أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Jun 23, 2012

ٌYear 6 | Issue: 727| الناقد وفلسفة الفيلم 3 | سينما ديفيد لينش الغريبة | ضربة البداية لشوكت أمين كوركي | الأدوار البوليسية لهمفري بوغارت | نولان في آخر باتمان

 عناوين                                                                     
عدد التذاكر المباعة من فيلم "678" في فرنسا وصل إلى 162,583 تذكرة. عدد النسخ الموزّعة إرتفع إلى 177 نسخة (الرجاء الإشارة إلى هذا المصدر حين النقل عنه).
----------------------------------
• يقوم المخرج  التسجيلي  شيريل توشي بالتحضير لفيلم عن جوليان أسانج اللاجيء حالياً إلى سفارة الإكوادور طلباً للجوء سياسي هرباً من ملاحقته القضائية لأسباب معظمها سياسي (تسريبات ويكيليكس). شيريل توشي كان قام بتحقيق فيلم سابق عن الموقوف الروسي ميخائيل كودوروفسكي.
----------------------------------
• المخرج البريطاني بيتر غريناواي أعلن، خلال "فورام المنتجين" التي أقيمت في موسكو مؤخراً، عن اقترب موعد البدء بتصوير فيلمه المقبل «طعام من الحب» Food of Love. قال في مؤتمر صحافي "قطعة موسيقية لفيفالدي كانت السبب في هذا المشروع".
--------------------------------
• الممثلة أنجيلا باست ربحت دوراً رئيسياً في فيلم أنطوان فوكوا الجديد «أوليمبوس سقط»: تشويق تدور أحداثه في البيت الأبيض



الناقد وفلسفة الفيلم | محمد رُضـــا
ــــــــــــــــــــــــــ 3 ـــــــــــــــــــــــــــ     
مفهوم اللقطة | رمز/ لا رمز


 السينما لقطة تبدأ وتتوالى وتنتهي على
نحو من تجميع اللقطات. ما هو مفهوم اللقطة
الواحدة؟ الرحلة من البداية.

كل فيلم يبدأ بلقطة، وهناك لقطة واحدة لبعض الأفلام كالقصيرة جدّاً، كذلك هناك محاولات لتأليف فيلم طويل من لقطة واحدة. مفهوم اللقطة هو بدء التصوير على موضوع معيّن. فترة تصوير الموضوع المعيّـن هي ما تسمح للقطة بأن تكون قصيرة او طويلة. من ثانية او من عشر ساعات أو عشرة أيام إذا ما كان هناك سبيلاً (وتقنياً هناك سبيل)
مفهوم اللقطة إذاً له بداية (فتح الكاميرا على…) ونهاية (نهاية اللقطة بتوقّف التصوير)، وكل لقطة في الفيلم المؤلف من أكثر من لقطة، وهو كما نعلم الشكل الغالب، باتصالها مع اللقطة المختارة بعدها تشكل الفيلم. هذا هو أمر بدهي بالطبع لكن أي لقطة تشكل أي فيلم؟
سآخذ اللقطة الأولى من فيلم ستيفن سبيلبرغ «لائحة شندلر»: كلوز أب على يد تشعل الشمع. اللقطة الأولى لا تؤلّف بحد ذاتها مفاداً، لا في هذا الفيلم ولا في أي فيلم آخر، الا إذا كانت لقطة أولى وأخيرة. إذاً لنقل أن أحداً أخرج فيلماً من 30 ثانية عن يد تشعل الشمع. كونها لقطة واحدة عليها أن تتضمن المفاد الذي هو رسالة ذات معنى. هذه الرسالة ذات المعنى قد تكون، لدى مخرج آخر، لقطة لأرنب يأكل او شمس تغيب. ما لدينا بالتالي هو رمز باهت (الأرنب الذي يأكل) ورمز مكثّف (الشمس التي تغيب). التباين يعود إلى الصورة الذهنية التي نحملها عن الأرنب وعن الشمس. أرنب يأكل لا يعني الكثير فالكل يأكل والأرنب، أو عملياً أي حيوان آخر، سواء في هذه الممارسة. فعل على مستوى سطحي. لكن الشمس الغائبة فعل على مستوى آخر لأن الصورة الذهنية لدينا تعاملت مع غياب الشمس (او شروقها) من زوايا مختلفة. 
Shindler's List                                                                             

هي، بالنسبة للبعض، وقت للأسى على يوم مرّ. بالنسبة للبعض الآخر ربما إيذاناً بنهاية فصل مأسوي او غير مأسوف عليه. بعض ثالث (بينهم من يحمل فكراً ماركسياً مثلاً) غياب الشمس وما ينثره من ألوان يعتبرها فريق رابع جمالية، او تثير عن الفريق الأول والثاني مشاعر حزينة او فرحة، ما هو إلا فعل علمي محض له أسبابه التي تكوّن لون السماء والسحاب والظلال المتدرّج وكلّـها له دواعي ومصادر علمية بحتة فقط. إذا هناك لقطة لشمس غائبة (ولنفترض أنها لقطة أحسن اختيارها وأحسن توقيتها وتصويرها) وما تعنيه لخمس أشخاص يشاهدونها قد يكون مختلفاً من شخص لآخر حسب المفهوم العائد إلى الثقافة والعوامل الظرفية والذهنية التي تجعل المشهد الواحد يعني شيئاً مختلفاً لكل منهم.
لقطة ستيفن سبيلبرغ وحدها ليست من النوع الباهت. يد تحمل عود ثقاب وتضيء شمعة. لو انتهى الفيلم عند هذا الحد لحمل الفيلم ذي الدقيقة معنى خاص ومحدد بتلك اللقطة: الإنسان يضيء طريقه. هي ليست عن عود الثقاب ولا عن الشمع ولا عن حركة اليد، بل هي تتألّف من كل هذه العوامل بالإضافة إلى الوقت من اليوم والمسموح به من النور او المختار من حركة الكاميرا وزاويتها وحجمها والمكان الذي تقع فيه اللقطة.
كَت! لابد أن المخرج بعد ذلك يقول. لقد انتهى مفاد اللقطة ويأمر هنا المخرج بالإنتهاء منها استعداداً للقطة التالية- هذا بالطبع الا إذا كانت اللقطة المذكورة تستمر لما بعد إشعال الشمع. لكني سأفترض هنا أن اللقطة توقّفت عند هذا الحد إختيار المخرج للقطة التالية (مبرمج على "الشوتينغ سكريبت") هو لتوسيع مدار اللقطة الأولى. هنا سنرى أننا في منزل يهودي يستعد للإحتفاء بقرب حلول يوم السبت. إذاً بات لدينا أكثر من وضع يستحق الإنتباه:
  لقطة أولى لشمعة تعني إضاءة إنسان لطريقة (وطريقه رمزي او فعلي لا فرق). اللقطة الثانية لتكمل: إنسان يضيء طريقاً للإحتفال بطقوس معيّنة. 
عند هذه اللقطة الثانية أختلف المضمون. غاب المعنى الأول حين وضّح الفيلم المناسبة. لم يغب كلّياً بعد، وبل لن يغب بكامله مطلقاً. لكننا الآن أصبحنا على مفترق جديد.
اللقطة الأولى جزء يعود إلى فعل لا رواية فيه. مع التوسّع من اللقطة الثانية وما بعد نتدرّج في التحوّل من لا رواية إلى مطلع رواية وهذا ما يساعد على الإنتقال من فعل كلّه رمزي الى آخر يتراجع الرمز عنه. 
لو أن سبيلبرغ بدأ الفيلم بلقطة عامّة داخل المنزل وحركة من فيه فإن الذي سيحدث كان تغييب الرمزية تغييباً كاملاً، ما يجعلنا نتساءل عن سبب إختياره لقطة اليد والشمعة كبداية، وليس لقطة عامـة للمنزل نرى فيها الشخص الذي يحمل الكبريت ويضيء الشمع (وقد يكون أكثر من شخص) او على الأقل لقطة متوسّـطة للشخص تلاحقه الكاميرا في أرجاء البيت كعادة الأفلام التي تصوّر "غرسون" المقاهي في الأفلام: الكاميرا عليه وهو يحمل الصينية ويمر بين الكراسي ويصل إلى الطاولة ويضع عليها المشروبات. الكاميرا- عادة ما تستريح عند تلك الطاولة لأن ما تريده كانت تعريفنا إلى من يجلس عليها.
القرار إخراجي بالكامل حتى ولو كان السيناريو (وليس السيناريو التنفيذي او الشوتينغ سكريبت) يقترح بداية كهذه (وعادة لا يفعل). وهو نص على لقطة قريبة (كلوز أب) ينتقل بعدها إلى ما هو أكبر ولديه طبعاً طريقتان: ترك اليد تبتعد والكاميرا تبقى في مكانها فإذا بنا نكتشف الشخص، او القطع إلى لقطة أخرى أكبر
كما ذكرت مع تقديم اللقطة الأخرى يخبو رمز اللقطة الأولى لكنه لن يغيب: الفيلم عن الهولوكوست والغاية منه إظهار الفعل الديني اللاحق كمصدر روحاني. اللمبة الكهربائية صناعية. الشمعة روحانية. هي الأصل بين أدوات الإنارة ما يجعل رمزها تنويرياً خالصاً. البداية بذلك مع تلقينا الفيلم لقطة لقطة، مشهداً مشهداً، تعني إحتفاءاً باليهودية التي تقف موقف الند للنازية: إنارة وتعتيم.
ما ذكرته هنا هي طريقة عملية لقراءة أي فيلم عبر تفكيك اللقطات. وهو ينطلق من فهم معنى اللقطة كحالة ثم مفادها منفردة ثم متابعتها بما سيليها.  المعضلة أمام الناقد المتخصص أنه يُشاهد ليكتب سريعاً ولا يُشاهد ليدرس لكنها معضلة تستطيع أن تكون مؤقّتة بمجرد أن يُعيد المشاهد عرض الفيلم ودراسة كل تنفيذ يقوم به المخرج والبحث عن سببه. 

