسسة ديزني بأربع مليارات وخمسين مليون دولار. نصف هذا المبلغ نقدي ونصفه عن طريق أسهم في مؤسسة "ديزني". والصفقة لم تأت لأن حالة "لوكاس فيلم" التجارية متوعكة، بل لأنها بلغت من النجاح ما دخل كتب تاريخ صناعة السينما.
في بلاغ منشور في "ذ هوليوود ريبورتر" يقول جورج لوكاس أنه دائماً ما أدرك أن عليه يوماً ما تسليم "القيادة لجيل جديد من السينمائيين" وأن عليه "تسليم المؤسسة إلى بيت إنتاجي آخر" يقوم بتطويرها وذلك "خلال سنوات حياتي" كما يقول. 
بذلك، تكون "لوكاس فيلم" ثالث مؤسسة كبيرة تقوم "ديزني" بابتلاعها بعد "مارڤل" و"بيكسار". كيف ستتم تسوية مشروع قيام شركة فوكس بالإستعداد لإطلاق سلسلة "حرب النجوم" بالأبعاد الثلاثة؟ لا أدري تماماً (ولا غيري يعرف حتى الآن)، لكن لفوكس الحق في استكمال ما بدأته، بينما لديزني الحق في إنتاج كل ما له علاقة بهذه السلسلة من الآن وصاعداً.



سنوات ضوئية | عودة محمد خان 

الفيلم الجديد للصديق محمد خان عنوانه «فتاة المصنع» (الصورة) وهو باشر تصويره قبل أيام ثم توقّف بسبب العيد المبارك وسيكمل تصوير الفيلم بعد ذلك. وهو فيلمه الأول منذ خمس سنوات عندما أخرج "في شقّـة مصر الجديدة" وخلال فترة غيابه اقترب بضع مرّات من الوقوف أمام الكاميرا مجدداً، لكننا في ظروف استثنائية بحيث يجد المخرج من نوعيّته المتميّزة نفسه أكثر حرصاً على عدم التفريط بقبول ما لا يرضيه.
الفيلم الجديد من تمويل إماراتي وألماني وأميركي مع إسهام من وزارة الثقافة المصرية، كما قرأت، وآمل أن تكون هذه نقلة إنتاجية كبيرة إلى الأمام كون هذا المخرج استحق سابقاً ما كان حققه من حضور عالمي وآن الأوان لتجديده. وهو سيتوجه مطلع الشهر المقبل إلى سوق سينمائي يُقام في «ثيسالونيكي» علماً بأن هناك أسواقاً أخرى يا ليته يفكّر بها لعلها تكون أكثف حضوراً من قِـبل الموزّعين الدوليين.

كنت أفكّر في كل هذا حينما لفت انتباهي عنوان فيلمه الجديد «فتاة المصنع» ورحت أحصي عدد الأفلام التي تحمل أسماء او إيحاءات مؤنّثة فوجدته عدداً لافتاً. عد معي: «زوجة رجل مهم» (1987) و«أحلام هند وكاميليا» (1988) و«الغرقانة» (1993) ثم «بنات وسط البلد» (2005) والآن «فتاة المصنع». وكان لديه مشروعاً بعنوان «نسمة» ولم أنس «يوسف وزينب» (1991). لكن في الوقت ذاته منح الذكور عناوين لافتة لهم: «الحريف» (1983) و«مشوار عمر» (1986) و«فارس المدينة» (1994) و«مستر كاراتيه» (1995) وبالطبع «أيام السادات» (2001) ولا أنسى أن أحد مشاريعه كان فيلماً إنكليزياً بعنوان «ستانلي»

طبعاً العناوين لا تقف وحدها في هذا الخصوص. برهن محمد خان عن اهتمام كبير بالإنسان داخل الشخص الذي يضعه بطلاً لفيلمه. ليس، كما انتشر، أنه مخرج شخصيات هامشية. إذا أمعنت لا تجد ما هو هامشي على الإطلاق. بل شخصيات هي في قلب المجتمع. ربما من قاع المدينة. من تلك الأحياء البسيطة التي يمر بها الواحد من دون أن يلتفت إلى من يجلس في مقاهاها او يعمل في كاراج من كاراجاتها او من تدخل الشقّة لتنظيفها، لكنها ليست هامشية الا إذا كان القائل ممسكاً بأعلى الطرف الهرمي متبنيّـاً بذلك مبدأ أن أعلى الهرم هو الأساس.

الجميع في الوسط يعرف حبي لمحمد خان كفنان وكإنسان ولا أنفي ذلك ولا يوجد أي داع للإعتذار من أحد. إنه صديق عزيز ومخرج موهوب. ومهم عندي أن أكتب عن أفلامه بنظرة حيادية كوني في النهاية ناقداً ولست محابياً. والأمر المهم الثاني هو أنني إذا ما كتبت عن أحد أفلامه بالسلب لم يزعل كما يفعل آخرون كثيرون. فعلت ذلك حين حقق «مستر كاراتيه» ولو أنني حين شاهدت الفيلم مرّة ثانية وجدته أفضل مما ذهبت إليه. 
لكن هل هناك مخرج من جيله أنجز عدداً موازياً من الأفلام أنجز عدداً كبيراً من الأفلام التي صاغت مرحلتها وبصمت السينما المصرية بنوعيّتها؟ من «الحريف» سنة 1983 وصولاً إلى «فارس المدينة» (1993) عشر سنوات أنجز فيها تسعة أفلام ليس من بينها ما يعرج. ليس أن أفلامه اللاحقة كانت أقل شأناً لكني أخذت فقط تلك الفترة التي أسسته وساهم في تأسيسها في الوقت ذاته. 

ولا أعتقد أنني الوحيد الذي يتمنّى لو أن محمد خان يصنع فيلماً كل سنة او سنتين. في الحقيقة يا ليت الأحوال جيّدة والظروف مواتية والسينما المصرية في سابق عهدها لكي ينجز مخرجون آخرون من صفّه (وسواء من جيله او قبله او بعده) أعمالاً في فترات متقاربة… أين خيري بشارة؟ رأفت الميهي؟ غالب شعث؟ سعيد مرزوق؟ داوود عبد السيد؟ أسامة فوزي؟ أسماء البكري؟ هالة خليل؟ وسواهم. لا تقل لي ظروف اليوم السياسية والإقتصادية. غياب هؤلاء بدأ قبل ذلك بسنوات. المشكلة هي أن بعضنا يعتبر المخرجين (وسينمائيين آخرين) مثل سيارات لديها احتياط بنزين متفاوت… فتقطع هذه السيارة عشرين كيلومتر ثم تقف بينما تقطع أخرى خمسين كيلو قبل أن تتوقّف وبينهما تتوزّع سيارات أخرى في نقاط مختلفة كل منها وكم تنكة بنزين حوتها. هذا مؤسف، لأن النهضة الحقيقية عمرها ما كانت سياسية بل دائماً ما كانت ثقافية وفنية وأدبية وعلمية والجامع بين كل هذه الجوانب هو كم تصر الحكومات على تفعيلها وتدفع بها لكي تعبّر عن الأمّـة.


