أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Aug 12, 2012

مسلسل عمر: هل يحق للتلفزيون ما لا يحق لغيره؟ البعض يعتقد ذلك.

مسلسل "عمر": التلفزيون في نعيم والسينما إلى الجحيم

محمد رُضــا

بينما كانت حلقات "عمر" (رضي الله عنه) تُبثّ من على شاشتي mbc وقطر كل ليلة من ليالي رمضان الكريم، وبينما كانت الصحافة مشغولة برفض او بقبول مبدأ إظهار أكثر خلفاء النبي (صلى الله عليه وسلّـم) إثارة لإعجاب المسلمين من زاوية إذا ما كان ذلك حلال أو حرام، كنت أسرح في موضوع آخر ولو غير بعيد.
لقد انطلقت محطة mbc المنتجة فاتحة مرحلة جديدة في ميدان إنتاج المسلسلات الدينية والتاريخية عبر هذا العمل، بصرف النظر عن الفتاوى التي أثيرت حوله. حصلت على مباركة المسؤولين ورجال الدين وانطلقت لتحقيق عمل بارز بين الإنتاجات التلفزيونية العربية لا ينقل هذه النوعية إلى مستوى جديد فقط، بل يفتح الباب على المزيد من الأعمال المشابهة التي قد تقدّم باقي الخلفاء الراشدين من باب التماثل وطلباً للنجاح التجاري ونسب الإقبال. لكن، وهذا هو السؤال الذي يساوي عشرة ملايين دولار يُـقال أنها صرفت على هذا المشروع، لو أن مخرجاً او منتجاً سينمائياً أراد تحقيق فيلم عن أحد الصحابة، هل كان سيستطيع؟
حتى من قبل أن تنتشر الحركات العصبية بإسم الإسلام، ومن قبل أن تجد مصر نفسها وقد آلت إلى سُـلطة الأخوان، وترتفع أسهم الجماعات الدينية نصف المتطرّفة والمتطرّفة على حد سواء، كانت السينما غير قادرة على تقديم أي عمل عن الإسلام يظهر، جزئياً او كلّـياً، صوتاً او صورة، النبي الأمي والخلفاء الراشدين والعشرة الموعودون بالجنّة من أصحاب الرسول خاتم الأنبياء. فلماذا يستطيع التلفزيون فعل ما لا تستطيع السينما فعله؟ ما هو هذا المعيار المزدوج وخلفياته؟ 

بضع حقائق في هذا الموضوع قبل أن ندلف إلى رأي او قناعة:
المخرج والمنتج الراحل مصطفى العقّاد أنجز، بتمويل ليبي، فيلمه «الرسالة» رغم الإعتراضات المناوئة التي خوّنته وأخرجته عن دينه ونعته بالكفر حتى من قبل أن ينتهي الفيلم وبل على الرغم من أن السيناريو نال موافقة بعض أهم المراجع الدينية في مصر والمملكة العربية السعودية. واستمر هذا الموقف حتى من بعد انتهاء الفيلم (رغم إعجاب عدد كبير آخر من المسؤولين السياسيين والدينيين بالفيلم بعدما وجدوا أن المخرج التزم بالنص المجاز لقطة- لقطة، فلم يظهر الرسول لا صوتاً ولا صورة، ولم يقدّم فيلماً فيه أي قدر من المعاداة للدين الحنيف ورجالاته.
  ذلك الفيلم لم يعرض سينمائياً، لكنه عُرض تلفزيونياً. لم تستطيع الشاشات الكبيرة عرضه، لكن تلك الصغيرة عرضته، غالباً من دون إذن صاحبه ومن دون حقوق بث، مرّات ومرّات، ثم- زيادة على ذلك- تم طرحه للبيع على أسطوانات الـ DVD

إمتداداً، لو أن منتجاً او مخرجاً أراد تحقيق فيلم عن أبوبكر الصديق او عمر او عثمان او علي بن أبي طالب، او عن العشرة المبشرين بالجنّة، لوجد حياته مهددة بين ليلة وضحاها- هذا لو أن الرقابات المحليّة منحته إجازة تصوير ليوم واحد. وعلى افتراض أنها فعلت، سوف لن يأمن أن يجد ديكوراته قد احترقت بفعل هجوم مدبّر على أساس أن الفيلم هو هرطقة وحرام. الجماعات المتطرّفة سوف تطالب بإعدامه (إذا لم تبادر إلى ذلك بنفسها) وصالات السينما، لو تم تنفيذ الفيلم، ستعتذر عن عرضه خوفاً من المصير نفسه. أما شركات الإنتاج فستتوقّف بعده عن العمل والرقابات التي أجازت له ستطير من مكانها لأنها "أخطأت".