وللحديث بقيّـة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

      سينما ديفيد لينش: المخرج ضد العالم       




أحد كبار فناني السينما المعاصرين غائب

عن العمل، لكنه لا يغيب هنا عن الذكر.




هل ينتهي ديفيد لينش نهاية كن راسل؟ في العقدين الأخيرين تراجع طرح المخرج البريطاني الراحل قبل سبعة أشهر ولم ينفع الفيلم الروائي الطويل الوحيد الذي أخرجه في التسعينات عاهرة»- 1991) ولا بضعة أفلام تلفزيونية قصيرة وطويلة في إعادة طرحه كفنان حاضر ومهم. 
ديفيد لينش بدوره متوقّـف عن إنجاز الأفلام الطويلة منذ سنة 2006 عندما قدّم Inland Empire (الإمبراطورية الداخلية) لكنه نشط في تحقيق أفلام قصيرة بلغ عددها عشرة منذ تلك السنة. قليلون يتحدّثون عنه. أهو منسحب باختياره او مكرها؟
نقطة البداية بالنسبة للينش وردت سنة 1966عندما بدأ تحقيق الأفلام القصيرة. الفيلم كان «الأرقام الستة تمرض»  Six Figures Getting Sick تبعه بـ "الألفابت" (1968) ثم «الجدّة» (1970) و«المبتور» (1974). في العام 1976 أقدم على تحقيق فيلمه الروائي الأول
Earaserhead                                                            

الفيلم هو «الرأس الممحاة» (Eraserhead) واحد من أغرب الأفلام التي طُبعت على أشرطة في التاريخ. هو أيضاً واحداً من أكثر أعمال ديفيد لينش خصوصيّة إذ أنجزه بعد أن أنجبت زوجته طفله الأول. طفله وُلد طبيعياً وذو شكل طبيعي، لكن الطفل في «الرأس الممحاة» غير طبيعي. كتلة لحمية. السبب هو أن المخرج وضع أحداثه في عالم مختلف وإن لم يكن مئة بالمئة غريباً. عالم صناعي مليء بالبخار وأصوات الموتورات. كذلك هو عالم صناعي غير تقني. عالم صناعي فقير. مظلم. منازله من بنايات وحجرات صغيرة وأصوات ذلك العالم تعيش في داخله. مثل هذا الوضع لا يمكن أن يخلف أناساً طبيعيين وطفل بطله ليس طبيعياً، لكن في الأساس والده أيضاً ليس طبيعياً ولو أنه ذو شكل إنساني وبشري. والرمزية لا تنتهي هنا. شكل الطفل يشبه عضو الإنساني الذكوري. يزعق طالباً الإهتمام. يفرض نفسه بقوّة على عالم أبيه. إنه رمز للجنس عند الأب الذي لم يعد يستطيع أن يتعايش وإياه في عالم لا يعرف الحب بل ميكانيكية المعاشرة. في هذا الفيلم وفي سواه، يحفر المخرج طريقه متجاوزاً القشرة الخارجية التي لها إسم آخر "الحضارة" وينفذ إلى الداخل ليعرض "الوحشة". أبطاله عموماً ما ينظرون بتعجّـب لما يدور. بطلنا هنا يمعن في حالات عجيبة. لا يتعاطى لينش مع الفانتازيا ولا مع الخيال العلمي، ولا حتى مع الرعب (ولو أن «الرأس الممحاة» يمكن تصنيفه كواحد منها حين لابد من التصنيف) بل مع خيال ينتج عنه كل شيء آخر. وهو خيال فنان يعيش في عالم لا يرى منه خلاصاً الا بالركض إلى الأمام فيه.
الفيلم حكاية بطلها شخص أسمه هنري (جاك نانس) على علاقة بماري (شارلوت ستيوارت) ولديهما طفل أنجباه موجود في المستشفى (مطلع الفيلم مشهد مضاجعة وولادة الطفل المشوّه). على العشاء هناك وليمة دجاج، لكنه دجاج صناعي لا يزال يتحرّك. الأم تطلب منه الزواج من إبنتها ثم إخراج الطفل من المستشفى حيث هو الآن. هذا ما يفعله هنري وها هو الآن في بيته الصغير (حجرة واحدة) مع زوجته وطفلهما. لكن الطفل المشوّه لا يتوقّف عن الصراخ مطلقاً ما يدفع بماري العودة إلى أمّـها ويبقى هنرى وحده مع أوضاع هي نصف وهمية ونصف حقيقية (ضمن منظور الفيلم) إلى أن يعمد إلى المقص ويقتل طفله. لا ينتهي الفيلم هنا بل بهلوسات هنري ومخرج الفيلم. بإشارات توحي بأسئلة المخرج حول الخلق والحياة من دون جواب محدد.
قيام هنري بقتل الطفل مستخدما المقص هو رمز لقيامه بإخصاء نفسه. في إشارات أخرى، نجد هنري ينظر مباشرة إلى الكاميرا. ثم يخلع حذاءه المبتل وجواربه ويضعها على جهاز الرادياتور القديم لكي ينشفها من التبلل. هناك أشرطة كهربائية تخرج من الجهاز. هل هي إشارة إلى أن هنري حاول قتل نفسه؟ لكن هناك أيضاً على الجدار صورة لإنفجار نووي. هل نحن في عصر ما بعد القنبلة؟
الفيلم متقشّف بالأبيض والأسود بدأ العمل عليه سنة 1971 وانتهى سنة 1977. بعد كتابة سيناريو مؤلّف من 22 صفحة (الفيلم من 85 دقيقة) بدأ لينش التصوير، ثم توقف لنفاد الميزانية (بضعة آلاف) لنحو عام. ثم عاد ثم توقّف وهكذا حتى انجزه في السنة الخامسة. خلال تلك السنوات لم يكن لينش بقادر على أن يتركه على نار هادئة وينصرف لمشروع سواه. إنه فنّان عليه أن ينجز ما يعمل عليه أولاً. حين انجز الفيلم طلبته هوليوود  لمشروع مستقى من كتابين حول "الرجل الفيل": مسخ آخر في عالم اليوم تبعاً لحكاية ذات خلفية واقعية: رجل مشوّه برأس على شاكلة رأس فيل. في مطلع الفيلم هناك جرّاح يقوم بعملية إنقاذ حياته وهو يعبّر عن سخطه بلوم "الآلات"، إذاً، العالم الصناعي القاتم والخالي من الحس الإنساني هو الذي شوّه الرجل الفيل (قام به البريطاني جون هيرت) وخلق له مشكلة بينما جعله أيضاً مشكلة للآخرين.

