أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Aug 29, 2012

Issue 741 | برايان دي بالما يعود | أفلام فنيسيا على الإنترنت: صواب أو خطأ؟

يوميات مهرجان فنيسيا الدولي-  2



 إبن هيتشكوك برايان دي بالما يستلهم فيلماً فرنسياً 
مع ناوومي راباس وراتشل ماكأدامز

* ناوومي راباس لا تستطيع أن تغفر لرئيستها في العمل راتشل ماكأدامز أنها سرقت منها فكرتها وصاغتها بكلماتها وبعلاقاتها وحققت من ورائها مزيداً من النجاح الإداري. لذلك ستضع خطّـة للإنتقام تحتوي على جريمة قتل في خضم أحداث متشابكة تحتوى، لجانب الجريمة بعض المشاهد الساخنة، عاطفياً، بينهما. 
الفيلم هو «عاطفة» Passion والمخرج هو الأميركي برايان دي بالما لكن الأصل فرنسي إذ كان المخرج الفرنسي الراحل ألان كورنيو كتبه وحققه فيلماً سنة 2010 قبل وفاته بأشهر قليلة تحت عنوان «جريمة حب».  في النسخة الفرنسية جريمة قتل خططت لها موظّفة مرموقة في شركة هندسية كبيرة (لودفين سانييه إحدى أهم الممثلات الجديدات في السينما الفرنسية وظهرت مؤخراً في «الفتاة مقطوعة لإثنين» و«بيتوش»)  للتخلّص من رئيستها التي دأبت على مضايقتها. تؤدي دور الرئيسة البريطانية التي تجيد الفرنسية كالفرنسيين تماماً كرستين سكوت توماس. سيدفع السيناريو، الذي كتبه  كورنيو مع نتالي كارتر، بإتجاه علاقة بين عشيق كرستين ولودفين تقع بعد الدوام وبعيداً عن ناظري الرئيسية التي حين تدرك وجود العلاقة تتغيّر تماماً لناحية لودفين. وهناك مشهدان ذا دلالة: الأول حين تكتشف كرستين أن اتصالات لودفين مع زبائن أميركيين قطعت شوطاً كبيراً  فتتصرّف في الإجتماع الذي ضمّـها ولودفين ومندوبين أميركيين كما لو كانت تشرف على المشروع لكن ما ان ينصرفا حتى تبادر لنهر لودفين متسائلة عن السبب في إقدام هذه على العمل من ورائها. المشهد الثاني حين تلتقط كاميرا الأمن لودفين وهي تغادر العمل منفعلة فتصطدم بسيارتها بعمود. كرستين تستغل الموقف لتثير سخرية موظّفي المكتب. كل هذا لا يمضي بعيداً عن مراقبة موظّف يعمل مباشرة تحت لودفين (باتريك ميل) الذي يتابع أيضاً سلسلة تحوّلات تظهر على السطح بالنسبة لتصرّفات لودفين. لكنها تصرّفات وهمية مقصودة ناتجة عن قرار لودفين تنفيذ الجريمة الكاملة وقتل كرستين والتربّع مكانها والتمتّع بعشيقها ولو أن الأمور لا تسير تماماً على هذا النحو حينما يفاجئها مساعدها في اللقطة ما قبل الأخيرة بمعرفته عن خطّتها تلك التي قضت دخول لودفين السجن على أساس أنها قاتلة قبل أن توظّف الظروف للبرهنة على أنها كانت في مكان آخر وقت حدوث الجريمة ودافعة البوليس للإرتياب بالعشيق٠
هذه هي الحبكة التي يبني عليها المخرج دي بالما فيلمه الجديد (الرقم الثامن والثلاثين) الأول له منذ أن أنجز فيلمه غير المباع «منقّـح» Redacted سنة 2007 وهو فيلم من تلك التي تعاملت مع الحرب العراقية. وهو كان أخرج فيلماً سابقاً في فرنسا بعنوان «إمرأة قاضية» انتجه التونسي الأصل طارق بن عمّـار، في حين أن «عاطفة» من إنتاج الجزائري الأصل سعيد بن سعيد الذي كنا شاهدنا له في برلين «أشلاء» في العام الماضي، وهو، أي بن سعيد، من أنتج الفيلم الفرنسي «جريمة حب» أيضاً.
دي بالما مخرج عريق بدأ العمل على أفلام قصيرة من 1960 إلى 1968 قبل أن ينجز فيلمه الروائي الأول «جريمة على الدارج» سنة 1968. في العام نفسه أخرج «تحيات» مع الممثل الشاب (حينها) روبرت دي نيرو.
ما أن حلّ العام 1973 حتى كان أثار إنتباه النقاد عبر أفلام تشويقية داكنة أوّلها «شقيقتان» تبعه بنسخة من «شبح الأوبرا» (1974) و(الأشهر له في ذلك الحين) «كاري» المأخوذ عن رواية لستيفن كينغ. «جاهز للقتل» او Dressed to Kill بوليسي آخر أثبت فيه مدى إعجابه بألفرد هيتشكوك. هذا المدى انطوى، ومنذ سنوات سابقة، على نقل أمين لعوالم وأسلوب وحركات الكاميرا والموسيقا وكل ما تألّفت منه عناصر الفيلم الهيتشكوكي. لكنه في Scar Face  سنة 1983 وThe Untouchables في العام 1987 كوّن خطّاً مختلفاً استمر معه إلى اليوم، رغم أن الأجواء التي يبنيها لا تزال تذكّر بتلك التي لدى سيد التشويق.
ولم يكن «منقّح» أول فيلم حربي يحققه بل سبق له أن غاض في ويلات فييتنام حين أنجز «خسائر حرب» Casualties of War سنة 1989. في كلا الفيلمين اتخذ موقفاً معادياً. في التسعينات عمد إلى المزيد من الأفلام الكبيرة، وهو الذي بدأ بأفلام ذات ميزانيات معدمة، فحقق «طريقة كارليتو» (بطولة آل باتشينو) و«المهمّة: مستحيلة» (توم كروز) ولاحقاً سنة 2006 فيلم نوار رائع لم يجد ما كان يستحقّه من إقبال هو «الأناضوليا السوداء».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
   شمس المهرجانات تغيب لتشرق في سماء الإنترنت!