أفلام العيد... بلطجة وكوميديا بلا  نجوم   

القاهرة | محمد عبد الرحمن 

موسم مليء بالأفلام خال من النجوم، هكذا يمكن وصف موسم عيد الأضحى في مصر الذي يشهد عرض ستّة أفلام دفعة واحدة تزامناً مع احتفال صنّاع الفن السابع باطلاق صالتين جديدتين في مدينة «السادس من أكتوبر» بإمكانات تقنية ضخمة. هكذا بدأت الصناعة «تشم نفسها» بعد عامين عجاف إثر تداعيات الثورة المصرية. لكن الازمة الحقيقية ما زالت في المضمون. والدليل أنّ الأخوين السبكي اللذين اعتادا التواجد في موسم عيد الفطر بفيلمين على أقصى تقدير يستحوذان على نصف الأفلام المشاركة في موسم عيد الأضحى 2012.
علماً أنّها الأعمال نفسها المرشحة لحصد الايرادات أبرزها «الآنسة مامي» لياسمين عبد العزيز. تواصل هذه الأخيرة تعاونها مع الاطفال للفيلم الثالث على التوالي بعد «الدادة دودي» و«الثلاثة يشتغلونها». وبعيداً عن مستوى أعمالها الفني، يُحسب لعبد العزيز صمودها في شباك التذاكر وتحقيقها للايرادات في الفيلمين السابقين، إذ تتوجّه أعمالها إلى العائلة. وفي الشريط الجديد، تناقش ياسمين أزمة الشباب والفتيات الذين يخاصمون الزواج خوفاً من المسؤولية. لكن الممثلة المصرية ستضطر لرعاية أربعة أطفال في سلسلة من المفارقات الكوميدية بمشاركة حسن الرداد، وانتصار، وسليمان عيد، وهشام اسماعيل، وضيف الشرف سعد الصغير. علماً أنّ الشريط من تأليف خالد جلال وإخراج وائل احسان. ومع السبكي أيضاً، تعود فيفي عبده مع إدوارد ونهلة ذكي وضيفة الشرف مادلين مطر ليطلّوا في «مهمة في فيلم قديم» (تأليف محمد فاروق وإخراج أحمد البدري). يستوحي العمل أحداثه من أفلام مصرية شهيرة تتخلّله الرقصات والضحكات والأغنيات الشعبية التي تغازل فئة محددة من الجمهور. ولا تزال البلطجة تسيطر على عقول صنّاع السينما في مصر بعدما برزت الشخصية بقوة إثر استخدام النظام البائد لها بهدف ردع المتظاهرين خلال الثورة وبعدها. الممثل الصاعد محمد رمضان يقدم للمرة الثانية في العام نفسه شريطاً عن شخصية البلطجي. بعد «الالماني» الذي عرض الصيف الفائت، ها هو يدخل سباق العيد بـ«عبده موتة» (إخراج اسماعيل فاروق) مع حورية فرغلي ومجدي بدر. وتطلّ دينا لتنافس فيفي عبده لكن في دور مساعد، إذ تؤدي أيضاً مجموعة من الرقصات التي تغري الفئة نفسها من الجمهور التي يتوجه إليها السبكي دائماً. ويستعين النص الذي كتبه محمد سمير مبروك بالعبارات السوقية التي يتداولها البلطجية لتظهر على شاشة السينما، متوقعاً اثارة جدل حول الجدوى من تقديم هذه الأفلام. علما بأنّ آسر ياسين وكندة علوش قدما في رمضان الفائت مسلسل «البلطجي» الذي حقق نجاحاً مقبولاً. علوش الممثلة السورية الأكثر نشاطاً في المحروسة، تدخل للمرة الأولى سباق الموسم الكبير من خلال «بارتيتا» (تأليف خالد جلال وإخراج شريف مندور) الذي انتهى تصويره قبل عامين. ورغم أنّ مضمون الفيلم لا يناسب طبيعة الموسم، إلا أنّ صناعه اضطروا لطرحه حتى لا يتأجل أكثر من ذلك. وحاز العمل اعجاب الحاضرين في العرض الاول له قبل يومين لكن الحكم الأخير متروك لجمهور العيد في القاهرة والمحافظات المصرية. ويدور الشريط حول فتاة تعاني عقدة نفسية بسبب مشاكل أسرية تعرّضت لها منذ صغرها. ويشارك في البطولة أحمد السعدني ودينا فؤاد. خامس أفلام عيد الأضحى سيكون للمطرب مصطفى قمر الذي يعود إلى الشاشة الكبيرة بعد غياب طويل منذ «مفيش فايدة». لكن قمر يفاجئ جمهوره هذه المرة بالابتعاد عن الرومانسية والكوميديا ويقدم عملاً تشويقياً بعنوان «وة اللعبة». نحن هنا أمام شاب يدير شركة للدعاية والإعلان، لكنه يتورط في جريمة قتل ويحاول كشف الفاعل الحقيقي. العمل الذي يحمل توقيع الكاتب أحمد البيه والمخرج محمد حمدي، تشارك في بطولته ريهام عبد الغفور، ومحمد لطفي وأشرف مصليحي ورشا نور الدين. وبعد سلسلة من البطولات التلفزيونية المطلقة، يدخل الممثل الكوميدي سامح حسين سباق السينما المصرية بــ«30 فبراير» مع ايتن عامر وصفاء جلال ولطفي لبيب وعايدة رياض. الفيلم الذي كتبه صلاح الجهيني وأخرجه معتز التوني، يدور حول شاب يطارده الحظ السيئ إلى أن يلتقي فتاة ويعتقد خاطئاً أنّها ستساعده على فك النحس قبل أن يجمعهما الحب في النهاية. وفي مناخات الحبّ والكوميديا والعلاقات الغرامية، يأتي «غش الزوجية» (إخراج أحمد البدري وتأليف لؤي السيد) الذي سنشاهده في الصالات اللبنانية في العيد. الشريط الذي يؤدي بطولته رامز جلال، وايمي سمير غانم، وإدوارد، وحسن حسني أُطلق الفيلم في القاهرة في حزيران (يونيو) الماضي محقّقاً إيرادات بلغت حوالي 9 مليون جنيه. وفي إطار من التشويق والكوميديا، يحكي الفيلم قصة حازم الشاب المستهتر المعروف بتعدد غرامياته، لكنّ والده يقرّر تزويجه، فتعاني العروس من نزوات زوجها «الدونجوان».
* عن «الأخبار» اللبنانية