المثير للملاحظة هنا هو أننا حين نشاهد «الرأس الممحاة» ثم «الرجل الفيل»  (1980) نجدهما متقاربين في إدانة عالم صناعي، والتقارب يشمل أيضاً ذلك الجنوح لتكوين عالم داكن لا أمل فيه. لكن الإختلاف كامن، من بين عناصر أخرى، في أن الفيلم الأول يتخيل عالم ما بعد نووي، بينما أحداث «الرجل الفيل» تقع في الماضي. في العصر الفكتوري حيث كانت الآلة بدأت عملها لإفراز عالم جديد.
يتعامل هذا الفيلم مع محاولات المحيطين استغلال مأساة الرجل- الفيل وهذا هو جحيمه الخاص، ومع الصورة الإجمالية للعصر الذي يراه فينش بدأ يتهاوى بسبب خلوّه من العنصر الإنساني. إنه لفتة مثيرة للإهتمام أن تطرح عقداً كانت فيه الثورة الصناعة في نشاطها ممتدة في كل الإتجاهات والحقول، ثم تصوّره على أنه النهاية في الوقت ذاته. وهذه النظرة الفريدة لا تتناقض ورؤية شخصيّته الرئيسية (ذلك الرجل المشوّه وأسمه جون ميريك) للحياة. ما يصنعه لينش هنا هو تقديم العالم من وجهة نظر بطله المشوّه عوض تقديم العالم حاوياً إياه والآخرين المحيطين به على حد سواء. لميريك أحلامه وتمنياته البريئة. عاتب على نفسه إذ يظن أن خلقته على هذا النحو كانت بفعله، بينما هي عائدة إلى ذات العوامل التي قدّمها لينش في فيلمه الأول عن إبن بطله. لكن ميريك هنا رجل حقيقي ليس لديه أي مكان يلجأ إليه (بإستثناء الرجل الذي يحاول مساعدته على الحياة وهو الدور الذي لعبه أنطوني هوبكنز) وهذا يأخذه معه إلى مسرحية تمثّل مباشرة انتقال ميريك من عالم قاس يعاني فيه الأمرّين إلى عالم فانتازي قيمته في أنه ليس حقيقياً. 
وجهة لينش تبدو هوليوودية مع اختياره ليكون مخرج فيلم خيالي-علمي بعنوان «كثبان» Dune المأخوذ عن رواية لفرانك هربرت (لا زالت متوفّرة إلى اليوم) الذي وصلت ميزانيّته، سنة 1984 إلى نحو خمسين مليون دولار وهو ما لم يكن مسموحاً به آنذاك. النتيجة فنيّاً متنازع عليها (رأيي الشخصي إنه فيلم ذكي وجيد التكوين) أما تجارياً فإن الجمهور لم يقبل عليه بحجم إقباله على فيلم جيمس كاميرون ذي القراءة السهلة «ترميناتور» او كالذي ناله «ستار وورز- عودة الجيداي» في العام الذي قبله. نعم فيه كل العناصر المساعدة للنجاح: حكاية صراع بين الخير والشر فوق كوكب مستقبلي، معارك، تكوينات تصميمية لافتة. لكن الصياغة كانت غير كافية للجذب. جمهور الأسبوع الأول خرج ليعلن عدم إعجابه (وعدم فهمه؟) والمفهوم انتشر ولم تنفع الدعايات المكثّفة التي شهدها الفيلم. بالنسبة للمخرج، عوض ركوب الموجات الخيالية وتوفير ما ينتج عادة عنها من تشويق، مال إلى رصد العالم في متاهاته وتصوير شخصياته في أكثر حالاتها حدّة وقسوة. 
استخدمت وصف "ذكي" و"جيد التكوين"، والمعنى هنا هو أنه فيلم يحمل أسلوب عرض لأفكاره بطريقة لينش الفنية التي لا يمكن تجاهلها، وهو جيّد التكوين كتصاميم تحمل رموزاً تتصل وعالمنا الحاضر وما يشغلنا فيه. لكنه في النهاية ليس عملاً جيّداً بالكامل. المحاولة الجسورة لدمج عالمين (عالم لينش وعالم الخيال العلمي) نتج عنه سقوط الفيلم في استرسال شرح والكثير من الضجر. هذان العالمان لم يتآلفا وسقطا معاً.
لولا أن المخرج كان لديه عقد ينص على أن المنتج دينو ديلارونتيس سيموّل فيلمه التالي، لوجد لينش نفسه بلا عمل. ذلك العقد أجبر ديلارونتيس على قبول الهزيمة التجارية والسماح للينش بتحقيق الفيلم الذي استعاد فيه المخرج مكانته كما سنرى في الأسبوع المقبل.

