أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Aug 31, 2012

مهرجان فنيسيا السينمائي الدولي 3 | نقد: "الأصولي المتمنّع". | نقد فيلم "الرحلة الكبرى"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ غداً : فيلم هيفاء المنصور في الميزان ــــــــــــــــــ
    مهرجانات | يوميات فينيسيا 3

في فيلم الإفتتاح: "الأصولي المتمنّـع" 
التطرّف او أميركا…. أيهما الباديء؟

فيلم الإفتتاح الذي تم إختياره للدورة التاسعة والستين من مهرجان فانيسيا السينمائي الدولي هو أهم بكثير من فيلم الإفتتاح الذي اختاره مهرجان "كان" في الربيع الماضي وهو «مملكة سطوع القمر» وأكثر حضوراً من فيلم افتتاح مهرجان برلين في مطلع هذا العام وهو «وداعاً ملكتي». فنيّاً أفضل من فيلم وز أندرسن عن رئيس فريق الكشّافة الذي يبحث عن كشّاف فار، وبالجهد ذاته الذي مارسه المخرج بانوا جاكو وهو يحكي عن آخر ثلاثة أيام من حياة الملكة أنطوانيت. 
هذا لأن «الأصولي المتمنّـع» (او «الأصولي المناهض» في ترجمة أخرى) للهندية ميرا نير يتعامل وموضوع آني يعيشه أهل الأرض جميعاً ولو بنسب متفاوتة وهو عن الإسلام والتطرّف والولايات المتحدة الأميركية.
السؤال الذي تنقله المخرجة نير بأمانة من رواية محسن حامد هو: أيهما الباديء في صنع الحقد الدموي العابث اليوم؟ والجواب يأتي خلال ربع الساعة الأخيرة حينما يقول بطل الفيلم جانغيز (ريز أحمد) لطلاب صف في مدينة لاهور: "نتحدّث عن الحلم الأميركي… إنه الحلم الوحيد… تجذبنا أميركا إليه… لكن سرعان ما نكرهها بسببه ونكره أنفسنا"
وهو يسأل طلابه: "هل هناك حلما باكستانياً لديكم؟". ولا أحد يجيب فالأمثولة هو الحلم الأميركي، والنجاح هو في تحقيقه وقصّـة جانغيز في هذا الشأن نموذجية: وصل إلى الولايات المتحدة قبل 2001 وغايته تحقيق ذلك النجاح الكبير، وهو كان لا يزال يعيشه ويعد نفسه بالمزيد منه عندما اكتشف أن العالم، بعد العام 2001، تغيّـر حياله، وأن أميركا التي أحب لا تحبّه بالقدر نفسه. 
يتبع الفيلم رواية محسن حامد لكنه يتحرر عنها في الوقت نفسه. ففي السرد يعمد إلى أسلوب التعليق المصاحب للأحدث. في الرواية يجلس جانغير للصحافي الأميركي بوبي يسرد عليه تاريخ حياته ويجد القاريء نفسه قد انتقل زماناً ومكاناً إلى كل ما سبق ذلك اللقاء، الا في الفترات التي يُثير حديث جانغيز تساؤلات الصحافي او يتحوّل إلى مادة نقاش.
في الفيلم هذا يحدث، لناحية أن التعليق المصاحب لا يزال مسموعاً، لكن الثراء الإضافي هو أن المادة المصوّرة (والمكتوبة بعناية كبيرة من قبل وليام ويلر) تتيح لنا ما يجب أن تتيحه السينما من حرية إنتقال وحركة ومتعة مشاهدة الكلمات وقد انقلبت صُـوراً. وعلى عكس الكثير من الأفلام لا يأتي التعليق كفرض واجب فإذا به يعيق ما قد تأتي به الصورة، بل ينسحب سريعاً تاركاً لها الدور الأول للتعبير عما يجول او يحدث.
جانغيز آت من عائلة برجوازية مسلمة في باكستان لكنها مشرفة على الإفلاس. وبعد تخرّجه في الولايات المتحدة، التي درس فيها بمنحة، يلبّـي المواصفات التي يبحث عنها جيم (كيفر سذرلاند) وهو المدير العام لشركة أسمها أندروود ويفوز بالوظيفة إذ يجد فيها جيم ما يبحث عنه "الجوع" للنجاح. الرغبة في الوصول وتحقيق "الحلم الأميركي" كأكبر ما يكون. عمل المؤسسة هو تصفية الشركات الضعيفة لأجل تقويضها وإعادة بيعها. في ذلك يستخدم جيم، وكما يرد في الكتاب، كلمة "أصولية" ولو بغير معنى من ذلك المستخدم دينياً، فهو، كما يقول، يبحث عن العناصر "الأصولية" في تلك الشركة ليستنفذها ويهيمن عليها. والكلمة مستخدمة لوظيفة، فعناصر الأصولية تتألف لاحقاً في ذات جانغيز ثم هي ذاتها تمنعه من الإلتحاق بالجهاديين حين يذكرها المتحدّث بإسمهم وهو يطلب منه الإنتماء.
في ظرف أشهر قليلة ينال جانغيز ثقة جيم ويربح حب المصوّرة التي التقى بها صدفة إريكا (كايت هدسون) ويبدأ بالسفر مع جيم وأبرز كيانات المؤسسة إلى دول غير أميركية لممارسة عمليات الهيمنة الإقتصادية ذاتها. 
خلال ذلك، وقبل عودته إلى الولايات المتحدة من زيارة إلى الفيليبين، تقع كارثة 2001 وتقترب الكاميرا من وجه جانغيز فإذا بمزيج من الغبطة والرهبة يعلو وجهة. هنا ينتقل الفيلم مجدداً إلى جانغيز وهو يتحدّث إلى الصحافي بوبي: "لا تعتقد أنني كنت سعيداً لسقوط 3000 ضحية بريئة كما لا أعتقد أنك كنت سعيداً لسقوط مئة ألف ضحية في العراق".
حال عودة جانغيز إلى الولايات المتحدة يتم سحبه من بين أترابه في الشركة وتعريضه لتفتيش عام يشمل مؤخرته. لقطة قريبة وجانبية على وجه جانغيز وهو ينفعل حيال ما يحدث إليه. وهنا تسجل المخرجة أول بوادر التحوّل الجذري إلذي سيعيشه بطلها. في مرّة ثانية يتم إيقاف جانغيز على رصيف مدينة نيويورك حيث يعمل ويعيش وذلك عن طريق الخطأ (مواطن اتصل بالشرطة لأن هندياً او باكستانياً كان يُثير الشغب في الشارع واعتقد البوليس أن جانغيز هو المقصود. هنا يدخل عليه إثنان من المخابرات الأميركية ويسألانه كل تلك الأسئلة التي هو بريء منها قبل إطلاقه. يواصل جانغيز عمله كما لو أنه لا زال بمنأى عما بات يشعر به من إحباط لكنه وخلال رحلة عمل إلى تركيا يقرر الإستقالة والعودة إلى باكستان.