مسلسل | تاريخ السينما-  1 | ما قبل الأفلام

إذ أبني هذه الدراسة على قاعدة كبيرة من مشاهداتي اليومية لا يمكن بالطبع الا الركون على معلومات تاريخية وتأريخية متوفّرة اليوم عبر عشرات الكتب المتخصصة في النوع، كما عبر العديد من المواقع ولو أن الوثوق من هذه الأخيرة يجب أن يكون سائداً لكثرة اللغط السائد بحيث أن معلومة واحدة قد تؤدي إلى قلب مفاهيم ومعايير إذا ما كانت خاطئة على أي نحو.
الإستناد إلى التاريخ المكتوب لسرد حكاية تاريخ الصورة يحمل في طيّاته تحدياً كبيراً للمؤرّخ. لقد وجدت أن أفضل وسيلة للتأكد من صحّـة المعلومة الواحدة هو محاولة رصدها عبر الفيلم القابل للمشاهدة- أي ذاك المتوفّر على فيديو او على أسطوانات أو، في أضعف الأحوال، على شاشات الإنترنت. إضافة إلى ذلك، فإن متابعاتي من ثلاثين سنة وإلى اليوم لكل فيلم صامت أستطعت مشاهدته على شاشات السينما الكبيرة من خلال مؤسسات أرشيفية ومعاهد سينمائية  في لندن وتورنتو ولوس أنجيليس تجعلني قادراً على التدخل برأي محايد عما هو مكتوب ومسجّل، خصوصاً وأن الكثير مما هو مكتوب يسير على خطوات سبق السير فيها. بمعنى أنه حين تتم كتابة معلومات كتلك التي نحن بصددها على حلقات، فإن الحاصل هو أن كل كتاب او مقال او دراسة لاحق، عليه أن يعود إلى ما سبق. الجادون يقومون بفحصه مجدداً والآخرون باعتماده ربما للتركيز على شؤون أخرى.
إلى ذلك، يتوجّـه التاريخ إلى مجموعة متخصصة من الجمهور. ذاك الذي لا يكتفي بتقدير السينما بل يبحث في أصولها. ولماذا لا يبحث في الأصول إن لم يكن شغفه بالسينما مختلفاً عن شغف الغالبية؟ إنها عماد كل ما نراه اليوم ماثلاً على الشاشات الكبيرة في صالات المولات. وراء كل جيمس بوند شخصيات وأفلام بعضها غارق في تاريخ السينما الصامتة نفسها. وراء كل مشهد لرجل يبحث عن مكان يلجأ إليها هرباً من مطارديه هناك عشرات الأفلام التي فكّرت وأسست وعرضت لمشاهد مماثلة. السينما عرفت "النوع" The Genre من البداية وفي الوقت ذاته الأسلوب وهو على نوعين: أسلوب كل مخرج وأسلوب كل مجموعة مخرجين. والأسلوب غير النوع وكلاهما غير أبواب البحث النظري، لكنها جميعاً من عماد التاريخ السينمائي. لا يمكن لدارس في تاريخ السينما الإغفال عن أي جانب من هذه الجوانب الثرية ويعتبر نفسه درس شيئاً. كذلك لا يمكن له أن يغفل الجوانب الصناعية تلك التي لم تكن السينما لتولد من دونها.
وإذا كان البعض لا يزال يلهو لاعباً بالسؤال عن ماهية السينما (هل هي صناعة، تجارة، أم فن) كما لو أنها لوح خشبي لا يستطيع الا أن يكون من خشب، فإن النظرة الواعية لا عليها فقط العودة إلى التاريخ لتبيّن متى بدأ كل طرف ومتى التحق بالأخر وأثر فيه. 
لا شيء يولد اليوم… لا النبتة في الأرض ولا الإنسان في الفضاء. كل شيء نعيشه هو تتابع ينتمي إلى حلقات متوالية تتابع إلى يوم الدين ووُلدت يوماً حين قرر الله تعالى أن يخلق الإنسان على الأرض (وبل لما سبق ذلك أيضاً). أن يكون بيتر مارك روجيه كتب سنة 1824 مقالة عن الخداع البصري فإن ذلك استند إلى ما قبله من كتابات او ملاحظات. أن فكّر الإنسان الطيران او الغوص فإن الطيور والأسماك كانت هناك لكي يقلّدها، وإلى أن تم للفيلم الأول الولادة سنة 1888 فإنه تم عبر مخاضات كثيرة حوت بلورة أفكار التقت في وقت وزمن معيّن على جعل تصوير فيلم على شريط بكاميرا أمراً ممكناً. هذه المخاضات تشمل هندسة وفيزيائية النور والصورة كما وضعهما الحسن بن الهيثم وجنود معرفة مجهولين في الصين وأوروبا كما سبق لي أن ذكرت أكثر من مرّة في أعداد سابقة.
بل أن الرسوم المكتشفة على جدران كهوف أسبانية وفرنسية وترجع إلى ثلاثين ألف سنة ثم الرسوم الأشورية والفرعونية بمثابة مرجع بعيد جدّاً له علاقة برغبة الإنسان في التعبير وفي السرد. الرغبة في التعبير وفي السرد هي عماد كل فيلم سينمائي إلى اليوم. 
إذاً ما هي الإختراعات الضرورية التي أدّت إلى ولادة السينما؟
سأسلّـم هنا إلى ما ورد في كتاب جوليوس فرانجر «الفيلم من المصباح السحري إلى الصوت" وما ورد في كتاب كووَن فرميير «سحر المصباح السحري من 1660 إلى 1700» The Magic of the Magic Lantern (1660-1770) من أن أول من صنع آلية متحركة لمصباح سحري يعرض ما يعكس فيه عبر مركز ضوئي واحد هو كرستيان هايوجين في خمسينات القرن الخامس عشر. قبله (حوالي سنة 1646) ورد وصف للراهب أتانسيوس كيرشر لمثل هذا الإستنباط. 
بين هلالين استنتج مما قرأت أن التخويف كان أساسياً فيما اختاره بعض هؤلاء، ومعهم توماس والغنستن في ستينات ذلك القرن، لعرضه. هايوجين أطلق على مصباحه "مصباح الخوف" كونه رغب (وربما استطاع) تحريك خيالات موحشة او مخيفة. وآخر في القرن الثامن عشر أسمه الكونت غاليوسترو استخدمه كنوع من السحر للإيحاء بأن الأرواح هي ما يعرضه جهازه.  وسبق أن عرفت ساحة البيكاديللي في القرن الثامن عشر متحفاً قام بأسره على عرض إنعكاسات وظلال تجعل المشاهدين عرضة لخيالات شبحية ترتسم على الحائط او تبدو كما لو كانت ترتع في فضاء الغرف. 
هذا الجانب هو جانب صناعي موجّـه لمحاولة تحويل النور إلى طاقة تصلح لعكس صورة ما على الجدار (ثم السعي لتحريك تلك الصورة خلال السنوات التالية). الجانب الثاني تم سنة 1839 عندما تم صنع أول كاميرا للتصوير الفوتوغرافي على يدي الفرنسي لوي-جاك داغواريه مستخدماً صفائح معدنية لالتقاط الصورة عليها. وسنتين بعد ذلك تم التوصل في بريطانيا إلى طبع تلك الصور على ورق. وتحركّت هذه الصور الثابتة على لوح ثابت بدوره سنة 1861 قام كولمان سلرز بإنجاز آلة للعرض سمّاها كينيماتيسكوب وثماني سنوات من بعد تم تسجيل اختراع أول شريط سيليلويد على يدي جون وسلي هايات. هذا السيلولويد بات الأساس إلى حين اختراع الدجيتال الذي، بالمناسبة، لا يصح تقنياً تسمية "الفيلم" بـ "فيلم" لأنه ليس فيلماً بل دجيتال مرقّم، لكننا نتجاوز ذلك لأنه لابد من تسمية هذا "المنتوج" شيئاً والفيلم هو الشيء الوحيد الذي نستطيع أن نصفه به.

هذا بعض الوقائع التاريخية التي دارت عبر قرون تميهداً لما أخذ يحدث في سبعينات القرن التاسع عشر. وبما أن المقصود هنا ليس إظهار علم من جانبي او دراية لا يشق لها غبار، فالمعلومات الواردة متوفّرة في مراجع هي بذاتها مأخوذة عن وثائق ورخص اختراعات مسجّـلة في الدول التي انتمى إليها صانعوها، فإن الرغبة هي في التمهيد للنقلة النوعية اللاحقة التي تمّـت في سبعينات القرن التاسع عشر والتي تسارعت حدوثاً ما جعل إختراع السينما أمراً لا مهرب منه كما سنرى في الحلقة الثانية.


علامات في سينما الموجة الفرنسية الجديدة  

كيف بدأت موجة السينما الفرنسية 
وما علاقتها بالحرب العالمية الثانية
التي سبقتها؟
فرنسوا تروفو 

اليوم، وفي عصر الدجيتال وصالات المولات وطغيان الأفلام السائدة، تبدو السينما الأخرى كما لو كانت جزيرة معزولة عن الإهتمام الجماهيري الشاسع ومنطقة بعيدة ثقافياً عنّـا. تزورها المهرجانات فتطلبها وتمنحها في العديد من الحالات جوائز مناسبة، لكن فاصلاً كبيراً يقوم بينها وبين الإهتمام الجماهيري العام. 
في إعتبار كثيرين أيضاً، أن السينما الستيناتية التي شملت على بروز بديل للسينما الأميركية داخل السينما الأميركية نفسها، وخارجها في كل من العالم العربي والبرازيل وتشيلي والأرجنتين وبريطانيا وفرنسا وسواها من الدول، هي الآن مزارات يؤمّـها الهواة على قلّـة عددهم. ومع أن هذا المنظور لا يخلو من الصواب، الا أن الصورة الكاملة تفيد بالعكس: هناك عديد من سينمائيي اليوم تخرّجوا من المدرسة الواقعية الإيطالية والمدرسة البريطانية الجديدة والموجة الفرنسية الجديدة ويمارسون، على نحو واضح، تعاليمها. بالتالي، فإن الأثر موجود ولو أن التأثير على النطاق الجماهيري محدود.
بالنسبة للسينما الفرنسية فإن "الموجة الجديدة" بدأت بكتابات تلت الحرب العالمية الثانية أمّها نقاد الكاييه دو سينما في الخمسينات أمثال فرانسوا تروفو وجان-لوك غودار وأندريه بازان وإريك رومير وكلود شابرول وجاك ريفيت. قبلهم، سنة 1948، كتب الناقد الذي سبق تروفو وغودار ورومير وشابرول وريفيت بالتحوّل إلى الإخراج، ألكسندر أستروك مقالاً بعنوان «مولد السينما الطليعية: الكاميرا- القلم" نشر في مجلة "الشاشة" (L'Eran) في الشهر الثالث من ذلك العام وجد فيه أن السينما آيلة لأن تماثل التأليف بالنسبة للكتاب، وأن تتبوأ كوسيط تعبيري كحال فنون الرسم والموسيقا. 
لكن بإعتراف فرانسوا تروفو، فإن ما حققته تلك الموجة التي انطلقت مستقلة عن السينما السائدة لم يكن ليتبلور على منهج صحيح لولا فيلم "اللاجيء الصغير" لموريس إنجل الذي هو مصوّر سينمائي في الأساس حقق ثلاثة أفلام أولها ذلك الفيلم الذي أتمّ العمل عليه سنة 1953. حسب تروفو "سينمانا لم تكن لتلد لولا لذلك الأميركي الشاب موريس إنجل الذي أظهر لنا الطريق صوب إنتاج مستقل بفيلمه الممتاز هذا".
أندريه بازان