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"ضربة البداية" لشوكت أمين كوركي
تشويق الحياة قبل تشويق الحكاية
محسن الهذيلي
الحب فوق النزاعات والعصبيات والعناصر الإثنية
هو محور فيلم جديد يكشف الناقد محسن 
الهذيلي عنه هذا الأسبوع.
فيلم "ضربة البداية"، للعراقي شوكت أمين كوركي، واحد من أجمل الأفلام التي يمكنك أن تشاهدها
يصور الفيلم قَدَرَ شاب كردي جعله حبه لفتاة ربما تنتمي إلى غير إثنيته أن ينفتح على عواطف ومشاعر فوق الإثنيات والاصطفافات الطائفية والحزبية. وقلنا "قَدَرٌ" لأن الفيلم يصور قَدَرَ الحياة وإيجابيتها ولطافتها حتى وهي تنشأ بين براثن حرب عمياء لا تعرف أين تضرب، فبعد أن ذهبت الحرب بساق الشقيق الأصغر زهقت روح الشقيق الأكبر وهو بصدد الانتصار على الكراهية، ذاك الدافع لكل الحروب. وقد كان الانتصار كما قلنا بسبب الحب وكذلك بسبب ممارسة لعبة كرة القدم ضمن الروح الرياضية وقوانينها المعتمدة و"حَكَمٍ محايد"، وهي إشارة من المخرج لتكون مثل هذه المبادئ هي أساس التعاطي بين البشر.
فوق تميز الفيلم بهذه القصة الإنسانية وبأسلوب طرحها اللطيف والطريف سينمائيا، بدى (الفيلم) مكتنفا للعديد من المفاجئات الجميلة، لعل أولها موضوعه
وسبب أن يكون موضوع الفيلم مفاجئا، أنه يراوغ في مضمونه كل انتظارات الجمهور، فبالنسبة لفيلم أخرجه رجل كردي وجزء من إنتاجه كردي وأغلب ممثليه من الأكراد وصور في كردستان، كنا ننتظر أن لا تخرج طروحاته عن دائرة إشكالات ومشاغل هذه الفئة من العراقيين التي عانت المظالم بسبب كونها مختلفة اجتماعيا وثقافيا ولأنها طالبت يوما بحقها كاملا في المواطنة أو في الاستقلال. في ظل هذه الانتظارات، وعندما نجد أن موضوع فيلمنا إنما يتمحور حول قيمة التقارب والتعايش وليس الانفصال، وأن ذلك يأتي من أحد أفراد تلك الفئة العراقية المتضررة إلى الحد الذي أصبحت لا تحلم فيه إلا بالانفصال، فإن ذلك لا يتركنا دون إحساس بالمفاجئة، وهي مفاجئة سينمائية بالأساس لأن مثل هذه الاختيارات للموضوع إذا تكاملت مع طرح درامي متقن تعطي للفيلم جوه وعبقه النفسي والروحي والوجداني
لقد صنع الاختيار الموضوعي في "ضربة البداية" لشوكت أمين كوركي سحر الفيلم، لأنه عزز من الاعتقاد بقدرة الإنسان على التجاوز واللقاء بغض النظر عن التاريخ والثقافة والسياسية ومهما كانت السلبيات التي أحاطت بهم
تجري أحداث الفيلم في ملعب مهجور لكرة القدم استوطنته أعداد غير قليلة من العوائل العراقية ذوات الإثنيات المختلفة. أمام هذا المكان، وحين نعلم أن لعبة كرة القدم سوف تحضى بالجزء الأكبر من وقت واهتمام الفيلم، فإنه من السهل علينا أن نتخيل أن في هذا الاختيار بعض سهولة في التعاطي مع إشكالية الفيلم، تصوير ممارسة كرة القدم في ملعب كرة قدم!!! كم يبدو الأمر مبسطا ودون جهد إبداعي حقيقي، ولكن الأمور لم تجري كذلك في الواقع، لقد عمل شوكت أمين كوركي على عدم استحضار رياضة كرة القدم في فيلمه -بغض النظر عن إطار تصويره الذي هو الملعب- إلا بعد أن أنسانا هذا الإطار بطرحه للمكونات الأساسية في الفيلم والمرتبطة ابتداءا بالشخوص وحكاياتهم.
ولتوضيح ما قلنا علينا أن نرجع أدراجنا إلى بداية الفيلم، حيث استفتح كوركي مشاهده بصورة رجل راكب على دراجة نارية وطفل رديفه، لم نكن نرى وقتها ملعب كرة القدم، كنا في الطريق من المدينة وأخذتنا الكاميرا في جولة مطولة نسبيا من خلال مشاهد بعيدة وواسعة، في وقت من الأوقات وجدنا أنفسنا وسط الملعب، كنا نلاحق الدراجة على خلفية المدارج القديمة والتي كانت تملؤ اللقطة وتزينها، كانت دراجتنا تمشي في مسارات الركض المهجورة، وكنا نلاحظ أن للملعب المهجور سكانا جددا يقطنون أكواخا من الصفيح، ولكن ما كان يهمنا أكثر دراميا هو تينك الشخصيتين اللتين كانتا تستقلان الدراجة النارية وتتجهان إلى مكان ما.
انتهت الدراجة النارية في الأخير إلى إحدى بيوت الصفيح المعمورة، داخل هذا المكان وفي ظل بيت العائلة تعرفنا على صاحب الدراجة الذي هو بطل فيلمنا، وتعرفنا على الطفل الذي كان معه وهو شقيقه، كما تعرفنا على أحد الأصدقاء وهو ذلك الرجل الثخين جدا الذي تربطه ببطلنا علاقة ود وصحبة، ونحن نتقدم في الفيلم ولا نبرح جزءه الأول استكشفنا علاقة بطلنا بجارته، تلك الفتاة المتعلمة، إطلعنا أيضا على ظروف بطلنا الاجتماعية والمادية، كما تعرفنا على مأساة ذلك الطفل الذي فقد إحدى ساقيه وعطف ورحمة شقيقه الأكبر به ورعايته وله، من التفاصيل الأخرى التي كانت لها أهميتها في تصوير الحياة ورسوخها في المكان -وهي بالفعل طريفة- تلك الشجيرة النابتة عند مدخل الكوخ الصفيحي بيت بطلنا
كل هذه المعطيات عن أبطال فيلمنا وعن حياتهم (ومن بينهم نساء وأطفال وهذا مهم جدا) جعلتنا ننغمس بقوة في مسألة الروابط العائلية والانسانية ودفئ الحياة رغم ظروف الحرب ومآسيها المختلفة، علما وأننا لم نكن حينئذ نشعر بالحرب بدرجة أولى، فهي لم تكن تظهر لنا إلا من خلال عبور تلك المروحية لسماء ملعبنا، وهو أمر جعلنا أيضا نتكهن بارتباط فقد الطفل لساقه بهذه الحرب، ولكن كان ذلك مجرد تكهن، لأن المخرج سوف يعمل بهذا السر ولا يميط اللثام عنه إلا أواخر الفيلم، ضمن وعي جميل بوقت الفيلم وكذلك بارتباط السر بإشكاليته المتعلقة بلعبة كرة القدم، كما سوف نرى.
إن ما أحسسناه بقوة في هذا الجزء من الفيلم هو الحياة والعلاقات الانسانية المنسوجة بلطف، رغم أننا كنا نعرف أنها لن تدوم طويلا وأنها مؤقتة وطارئة نظرا للحضور المتكرر لأولئك المسؤولين والعسكر وإلحاحهم على الناس أن يغادروا الملعب
تركيز الفيلم في هذه الفترة منه على تصوير العلاقات الإنسانية وعلامات الارتباط بالمكان مثل زرع تلك الشجيرات عند مداخل البيوت ووجود بعض الحيوانات الأهلية مثل الغنم والمعز والخيل والكلاب والحمائم، تركيز المخرج على هذه الذوات وبعض الوشائج التي تربط بينها كان بهدف أن لا يبدو فيلمه مرتبطا بشكل مباشر جدا بالمكان
هكذا، وحتى إذا عدنا بشكل فعلي إلى ملعب كرة القدم وإطاره المسيطر لم يحدد ذلك لنا جو الفيلم وإطار الحياة فيه، حيث بدى لنا الملعب كمكان أو ساحة عامة، يشبه أي مكان عام في مدينة أو حي، ونظرنا إليه وشعرنا به بالفعل على أنه ساحة الحي أين يجتمع الناس ليزاولوا بعض النشاطات، لذا حين طرحت مسألة مشاهدة مقابلة الفريق الوطني العراقي لكرة القدم على الشاشة وعند عوارض المرمى بالذات، لم نفكر أننا نشاهدها في ملعب لكرة القدم وإنما في الساحة العامة لمكان يسكنه مجموعة من اللاجئين العراقيين، وقد قوى إحساسنا هذا إلى جانب ما ذكرنا وجود بعض المشاهد التي صورت في الملعب مثل مشهد ذاك الشيخ الذي جلس على أرضية الملعب المصنوعة من مادة "التارتون" البلاستيكية وهو يقطع أجزاءا منها رأيناه في مشهد لاحق يفرش بها أرضية بيته، ذلك الشيخ في طرافته وبخله عرفناه ضمن حواره مع بطل فيلمنا في الملعب ومع حفيده في بيته عندما جاءه يطلب منه نقودا لمشاهدة عرض مقابلة فريقي العراق والسعودية على الشاشة، إن هذا التقديم للشخوص من خلال هذه الخصائص والصفات الشخصية والعلائق الانسانية أكد على ذاك البعد العاطفي والعلائقي الذي كان يسيطر على الجزء الأول من الفيلم بحيث أعطاه جوه النفسي والعاطفي وجعلنا نحس بالسكن وبكوننا في اجتماع إنساني بالدرجة الأولى

