أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Aug 24, 2012

Issue 740 | أندريه بازان | كريس ماركر | أفلام الكوميكس | مهرجان السينما اللبنانية | المسلسلات الرمضانية

: جديد "ظلال وأشباح": يوميات مهرجان "فانيسيا" هنا من الثلاثاء
اليوم على "فيلم ريدر": Dead Sushi 
بالأمس: الفارس الداكن يصعد- قراءة جديدة شاملة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 تحقيق | سينما الكوميكس… مارڤل ضد دي سي 


شركتان كبيرتان تقاسمتا جمهور مطبوعات 
الكوميكس والآن تتقاسمان جمهور أفلامـه.
دي سي ومارڤل. التالي نظرة أولى علــى
بعض أهم أبطالهما كتمهيد لبحث الموضوع
من جوانب أخرى في أعداد قادمة | محمـد
رُضــا.


«الفارس الداكن يصعد»، الذي أنجز حتى الآن 898 مليون دولار حول العالم، هو آخر إنتاجات شركة دي سي. الشركة التي تملك حقوق الشخصية والتي انتقلت من نشر مجلات الكوميكس الشعبية إلى السينما تماماً كما فعلت منافستها في هذا الحقل" مارڤل كوميكس". الأولى ظهرت إلى الوجود سنة 1934 كمطبوعات رسوم شعبية لينبثق عنها، حتى اليوم، عشرات المطبوعات الموازية حاملة العديد من الشخصيات الخيالية من سوبرمان وباتمان إلى "سوبرغيرل" و"كاتوومان" و"ستيل" و"المصباح الأخضر".
مارڤل انطلقت سنة 1939 بإسم «تايملي كوميكس« وهي بدورها انتشرت بقوّة وأصدرت من حينها مطبوعات أخرى موازية لجانب المجلات الرئيسية التي احتوت على شخصيات مثل «سبايدر مان» و«آيرون مان» وPunisher, Incredible Hulk, Fantastic Four, Ghost Rider وسواها.
كل الشخصيات المذكورة أعلاه تم إنجازها في أفلام بدءاً من العام 1944 بالنسبة لشركة مارڤل  عندما باعت لشركة «ريبابلك بيكتشرز» حقوق تحقيق فيلم من بطولة شخصيّتها "كابتن أميركا"، ومن العام 1951 بالنسبة لشركة DC عندما باعت حقوق تحقيق فيلم من بطولة شخصيتها «سوبرمان» لشركة صغيرة آنذاك أسمها ليبرت بكتشرز.
ومع أن هناك شركات نشر أخرى لديها شخصيات متعددة، الا أن دي سي و مارڤل هما أكبر وأشهر الشركات وأكثرها ربحاً (يقدّر مجموع ما تم حصده من إيرادات من أفلام شخصياتهما في السنوات العشر الأخيرة أكثر من أربعة بلايين دولار لكل منهما).  هذا لا يعني أن كل إنتاجاتهما حققت نجاحات خارقة. في الواقع العديد من أفلامهما أخفقت في تحقيق إقبال يثير الرضى ولو أن ذلك لم يثنها عن المحاولة مجدداً او التفكير مستقبلاً بإعادة المحاولة. 
بالنسبة لـ مارڤل، فإن بعض أهم إخفاقاتها Hulk سنة 2003 و«هوارد البطة» (1986) و«إلكترا» (2005) ثم الجزء الثاني من Ghost Rider  في مطلع هذا العام.
من بين أفلام سي دي التي انحرفت عن مسار النجاح Swamp Thing العام 1982، و«ستيل» (1992) و«كاتوومان» (2004) ومؤخراً «المصباح الأخضر» (2011). 

أبطال هذه الأفلام هم الذين يشكّلون اليوم ما يعرف بـظاهرة "السوبر هيرو". ذلك البطل الخارق للعادة الذي يستطيع فعل ما لا يستطيعه أحد آخر (الا المجرم المناويء في بعض الأحيان) مثل الطيران في الفضاء وتحريك مبان او مواجهة أعداء كثر من دون السقوط تحت أقدامهم. لكن في التفاصيل هناك اختلافات في المزايا التي تؤمّـن لكل منهم عناصر بطولته، كما نلحظ في القائمة التالية لبعض الشخصيات الأكثر تكراراً هذه الأيام.

"سوبرمان" (دي سي) هو شخصية مبتكرة سنة 1932 وُلدت فوق كوكب كريبتون بإسم "كال إل". حين شعر والده بأن الكوكب سيتعرض لدمار شامل قام بإرسال إبنه في كبسولة تخترق الطبقات الجوية وتحط على الأرض. يلتقطه مزارعان ويجدانه رزقاً من السماء فهما لم ينجبا ويسمّونه كلارك كنت. كلارك كنت سيكشف عن قوّة خارقة من الصغر ثم سيتوجّـه إلى المدينة  ليعمل مصوّراً صحافياً كستار لشخصيّة سوبرمان. حين تدق ساعة الخطر، يخلع قميصه ليكشف عن سترة زرقاء تحمل علامة S ويضع يديه متقاربان ثم ينطلق سابحاً في الفضاء كصاروخ.
مشتقّات: "سوبرغيرل" و"سوبربوي".

"باتمان" (دي سي): ظهرت الشخصية لأوّل مرة سنة 1939. إذا كان سوبرمان رجل يطير في الفضاء، فإن "باتمان" هو رجل يحيا فوق المدينة. الأول بطل النهار الواضح، والثاني، مثل الوطاويط، يخفق ليلاً في الغالب. "باتمان" هو إبن رجل ثري شهد مقتل أبيه فقرر أن ينتقم للمظلومين وأن لا يقتل أبداً. باتمان شخصية داكنة حتى حين يعيش شخصيّته الحقيقية بإسم بروس واين، وهو يبقى هويّته سراً (كما سوبرمان) ولو أنهما ينتهيان إلى الكشف عنها لاحقاً.
مشتقّـات: "باتغيرل"، "كاتوومان"، "روبين"، ثم هناك الأشرار: "جوكر"، "بنغوين" و"ذو الوجهان" من بين أخرى.