تشكل الحروب حوافز للتغيير. ما أن تنتهي حتى يحاول المبدعون الإنطلاق من ثوابت جديدة في كل مضمار ممكن من الحياة الثقافية او الفنية. السينمات حول العالم تعاملت مع توابع حروب كل سينما على حدة بدرجات متفاوتة من النتائج تبعاً لاختلاف الظروف والثقافات ذاتها. بالنسبة لأوروبا فإن أكثر سينماتها تطوّراً في منهج جديد كانت الإيطالية بتوجّـهها صوب الواقعية الجديدة والفرنسية بتوجهها صوب ما عُرف ب "الموجة الجديدة"
كلاهما، في الحقيقة يعتمدان المفهوم العام للواقعية. الإيطاليون (روسيلليني، دي سيكا وسواهما)  انبروا إلى إبتكار سينما لا تتصل بتلك المنظّـمة والمنتجة تبعاً لـ "الفورميلا" المعهودة درامياً وإنتاجياً لجمهور محدد سلفاً، وساعدت حقيقة أن معظم الاستديوهات خلال الأشهر الأخيرة من الحرب أغلقت أبوابها على الإستغناء عن معدّاتها وأماكن التصوير المغلقة فيها والخروج إلى الشارع وبل استخدام ممثلين غير محترفين في الكثير من الأحيان.
في فرنسا فإن الإستلهام لسينما هي في خلاصتها واقعية النبض والتصوير والمنهج ومستقلّة بدورها عن السينما المؤسسة كلاسيكياً تبلور عما شكّل سريعاً الموجة الجديدة. 
هنا لابد من الإشارة إلى أن مخرجين فرنسيين كباراً من طراز رينيه كلير وجان رنوار وجاك فيدر تركوا فرنسا خلال احتلالها ما ساعد على تشكيل نواة مخرجين جدد من بينهم من سبق الموجة الجديدة المتعارف عليها مثل رنيه كليمان (الذي استخدم في فيلمه «معركة خطوط القطار» (1946) أسلوباً سابقاً لواقعية الإيطالي جيلو بونتوكورڤو في «معركة الجزائر»).
إنه في الخمسينات ما أسس الناقدان جاك دونيال- فالكروز وأندريه بازان مجلة "كاييه دو سينما" وهما كانا متأثران بكتابات الناقد ألكسندر أوستروك الباحثة عن هوية جديدة للسينما الفرنسية. 
وواحد من أوّل ما أسسته المجلة المعروفة كان التأكيد على أن السينما الأفضل هي تلك المعبّرة عن الذات. بالتالي شكّـل هذا الأساس رفضاً للسينما المؤسسة بأسلوب تقليدي متعارف عليه. استمر التنظير لسينما مختلفة لمعظم سنوات الخمسينات وفي العام 1959 انتقل نقاد الكايية دو سينما واحداً إثر آخر إلى الإخراج فأنجز فرانسوا تروفو «الـ 400 نفخة» ثم تبعه جان-لوك غودار بـ «نفس مقطوع» والباقون مثل إريك رومير وألان رينيه وأغنيس فاردا. بعد ذلك تشكّل جيل جديد من بينه لوي مال وجاك ديماي من دون أن ينقطع سبيل الجيل المؤسس. المهم ملاحظته أن الموجة لا تعني قطعاً سيادة أسلوب تعبيري واحد بين هؤلاء، فأفلام إريك رومير تختلف عن أفلام جاك ريفيت وهذه عن أفلام غودار او شابرول او تروفو. 
في الوقت ذاته، لم تقض الموجة الجديدة على السينما الفرنسية التقليدية، وفي الستينات والسبعينات كان هناك ثراءاً في الأساليب بحيث تجاورت هاتين السينماتين لجانب محاولات تنشد إختلافاً عنهما معاً مثل تلك التي أقدم عليه كلود ليلوش وألان روب- غرييه من بين آخرين عديدين.

إقرأ في العدد المقبل من "فيلم ريدر" نقد فيلم Alphaville لجان لوك- غودار و«الـ 400 نفخة» لفرنسوا تروفو. 



سحر هيتشكوك الدائم

محمد رُضــا

كنت نشرت مقدّمة لهذه الدراسة ووعدت
بنشرها كاملة لاحقاً. هنا الدراسة المنتظرة.

ساد النقد العربي، ولا يزال، جملة من المعايير والإعتبارات التي بات من الضروري طرحها كونها لم تؤد إلا إلى تلبية رغبة البعض منّا تأسيس سينما على هواه وتبعاً لنظراته ومفاهيمه الخاصّة به
في التاسع والعشرين من شهر أيلول/ سبتمبر 2011 قامت أكاديمية العلوم والفنون السينمائية في لوس أنجيليس، وهي الأكاديمية التي تمنح الأوسكار، بعرض فيلم تم إكتشاف وجوده قبل أشهر قليلة في صندوق مهمل في  حديقة أحد منازل مدينة هاستينغز النيوزلاندية. الفيلم بعنوان «أشباح بيضاء» White Shadows
الفيلم ليس كاملاً، بل تم معالجة وترميم ثلاث "بكرات" هي مجموع ما تم اكتشافه من ذلك الفيلم الذي، حسب مراجع موثوقة، قام ألفرد هيتشكوك بكتابته وتصميمه الفني، وتوليفه أيضاً
الإكتشاف أحدث رضى طيّباً ليس فقط بين محبّي سينما ألفرد هيتشكوك، بل بين المتابعين والمؤرخين عموماً، فهو "دروس أولى في كيف وضع هيتشكوك تصوّراته الأساسية التي صاغت فنّه لاحقاً"، كما يقول عميد "مجلس النقاد الأميركيين" ديفيد ستارِت٠
لكن إذا ما أردنا الإبتعاد عن هذه الغبطة التي لها دواعيها المحقّة بالطبع، فإن «أشباح بيضاء» كان الأول  من أربعة أفلام قام هيتشكوك فيها بمساعدة المخرج البريطاني غراهام كَـتس Graham Cutts. 
هذا يعني بوضوح أن كَـتس كان مخرجها في حقبة مهمّـة من حقبات ومراحل حياة المخرج هيتشكوك، وقد التحق هيتشكوك بالعمل مع كَـتس بناءاً على رغبة المنتج مايكل باكون. لكن المؤكّد أن كَتس كان مستاءاً من وجود هيتشكوك الذي كان أكثر دراية منه بالأجواء البصرية والمفاتيح التقنية التي يراها هيتشكوك ضرورية. بعض المؤرّخين كتب عن أن تأثير هيتشكوك البصري على «أشباح بيضاء» و«فضيلة خطرة» (1924) و«المغامرة الشغوفة» (1925) و«الحارس»(العنوان الإنكليزي لفيلم ألماني بالكامل بعنوان Die Prninzessin Und der Ceiger ) وهي الأفلام التي أخرجها كَتس، كان دامغاً. والمؤكد أن المنتج باكون أعجب بهيتشكوك (الذي تعرّف على المخرج الألماني  ف. د. مورناو خلال قيام هذا بتحقيق فيلم «الضحكة الأخيرة») وحين وقع خلاف بين كَتس وباكون، سارع الثاني لمنح ألفرد هيتشكوك الفرصة كاملة في «حديقة المتعة» سنة 1925

الشعور بالذنب
لكن، بصرف النظر عن مدى إسهام ألفرد هيتشكوك في فيلم غراهام كَتس «أشباح بيضاء» او في أي من أفلامه الأخرى، فإن الثابت أن هيتشكوك من الأهمية بحيث أنه حتى وإن كان إسهامه في حدود البصريات والتصاميم الديكوراتية، فإنه من الأهمية القصوى، للمجتمع النقدي والسينمائي على حد سواء، مشاهدة هذا الإكتشاف ما يعرّفنا أيضاً على من كان غراهام كَتس الذي أنجز 39 فيلما ما بين 1922 و1943 ومات  دون الشهرة التي ربما استحقّها.