هناك مشهد آخر عمق لدينا هذا الإحساس وهو مشهد ذاك التخاصم على الماء والذي بدى وكأنه يجري في قرية، وقد استخرجت فيه بعض الأسلحة النارية وشارك فيه صاحبنا الثخين جدا، لقد انتهى هذا المشهد بعد ذاك الشجار بالأيدي والهراوات بهروب شاحنة الماء والناس من ورائها يريدون القبض على خرطومها تجره وراءها
أجواء القرية هذه زينها المخرج بين حين والآخر بذلك الحضور الإنساني لـ"معتوه القرية"، ذاك الذي لبس وجها جديدا غير وجوه معتوهي أفلامنا القديمة فبدى وهو شاب ذو ملابس حديثة وأنيقة نسبيا أقرب في هيئته إلى مثقف أو فنان.
ثم بعد ذلك وقد انتهى المخرج من اطلاعنا على شخوصه وحيواتهم اليومية انطلق بنا في طرح قضية فيلمه التي ارتبطت فعلا بممارسة كرة القدم، وذلك ليس من خلال عرض مقابلة الفريق الوطني العراقي الذي يمثل كل العراقيين وقادر بالتالي على استقطاب وجمع كل سكان "القرية" وإنما من خلال دورة تنافسية نظمها بطل فيلمنا بمساعدة صديقه الثخين جدا والحيوي جدا
عندما وصل الفيلم إلى تصوير مباريات كرة القدم شديدة التنافس بين لاعبين من إثنيات مختلفة وفي ملابس رياضية من ألوان شتى، لم تختفي عن أنظارنا تلك الحياة والعلاقات الإنسانية، خاصة وأننا كنا نرى خلال ذلك مغادرة عائلة الفتاة التي تعلق بها صاحبنا وأحسسنا بحزنه عليها، كما نتابع كذلك حزن الطفل ذو الساق المبتورة وهو يشاهد المقابلات. أثناء إحداها رأينا كيف تضامن اللاعبون مع بعضهم رغم التنافس بينهم، فقد قام حارس مرمى فريق التركمان بتعويض حارس مرمى فريق الأكراد الذي أصيب أثناء المباراة ضد فريق العرب، لقد فعل ذلك رغم رفض قائد فريقه
هنا ونحن نتحمس ضمن رغبتنا الغريزية في مشاهدة هدف والتعرف على الغالب، لم يستجب شوكت أمين كوركي لأي من غرائزنا، وإنما حول أنظارنا إلى الصبي الذي أمكنه في الأخير التغلب على رغبته في الانتحار، رأيناه يستذكر حزينا صورة فقده لساقه، جمال هذا المشهد لم يكن مرتبطا فقط بموقعه وتوقيته في الفيلم حيث عمل منذ البداية كإحدى أهم ألغازه، وإنما يكمن جماله في ارتباط سر الصبي بقضية الفيلم ولعبة كرة القدم بالتحديد وبالحرب، حيث عرفنا أن قنبلة مزروعة ذهبت بساق طفلنا عندما دخل بسبب حبه لهذه الرياضة في إحدى الحقول الملغومة باحثا عن الكرة الماكثة هناك.
وهكذا وجدنا أنفسنا اتجاه الحياة وتشابك مشاعر وأحلام وإخفاقات الكبار والصغار والتقاؤهم كلهم على ممارسة لعبة، لعبة كرة القدم، فبينما نسي أحدهم انتماءه الإثني كي يعوض زميله المصاب من الفريق المنافس، نسي آخر نفسه كي يأتي بالكرة من بين القنابل المزروعة ويواصل اللعب مع أصحابه.
بالنسبة لنهاية الفيلم فقد جاءت حزينة جدا رغم تجنب المخرج أن يصورها بعنف (وهذا من جماليات الفيلم في الحقيقة) فالفيلم كان يركز على تصوير دفئ حياة الناس في وقت الحرب وليس الحرب في حياة الناس، قلت أن نهاية الفيلم جاءت حزينة رغم أن كل الفيلم مر مرحا وفكاهيا رغم بعض تفاصيله العنيفة، موت بطلنا في تفجير السوق الذي اشترى منه كأس الدورة كان فاجعة لنا رغم أنه كان متماشيا تماما مع نسق الحكاية ومتواسقا مع الواقع العراقي الذي لازال حزينا وفاجعا. وقد ازداد هذا الحزن لموت بطلنا عمقا بسبب توقيت هذا الموت الذي جاء بعد اشراف دورة كرة القدم على الانتهاء بسلام ودون صدامات وكذلك بسبب رجوع تلك الجارة المتعلمة التي أحبها صاحبنا بعد أن غادرت هي وعائلتها التي ربما تكون ذات أصول عربية (فأمها كانت تكلمها بالعربية
بالنسبة لبعض ملاحظاتنا أو مؤاخذاتنا البسيطة على الفيلم والتي ربما تكون قد أنقصت شيئا ما من عفويته وجاذبيته، نسوق التالي:
الملاحظة الأولى مرتبطة بابتعاد الفيلم عن واقعيته الجميلة وانفتاحه في إحدى مشاهده استثناء على رمزية مكررة تمثلت في ذلك الحضور الأول للحصان وهو يجري خلال المكان، هذا الحضور كان اعتباطيا وشكلانيا، حضور الحصان أثناء سير المباراة وسعي اللاعبين لطرده كان أجمل بكثير وساهم من جهة أخرى في ضخ بعض العفوية في فترة من الفيلم بدت أقل عفوية وتلقائية.
الملاحظة الثانية تتعلق بإخفاق المخرج حين إصراره على عدم تصوير أي هدف من مبارياته، نعم كان القصد من ذلك أن لا يظهر لنا أيا من الفرق منتصرا، ولكن كان يمكنه من أجل ذلك أن يرينا سيلا من الأهداف ويرينا كل المنافسين فرحين بأهدافهم، لأنه مع عدم الأهداف تنقص الفرحة ولا يتعمق بريق فكرة الفيلم التي تدور حول الحياة-اللعبة-الرياضة، كما أن عدم الأهداف لا يمكنها أن تبرر لنا انتصار أي فريق على الآخر، وبالتالي يبدو لنا ذهاب بطلنا لشراء ذاك الكأس وفقد حياته من أجله دون مبرر تقريبا، لقد ربط المخرج موت البطل وهو حدث جلل جدا بشراء كأس لم يكن له لزوم دراميا.