ديردفيل Daredevil (مارڤل): هذه الشخصية ولدت أول مرّة سنة 1964 والشاب الذي يؤدي الشخصية أسمه مات مردوك يتعرّض ذات يوم لإشعاع نووي يذهب ببصره لكنه يمنحه قوّة خارقة. مثل "باتمان" والده مات مقتولاً (هناك أب غائب او مقتول في معظم هذه الشخصيات). الشخصية انتقلت إلى الشاشة، في فيلم رئيسي، مرّة واحدة فقط وذلك سنة 2003 حيث لعب بن أفلك البطولة.
مشتقات: إلكترا. كذلك فإن فكرة "التأثر بإشعاع نووي" غلف حياة كل من «سبايدر مان» ثم شخصية «العملاق» او The Hulk الذي هو شخص عادي يكبر حجماً كلّما غضب بفعل إصابته تلك.

سبايدر- مان (مارڤل): ولدت هذه الشخصية في مثل هذا الشهر سنة 1962 وظهرت أولاً في مجلة كوميكس أسمها Amazing Fantasy قبل أن تبتاع الشخصية شركة مارڤل وتطلقها لحسابها. إسم البطل بيتر باركر وهو تأثر بعضّة عنكبوت (باتمان بعضّة وطواط) تسلل من أناء تجارب نووية فتحوّل إلى شخص قادر على تسلّق المباني والإنتقال بين الشواهق مستخدماً خيوطاً (أقوى من خيوط العنكبوت طبعاً). «سبايدر مان» توجّـه لجمهور أصغر سنّـاً فهو مراهق خجول وواقع في الحب. والداه ماتا في حادثة إغتيال كما شاهدنا مجدداً في النسخة الجديدة من فيلم «سبايدر-مان المذهل».
مشتقّات: لا يوجد.

آيرن مان (مارڤل): ابتدعت الشركة هذه الشخصية سنة 1963 بإسم توني ستارك،  وهو إبن رجل صناعي مات تاركاً له ثروة كبيرة ساعدت توني على بناء بذلة قتالية ذات قوّة دفع صاروخية ينطلق بها حيث يشاء ويواجه أعداءه الراغبين في إيذائه او إيذاء الولايات المتحدة. بذلك هو أكثر توجهاً سياسياً من أترابه.
مشتقّات: لا يوجد.

"غرين لانتيرن" (سي دي): هم مجموعة من السوبر هيروز تم إبتكارهم سنة 1940 وفكرتهم هي تمتّع كل منهم بخاتم إذا ما استخدمه استطاع التغلّب على قوانين الطبيعة والتحوّل إلى قوّة طاغية.
مشتقات: يقابل هذا الفريق لدى "مارڤل" مجموعتان. الأولى بإسم «فانتاستيك فور» وهم ثلاثة رجال وإمرأة، لكل منهم قدراته المختلفة أيضاً، و«رجال إكس» الذي يحتوي على شخصيات أكثر تشترك فيما بينها بقدرات ناتجة عن تشويه خلقي.

في المسلسلات ........................................................ كمال رمزي
الناقد السينمائي الزميل كمال رمزي قضى 
شهر رمضان أمـام الشاشة الصغيرة يتابـــع
مسلسلاته وإخترنا هنا بعض متابعاته.

سيدنا السيد

جاء أداء جمال سليمان لشخصية فضلون الدينارى موفقا تماما، فالواضح أن فناننا اللامع، الذى لا يتوقف عن الاجتهاد، المتمتع بوعى سياسى لا يستهان به، أدرك، وبعمق، أنه لا يجسد رجلا من لحم ودم فحسب، بل يعبر عن نظام، وروية، وأسلوب، يرتبط بحياتنا، على نحو أوسع وأشمل من عالم القرية المنسية، فى جنوب البلاد، حيث تنسج العلاقات وتدور الأحداث، ومعظمها إن لم يكن كلها، يؤثر فيها، ويسيطر عليها، صاحب الاسم الغريب، القادم من سطور نجيب محفوظ، فى قصصه القصيرة التى تتحمل أكثر من تأويل «فضلون الدينارى»، صاحب السطوة المطلقة. نفوذه، المادى والروحى، يفوق العمدة، والمأمور ورئىس العصابة، وملاك الأراضى، وإمام المسجد. إنه النظام الأبوى، القائم على التسيد من ناحية، والإذعان من ناحية أخرى، والمعتمد على سلطة فرد، لا يحدها حدود، تجد مجالها، وانتشارها، بين أناس تهيمن عليهم أخلاقيات العبيد.

هذه الشخصية العاتية، ظهرت من قبل، فى عدة أعمال فنية، ولكن ظلت حبيسة بعدها الاجتماعى. زكى رستم، فى «صراع فى الوادى» ليوسف شاهين 1945، و«لن أبكى أبدا» لحسن الإمام 1957، و«نهر الحب» لعز الدين ذو الفقار 1958، بدا طاغية، لأنه أصلا، إقطاعى وباشا.. ولأكثر من مرة، يطالعنا محمود مرسى، على الشاشة الكبيرة، فى دور صاحب القوة المفزعة، المرتبطة ــ فى بعد من أبعادها ــ بالمهنة، فهو مأمور السجن الشرس فى «ليل وقضبان» لأشرف فهمى 1973، ورئيس العصابة الشديد القسوة، فى الفيلم المثير للجدل «شىء من الخوف» لحسين كمال 1969.. ثم جسد النظام الأبوى فى المسلسل الشهير «عصفور النار» الذى كتبه أسامة أنور عكاشة وأخرجه محمد فاضل منذ ما يزيد على عقدين.

النظام الأبوى، إحدى آفات حياتنا، تصل ــ واقعيا ــ إلى أبشع حالاتها فى صورة الرئيس، المحبوب عنوة، العادل ظلما، الحكيم جهلا، المتدين كفراو، الرحيم قسوة.. جمال سليمان، يدخل إلى هذه الشخصية بهدوء. يدرك أنها تتسم برسوخ، صاحبها يجلس باطمئنان على ما يشبه كرسى الحكم، ثقته فى استقرار الأوضاع يستمدها مما يبديه الجميع من ولاء وتوقير، وتعمد كاتب السيناريو النابه، ياسر عبدالرحمن أحمد، تقديم الدينارى، فى البدايات، من خلال كلمات الآخرين التى تفيض بالتبجيل، والتى تنبه الوافد الجديد، الأفندى، مهندس الرى، عبد ربه ــ بأداء متميز من أحمد الفيشاوى ــ إلى ضرورة تقبيل يد سيدنا السيد عندما يلتقيه.. ويتعمد المخرج، إسلام خيرى المهتم بالتفاصيل، رصد تردد عبد ربه، ورفضه الدفين لتقبيل يد الطاغية.