الخط الرفيع
المحادثة التي تتم بينه وبين بوبي تكشف عن أمور أخرى، فبوبي (ليف شرايدر) يتعاون مع المخابرات الأميركية ووجوده في ذلك المطعم الشعبي مرصود عبر شبكة اتصالات مصوّرة وفي أذنه جهاز تنصّت صغير. وفي مطلع الفيلم نشهد خطف أميركي من قبل مجهولين يعلم جانغيز ماهيّتهم ولو أنه لا يعرفهم بالتأكيد وما يحاول الصحافي فعله هو استدراج جانغيز للبوح بمكانه. هذا الخط هو الذي يمنح الفيلم التوتّر المفترض به ويشكّـل في الوقت ذاته، الخيط القصصي الموازي. فالمسألة ليست كناية عن رجل يستعيد ماضيه في مقابلة صحافية، بل عن رجل يستعيد ماضيه في مقابلة صحافية ملغومة وبينما هناك أحداثاً أخرى تقع في الزمن الحاضر.
فيلم ميرا نير يرتقي بينما هو يُعرض، إذ يبدأ بما يوحي بأن الفيلم سيكون تنميطاً لحكاية أخرى تسير على خط نحيف لا يريد إدانة طرف ضد آخر. وهناك سبب لذلك: البداية على ضرب طبول وغناء موشّـحات تغطي على حدوث عملية الخطف المذكورة. هذا يخبر من شاهد ما يكفي من الأفلام أن رغبة المخرجة في استنزاف الفولكلور الثقافي والإجتماعي (الموسيقا، الغناء، الوجوه، الجموع) بدأ مع اللقطة الأولى ومن الممكن أن يستمر طويلاً. لكن نير تدرك، من حسن الحظ، أن الموضوع هو أهم من أن تلعب به لعبة ذات مصلحة. تنفصل عن موحيات تلك البداية سريعاً وتسبر غور ما يدور منتقلة بالتدريج من تمهيدات بلا خصائص فنيّـة إلى ولوج الموضوع بمحاذيره. ذلك الخيط الرفيع الذي يجب أن تمشي عليه دون أن تسقط في أي من جانبيه لا يزال أمامها لكنه لم يعد حيادياً كما بدأ. فالجيّد هنا هو أن الفيلم لا يسعى لإرضاء أطراف بل لسبر التراجيديا الكامنة في وضع شاب انتقل من حب مفعم للنجاح، الى العودة إلى شرنقته البيئية وثقافتة الأولى بعدما اكتشف أنه لم يعد مرغوباً به حتى وإن تصرّف كما يرغبه الغرب أن يتصرّف. 
مع نهاية الفيلم (حينما تقع مفاجأة ختامية تضع الصحافي في مأزق أخلاقي) يصبح واضحاً أن المشاهد لا يستطيع البقاء حيادياً. بل هو آيل إلى قبول موقف الفيلم الذي يوحي بأن الولايات المتحدة مسؤولة عما يحدث إليها كما التطرّف مسؤول عما يحدث له، او رفضه وذلك يعني الوقوف مع التطرّف او مع الولايات المتحدة وأسلوبها في المواجهة.
لكن حب نير للفولكلورية يعاود الإطلاق برأسه ولو مرّات قليلة. إنها تستخدم الغناء بالأوردية كلّما اعتقدت أن المشهد عليه أن يصل إلى ذروة انفعال عاطفي كبير (كما الحال حين يغادر جانغيز تركيا بعد تقديم استقالته، او ذلك الذي يليه بعد زيارة صديقته إريكا الأخيرة له). بذلك تعود إلى ثقافتها التعبيرية الخاصّة. تلك الهندية المتأصّـلة في الأفلام المختلفة: توظيف الغناء كخلفية للحدث من أجل تعميق الإستقبال العاطفي لدى المشاهدين- مع اختلاف لا يعمل لصالحها هنا وهو أنها تتعامل مع جمهور معظمه غربي يكفيه رصد المشهد من دون تلك الخلفية.
إلى ذلك، وأحد هنّات الفيلم الأسلوبية هو أن الكاميرا (غالباً) تستوحي من مضمون اللقطة حركتها، فهي تتحرّك محمولة ومنتقلة إذا ما كان هناك لغط في المشهد المصوّر، وثابتة حين يخلو المشهد من تلك الحركة. هذا يخلق تفاوتاً مستمراً وفجوة ولو أن التصوير ذاته (قام به دكلان كوين) بارع وجيّد.
كذلك جيّد الممثل ريز أحمد الذي يكاد يخلو الفيلم من مشهد لا وجود له فيه. هو المحور والفيلم هو تقديم لطاقة قد لا تبقى بعد اليوم بمنأى عن سعي هوليوود للإستعانة به، وهو كان ظهر في فيلم آخر من تمويل "مؤسسة الدوحة للفيلم" وهو «الذهب الأسود" لكنه هنا يتولّى البطولة منفرداً.