وُلـِد ألفرد هيتشكوك  يوم الأحد في الثالث عشر من آب/ أغسطس سنة 1899 في ضاحية شرقي لندن إسمها ليتونستون. السنة ذاتها التي وٌلد فيها كل من الممثلين همفري بوغارت، فرد أستير وجيمس كاغني (لم يمثّـل أي منهم تحت إدارته لاحقاً)وكان الطفل الثالث لعائلة كاثوليكية. والده وليام، كان صاحب دكان خضار  وإسم والدته إيما وإسم أخويه وليان ونيلي. والده توفى حين كان ألفرد في الخامسة عشر من العمر وهو كان متديّـناً وضع إبنه في مدرسة كاثوليكية  متزمّتة تركت أثّرها في نشأة صبي خائف تحوم حول رأسه الشكوك وعقد الذنب من الخطأ والخطيئة والخوف من العقابذات مرّة كتب والده لصديقه رئيس نقطة البوليس في البلدة طالباً منه وضع هيتشكوك في القفص لخطأ إما كان صغيراً لا يستدعي العقوبة او أن هيتشكوك كان بريئاً منه على أي حال لكن هيشتكوك عوقب وسوف لن ينس هذه الحادثة التي ارتكبت بحقّه وهو صغير. في أفلامه شكّـل موضوع المتّـهم البريء من أي ذنب أحد أهم العناصر التي تتمحور حولها حبكاته وتعيشها شخصياته
بعد وفاة والده، ترك ألفرد الدراسة الكاثوليكية ودخل معهداً لدراسة الهندسة الميكانيكية التي كان أبدى شغفاً بها منذ صباه، ثم اتجه الى العمل في شركة لأعمال الكايبل والتلغراف أسمها "هانلي" او
Hanely Telegraph and Cable Company  كما دخل مدرسة أخرى بعد الدوام حيث ألم بالرسم والهندسة ما جعله يقترح على الشركة إستخدامه في مجال تصميم الدعايات٠

معطيات هيتشكوك
اوروبا دخلت الحرب العالمية الأولى وتم طلب هيتشكوك للتجنيد لكنه أعفى  (لأسباب صحيّة إذ اعتبر بديناً لا يناسب الشروط الضرورية للخدمة). وفي أحد الأيام أغارت الطائرات على ضاحية ليتون حيث سقطت قنبلة قريباً من منزل العائلة. حين هرع هيتشكوك الى البيت وجد والدته في حالة رعب لكن ما انطبع في بال هيتشكوك وذاكرته كان أكثر من حالة رعب. هيتشكوك إستخدم ذكريات الحادثة في مطلع فيلمه الثاني عشر »جريمة« (1930)  والأهم أن العائلة سريعاً ما شكّلت لنفسها وجوداً في معظم أفلامه. وهي موجودة لسبب لم يكترث نقاد عديدون لتناوله او فحصه. فصلابة العائلة في أفلامه قد تكون السبب الحائل ضد سقوط أفرادها في براثن الجريمة، وقد يكون غياب ذلك التعاضد مقدّمة للإنهيار الكامل٠
الى ذلك، وجود العائلة في الفيلم ميّز أعمال هيتشكوك  عن الأفلام البوليسية الأخرى حيث البطل عادة ما يكون شخصاً وحيداً لا علاقات عائلية له حتى تتمكن القصّـة المروية من حصره في الموقف المطلوب بذاته ومن دون روابط. لكن حتى في أفلام هيتشكوك التي حوت شخصية رئيسية لا عائلة بادية من حوله، كما الحال في «شمال، شمالي غرب» North By Northwest، فإن سعيه للإرتباط هو سعي عائلي الى جانب أن من حوله لديهم ذلك الإرتباط عادة. هذا وضع أساسي في أفلام كثيرة له منها 
Strangers  On a Train, Rebecca, Dial M For Murder, Rear Window 
وصولاً إلى فيلمه ما قبل الأخير «نوبة جنون» Frenzy 
هذا لا يعني إن أفلامه كانت أفلاماً عائلية او أن الإهتمام بالعائلة كان مصدر إلهامها وعنصراً درامياً أوّل، لكنها كانت موجودة على نحو يشي بأهميّة دلالاتها. مسليّة وعميقة في آن معاً كما الحال في المشاهد التي تقع بين التحرّي  وزوجته في فيلم «نوبة جنون» او تلك التي تكشف عن سعي غريس كيلي في «نافذة خلفية» Rear Window للزواج من الرجل الذي تحب (جيمس ستيوارت) وبناء حياة زوجية سعيدة، بينما هو مشغول عنها بمراقبة عائلة أخرى تتحطّـم. 

مهما يكن من هذه المسألة، فإن فن هيتشكوك تكوّن من معطيات كثيرة بينها إدراكه باكراً أن الفيلم السينمائي له لغة خاصّـة بين الفنون ليس من بينها الحوار الا بقدر ما يحتاجه العمل حتى لا يأتي غريباً عن محيطه وواقعه. مفردات هيتشكوك، كما سنرى هنا، كانت مفاتيح سينمائية وبصرية خالصة. متى يستخدم مفردة مُعيّنة كان مرتبطاً بقدرته على صياغة حكاية بالإعتماد على صورها. وجزء من ذلك كان نابعاً من أنه عاصر السينما قبل أن تنطق، لكن الجزء الأهم كمن في تكوينه العبقري الخاص.

اعتبارات متناقضة
قبل المزيد في هذا الشأن، يجدر بنا التوقّف عند ما بدأناه من ملاحظة وجود قطيعة بين السينمائيين العرب، وهذا يتضمّن النقاد وهواة الأفلام كما الممارسين للسينما، وبين المخرج المذكور
بالنسبة للجمهور العام، فإن هيتشكوك، كما كل صاحب مدرسة او أسلوب فني متميّز في السينما، فعل مجهول بغياب المؤسسة السينمائية التي تقوم على أرشفة أفلامه وعرضها في تظاهرات. ما كان مطلوباً لتهذيب وتطوير دراية المشاهد العربي السينمائية (وكذلك دراية وسعة آفاق العاملين في السينما) هو تلك المؤسسة الشبيهة بمثيلاتها في لندن وباريس وتورنتو وسان فرانسيسكو ونيويورك وبرلين وسواها من عواصم الغرب، التي لا تتوقّـف عن إقامة التظاهرات والبرامج السينمائية المتنوّعة زماناً ونوعاً ومدارس واهتمامات. هذا ما يجعل عدم معرفة هيتشكوك (الا من خلال تردد إسمه من حين لآخر) مسألة لا خيار للجمهور الهاوي للسينما بها، إذ هو آخر من يستطيع توجيه دفّة المعنيين للإقدام على إقامة مثل هذه المؤسسات. أما بالنسبة للنقاد فإن مسألة تغييب ألفرد هيتشكوك وسينماه عن التداول، واعتبار معظمهم أنه ليس سوى مخرج تشويقي لا يختلف في ذلك عن مهرة كثيرين من أمثاله ساد بينهم وبذلك  سقط النقّاد العرب، القدامى منهم قبل الجدد، في تجاوز أحد أهم سينمائيي العالم فنّاً وأسلوباً.
بعض هذا التجاوز، إن لم يكن غالبه، مردّه الإعتقاد السائد أن السينما هي ما تقول وليس كيف تقول. بذلك، فإن المشاهد، خصوصاً في دول نامية او دول ذات مشاكل إجتماعية وسياسية وأمنية عويصة، ليس بحاجة إلى الفن بقدر ما هو بحاجة إلى المضمون. وبالتالي الفن، خصوصاً إذا ما جاء ضمن سياق ترفيهي، هو بعيد عما هو مطلوب للتوعية والإلمام والمعرفة كونه لا يطرح القائم من أوضاع بل يتحدّث في الخاص من القصص.
علاوة على ذلك، سقط النقد العربي في اعتبارات متناقضة، فقد قيل لنا أن سينما المؤلّف هي السينما التي يجب أن يتبنّاها الناس جميعاً: جمهور سائد ومخرجون وكتّاب ومنتجون وموزّعون ونقاد. ليتبيّن لبعضهم لاحقاً ما رفضنا تصديقه من قبل وهو أنه يمكن تجزئة السينما إلى  كيانات منفصلة. وما ساعد على عدم تصديق الدواعي التي سيقت هي إزدواجية المعايير. كيف يمكن لفرانسوا تروفو وجان- لوك غودار وكلود شابرول، من بين غيرهم من روّاد السينما الفرنسية الجديدة والداعين لسينما المؤلّّـف، إعتبار ألفرد هيتشكوك مخرجاً مؤلّفاً، في حين أن النقاد العرب الذين أعجبوا بأصحاب الموجة الفرنسية الجديدة واحتضنوا الدعوة إلى "سينما المؤلّـف" اعتبروه مجرد "مخرج رعب" (منزلة دونية)؟ وكيف كانوا على استعداد لقبول مخرجين شبّان بقضايا لكن من دون خبرات فنية (وهذا لا يزال جارياً لليوم) واستبعاد مخرجين أصحاب حرفة لا غُبار عليها، لمجرد أنهم يحققون أفلامهم للجمهور؟ 
ببساطة: هل المخرجون الفرنسيون الذين قاموا بإطلاق الموجة الجديدة على خطأ في إعتبار ألفرد هيتشكوك مخرجاً مؤلّفاً، والنقاد العرب على صواب في عدم الأخذ به على هذا المنحى ما يعرّض قبول مفهوم الموجة الفرنسية كلّها للخلل؟