«سيدنا السيد»، فى بعد من أبعاده الجوهرية، يتابع العلاقة المعقدة، أو المركبة على الأقل، بين السلطة المطلقة، والمثقف، قارئ توفيق الحكيم ويحيى حقى، فضلون الدينارى، يبدى دفئا كاذبا تجاه عبدربه، فشبح ابتسامة الرضاء لا تفارق وجه جمال سليمان أثناء حضور أحمد الفيشاوى الحائر، المتردد.. وبمرور الأيام، وتدفق الأحداث، مع علاقات تنشأ وتتفرع، تزداد هيمنة الدينارى، إلى الدرجة التى يبدو فيها عبدربه وكأنه أصبح، على نحو ما، تابعا للطاغية.. لكن، واقعيا، على مستوى ما يدور فى بلادنا العربية، وكما يؤكد المسلسل، لا يمكن للأنظمة الأبوية أن تستمر للأبد.

نابليون والمحروسة

الملاحم، أصلا، تنهض على أساس صراع طويل، عنيف ودامٍ، بين كتلتين بشريتين. لكل كتلة قضيتها، ومنطقها، وأبطالها، وانتصاراتها، وهزائمها. بهذا المفهوم من الممكن النظر إلى «نابليون والمحروسة» على أنها تندرج فى باب الملاحم.. أخذت من ذلك الفن الموغل فى القدم، الاعتماد على وقائع التاريخ، وقدمت شخصيات كان لها دور فعال فى مسار الأمور، سواء المصرية أو الفرنسية، مع إشارات، أقرب للفلاشات السريعة، الكاشفة، عن قوى أخرى لها مصالحها، مؤثرة بدرجات متفاوتة مثل الإنجليز والأتراك.. فى «نابليون والمحروسة»، نشهد، بإحدى عينى الكاتبة عزة شلبى إلى ما جرى فى بر مصر، إبان سنوات الحملة الفرنسية، حيث اكتشاف الذات من ناحية.

وإدراك مدى تقدم الغزاة، علما وحربا، من ناحية أخرى.. أما العين الثانية للكاتبة، فإنها تنظر بها إلى ما يعتمل فى حاضر «المحروسة» إلى جانب الرؤية الناضجة الشاملة، للمسلسل المكتوب بوعى ومهارة، يأتى إخراج الموهوب، شوقى الماجرى، ليجعل العمل على درجة كبيرة من الجمال والصدق والقدرة على الجذب.. فى المشهد الافتتاحى، فى الحلقة الأولى، تظهر وسط الضباب، فى عرض البحر، سفن الأسطول الفرنسى، بأشرعتها الكثيفة، وتتسلل الكاميرا لتدخل قاعة القائد، بمحتوياتها التى تعبر عن حضارة وافدة، جارحة، فثمة الساعة الرملية، تأكيدا لقيمة الوقت، وعلى المنضدة نموذج مصغر لمدفع، إلى جانبه بعض الأوراق والأقلام. أى العنف والثقافة. القائد ينظر خلال تليسكوب نحو الإسكندرية، فماذا يدور بداخلها؟.. الإجابة تأتى فورا، فى مشهد جنازة، لا تخلو من فوضى، تدفن سيدة مسنة، وهى وإن كانت والدة إحدى بطلات المسلسل فإنها فى ذات الوقت، توحى بوداع مرحلة، وقدوم مرحلة جديدة.

يندلع الصراع بين جبهتين: المماليك، الشعب المصرى.. وفى المقابل، الغزاة، المسلسل، بشجاعة، يعترف للجبهة الأولى بما تتسم به من عزيمة، ولكن الجهل يجهلها بلا جدوى، بينما الجبهة الثانية، الظالمة، فإنها مدججة بالعلم، والمعرفة، والقوة. وربما يمكن القول إن تحريك المجاميع، ورصد المعارك الحربية، ودبيب الحياة فى الأسواق، من أفضل المشاهد التى قدمتها الشاشة الصغيرة، وتثبت مدى مهارة مخرجنا المتميز، شوقى الماجرى.. ويحسب للمسلسل أن كاتبته، عزة شلبى، لم تقدم طرفى الصراع كمجرد كتل صماء، ولكن، بخبرة ووعى، بينت تفاصيل هذه الكتلة وتلك. أهالى المحروسة، بينهم الوطنى حتى النخاع، مثل الزعيم المتفانى، عمر مكرم، والوغد الزنيم، فرط الرمان. وفى المقابل، ثمة الفرنسى الاستعمارى الميت الضمير، الذى يأمر بقطع لسان المتطاول على الغزاة، والفرنسى الفنان، المرهف الحس، مثل الرسام «دينون»، الذى يحنو على الجريحة «رقية»، ويعالجها قبل أن يطلق سراحها.. «البانوراما» التى تقدمها المؤلفة، مليئة بالأسماء الشهيرة، والمغمورة كل منها يصلح لبطولة مسلسل مستقل، المسلسل متعدد الأبعاد والمعانى، يعترف بجهل المصريين ويؤكد إمكانية استيعابهم لعلوم العصر، تتفشى فيهم الأمراض، لكن من الممكن علاجها. يعانون من الفقر إلا أنهم يتحملونه بجلد. تقدم لهم وعود الوقوف إلى جانبهم، من الخارج، إلا أنهم يدركون أن المعركة هى معركتهم هم فقط.. إنه مسلسل يستحق أكثر من نظرة.

  ملاحظات عامّة

• لولا شغف الناس بالمسلسلات، لما بقيت على قيد الحياة، ولما توفر هذا العدد الكبير من الإنتاج.. لكن، جرت العادة، مع كل رمضان، على مهاجمتها، والزراية بها، وأحيانا، إهانتها وليس نقدها.. بعيدا عن النغمة السقيمة لرفض الفن، جملة وتفصيلا، يمكن إجمال آراء المتحفظين على المسلسلات فى خمس نقاط: تكاليف الإنتاج التى تجاوزت المليار جنيه. زيادة عدد المسلسلات على نحو «غير مقبول». تدنى مستواها. الاستعانة بفنانين عرب. انتشار الشتائم فى حوارات الشخصيات.