لكن ماذا عن التلفزيون؟ لماذا ما هو ممنوع في السينما مقبول في التلفزيون؟ ما هو هذا المعيار المزدوج؟ هل العاملين في التلفزيون في نعيم والعاملين في السينما أصحاب النار والجحيم؟ هل مبدأ الصورة وظهور الخلفاء يختلف من موقع لآخر؟
هل التلفزيون أكثر مدعاة للإحترام؟ أكثر أماناً؟ هو من سكان القصور والسينما من قاطني العشوائيات؟
لو أن هذا صحيحاً كيف نفسّر إذاً أن بعض أكثر الرسائل والمضامين خطراً على الناشئة من العرب والمسلمين تعرض كل ساعة من ساعات العام بأسره على شاشة الجهاز المنزلي من دون مراجعة. إخبرني ماذا تريد أن تشاهد: أفلاماً ومسلسلات تؤثر على الصغار وتصنع منهم أجباناً وأطباق خضار؟ موجود. أفلاماً ومسلسلات وبرامج فيها إيحاءات ومشاهد جنسية؟ موجود. رسائل من نوع ترويج المثلية وتسفيه المنطق والأخلاقيات الإجتماعية أيما كانت؟ موجود. أفلام دم وبتر أعضاء وسفك دماء في ساعات مختلفة من اليوم؟ موجود. أخبار كاذبة تفقد مصداقيّتها وتحول القنوات إلى شركاء عنف وقتل وحروب؟ موجود. برامج ومسلسلات تنتمي إلى أجندات خاصّـة تريد تحويل الناس جميعاً (من أميركا إلى اليابان ومن النروج إلى أي بلد عربي) إلى روبوت خال من القدرة على التفكير؟ موجود…

كيف إذاً حلال عرض مسلسل ديني على التلفزيون وحرام أن تنتج السينما أفلاماً من المستوى ذاته؟
الجواب أننا في أمّـة فقدت موازينها الصحيحة. الحق صار باطلاً والباطل حق. الحقيقة صارت منبوذة والخطأ هو الصواب. الثقافة التي يمكن لها أن تؤسس لجيل يحترم الحياة ويمشي في مناكب العلم والمعرفة والفن والأدب صارت "توب تن" للأغاني والأفلام وأخبار المخادع الشخصية. الإنتماء للحضارة صار عذراً لفتح الباب على كل تفاهات الزمن المعاصر ونبذ ما ينفع لأنه "قديم" او "لم يعد صالحاً" او "معادياً". والتلفزيون الذي كان وعداً بثراء نوعي للمجالات المذكورة، أصبح أكبر عدو للثقافة على الإطلاق

لست ضد الترفيه لكني مع نصيب مساو للفن وللثقافة. ولأنهما مغيّبان، جنباً إلى جنب تغييب ثقافة احترام الإنسان ذاته، فإن "عمر" مسموح على التلفزيون وممنوع في السينما. 
ما الذي سيضمن بعد عشر سنوات، وبعد تكرار ظهور الخلفاء الراشدين أن لا يقدم برنامج ما على تشويه الشخصية التي يقدّمها؟ كم رمضان سيمر من قبل أن يفاجأ المسلم أن مسلسلاً ما يجهل ما يقول، او يعادي ما يقوله؟
ثم كيف سنمنع- وبأي حق- شركة غير عربية وغير مسلمة تحقيق مسلسل او فيلم عن الخلفاء الراشدين وبل حتى عن نبيّنا محمد عليه الصلاة والسلام إذا ما أرادت ذلك؟ هل يحق لنا ما لا يحق لغيرنا؟
لكن إذا ما كانت هذه الزمرة من الاسئلة أعلاه تفترض مستقبلاً غير مضمون النتائج ومشاكل سيؤدي هذا الفتح الإنتاجي الحالي إليها، فإن ذلك ليس من باب تمويه السؤال الأساسي والأكبر. مرّة أخرى: لماذا التلفزيون نعم والسينما لا؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2012
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


5 comments:

  1. subhialaa@yahoo.comAugust 12, 2012 at 6:45 PM

    سؤال وجيه جداً ويساوي عشرين مليون دولار كلفة فيلم سينمائي عربي محترم حول ذات الموضوع
    صبحي علاء

    ReplyDelete
  2. الأستاذ محمد
    شخصياً لم أشاهد مسلسل "عمر" ولا أي مسلسل آخر فأنا لا أحب التلفزيونات العربية بالمطلق. لكني قرأت عن المسلسل وأعلم أن إنتاجه فاق العشرين مليون دولار في الواقع. المهم هو انني اجد انك اصبت صميم المشكلة بكلمتك هذه. ولو كان المسلسل فيلما لما تم انتاجه. لكني اضيف أنه عندما يتناول النقاد هذا المسلسل بالنقد فهم يتحدثون عنه من زاوية اذا ما كان حلالا او حراما. لكني وبعد ما قراته في كلمتك بت افهم ان ما هو حلال على التلفزيون حرام في السينما - وهذا من عجائب هذا الزمن فعلاً
    عبد الرحمن عيتاني

    ReplyDelete
  3. صحيح. كل الذين كتبوا عن هذا المسلسل كتبوا من زاوية حلال او حرام او كنقد للحلقات من حيث الموضوع والفكرة والإنتاج. لكني لا أظن ان احدا فكر في ما ذهبت اليه- واكثر ما اعجبني هو ما ذهبت اليه في النهايةك توقعاتك بان تكر السبحة وينحدر المستوى
    لكن من يتعظ استاذ محمد؟

    محمود الملقي

    ReplyDelete
  4. I think this matter reflects a wider issue than what you've mentioned. For one thing, the TV is able to reach the right audience while history films are past of history itself and there will not be enough audience for such project. So I don't think you're right in your presumptions, though you've tackled an important issue in fact.

    Anaheim, CA.

    ReplyDelete
  5. لدي سؤال لا أعتقد أن أحداً يستطيع الجواب عليه سواك وذلك لمعلوماتك الغزيرة ما شاء الله. هذا السؤال هو إذا ما كان المخرج الكبير ستيفن سبيلبرغ سيقوم بتصوير فيلم جديد من سلسلة "جوراسيك بارك" كما قرأت على موقع لا أثق به كثيراً. فهل هزا صحيح؟

    مصطفى علوان

    ReplyDelete

Disqus Shortname

Comments system