قبل وفاته سنة 2008 أدلى المخرج يوسف شاهين بحديث لاحظ فيه أن كل شيء بات هيّناً بالنسبة للمخرجين الجدد. "أول مرّة جئت فيها إلى مهرجان فانيسيا"، قال لهذا الناقد "حملت فيلمي تحت إبطي من مصر إلى البندقية وأخذت أعرضه بنفسي وفي بالي أنه إذا لم يختره المهرجان للعرض رسمياً سأقوم بتنظيم عرضاً له بنفسي".
ترى ما الذي سيقوله اليوم لو عاش ليرى المهرجان الفني الكبير، الذي ينطلق اليوم في دورته التاسعة والستين ويستمر حتى الثامن من الشهر المقبل، وهو يعلن أنه صار بإمكان السينمائيين العمل مع المهرجان من راحة بيوتهم وعلى شاشات الكومبيوتر الخاصّة بهم خلال أيام المهرجان ذاتها. إذا كنت موزّعاً او منتجاً وغير قادر على أن تحضر الدورة… لا بأس. تشترك مع واحدة من الشركات التي اختارها المهرجان، فتدفع مبلغاً مقطوعاً من المال وتشاهد ما يختاره المهرجان للبث على موقع تلك الشركة. لن يكون بالمقدور مشاهدة كل شيء، لكن بعضه هو أفضل من لا شيء بالنسبة لموزّع مستقل او جديد ربما لا يتمكن من حضور المهرجان المكلف، او ربما كان مشغولاً بالتحضير لمهرجان آخر يُقام في الوقت ذاته مثل سان سابستيان الأسباني او تورنتو في كندا.
الخدمة ليست محصورة بالموزّعين، بل لمنتجين يريدون اكتشاف مواهب جديدة او مبرمجي مهرجانات أخرى او حتى مخرجين سينمائيين يريدون مشاهدة التجارب المختلفة. لكن بصرف النظر عن الفئة، فإن الخطوة تتيح لكل هؤلاء حضور ولو جزءاً من المهرجان من دون السفر إليه.
طبعاً، الغاية هي خلق وسيلة لسوق سينمائي متطوّر قد يؤثر، إن لم يلغ، الحاجة إلى الأسواق السينمائية في المهرجانات التي تتعامل مع هذه النظم الدارجة. المفارقة هي أن مهرجان فنيسيا الوحيد بين الأربعة الكبيرة (برلين، كان، تورنتو) الذي ليس لديه سوقاً سينمائياً (مع العلم أن سوق تورنتو لا تقام كسوق رسمي كحال ما يحدث في برلين وكان). وعدم وجود سوق لمهرجان فنيسيا كان دائماً سبباً من أسباب اعتزاز هواة السينما الجادّة بهذا المهرجان الإيطالي على أساس أنه فصل بين التجارة وبين الفن فاستبعد الأول والتزم بالثاني. 
صحيح أنه، ومنذ الثمانينات حين عاد بعد توقّـف، كان دائماً ما يتيح المجال لشركات توزيع ولمنتجين وبائعي أفلام الحضور، لكنه لم ينظّـم لهم صرحاً او يضعهم في مبنى منفصل او يؤسس لهم برنامجاً خاصّاً. ما حدث في السنوات الأخيرة، أيام رئاسة ماركو مولر (الذي بات الآن مدير مهرجان روما) هو أن النيّـة لاستحداث سوق سينمائي أدّت إلى البدء بحفريات لتأسيس مبنى جديد. في العام 2010 تم توفير الخرائط للذين حضروا دورة تلك السنة وفي العام ذاته بدأ الحفر والتأسيس. في العام الماضي توقف العمل وأحيط ما تم حفره بسياج محكم حتى لا يرى العابرون ماتم حفره. وتعددت الروايات. فريق قال أن أسباب التوقف ماديّة، وفريق قال أن الحفر أدّى إلى خلافات قانونية بين فرقاء كثيرين بسبب بعض الآثار التي تم اكتشافها. إذا كان ذلك صحيحاً فإن تلك الآثار إما لا زالت مطمورة او تم رطمها من جديد. لأن مشروع إقامة سوق فعلية اندثر بالتأكيد. 
ما لم يندثر هو الفكرة!
فعوض عن تأسيس مبنى او جزء منه ليكون سوقاً تنتشر في أروقته وغرفة شركات الأفلام لكي تعرض وتبيع، قرر المهرجان، تحت إدارة ألبرتو باربيرا الإستعانة بفضاء الإنترنت ليشيد جزءاً تمهيدياً لهذا السوق.