للرد على هذا الكلام، يمكن القول إن المسلسلات، شأن الأفلام السينمائية، من السلع الفريدة، وربما الوحيدة، التى تستخدم عدة مرات، جغرافيا وتاريخيا، فهى تباع لأكثر من جهة ــ أى أكثر من قناة ــ داخل البلاد وخارجها، ويعاد عرضها عاما تلو الآخر، إنها أوزة تبيض ذهبا، لا تغطى تكاليفها فحسب، بل تدر مزيدا من الأرباح.. أما عن مسألة الكم الذى وصل إلى ما يقرب من الستين عملا، فإنه أمر مُشرف بحق، يؤكد قوة الطاقة الإبداعية عند الفنانين المصريين، فضلا عن صلابة إرادتهم، فإذا كانت السينما، لأسباب عدة، تعانى انكماشا ملحوظا، فإن الفنانين، برحابة أفقهم، وجدوا فى المسلسلات، مجالا خصبا للتحقق، مما أدى إلى نتيجتين جديرتين بالترحيب، فانتقال النجوم والمصورين والمخرجين، من الشاشة الكبيرة إلى الشاشة الصغيرة، أحدث ازدهارا فى صورة «التمثيلية التليفزيونية»، التى لم تعد مقيدة داخل الأماكن المغلقة، وخرجت إلى الشوارع والميادين والأماكن المفتوحة.. ومن ناحية أخرى، يسهم هذا الكم المحلى فى تحجيم انتشار المسلسلات التركية، المبهرة، السخيفة، خاصة أن مسلسلات هذا العام، على العكس مما يقال عن تدنى مستواها الفنى، تتسم بالتنوع والجودة، مما يعنى أن أمام الجمهور مائدة عامرة، يختار منها ــ بحرية ــ ماىشاء، فثمة الاجتماعية «البلطجى»، «طرف ثالث». والبوليسية «سر علنى»، «رقم مجهول». والسياسية «سيدنا السيد»، «فرقة ناجى عطاالله»، والكوميدية «الزوجة الرابعة»، «شربات لوز».. ولعشاق الأعمال التاريخية، أو التى تتعرض لشخصيات شهيرة، يتوفر «نابليون والمحروسة».. و«كاريوكا» إن شئت.

• مرة أخرى، ترتفع بعض الأصوات الجاهلة، ضد مشاركة الإخوة العرب، فى الأعمال المصرية.. وبعيدا عن الكلام الذى قد يبدو عاطفيا، يمكن القول، بلغة المصالح، إن المكسب المتبادل بين الفنان العربى يزداد شهرة وألقا، حين يتم تصديره من القاهرة، بما لها من حضور فى البلدان العربية.. وفى المقابل، يأتى تدعيم الفن المصرى بتلك الإبداعات الوافدة، التى لا يمكن أن تستمر إلا إذا كانت ذات مواهب حقيقية، مثل جمال سليمان، هند صبرى، إياد نصار، وغيرهم فى مجال التمثيل.. وحاتم على، شوقى الماجرى، وغيرهما فى مجال الإخراج.. إنهم جميعا، يعطون مثلما يأخذون، إن لم يكن أكثر.

• هذا الدفاع عن الأشياء التى نحبها، لا يعنى أنها مكتملة، فوق النقد، فالكثير منها يعانى ضعفا ما، على النقد، أن يبنيه بوضوح، من باب الجدية والرغبة البناءة فى الرسوخ والارتفاع.. لكن المأخذ الوحيد الذى لا يستطيع أحد الدفاع عنه والجدير بالرفض الحاسم، هو تلك الشتائم النابية التى ترددت فى بعض المسلسلات، والتى لا تليق بفن محترم .

مع نهاية كل حلقة، من جميع المسلسلات، يصعد من أسفل إلى أعلى، طابور مسرف الطول من الأسماء، والمهن، فعقب ذكر المشارك فى التمثيل، حتى بأدوار ثانوية، تأتى أسماء العاملون معه أو معها، ومهنة كل منهم: المساعد، الماكير، الكوافير، الستايلست، ترزير الملابس.. بعد الانتهاء من الممثلين، وحاشيتهم، تأتى أسماء أصحاب المهن الأخرى، ومنها: فنى ديكور، عددهم تسعة. مدير إنتاج، عددهم ثلاثة. منفذو الإنتاج، ستة، إدارة إنتاج، ستة.. وثمة أسماء فريق الموسيقى.. وتحت عنوان «سيارات»، تتصاعد ستة أسماء.. وبالإضافة إلى مساعدى الإكسسوارات، وعددهم سبعة، تحت عنوان «بوفيه» أسماء ثمانية أشخاص، فما هى علاقة السائقين ومقدمى الشاى والقهوة والكازوزة بالعمل الفنى؟


• ما أن تختفى يسرا، أو سمير غانم من المشاهد فى «شربات لوز»، حتى يسيطر الفتور والبرود على الشاشة الصغيرة، فالمسافة، جد واسعة، بين النجمين من ناحية، وبقية الممثلين من ناحية ثانية.. فهل يرجع السبب إلى فارق الموهبة، أم إلى درجة اهتمام المخرج؟

• فى تأليف المسلسلات، هناك فارق بين الإبداع والتخليق. أول شروط الإبداع، أن تتدفق الأحداث، على نحو منطقى، يأتى الحدث تلو الآخر، بحكم الضرورة، وأن تكون الحوارات مكثفة، موجزة، تعبر عن المتكلم، وعن من يوجه له الحدث، وتتقدم بالانفعالات خطوة للأمام.. أما التخليق، قرين الافتعال، فإنه يعتمد على إقحام أحداث لا علاقة لها بمسار الأمور، مع تعمد إطالة الحوار، وأحيانا، يصل إلى حد الثرثرة، خاصة فى مشاهد المقاهى، حيث يدخل أحد الممثلين. يلقى السلام على الجالسين يردون عليه. أحدهم يصفق ليأتى النادل، يطلب مشروبا للوافد، ومن الممكن أن يستكمل صديق قصة ما، أو يواصل اطلاق نكاته.. وبهذا التخليق يمتد المسلسل إلى الثلاثين حلقة.. وهو العدد الذى لا فكاك منه، حتى لو كانت الطاقة الإبداعية من الممكن أن تتجلى فى سباعية، أو «15» حلقة.