حسابات "الدوحة"
º فيلم الإفتتاح لميرا نير  هو من تمويل "مؤسسة الدوحة للفيلم" التي تم تأسيسها قبل سنوات قليلة. خلال هذه السنوات أقدمت على تمويل او المشاركة في تمويل مجموعة لا بأس بها من أفلام بينها، عربياً، "وهلّق لوين؟" لنادين لبكي، و، أجنبياً، «ذهب أسود» للفرنسي جان-جاك أرنو.
«ذهب أسود» مثل «الأصولي الممانع» يحمل إسم التونسي طارق بن عمّار كمنتج. ما يعنيه ذلك هو أنه استلم مهام الإنتاج وتنفيذه لكن التمويل (في غالبه على الأقل) جاء من مؤسسة الدوحة السينمائية.
«ذهب أسود» لم يكن فيلماً رديئاً، كما وصفه عدد كبير من المعنيين، لكنه كان أقل علماً بالكيفية التي عليه أن يسبرها لتقديم فيلم يريد إظهار خصال الإسلام والعرب على نحو صحيح. كانت الرغبة هو تقديم هذا الوجه جيّداً، لكن السيناريو (وضعه المخرج وألان غودار ومينو ماييس عن رواية لهانز رويش) لم ينجح في صياغة لقاء متين بين المضمون والشكل. بقي الفيلم مغامرة في بلاد العرب أكثر منه إعادة رصف لحقيقة تلك البلاد. صراع بين القبائل أكثر مما هو رغبة في ردم تواصل مفقود بين الشرق والغرب. وفي نهاية المطاف غرقت السفينة بما حملته من دون أن يتمتّـع بالكثير من النجاح لا نقدياً ولا جماهيرياً.
لكن المستقبل المرصوف هنا مختلف. ميرا ترصد بعناية أوجاع الحاضر السياسي. تدرك تماماً أين يقف الإسلام الصحيح ومخاطر الإسلام المتطرّف وكيف يعجز الغرب عن التفرقة بينهما وهو يمارس سياسة واحدة حيال كلاهما تقوم على مبدأ: أقتل أولاً ثم أسأل ثانياً.
هذا في عرف الفيلم الذي، ومن وجهة نظر إنتاجية محضة، لديه فرصة للوثوب إلى عرين الأشهر الثلاث المقبلة توزيعاً وعروضاً وبل يقف كواحد من أكثر الأفلام الحديثة كإحتمالات دخول مسابقات الموسم السينمائية بما فيها مسابقة الأوسكار.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2012
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system