إنها بداية مرحلة جديدة بالنسبة للمهرجان العريق، لكن يجب أن نعلم أنه ليس المهرجان الدولي الأول الذي عمد إلى هذه الطريقة.
قبل ثلاثة أعوام قام مهرجان روتردام الدولي (في هولندا) بعرض مجموعة من أفلامه بإتفاق مع مؤسسة "يو تيوب". حينها صرّح مديره الفني روتغر وولفسون بأن المهرجان يساعد الأفلام على الإنتشار بين الجماهير. ومعه حق في مبدأ هذا الإدعاء إذ قيل أن عدد مشاهدي بعض أفلام تلك الدورة بلغ تسعة ملايين فرد، لكن ما إذا كان جمهور الإنترنت هو البديل الفعّـال الجيد لجمهور السينما، او إذا ما كان من واجب المهرجانات الإسهام في تشتيت نظام العروض السينمائية وتفتيته هو أمر آخر.
في العام 2010 بدأ مهرجان ترايبيكا السينمائي في نيويورك بعرض عدد من الأفلام على الإنترنت بالإضافة إلى بث النشاطات والحفلات التي يقيمها المهرجان خلال فترة إقامته. مديره جف غيلمور لم يبتعد عن منطق وولفسون إذ قال: "نهدف إلى جعل كل الأميركيين شركاء في معايشة المهرجان وليس فقط حاضريه". للأسف، لم يُـسجّـل أن أحداً تساءل عما إذا كان ذلك الهدف نبيل كما يبدو من الظاهر او معول هدّام قد يقضي على فكرة المهرجان بأسره.
والواقع أن هناك وجهة نظر مؤيدة لما تقوم به المهرجانات من زاوية أنه طالما أن المهرجان يبث أفلامه للمحترفين، فإن يساعد مخرجي السينما على توزيع أفلامهم، لكن حيال هذا الواقع هناك مشكلتان: الأولى أن الحال ليست هكذا دائماً فمهرجاني روتردام وترايبيكا سعيا لتوسيع رقعة المشاهدة لتضم الجمهور الواسع، والثانية، أن المحترفين الفعليين في صناعة الفيلم وتسويقه سيجدون من الصعوبة بمكان بيع أفلامهم بعد توسيع رقعتها على هذا النحو.
فنيسيا لن يكون آخر المهرجانات التي ستعمد إلى هذا الأسلوب، بل ستشهد الدورة الجديدة من مهرجان تورنتو محاولته إنشاء شبكة خاصّـة به يعرض من خلالها أفلامه. والحال هو أنه مثل أشياء كثيرة في حياتنا، تبدو المسألة تقليداً لا يحب أحد الخروج عنه او البقاء خارج حلقته.  


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2012
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system