على مستوى اللقطات كان هناك تكثيف في الفيلم للقطات الواسعة والمتوسطة، اللقطات القريبة (كلوزاب) كانت قليلة، وربما يرجع سبب ذلك إلى جمال حضور الخلفية المكانية الذي هو الملعب وقدرته على ملئ إطار اللقطة وتنويعها، على كل حال كنا ننتظر في مثل مشهد محاولة الطفل الانتحار أن نراه من خلال اللقطة القريبة جدا ونرى كيف يأخذ الموس من تلك الحفرة الصغيرة في الجدار ونرى الموس بين أصابعه. وربما تجنب المخرج هذه اللقطة القريبة لاختياره كامل الفيلم البعد عن إثارة جمهوره كثيرا. أما في مشهد ذاك الشيخ حين كان يقطع بساط "التارتون" من فوق أرضية الملعب بسكين في يده، هذا الحدث كان يمكن للمخرج أيضا أن يظهره لنا في لقطة قريبة وبذلك يبتعد عن استعمال اللقطة المتوسطة حين يتعلق الأمر بتصوير شخوصه وبعض أفعالهم عموما. الطفل الصغير الثخين وهو يستعمل المقلاع أو قاذفة الحجارة التي استعملها عدة مرات في الفيلم، كان يمكن أن يكون أجمل لو أن المخرج أرانا كيف هي تلك الآلة وكيف يضع الطفل فيها الحجرة وكيف يرمي بها، علما وأن ذلك الطفل وتلك الآلة يذكراننا بشخصية طفل إحدى أفلام شارلي شابلين حين كان يسبق خطوات شارلو ويكسر له الزجاج في اتفاق مكتوم من أجل كسب بعض المال.
الخصومة التي دارت من حول شاحنة الماء، لم تقترب فيها الكاميرا كثيرا ولم تتدخل خلال الأفراد والأيدي لتبدو فيها أكثر تشابكا، الإبقاء على اللقطة المتوسطة أظهر تلك الخصومة أحيانا مثل مزحة أو تمثيلية مسرحية
بالنسبة لأداء الممثلين فقد تميز عموما بالطرافه، وإدارة المخرج لهم وخاصة الأطفال منهم كان موفقا، اشتغال كوركي على ثخانة أحد ممثليه ولَّدَ لدينا عدة أحاسيس شيقة لم يتعلق أهمها بالفكاهة، في إحدى المشاهد دُعِيَ الممثل الثخين جدا للجري لمدة غير قصيرة الأمر الذي أوصل إلينا أحاسيس جديدة تتعلق بممارسة الرياضة وقيمتها، كما جعل في الأمر طرافة انضافت إلى طرافة الأداء وعفويته. بطل الفيلم كان أداؤه هو الآخر عفويا، كما بدى من خلال حركات رأسه ولفتاته السريعة ونظراته الحادة وغير الشريرة أشبه شيء بطائر أو صقر حر وأصيل.
من جهة أخرى كان هناك توفيق كبير من المخرج على مستوى ديكور الملعب القديم وخاصة فيما يتعلق بتأثيثه بأكواخ الصفيح وحالة الشاحنات المستعلمة التي بدت بنت مكانها وزمانها وذلك دون مبالغات، تركيز المخرج على تلك اللعبة الحديدية للتزحلق الخاصة بالأطفال كان فيه بعض الإطالة ولو أن ذلك لم يخرجه عن الجو الدعابي والمرحي للفيلم ورغبة المخرج في تصوير الحياة السعيدة رغم كل المكدرات التي أحاطت بها.
وبما أننا تحدثنا عن ديكور المكان، فلابد أن نتحدث عن المكان نفسه الذي هو ملعب كرة القدم المهجور، فقد أحسسنا مع هذا المكان أننا إزاء قرية أو قلعة منغلقة على نفسها وآمنة نسبيا بسبب انقطاعها عن مدينة تنهشها الحروب وغير مطمئنة، وأكثر المشاهد توفيقا في تصوير ذلك، مشهد رحيل عائلة الفتاة المتعلمة، حيث رأينا بطلنا يصعد مدارج الملعب مسرعا ليرى الشاحنة الحاملة للجارة وعائلتها وأثاثهم، رأيناها من فوق المدارج من حد الملعب على الخارج وهي تمضي وحدها في الطريق نحو الأفق البعيد. أفق أحسسناه بعيدا وغريبا أكثر من اللزوم وذلك لسبب نفسي أنه يكتنف عدم الأمن وملعبنا آمن
بالنسبة للكاميرا التي أرتنا الذوات من فوق والأفق من بعيد لم يكن فعلها ذلك اعتباطيا وإنما مدروسا لأن ذلك ساهم في صنع المشاعر التي ذكرنا. إحساسنا بالغربة تجاه الخارج أحسسناه مرة ثانية بفضل فعل الكاميرا أيضا وذلك في مشهد السوق حين استشهد بطلنا، فقد تصرفت الكاميرا في المكان على استحياء ولم تتلفت حتى حين جرى الانفجار ومات صاحبنا. صحيح أنه كان لذلك دواعيه الإنتاجية والفنية كالضغط على الميزانية وعدم رغبة المخرج أن يصدم جمهوره، ولكن النتيجة الحلوة في النهاية كانت من صنع سلوك الكاميرا.
في الأخير نقول أن فيلم ضربة البداية لشوكت أمين كوركي كان فيلما جميلا جدا وذلك بسبب موضوعه الإنساني واللا شخصاني الذي صور قدرة الناس على التعايش مهما كانت اختلافاتهم الإثنية والتاريخية، وكان الفيلم موفقا بسبب حكايته التي كانت مشوقة ليس تشويق الأحداث وإنما تشويق طرافة ودفئ حياة أصحابها بشرا وحيوانات ونبات، وكان الفيلم جميلا كذلك بسبب صفاء قلوب ورفعة نفوس شخوصه وتركيزهم على اللعب (كحل) والفرحة والإخاء وليس على الكراهية والحرب والقطيعة. وحتى عندما جاء الموت في الفيلم فإنه لم يأتي معه بالجريمة والإحباط وإنما بالإحساس بالحزن على المحبين وهو أمر يدفع إلى التفكير في ساعات الوئام والصفاء والتسامح وليس في ساعات الغدر والانتقام، خاصة -وهذا من ألطف تفصيلات الفيلم- أن القاتل هو من خارج "ملعبنا".
لا ننسى أن نشير آخرا، إلى جانب هذا كلهوهو أمر من الإبداع في الحقيقة- إلى الجو الطريف والفكاهي والخالي من مشاهد الدم الذي اتبعه المخرج طيلة فيلمه ما جعله أكثر إقناعا وإمتاعا ومآنسة.




ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أمام الكاميرا



الأدوار البوليسية لهمفري بوغارت


أحد أهم نجوم السينما الغابرة لعب في

ثمانين فيلم متنوّع لكنه ترك أثره الأكبر في

السينما البوليسية سواء في معسكر الشر

او الخير. 




همفري بوغارت يقدّم لك نفسه على الشاشة كشخص قوي، لكن عينيه وتردده سريعاً ما يكشف عن ضعفه الداخلي. قد إلى الضرب او العنف لأنه سبيل الجانحين صوب الجريمة، لكن عيناه تكشفاه عن  ضعف من قاسى طويلاً. من يخاف من أن يخسر من يحب او ما يحب. إنه شخص قوي في مواقفه بلا ريب، لكن نقطة ضعفه عاطفية تعيده إلى الإنسان قبل أن تكسوه زلات القدم. هذه النظرات تتجلّى في عينيه في «كازابلانكا»، «الصقر المالطي«، «إنهم يسوقون ليلا»، «ملائكة بوجوه وسخة» و«الملكة الأفريقية» بين أخرى عديدة.

وُلد سنة 1899 ودخل التمثيل من العام 1930 وأصبح نجماً من العام 1936 عبر أدوار شريرة ثم منقلباً إلى أدوار بطولية بعدما استطاع تكوين تفسيره الخاص لشخصية الرجل القوي عبر شحنه بعناصر عاطفية ونقاط ضعف شخصية تجعله في الوقت ذاته معرّضاً للسقوط. الجمهور، في ذلك الحين، وجده أكثر إنسانية من ممثلين آخرين شاركوه درب وورنر من أفلام العصابات والجريمة. لم يكن آلياً، والقتل عنده لم يكن عنفاً فقط، بل حمّله الممثل عمقاً كلّمـا تسنّى له ذلك. 
في أواخر العشرينات عاد بوغارت إلى الولايات المتحدة بعدما شارك في الحرب العالمية الأولى. وفي السنة الأخيرة من ذلك العقد حط في هوليوود حيث لعب شخصية مساندة في «أعالي النهر» [جون فورد- 1930]. هو في  أدوار مساندة في ثمانية أفلام أخرى قبل أن ينجز فيلمه البصمة «الغابة المتحجّـرة» [لآرشي مايو- 1936]. المخرج وليام كايلي استعان به لدور غانغستر آخر في «رصاص او قسائم تصويت» الذي قاد بطولته إدوارد ج. روبنسن الذي كان الإختيار الأول، هو وجيمس كاغني، لأدوار الشر في البطولة في الأفلام البوليسية والعصابات. بعده عاد إلى البطولة في دراما بعنوان «إثنان ضد العالم» [وليام س. مكغاين- 1936]

The Petrified Forest *** | الغابة المتحجّرة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إخراج: أرتشي مايو (1935)
إنتاج: وورنر عن مسرحية لروبرت إيميت شروود، كتب السيناريو
لها دلمر ديڤز الذي لاحقاً ما أصبح مخرجاً.
الأدوار الرئيسية: لزلي هوارد، بيتي ديفيز، همفري بوغارت
النوع: غانغستر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بوغارت مع لزلي هوارد                                                                         

لزلي هوارد هو الذي أصر على همفري بوغارت في دور رئيس العصابة التي تحتجز رهائن في ذلك المقهي الصحراوي في ولاية أريزونا (قرب منطقة هناك إسمها عنوان الفيلم). وبوغارت كان إلى ذلك الحين لعب أدواراً مساندة وثانوية بإستثناء فيلم عاطفي واحد ["علاقة حب"- ثورنتون فريلاند- 1932]. حكاية تقع في رحى مكان واحد (كون الأصل مسرحياً) هو منزل ملحق بمحطة بنزين تشرف عليهما غبريال (بيتي ديفيز التي كانت أيضاً في أوّل طلعتها) ووالدها (بورتر هول) ومساعد (دك فوران). وثلث الساعة الأولى تقريباً هي تأسيس لهذه الشخصيات والمساحة الصغيرة من العالم الذي تحتلّه مع أخبار تتناهى عن هرب مجرم مطلوب من العدالة أسمها دوك مانتي (بوغارت). قبل ظهور هذا على مسرح الأحداث، يصل الجوّال المثقّف ألان (لزلي هوارد) وغابرييلا سريعة الوقوع في حبّه. بعد ذلك يطل المجرم مانتي المصنوع، بقصّـة شعره على الأقل، على شاكلة مجرم حقيقي هو جون دلنجر (لعبه جوني دَب في «أعداء الشعب» لمايكل مان- 2009 وقبله وورن أوتس في فيلم جون ميليوس الجيد «دلنجر»- 1973) ويسيطر على الوضع بأسره مستخدماً إياهم كرهائن في مواجهة البوليس المرتقب. لاحظ، إذا ما شاهدت الفيلم (متوفّر على الإنترنت كما على أسطوانات) طريقة تحريك بوغارت ليديه وكذلك الفرص التي يتيحها للكشف عن أنه ليس مجرماً شريراً، بل مجرماً تحت ظروف معيّنة.

Bullets or Ballots **** | رصاص وتصويت
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إخراج: وليام كايلي (1936)
إنتاج: أنتجته وورنر عن سيناريو مكتوب خصّيصاً 
عن فكرة وضعها صحافي عن شخصية حقيقية.
الأدوار الرئيسية: إدوارد ج. روبنسن، جوان بلودل، همفري بوغارت
النوع: غانغسترز
مع إدوارد ج. روبنسن                                                                           
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أسس كل من جيمس كاغني وإدوارد ج. روبنسن نفسيهما كوجهي بطولة في أفلام غانغسترز قبل أن يفعل بوغارت ذلك. كاغني في هذا الفيلم هو تحري مندس في العصابة لكي يكشفها والحيلة تنطلي على الجميع بإستثناء القاتل نك (بوغارت) ما يؤدي إلى منازلة بينهما. في طي ذلك رسالة تقول أن الفساد يتجاوز العصابة إلى سياسيين يديرونها لمصالحهم. يعود لشركة وورنر الفضل في تقديم أعمال بوليسية واقعية الفحوى وناقدة إجتماعياً ما يجعل بعضها، ومن بينها هذا الفيلم، يبدو كما لو كانت متعاطفة مع المجرم.  المخرج وليام كايلي خاض أفلام العصابات قبل سنة واحدة في 'G' Men بطولة جيمس كاغني. «رصاص وتصويت» كان أول أفلام بوغارت وروبنسن معاً.

Dead End *** | نهاية مسدودة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إخراج: وليام وايلر (1937)
إنتاج: صامويل غولدوين عن مسرحية وضعها سيدني كينغسلي ونقلتها (المؤلّفة المسرحية المعروفة) ليليان هلمان. تصوير غريغ تولاند الذي لاحقاً ما صوّر «المواطن كاين».
الأدوار الرئيسية: سيلفيا سيدني، جوول ماكراي، همفري بوغارت
النوع: دراما/ جريمة.
نهاية مسدودة                                                                                      
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شغل غرغ تولاند بديع من اللقطة الأولى للفيلم فاتحاً على مبنى يقع على رصيف الميناء ثم متابعاً المكان في لقطة واحدة كاشفة لطبيعته. البناية الحديثة لا زالت تطل على حي فقير يمتد على رصيف الميناء قرب نهر لا جمال له. الكاميرا تظهر لنا طريقاً مسدودة متّصل بعنوان الفيلم لكنه لا يستحوذ عليه، فالطريق المسدود هو رمز لمسيرة بايبي فايس مارتن (بوغارت) الذي عاد بعد سنوات غياب ليلحظ بداية تغيّر المعالم، فالمنطقة باتت مزروعة بمباني جديدة انتقلت إليها عائلات ثرية. والدته (مرجوري ماين) تطرده من البيت بسبب جنوحه، وصديقته السابقة فرنسيس (كلير تريفور) باتت عاهرة. هناك عصبة من الأولاد الصغار يتنازعون فيما بينهم وشقيقة أكبرهم سنّا، وأسمها درينا (سيلفيا سيدني) تحاول إنقاذ مستقبله يساعدها في ذلك المهندس دايف (جوول ماكراي). مسعى الفيلم (مع نهاية تنص على مقتل مارتن) هو القول بأن الفقر يقف وراء شيوع الجريمة حين يبحث البعض عن وسيلة لردمه ولا يجدون سوى الخروج على القانون. ليس الدور المذكور كثيراً حين الحديث عن بوغارت، الذي كان لحينها لا يزال يسعى للإنتقال إلى النجومية.
  