أفضل وسيلة للإجابة على كل هذه التساؤلات هي البحث في مكوّنات سينما هيتشكوك بحثاً جادّاً. طبعاً سيتطلّب الأمر كتاباً (فوق مئات الكتب التي صدرت عنه في حياته او بعد مماته في سنة 1980) للوقوف عندها تفصيلياً، لذلك إختيار أفلام بعينها قد يُساعد على الإجابة على السؤال المهم: لماذا ألفرد هيتشكوك مخرجاً كبيراً؟

من الفيلم الأول
في فيلمه الأول، »حديقة المتعة» (1925- صامت) نتعرّف على ملامح صاحبت أعمال هيتشكوك اللاحقة. يوحي العنوان بفيلم مختلف لكن الحياة التي ينقلها هيتشكوك في هذا الفيلم، الذي تم عرضه السينمائي الأول بعد عامين من تصويره، خالية بأسرها من المتعة. وإذ يغوض الفيلم سريعاً في حكايته كاشفاً عن أزمات أبطاله العاطفية ومشاكلهم مع علاقاتهم ومحيطهم الإجتماعي، يزداد تناقض الفيلم مع عنوانه على نحو ساخر ولو أن المخرج أصر على إيحاءات العنوان مصمما، بنفسه، بطاقات إيضاح (تلك التي حل الحوار مكانها لاحقاً) حاوية رمز المتعة المحرّمة المجسّدة بصورة لأفعى.
قصّـة عاطفية حول راقصة المسرح التي تحب من خطب ود صديقتها، فتتزوّج عوضاً عنه لكن زوجها يتركها ويهاجر إلى جزيرة استوائية للعمل. حين تسمع أنه مريض، بعد فترة انقطعت فيها أخباره، تنطلق في أثره لتكتشف أنه أدمن الشرب والنساء وقتل واحدة من مواطنات الجزيرة اللواتي صاحبنه. وهو سرعان ما يهاجمها بنية القتل لكن الطبيب المحلي في القرية يقضي عليه. تلتقي باتسي بزوج صديقتها الذي لم يعد مفتونا بخطيبته ويعودان الى لندن ليبدآ حياتهما الجديدة معاً.
جانيت لي في "سايكو"٠

الملامح التي تكررت في أفلام هيتشكوك اللاحقة متعددة. في مطلع الفيلم لقطة أولى  لسيقان النساء وهي تهرع على السلم اللولبي، السلم الذي سوف يستخدمه المخرج في معظم أفلامه اللاحقة من «المستأجر» The Lodger إلى «نوبة جنون»: سلالم لولبية، سلالم عريضة، سلالم طويلة، سلالم داخلية، خارجية، خشبية او حجرية... سلالم مختلفة هي واحدة من عناصر كثيرة اعتمدها هيتشكوك من فيلم لآخر.
عنصر آخر موجود في ذلك الفيلم ويعتمده بعد ذلك هيتشكوك على الدوام هو البصبصة. فبعد وصول الراقصات، وبينهن بطلة الفيلم، الى المسرح وبدأهن تقديم الإستعراض، تتركهن الكاميرا لتتابع بصباصاً يرقب تلك السيقان/ الحركات الراقصة بمنظاره المقرّب. البصبصة عنصر دائم آخر في أفلام المخرج العبقري. في «نافذة خلفية» Rear Window العام 1952 بنى الفيلم كاملاً على بصباص (جيمس ستيوارت) يستخدم كاميرته للإطلاع على العالم الذي لم يعهده من قبل. كان أصيب في ساقه وهو ملزم بالجلوس على كرسيه في شقّته. هنا فقط يبدأ إكتشاف عالم جديد عليه، عالم لا يخصّـه، فهو خارجي، لكنه ينجذب إليه في سرعة بالغة
في «سايكو» (1960) يختلس القاتل أنطوني بركنز النظر إلى جانيت لي وهي تدخل الحمّـام من منظار في جدار مكتبه. وفي مطلع الفيلم نفسه تتقدّم الكاميرا لتلعب دور البصباص فتدخل من نافذة نصف مفتوحة إلى غرفة تشهد خلوة خاصّة.
الأهم أن البصبصة، او الشعور بلذّة المراقبة، هو مفهوم يتّبعه المخرج مع جمهوره. دائماً هم شهود لما يقع، لذلك لا تدور معظم أفلامه عمّـن قد يكون القاتل فهذا السؤال تقليدي من أعمال أفلام أخرى هو لا يكترث له، بل يعـرّفنا، كما في «نافذة خلفية»، «أعترف»، «غريبان في القطار»، «تخريب»، «حبل»، «نوبة جنون» الخ... من هو القاتل، وأحياناً ما هي دوافعه. البديل الذي ينسجه لجذب اهتمام جمهوره وبناء التشويق عليه هو في كيف سيستطيع المتّهم البريء إثبات براءته. هذا بدوره عائد إلى كيف عاش المخرج حياته صبيّاً حين أودعه والده مركز الشرطة الذي أوهمه بأنه مقبوض عليه فصدّق. 
في فيلم مبكر آخر لهيتشكوك هو «المستأجر» نجد الكثير من هذه الملامح المهمّـة: السلالم، المتّهم البريء والرغبة في معرفة الموضوع عن طريق المراقبة. إنه فيلم هيتشكوك الناطق الأول، تدور أحداثه في الفترة التي نشط فيها السفّاح "جاك ذ ريبر"، والمستأجر الجديد لغرفة في أحد المنازل الصغيرة (إيڤور نوڤللو) ذو تصرّفات غريبة. علي ذلك، وبينما تنجذب إليه إبنة صاحب المنزل (دجون- من دون إسم عائلة وكان هذا الفيلم الثالث بين أربعة أفلام لها فقط) رغم الشكوك التي يرسمها خطيبها جو (مالكولم كين) حوله. 

لغز الطائرة
على أن هذه الملامح وسواها ليست سوى عناصر مُـعيّنة شكّـلت حسنات أعماله وتميّزاتها، لكن بالتأكيد المسألة الأكثر مدعاة ومبرراً  للتعامل مع هيتشكوك على أساس ما يستحقّه من إهتمام وجدّية يكمن في الخطوط الأعرض لسينماه، وكيف تم له أن يشكّـل نسيجاً متكاملاً فحواه القدرة على فهم المشاهد والتعامل معه بلغة اختلفت عن أترابه إلى حد أنها ميّزته.
الخط الأساسي في كل ذلك هو "تعريب" كلمة خطر وصياغة المشهد/ المشاهد حول كيفية تجسيد هذا الخطر المحدق في لحظاته الفاصلة.