• على استحياء، بدأت بعض المسلسلات تتحرر من أغنية البداية المقررة، وربما لم تصل موسيقى المقدمات إلى المستوى المأمول، وهى وإن كانت تعبر عن روح السيناريوهات إلا أنها لا تبرز التباين بين الشخصيات التى يتوالى ظهورها على الشاشة.. عموما، هى خطوة أولى فى المشوار الإبداعى.


الزميل كمال رمزي لديه عمود كل 
أربعاء وسبت في  صحيفة "الشروق"


     نسخة جديدة من مهرجان الفيلم اللبناني               | نديم جرجورة     
قبل سنـوات  إنطلق  مهرجان  خاص  بالسيـنما 
اللبنانية حاول تثبيت قاعدة جديدة مفادها عرض 
وتشجيع هذه السينما لجمهور عادة ما ينأى عن
الآن هناك إدارة جديدة تثيــر اهتمـام الناقد نديم 
جرجورة .

بعد غياب عام واحد، يعود «مهرجان الفيلم اللبناني» إلى واجهة المشهد المحليّ. المهرجان الذي تأسّس في العام 2001، حافظ على وتيرة أساسية في إحياء دوراته السابقة: الاهتمام بالأفلام اللبنانية، بتنويعاتها وأشكالها المختلفة. عُرف المهرجان، سابقاً، باسم «نما.. في بيروت». تحوّل الاسم إلى شركة إنتاج. تعاون بيار صرّاف ونديم تابت ووديع صفي الدين ودانيال عربيد، منذ البداية، على تنظيم دوراته السنوية. انسحب هؤلاء من إدارة المهرجان. هناك إدارة جديدة بقيادة سابيل غصوب. تسلّمت الزميلة فاليري نعمة مسؤولية الاختيار. هذا يعني أن المهرجان بدأ مرحلة جديدة من عمره. بدأ اختباراً آخر، يُفترض به أن يضعه في مواجهة تحدّيات الواقع السينمائي اللبناني. 
التغيير مفيد أحياناً. هذا ما حصل في إدارة «أيام بيروت السينمائية». المهرجان المختصّ بالسينما العربية شهد تغييرات داخلية. لم تعد هانيا مروّة وإليان الراهب في الواجهة. تسلّمت زينة صفير وسينتيا شقير دفّة المهرجان الذي يُقام مرّة واحدة كل عامين. تغيّر موعده أيضاً. بعد أن أُقيمت دوراته السابقة في تشرين الأول، بات يُقام في آذار. دورته السابعة تُقام بين 15 و22 آذار 2013. أما «مهرجان الفيلم اللبناني» فحافظ على موعده السنوي: الثلث الأخير من شهر آب. الدورة العاشرة تُقام بين 23 و26 آب 2012 (صالتا سينما «متروبوليس» في «أمبير صوفيل» في الأشرفية). يُقام الافتتاح 7,30 مساء اليوم. 8 مساء، تبدأ حفلة موسيقية سينمائية يُحييها عضو لجنة التحكيم العازف الموسيقيّ اللبناني إبراهيم معلوف، يليها عرض 3 أفلام: «خلفي شجر الزيتون» لباسكال أبو جمرا، وWe Might As Well لوفاء سيلين حلاوي، و«أرض لرجل» لفيلب عرقتنجي.
إلى جانب إبراهيم معلوف في لجنة التحكيم، هناك الناقد السينمائي الفرنسي كريستوف دونّير، والصحافية والمخرجة الأرمنية سوزان خرداليان، والفنان اللبناني (فيديو وتصوير فوتوغرافي) زياد عنتر. لجنة التحكيم مُكلّفة باختيار 3 أفلام لمنحها 3 جوائز: أفضل فيلم روائي، وأفضل فيلم وثائقي، وأفضل أول فيلم. اللجنة نفسها ستُشاهد، إلى جانب المهتمّين بالأفلام اللبنانية، 16 فيلماً، علماً أن هناك 11 فيلماً إضافياً تُعرض كلّها خارج المسابقة الرسمية. لا تكتفي الدورة العاشرة بهذا فقط. هناك لقاء مع نادين لبكي الساعة 8 مساء السبت 25 آب. هناك «كارت بلانش» للسينمائي اللبناني غسّان سلهب الساعة 10 ليل غد الجمعة، اختار فيها فيلمين اثنين: Black Panthers (1968) للفرنسية آنياس فاردا، وThe Black Power Mixtapes 1967 1975 (2011) للسويدي غوران هيوغو أولسّون. هناك «تحية لمجيد قصير» بإشراف السينمائية اللبنانية جوسلين صعب، التي رغبت في تكريم مدير التصوير اللبناني المتوفّى حديثاً (عرض مقتطفات من أعماله لمدّة تتراوح بين دقيقة واحدة ودقيقتين قبل كل حفلة عروض). بالإضافة إلى هذا، هناك ندوتان اثنتان: الأولى بعنوان «صُوَر ومتخيّل، أي مكان لهما في السينما؟»، بمشاركة الروائي والناقد الأدبي والسينمائي جيرار بجّاني، والزميل بيار أبي صعب، والسينمائي سيمون الهبر (9 مساء غد الجمعة). الثانية بعنوان «في ظلّ الجسد، الحركة في السينما»، بمشاركة وليد عوني وألكسندر بوليكيفيتش (مُصمّما رقص وراقصان) والممثلة والراقصة أيضاً كارولين حاتم (يُعلن عنها لاحقاً).
إلى ذلك، اختارت إدارة المهرجان فيلماً إيرانياً لعرضه في الختام (8 مساء الأحد) بعنوان «أطفال المدينة الجميلة» (2004) لأصغر فرهادي: في ليلة عيد ميلاده الـ18، مطلع الألفية الثالثة، يواجه أكبر (حسين فرزاده) حكماً بالإعدام. لكن صديقه علاء (باباك أنصاري) وشقيقته فيروزا (تاراني علّيدوستي) يسعيان جاهِدَين لإلغاء العقوبة.