Angels With Dirty Faces *** | ملائكة بوجوه وسخة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إخراج: مايكل كورتيز (1938)
إنتاج: أنتجته وورنر وفيرست ناشنال بيكتشرز عن سيناريو مكتوب خصّيصاً.
الأدوار الرئيسية: جيمس كاغني، بات أوبراين، آن شريدان، همفري بوغارت
النوع: دراما إجتماعية/ جريمة
مع جيمس كاغني                                                                                 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هناك ممثل واحد لا يستطيع همفري بوغارت سرقة الأنظار عنه إذا ما التقيا هو جيمس كاغني وهو لا يفعل هنا كون دوره في نهاية المطاف محدوداً. إنه المحامي غير النظيف الذي يرقب محاولات القسيس جيري (بات أوبرايان) تغيير مناخ حفنة من الأولاد المعجبين بالمجرم  روكي (كاغني) والذي يحاول استغلال عصبة من الفتيان والتآمر على روكي نفسه. مقدّمة الفيلم تقدّم لنا روكي وجيري، وهما ما زالا فتيّـان، هاربان من السجن وروكي ينقذ حياة جيري عندما يقع ذلك قرب خط قطار. سنوات تمر وها هو روكي وراء القضبان يواجه حكماً بالإعدام وجيري قسيساً يحاول ردع أبناء الحي عن الإعجاب بالمجرم. بالنسبة إليهم روكي بطل يحتذى به لذلك يقصده القسيس في سجنه ويطلب منه أن يمثّـل أنه خائف حين يتّجـه إلى غرفة الإعدام. روكي يرفض لكنه ينهار فعلاً ما يجعل الأولاد يعيبون عليه. كما قلت كاغني في الصدارة هنا لكن كورتيز وضع بوغارت بعد سنوات قليلة حين منحه بطولة «كازابلانكا».

 The Roaring Twenties  **** | العشرينات الهادرة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إخراج: راوول وولش (1939)
إنتاج: أنتجته وورنر عن رواية بوليسية لمارك هلنجر
الأدوار الرئيسية: جيمس كاغني، همفري بوغارت، جفري لين.
النوع: عصابات
مع جيمس كاغني هنا أيضاً                                                                  
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إلى وورنر يعود فضل إنتاج أفلام نقدية إجتماعية ذات حس واقعي كما الحال في هذا الفيلم الرائع الذي كان من المقرر للمخرج الأوكراني الأصل أناتول ليتفاك  إخراجه. وولش استلم المهام في آخر لحظة وحقق عملاً جديراً بالإعجاب ولا يزال لديه ما يلقّنه لمخرجي الأفلام البوليسية اليوم. شخصية كاغني مقتبسة عن شخصية رئيس عصابة نيويوركي أسمه لاري فاي. هنا هو واحد من ثلاثة أصدقاء (الآخران هما بوغارت ولين) يعودون من الحرب العالمية الأولى باحثين عن عمل وسط سنوات اليأس الإقتصادي. كاغني هو من يبقى في وسط الفيلم. يجد عملاً كسائق تاكسي ثم يلتحق بعصابة كان جورج (بوغارت) انضم إليها. الثالث لويد (جفري لين) يمارس عمله كمحام إنما لحساب العصابة. كاغني يصبح ثرياً لكنه يخسر أمواله في البورصة ويعود سائق تاكسي. العصابة لا تريد تركه والمواجهة بينه وبين صديق الأمس جورج تنتهي بمقتلهما معاً. كان كاغني وبوغارت لعبا في فيلمين معاً قبل هذا الفيلم ملائكة بوجوه وسخة» الذي مرّ هنا وفيلم وسترن بعنوان «فتيان أوكلاهوما» ما عزز نجاح هذا الفيلم الذي يمكن ضمّـه إلى الأفلام ذات التعليق الإجتماعي إذ يُظهر كيف أن أبطال الحرب تحوّلوا إلى الجريمة بسبب الظروف الصعبة التي مرّت بها البلاد.

They Drive By Night **** | يسوقون ليلاً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إخراج: راوول وولش (1940)
إنتاج: أنتجته وورنر عن رواية بوليسية
الأدوار الرئيسية: جورج رافت، همفري بوغارت، آن شريدان، إيدا لوبينو
النوع: فيلم نوار
مع جورج رافت (إلى اليسار)٠                                                              
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جورج رافت كان أيامها ممثلاً ذا شعبية وهو أخطأ في حق نفسه ثلاث مرّات عندما رفض ثلاثة أدوار فاز بها بوغارت من بعد وعززت نجوميّته إلى حد لم يبلغه رافت مطلقاً،  وهي «هاي سييرا» [راوول وولش- 1940] و«الصقر المالطي» [جون هيوستون-1941] و«كازابلانكا» [مايكل كورتيز-1942]. هنا يلتقي مع بوغارت في دراما جنائية مشوّقة ومنفّذة بإيقاع وولش الدؤوب. إنهما شقيقان يملكان شاحنة نقل بضائع ليلاً وجو (رافت) مصر على عمله لأجل دفع مستحقات الشاحنة. بول (بوغارت) خير معين له في هذا الطموح. جو يحب فتاة (آن شريدان) ويردأ عنه محاولات زوجة أحد أصدقائه من مالكي شركات النقل (إيدا لوبينو) لأنه لا يود خيانة لا الزوج ولا من يحب. أما بول فهو متزوّج (غايل بايج) التي تود لو أن زوجها يترك هذه المصلحة التي تأخذه بعيداً عنها. في أحد الأيام ينام بول فوق المقود وتقع حادثة تصادم تنتهي ببتر ذراعه. لاحقاً، وقد انهار حلم جو او يكاد، ما تقتل الزوجة زوجها وتسلّم نفسها لكنها، إنتقاماً من جو، تورطه فتشهد بأنه شريكها في الجريمة. بوغارت هنا يلعب دوراً مسانداً لكنه دور مهم إذ ينقله من شخصيات الشر الى شخصية ذات كيان إنساني. رافت يبقى في الصورة أكثر ويؤدي دوراً جيّداً يبعده أيضاً عن نمط أدواره السابقة. 

يتبع


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2012
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 comment:

  1. مرحبًا أستاذ محمد,,شكرًا على المدونة الرائعة جدًا,أول مرّة أجد هذا الكم الكبير من المعلومات عن المخرجين الذين أحبهم وعن مخرجين لم أتعرف عليهم بعد..مقالتك اليوم عن مفهوم اللقطة اليوم جميلة جدًاوأستفدت منها كثيرًا.
    عندي طلب صغير منك أنا أدرس السينما في الجامعة اللبنانية وقمت بهذا المشروع الصغير أرجو أن تشاهده عندما تحصل على قليل من الوقت وتعطيني رأيك النقدي فيه.
    شكرًا سلفًا
    http://www.youtube.com/watch?v=UVTQYHsll_Y

    ReplyDelete

Disqus Shortname

Comments system