لنرقب المشهد الذي صمّمه هيتشكوك في فيلم North By Northwest  في العام 1959
روجر (كاري غرانت) متهم بقتل رجل وهو بريء من التهمة. لا يعرف أن الأف بي آي، تعرف ذلك، ويرضى، حين تُـعلمه بأنها تدرك أنه بريء من التهمة بأن يعمل معها على كشف منظّمة جاسوسية (الجاسوسية والتخريب الجاسوسي من سمات فترة حاسمة في أفلام هيتشكوك قبل العام 1960). في المشهد المعني ينتقل روجر إلى طريق زراعية خارج المدينة. أرض مسطّحة. كان استلم موعداً للذهاب إلى هناك. المشهد يبدأ غريباً حالما نشاهد روجر وقد وصل إلى المكان المقطوع. فالمواعيد عادة ما تؤخذ في المقاهي او المطاعم او المكاتب وكلها في المدن. أما ركوب الحافلة والتوقف في طريق زراعي بعيد إيفاءاً بموعد فإن هذا غريباً وغير معهود. هذا يدفع من يشاهد الفيلم للمرّة الأولى الإحساس مع بطله بأن هناك شيء خطأ في الصورة ولن يطول الوقت قبل أن ندرك أن إحساسنا حقيقي. رجل يتقدّم من روجر الذي كان بدأ يتعجّـب من الأمر. يظن روجر أن الرجل هو من اتصل به، لكن هذا كان مجرد منتظر لحافلة يستقلّها. الرجل مشغول عنه بالتعليق على تلك الطائرة التي تطير لري المزروعات بمبيد ما. يقول كما لو كان يحادث نفسه: "لكنه (أي الطيّار) مرتفع عن الأرض". ينظر روجر إلى الطائرة للحظة ثم ينظر إلى ما حوله. فالطائرة، والزرع لا يعنيانه. لكن الملاحظة دقيقة، الطيّار وطائرته يتصرّفان كما لو أنهما يرشّـان المزروعات بالمبيد لكنهما لا يفعلان. تصل الحافلة. يركب الرجل. تمضي الحافلة ويبقى روجر وحيداً ببذلته في ذلك الحر… ثم... يلقي روجر نظرة أخرى على الطائرة، فإذا بها تتقدّم إليه صوبه. تعلو ناظريه إمارة استغراب قبل أن يدرك أنها تقصده فيهرب إلى الزرع القريب ليختفي بين الأعواد المرتفعة والطائرة في أعقابه.

في «سايكو» هناك أكثر من مشهد مصمم ليأخذ بالأنفاس على النحو الهيتشكوكي الخاص. مشهد قتل المرأة التي نزلت في الفندق (جانيت لي) في تلك الليلة الماطرة في الحمّـام. مشهد عنيف من دون دم أو عنف باد وهي عارية من دون إظهار كامل جسدها والجريمة ترتكب بسادية رهيبة لكنها لا تخرج عن متطلّـبات الفيلم الطبيعية. هو مشهد تم تأليف كتاب كامل عنه، وكل كتاب عن سينما هيتشكوك وضع عنه فصلاً خاصّـا عنه او تحدث فيه مليّـاً. لكن الواقع أن كل الفيلم، بإستثناء المشهد الأخير منه، أشبه بنصل حاد يحمله مخرج يهدد حياة مشاهديه به. 
هناك مشهد آخر يوجز تلاعب المخرج بأعصاب مشاهديه وكيف يبني التوتّـر درجة درجة. إنه المشهد الذي يرقب فيه الشرطي تلك المرأة التي تخشى أن يطلب منها الشرطي فتح حقيبتها المملوءة مالا مسروقاً. هنا اللحظات وتقطيع المشهد من وإلى ما يلعب على الوتر. كذلك المشهد الذي نرى فيه التحري (مارتن بالسام) وهو يصعد السلّم لتبيان حقيقة ما ينتابه من شكوك، هذا قبل أن يهجم عليه القاتل ويطعنه. القطع السريع بين وجه التحري الهلوع وقدماه المتراخيتان تمنحان المشاهد القدر من الخوف على حياته هو. المشهد الذي تقوم فيها إيڤا ماري سانت بدخول الغرفة تحت الأرض باحثة عن أدلّة، واضعة نفسها في خطر محدق، لنكتشف أن الخطر هو ليس ما تتوقّعه بل ما ستكتشفه.
أما مشهد قتل جانيت لي في الحمّـام، فهو كلاسيك لم يستطع مخرج آخر تجاوز تأثيره (وهناك من حاول بالفعل) ويستحق مقالاً منفرداً.
من الزاوية ذاتها نعود إلى «نافذة خلفية»، جيمس ستيوارت المصوّر المقعد الذي يرى، كما نرى نحن، وهو يبصبص على الجيران، طالما أنه لا يستطيع الحركة، جريمة قتل. من ذاك الذي سيصدّقه إذا ما كان القاتل عرف كيف يخفي آثار جريمته؟ حين يدرك القاتل (رايمور بَـر) أن المصوّر هو من كشفه، وهذا يقع في نهاية الفيلم، سيقتحم شقّته، وسوف يسعى المصوّر وهو العاجز عن الحركة ومتدلّيا من الشرفة أن يفعل شيئاً للبقاء حيّاً.
في كل فيلم من أفلام هيتشكوك نماذج من سيطرته على اللغة التقنية للفيلم لكي تُصيغ التشويق المطلوب. وهو بإدراكه ما يجول بعقل المشاهد، يدرك أيضاً كيف يستطيع أن يقوده إلى حيث يريد الذهاب به. المعادلة تبدو بسيطة: ندخل السينما لنتجسس (نبصبص؟) على حياة الآخرين خصوصاً إذا ما كانوا في محنة ما. هيتشكوك سيلبّي هذه البصبصة. سيعرض علينا ما قوامه فن التشويق وممثليه عبارة عن شخصيات بعضها بريء والآخر مذنب. بعضها ساذج والبعض الآخر خطر من شدّة مهارته. ولن يستسلم المخرج لسهولة الوصول إلى النهايات المتوقّـعة. طبعاً الأخيار سينتصرون على الأشرار، لكن ذلك لن يكون سهلاً والمشهد، مهما كان متوقّـعاً كنتيجة، الا أنه غير متوقّـع كتأثير ولا ككيفية.
بعض أشراره سيسقطون من عل شمال شمالي غرب«، »مخرّب») وهيتشكوك لديه مشكلة مع الإرتفاعات وحولها صنع فيلمه الرائع «فرتيغو» (1958). 

لغز وجداني
«ڤرتيغو» هو قمّـة هيتشكوك. الفيلم الذي صوّت معظم من قامت المجلة البريطانية الرصينة «سايت أند ساوند» بإستفتائهم لمعرفة أي فيلم هو الأفضل بالتاريخ له. بطل الفيلم سكوتي (جيمس ستيوارت) الذي نراه هو من يمر بأزمة.  هناك قضيب حديدي مستطيل الشكل مُـصوّر أفقياً. يد تقبض عليه.  ترجع الكاميرا مفصحة عن هذا الرجل (سكوتي) وعن المدينة وعن أزمته: إنه معلّق بقضيب من المعدن الخفيف عند حافّة سطح مبنى عال. كان، سنعلم، يطارد مجرماً لكنه لم يستطع القفز بنجاح من السطح الآخر فزلت قدمه وتعلّق بتلك الحافّة وقد تدلّى جسمه من فوقها وحمل وجهه رعباً ناتجاً عن خاطرة احتمال سقوطه وموته إذا ما ارتخت قبضتيه او إذا ما تعب من وضعه او حدث ما يتسبب في فك قبضتيه عن الحافة. شرطي بزيّـه الرسمي ينبطح أرضاً فوق سطح المبنى ويحاول مساعدة سكوتي على تسلّق الحافة صوب النجاة. لكن ما يحدث هو أن الشرطي يسقط في الفضاء بعدما فقد توازنه٠
سوف لن نعلم كيف نجا سكوتي من الحادثة. سنراه في اللقطات الأولى بعد هذه المقدّمة يمشي بعكّاز، لكن هيتشكوك لن يجيب إذا ما تحامل سكوتي على نفسه وزحف الى أعلى، او إذا ما وصل شرطي آخر وساعده. كذلك لا نعرف كيف حدث أن ساقه معطوبة بحيث يحتاج الى عكّاز. ما نعرفه أنه مرّت فترة طويلة على الحادثة٠