نديم جرجورة ناقد صحيفة "السفير" اللبنانية 
                                                                                     


شـظايا المعلّـم | قيس الزبيدي

المخرج والسينمائي العراقي المعروف قيس الزبيدي 
يتناول المخرج التسجيلي الراحــل كريس ماركر مــن
خلال وجهة نظره ووجهة نظر سينمائيين آخريـن.
ينتمي الفرنسي كريس ماركير، حسب أندريه بازان، إلى جيل السينمائيين المؤلفين الجديد، الذي اعتقد أن زمن الصورة قد جاء حقاً، لكن دون التضحية بأهمية اللغة، يهمه التعليق، لكن لا كعنصر يضاف إلى الصورة، إنما كمكوّن أساسي للصورة.. ويضع ماركير لنفسه معادلة فريدة: الكلمات تصبح مساوية للصور، والأفكار تصبح مساوية للحقائق، والفن يتساوى مع الحياة. كيف يُسمى هذا كله باللغة الروسية؟ يسمى ببساطة: دزيغا فيرتوف! ورغم تأثره المُعلن بفيرتوف، إلا أنه أثر أيضا بمنهجه وأسلوبه بصنع الأفلام التسجيلية في سينمائيين بالعالم كثيرين.
شارك كريس ماركير في المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال الألماني لفرنسا في فترة الحرب العالمية الثانية، درس الفلسفة عند سارتر، وأخرج بمعية آلان رينيه فيلم «التماثيل تموت أيضا» عام 1953 عن سرقة الأوروبيين للفن في إفريقيا ويعد أول فيلم مناهض للاستعمار، عمل مع جان لوك غودار وكتب دراسة مميزة عن فيلم هتشكوك «الدوار» واوجد «الفيلم المقالة» الجوال الذي يتميز فيه التعليق بإثارة الفضول حول نوع من تفاصيل مفضلة، يصاحبها التحليل الجاد: تتابع من شظايا صور، مصنوعة سينمائيا من أشرطة فيلمية طويلة، يصاحبها تعليق ماركير الفلسفي الخاص والمميز.
يرى آلان رينيه في ماركير أنه: «نمط من ناس القرن الحادي والعشرين». وأنه، كما يصفه السينمائي الفرنسي باول بافيوت، يشبه كائنا جاء من كوكب آخر، وإذا ما أراد المرء أن يسميه بكلمة واحدة فهو «الطيار» سافر الى سيبيريا وكوبا وتشيلي والصين واليابان، مع انه يعد واحدا من كبار التسجيليين في العالم، إلا أنه وصف في معرض «وداعا من السينما»، الذي أقيم من سنوات تكريما لمجموع أعماله في زيوريخ، كمؤلف وناشط ومخرج وناقد وفوتوغراف وشاعر وناشر وصانع اعلام.
حينما فاز فيلمه الشهير «مايو الجميل» في مهرجان لايبزغ في عام 1962 بالجائزة الكبرى، قال عنه: لم تكن حميمية الفيلم لتنشأ لولا عدم الاستغناء الكلي عن الإضاءة أثناء التصوير، ولولا استعمال كاميرا خفيفة غاب دورها المتطفل في المقابلات. ويضيف: هناك اتجاه في تطور الفيلم التسجيلي وهو تسجيل الواقع لا عن طريق اختيار مظاهر منه وإخضاعها لرغبات وتصورات مسبقة، البعض يعتقد أنه توجد طريقتان في مقولة السينما التسجيلية واحدة تحدد مسبقا كيف يمكن للواقع أن يكون، وإذا لم يكن الأمر كذلك فإن أصحابها مخطئون والأخرى أن على المرء أن يتصرف إزاء الواقع بتواضع كما هو. وبالنسبة لي نتج فيلمي من تركيبة هاتين الطريقتين، من ناحيتي أنا أحتقر كل الرموز، لأني شخص عيني وأريد أيضا أن أُفهم كذلك.
ارتبط كمخرج بعلاقة مميزة مع المخرج الياباني كيراساوا والروسي تاركوفسكي، وصنع لهما صورة تحية سينمائية: «ا.ك» 1988 يوم واحد في حياة اندريه ارسينهفيش .2000
صانع المقابلات العظيم لم يحب أنْ يعطي مقابلة لأحد، ومصور صور الناس المدهشة، لم يحب أنْ يُصوره أحد، وعندما ظهر في فيلم فيم فندر «طوكيو ـ جيّ» وفي فيلم اغنس فاردا «شواطئ اغنيس» خبأ وجهه تحت قناع قطة. وكأنه أراد لنا أن نعرف فقط سينما خلفها لنا على كوكبنا الأرضي ويرحل، بعدئذ، دون أن نعرف عنه في العلن الشيء الكثير.
لقيس الزبيدي عمود ثابت في صحيفة |الإمارات اليوم" كل يوم جمعة
                                                                                

الناقد وفلسفة الفيلم| أندريه بازان رائداً  
محمد رُضــا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
في كلـمتــه ذكر الصديق قيس الزبيدي الناقد
والمنظّـر أندريه بازان ما يدفعني للتنبيش عما
كتبته عنه ذات يوم غير بعيد.