كان يمكن بالطبع ترقيع لقطة تظهر الطريقة التي تم بها إنقاذ حياة سكوتي. لكن هيتشكوك فضّل أن لا يفعل. وبذلك تركنا مع بطله وحوله علامة إستفهام  أبدية تجعلنا نشك في أنه يعيش بيننا. ربما كانت حياته كلها حلماً. ربما ليس موجوداً. ربما كان ميّتاً.
غَڤن إلستر (توم هلمور) رجل صناعة وأعمال يعرف ما مرّ به سكوتي، فهو صديق قديم  ويريده أن يلاحق زوجته مادلين، كما تؤدّيها كيم نوڤـاك، لأنه قلق عليها "لقد باتت غريبة الأطوار" يقول له. وهو يعتقد أنها مسكونة بروح جدّتها التي انتحرت. سكوتي لن يقول إذا ما سيقبل المهمّـة، التي ستحوّله الى تحر خاص بالضرورة، أم لا. لكنه يتّجه الى المطعم الذي أخبره غَڤين عن أنه سيؤمّـه مع مادلين. يجلس سكوتي الى البار بينما  يجلس إلستر وزوجته على طاولة عند نهاية المطعم المزدحم. الكاميرا تترك سكوتي وتذهب إليهما. لكن حين ينظر سكوتي الى مادلين يُـصاب بدهشة يدركها المشاهد ولا يراها. في الحقيقة هو مصدوم أكثر منه مندهشاً. والتفسير الأول هنا هو أنه مصدوم لجمالها٠
سيلاحقها سكوتي في مشاهد صامتة الا من موسيقا برنارد هرمان التي تشبه نبضات قلب مُـلهف، وهي تواكب في ذلك نبضات قلب سكوتي. لقد سبق وقال لصديقته ميدج أنه : مُتاح (Available).
لم يقل ذلك عن شطارة ومحاولة إيقاع بل عن إقرار بضعف، وها هو الفيلم يترجم الكلمة في ربع ساعة صامتة ينتقل فيها سكوتي الى حيث تنتقل مادلين محاولاً سبر شخصية تتحرّك كما لو كانت تعيش وحيدة في هذا العالم. وحين ترمي نفسها في الماء تحت جسر سان فرانسيسكو الشهير، يهب لإنقاذها ومن هنا يتعارفان أكثر ويقعان في الحب. ليس لفترة طويلة. مادلين سوف تصر على الذهاب الى كنيسة وصعود السلّم الى منارتها. سكوتي يخاف من المرتفعات. مصاب بلعنته. لا يستطيع اللحاق بها في الوقت المناسب وسيراها وقد سقطت من عل ومرّت به من فتحة في الجدار  الى الأرض٠
سوف يفقد سكوتي أعصابه. سنتعرّف إليه في مستشفى نفسي. ميدج تحاول مساعدته، لكنها تعلم أن قلبه حزين كونه يشعر بتأنيب شديد لأنه لم يستطع إنقاذ حياة مادلين التي لا يزال يحب. حين يخرج من المستشفى يلتقي بإمرأة شبيهة جدّاً بمادلين، التي لا تفارق باله. إمرأة أسمها جودي (تقوم بها كيم نوڤَك ذاتها طبعاً). يلتقي بها وسرعان ما يحاول صنع مادلين منها بإصراره على تصميم شعرها ومظهرها وما ترتديه وأي لون. كل ذلك وهو لا يعلم أنها هي ذاتها مادلين وأنه واقع في حبكة اتفق غَـڤين  وجودي عليها، فهو أراد استغلال خوف سكوتي من الإرتفاعات الشاهقة لقتل زوجته الحقيقية (أسمها مادلين) بعد الطلب من جودي تمثيل دور زوجته أمام سكوتي. حين يكتشف سكوتي الحقيقة يجبر جودي على الذهاب معه الى البرج في محاولة لاستعادة الحادث واكتساب بعض القوّة المعنوية كونه أدرك حقيقة كانت غائبة. لكن جودي تسقط من البرج نفسه، وبالفعل، ويُصاب سكوتي بردّة فعل مؤلمة: لقد خسر من أحب٠
يجب أن أقول هنا أن "فرتيغو" ليس عن خسارة حب بقدر ما هو كل تلك السبل التي أدّت لخسارة حبّه. عن رجل يعاني من أزمة نفسية وعاطفية حادّة حوّلته من شخص مقدام كان يُطارد مجرماً في السطوح الخطرة الى شخص "مُـباح". مُباح لرجل يوظّفه للتلخّص من زوجته، مُـباح لإمرأة تضحك عليه ومُباح أمام ضعفه الإنساني الذي يعاني منه٠
ما هو أخطر من ذلك هو الجواب حول سؤال طرحته في نهاية الحلقة الأولى: هل هو ميّت؟ 
الموت هنا قد يكون أيضاً حلماً. أنت كمشاهد تستطيع أن تقبل، ملاحظاً قدرة هيتشكوك على التلاعب بك كيفما أراد، أن هناك حلولاً ماثلة للغز بلا حل. 
سكوتي قد يكون: مهووساً وعالمه هذا ليس حقيقياً، او هو يحلم بأنه ميّت. او أنه يعيش موته.
تحليل »فرتيغو» سوف يشدّنا إلى صفحات وصفحات أيضاً. إنه أعمق أعمال هيتشكوك وأكثر احتواءاً للألغاز.  وإذ أخرج العبقري ثمانية أفلام بعده، إلا أن هذا الفيلم يختلف عما تلاه وعما سبقه بإستثناء الطريقة التي يبني فيها المخرج تشويقه البوليسي (الجاسوسي في أفلامه الأسبق) قطعة قطعة كما لو كان فنان موزاييك بقدر ما هو فنّان سينما٠
سيبقى السؤال عن لماذا وكيف يتميّز هيتشكوك عن أترابه. وسيبقى الجواب ناقصاً  وهذا جزء من عملقة المخرج البديع. لقد صدرت مئات الكتب والمقالات المتخصصة عنه ومحور معظمها الإجابة على هذا السؤال. والطريقة الوحيدة لذلك هي تحليل بنية كل فيلم على حدة. في نهاية المطاف، هيتشكوك ليس أندريه تاركوفسكي او مايكلأنجلو أنطونيوني او إنغمار برغمن او فديريكو فيلليني لكي يصعب تحليل صوره ومعانيه. لكن المؤكد أن في بساطة قواعده اللغوية تكمن الصعوبات ذاتها. مثل هؤلاء وسواهم، هو فنان بالغ التفرّد والوقت حان لكي نغلق الباب على بحث هذه النقطة.



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2012
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 comment:

  1. الأستاذ محمد رضا
    انتهيت من قراءة دراستكم حول المخرج ألفرد هيتشكوك ولدي بعض الملاحظات أرجو أن يتّسع صدركم لها
    أولاً: كان عدد من النقاد العرب بينهم ابراهيم العريس كتب عن هيتشكوك أكثر من مرّة وبل قام بإصدار الكتب عنه ومع أن الزاوية التي تنطلق منها مختلفة الا أنه ليس هناك جديداً في هذا الإطار فلماذا تصرف الوقت في الحديث عنه بدل أن تتحدّث عن مخرجين آخرين لم تتناولهم أقلام النقاد الآخرين؟

    ثانياً: تقول أن فيلم فرتيغو صوت له معظم من قامت مجلة سايت اند ساوند باستفتائهم فمتى تم هذا الإستفتاء والى حد علمي ان فيلم المواطن كاين هو الفيلم الذي يترأس كل اللوائح النقدية؟

    ثالثاً: هل تعتقد أن هيتشكوك لا زال مطروحاً اليوم كمدرسة فنيّة بعد كل التطوير الذي حصل على السينما من تقنيات ومن أساليب التصوير والقصص؟

    مع الاحترام والتقدير

    عبد الحميد الزبيدي

    ReplyDelete

Disqus Shortname

Comments system