في أواخر صيف 2008 أقامت الكاييه دو سينما وجامعة شنغهاي  حلقة دراسية عن الناقد السينمائي الراحل أندريه بازان (18.4.1918-11.11.1958) حضرها جمهور غفير من المعنيين بالموضوع السينمائي وثقافة الفيلم وبينهم طلاب ونقاد ومخرجين. ووجود المخرجين (من بينهم مثلاً آن هوي، هاو سياو-سيين جاو زانغكي من بين آخرين) لم يكن لأجل حضور حفلات ساهرة، بل ألقى بعضهم محاضرات موضوعها الإرث النقدي الذي تركه بازان من خلال أكثر من 2500 مقالة نقدية كتبها في خمسة عشر سنة. محاضرة المخرج جاو زانغكي ، صاحب »حياة ساكنة« و»المدينة 24« وهما من أفضل إنتاجات السينما الصينية في العقد الأول من هذا القرن، كانت قراءة لتعاليمه، في حين ألقى هاو سياو-سيين  محاضرته في التأثير التي تركته تلك الكتابات على السينمائيين٠
أكرر هذا حدث في الصين وليس في مصر او في لبنان او في تونس او المغرب، الدول المنفتحة من عمق التاريخ المعاصر على الغرب وثقافاته.  في هذه الدول، تحديداً، عاشت و(شبه) ماتت حركات نقدية عامرة  من الخمسينات وازدهرت في الستينات والسبعينات ثم تقطّعت أوصالها وخف أثرها وتأثيرها فيما بعد والى اليوم. ليس فقط أن هذا الجسد النقدي لم يحتف بأي ناقد غربي من وزن بازان، بل لم يحتف بأي ناقد الا في عداد تأبينه إثر وفاته. حدث ذلك مع العزيز الراحل سامي السلاموني والزميل العزيز سمير نصري وبالكاد حدث مع الطاهر الشريعة. لكن حتى هؤلاء لم يحدث أن تداولت أبحاثهم ودراساتهم الجامعات، ولا تم الإحتفاء بهم في ندوات متخصصة٠
في الفترة التي كان فيها بازان يعمل على تأسيس منهج سينمائي للنقد السينمائي، يبتعد فيه عن الهيمنة الأدبية على السياق (وهي الهيمنة التي تعيش في كتابات البعض) كان هناك نقاد آخرون جيّدون في العالمين الغربي والشرقي. دورنا العربي البارز جاء في الستينات لكنه كان في الواقع تابعاً إن لم يكن بالتأثر فعبر البرمجة الزمنية. نعم كانت هناك حركات نقدية في الأربعينات  والخمسينات في مصر لكني لست واثقاً، وقد مر على اطلاعي عليها نحو عشرين سنة، ما إذا كانت من النوع الذي عاش على الصياغات الأدبية أم لا. الغالب، وحسب الإنطباع الذي كوّنته، أنها وإن تعاطت الأفلام المصرية، الا أن ما كان بعيداً عن مداركها، كما هو بعيد عن مدارك معظم المشتغلين في النقد حالياً، البحث في كيفية تحويل النقد السينمائي لفيلم ما الى دروس سينمائية٠
القطيعة بين المخرجين والنقاد ليست وليد صدفة. الفريق الأول لم يجد نفسه مستفيداً من الفريق الثاني لسببين: الأول: مخرجو الستينات كانوا يعرفون أكثر عن السينما من معظم نقاد الفترة. الثاني نقاد الستينات كانوا، في معظمهم، غير قادر على الإضافة. فقط على كتابة الآراء وتسديد المواقف. وهذا المعظم هو ما زال سائداً الى اليوم٠
لا أقول ذلك لإعفاء المخرجين الحاليين (والجيل الجديد في معظمه يقف على 180درجة من الجيل السابق والأسبق) من قرارهم غير المعلن بتجاهل الكتابة النقدية، لا العربية وحدها بل سواها. هناك نقطة يتوقّف عندها المخرج ويقول لنفسه: وصلت. لا أريد أن أتعلّم. المشكلة هي أن معظمهم توقّف عندها باكراً جدّاً، لذلك لن يتعلّم وعادة لا يصنع أفضل مما صنعه في إطلالته الأولى٠
الأمر نفسه بالنسبة للناقد. جل النقاد وضع تلك النقطة حاجزاً بينه وبين أن يتعلّم أكثر. لقد اكتفى أول ما صار لديه حيّزاً للتعبير. بذلك عامل نفسه معاملة صاحب دكّان كشري. صاحب الدكّان، مع احترامي له ولمهنته، ليس عليه أن يعرف -إذا ما أراد- أكثر مما يتّصل بأدوات رزقه: سعر المواد التي يستخدمها للطبخ، كيفية جذب الزبائن، هل هناك مظاهرة  ستجتاح الشارع وتقطع رزقه؟ هل يحتاج الى من يساعده في الطبخ او لا، هل اتسخت ملابسه ام لا تزال نظيفة الخ٠٠٠٠ الفارق هو أن صاحب دكان الكشري ليس مطلوباً منه أن يخطب في الناس وينقل معرفة مبرمجة ورأي في الوضع الثقافي والإنساني (ولو أن ذلك ليس ممنوعاً عليه) بينما الناقد عليه، تبعاً لمهنته، أن يفعل ذلك عبر وسيط هو الأرحب من الكتاب والمسرح والرسم والموسيقا ووسائل التعبير الأخرى. لكنه قرر أنه وصل. بعض من أعرف من النقاد يكتب اليوم المقالة ذاتها التي كتبها حين بدأ قبل خمس وعشرين سنة. نفس الأسلوب. نفس الكلمات. نفس مواقع القرار. لا استزادة ولا معرفة تزيد عن معرفة الأدوات الأساسية: اختيار المادة. كتابتها. متى ستنشر٠

السيناريو يقود
واحد من الأسس التي وضعها بازان كانت  الدور الذي يلعبه السيناريو في الفيلم. بالنسبة إليه فإن السيناريو هو من عليه فعل الإكتشاف وليس السرد فقط. هناك، لنقل، مشهدا أول لمدرسة في قرية (على غرار فيلم «عمر المختار« لمصطفى العقاد مثلاً) او مشهداً لحصان منطلق الى وسط البلدة (كما في «شريط أبيض« لمايكل هنيكي). السيناريو هو الذي اختار البداية المذكورة (حتى ولو أضاف المخرج المشهد عليه) لغاية: التعريف بالمكان والزمان وكنه الشخصيات والحياة. هذه الأمور نفسها هي ما ترصدها الكاميرا ما يجعل السؤال المنطقي هو من الذي يسرد: السيناريو او الكاميرا٠
وهناك فارق. عند بازان السيناريو هو من يجب أن يسرد وذلك عبر اختياراته كما عبر مفهوم المعالجة للفكرة التي يطرحها. يبدأ سيناريو «راشامون» كما كتبه أكيرا كوروساوا وشينوبو هاشيموتو سنة 1950 بلقطات تضعنا في "المكان": (بوابّة مخلوعة) ومع الشخصية (رجل راشامون واقف تحت المطر.  ثم لقطة لرجلين آخرين  كانا لجأا الى المكان ووقف تحت سقفه إتقاءاً للمطر المنهمر بغزارة. لا يتحرّكان٠
والعبارة الأولى التي ينطلق بها أحدهما (قاطع أخشاب، أما الثاني فهو راهب بوذي) هي: "لا أستطيع أن أفهم. لا أستطيع أن أفهم مطلقا"٠
الآن هناك سبب (او أكثر) لكل اختيار (ولمن يرغب يمكن أن أكتب نقداً للفيلم وهذه البداية)  موجود في السيناريو قبل أن تصوّره الكاميرا، بما في ذلك السبب وراء اختيار العبارة الأولى: ما الذي لا يفهمه المتحدّث؟ سنعرف بعد قليل في الفيلم ما يقصده. لكن الكلمات هي تحديد لحالة قبل الشرح ولا ينفع معها تحت الشرح أولاً٠
المهم أن التفريق بين اختيار السيناريو من المشاهد (الأين والماذا) يبرز على  اختيار الكاميرا. بل هو اللغة الأولى للفيلم. بازان يلفت النظر الى أن السيناريو هو النص الذي سيفرّق بين جودة الفيلم وحسن تعبيره عن المخرج أكثر من الكاميرا. اتخاذ الكاميرا الوسيلة الأساسية كنص يقلّص دور الكاتب ودور المخرج معاً  ويعطينا فيلماً غير ذاتي. أنها مسألة من سيقوم بالكشف عما سنراه؟ والتفريق ليس هيّناً. مطلع فيلم مايكلأنجو أنطونيوني «الخسوف« (1962) عبارة عن لقطات صغيرة ثم أكبر منها ثم أكبر منها لكي تشمل في النهاية البيت ومن فيه (هذا عوض العادة: لقطة شاملة للمكان، فالبيت من الخارج ثم البيت من الداخل مثلاً). من قاد؟ ليس الكاميرا لأنها كانت تترجم المطلوب في بال المخرج. التفصيل يؤدي الى الصورة الأكبر وليس العكس. إنها وسيلته او أسلوبه- هذا ليس مهمّاً. المهم هو أن هذا الإختيار يلتئم مع مفهوم أن يقود النص المشاهد عوض أن تقوم الكاميرا بتقديمه٠

الحلم ككيان مستقل
كتب بازان سنة 1947  يقول: "إذا ما حددنا ثقافة الفيلم ليس كمعرفة تاريخية وفنية وتقنية ، لكن أيضاً كاعتراف بأحلامنا وأوهامنا وأفكارنا حتى السوداوية، فأن ذلك يعني أن كل فيلم، مهما كان رديئا ومفبركاً، هو وثيقة غير قابلة للإستبدال"٠
وأعتقد أن هذا هو جزء مما لاحظ القراء هنا، خصوصاً في مجلة »فيلم ريدر« أني أقوم به. ترى ما فائدة أن أكتب عن فيلم مجهول او منسي وربما كان رديئاً لا يعرفه أحد ولا يساهم في ملكية أحد الثقافية او الفنية؟ لقد فعلت ذلك وفي نيّتي أن أفعل ذلك دائماً، لكن لماذا؟ لأن هذا الفيلم (بصرف النظر عن قيمته- وليس كل فيلم مجهول او منسي هو فيلم رديء بل هناك اكتشافات عجيبة) صار وثيقة عن كل ما 
ما فيه (القصّة، الأجواء، المعاني، الفترة الزمنية التي تقع الأحداث فيها، الفترة الزمنية التي تم فيها تصوير الفيلم، الغاية منه الخ....) وعن كل من فيه (من الكاتب الى المخرج مروراً بالعناصر البشرية الرئيسية وتلك الثانوية وشغل كل منهم وتركيبته في الفيلم او أثره وتأثيره). إنه جزء من حياة اشتغل عليها خمسون فرد او أكثر أو أقل وحوّلوها الى مادّة بصرية قائمة. استخرجوا من الحياة التي في الواقع غير قابلة لـ "اللمس" وجعلوها حياة من ذات الصنو (أفضل او أسوأ) قابلة لـ "اللمس" و"النظر" المحدد ضمن تركيبتها. أنت على المقعد تنتقل- من دون أن تنتقل- ما بين كوخ في الغابة ينعزل فيه شخص او أكثر، وبين  منزل واسع في المدينة فيه شخصيات أخرى وفي كل منهما حدثاً مختلفاً او متشابها. في الواقع عليك أن تأخذ طيّارة او سيارة وتنتقل في رحلات مكوكية لتعرف ما يحدث هنا وهناك خلال الحدث ولن تستطيع الا أن يفوتك الكثير. في السينما، تلتقط ما يدور في المكانين. هذا ما يحوّل استحالة الإمساك بالحياة الى احتمال الإمساك بها او ببعضها علي الأقل٠
في هذا الصدد فإن «لورنس العرب« او «راشومون» او «المواطن كين« هو في نفس أهمية أفلام مجهولة كـ
َQuicksand (1950), Eyes in the Night (1942), Impact (1949), He Walked by Night (1946)  
ولا علاقة للمستوى الفني من هذه الزاوية. طبعاً »لورنس العرب« ابداع ملحمي، و»راشومون« كيان إنساني وفني قائم بذاته و»المواطن كاين« لأورسن وَلز او »نوستالجيا« لأندريه تاركوفسكي أعلى قيمة بكثير من معظم ما تم تحقيقه من أفلام عبر التاريخ، لكن من حيث الوضع العاكس للحياة كما نعيشها،  كل هذه الأفلام في مستوى واحد. كلها نتيجة أحلام ومصادر ونتائج٠
يلحظ بازان أمرآً آخر في السينما كحلم وكوثيقة جماعية ذات كيان مستقل: في الميلودراميات العربية والهندية والأميركية قد يتزوّج إبن أحد كبار الأثرياء من العاملة البسيطة في مصنع أبيه، او من الفلاحة التي وقع في حبّها. في الواقع هذا مستبعد. في السينما هذا ما تم تداوله عشرات المرّات (وأحياناً لا يزال). ونحن كمثقّفين وقفنا موقف إدانة على أن هذا هو الكذب بعينه. والحقيقة أن معظم الأفلام الميلودرامية تستحق الشكوك التي نوجهها اليها، لكن بازان وجد أن مفهوم السندريللا هذا مثّل ملايين المشاهدين. من هو الناقد الذي يريد أن يضن علي المشاهدين العزّل في حياة مدقعة هذه الفسحة من الحلم؟ 
أنا لا أريد٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2012
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system