أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Jun 15, 2012

هل تستحق السينما المستقلة معاملة خاصّـة؟ | عشر سنوات على رحيل رضوان الكاشف | هيتشكوك اللغز المستمر | تاركوڤسكي: رسالات الحياة والإرث الذي تركه أبطال أفلامه



                                               YEAR 6 | ISSUE N.726


تشارلي شابلن والعريس وفيلم "إمرأة باريس"

حين يشاهد الزميل إبراهيم العريس فيلماً ويكتب عنه فإنه يعكس ثقافة ملمّـة ويمنح القاريء ذلك الجانب من الثقافة التي لا أجد آخرين قادرين عليها. لكن حين يكتب عن فيلم لم يره فإن ما يفعله هو تدمير ذاتي لجانب أنه ممارسة مهنية خطأ.
أعلم أن لديه خانة يومية بإسم "ألف وجه وألف إسم" او شيء من هذا القبيل وأن عليه الكتابة خمس مرّات في الأسبوع منتقلاً بين كل أنواع الثقافة والفنون كما الدبّور وسط الحديقة الغنّـاء، وبما أنني لست "مثقّفاً" مثله وليس عندي المراجع ذاتها التي يعتمدها، من دون الإشارة إليها، فيبدو للقاريء مثل "الشاهد الذي شاف كل حاجة"، الا أنني أحمد الله على هذه النعمة متدخّـلاً وكاتباً فقط في تخصصي ولو كره "المثقّفون". هذا لا يعني أنني لا أقرأ ولا أسمع الا أنني لن أتبجح يوماً بذلك.
لذلك استوقفني مليّاً (وليس للمرّة الأولى) ما كتبه هذا اليوم (الإثنين الثامن عشر من حزيران/ يونيو) عن فيلم سمّاه "إمرأة من باريس" لتشارلي شابلن، وهو الفيلم الذي لم يشاهده والا لكتب شيئاً آخر غير الذي كتبه، ولو أن ذلك لم يمنعه كمرات كثيرة من قبل، من الإبحار فيه شرقاً وغرباً، صعوداً وهبوطاً وفي كل الإتجاهات الأخرى. ليس هذا فقط، المعلومات التي ينقلها (بمجرد مقارنة ما كتب بما ورد في «وكيبيديا» عن الفيلم يفصح عن أنه نقل بلا بحث والنقل والبحث يختلفان) هي معلومات خطأ. بعضها ورد خطأ في ويكيبديا وبعضها استنتاج خاطيء.
مشاهدته لن تتطلّب أكثر من ساعة ونصف على الإنترنت. كان يستطيع الزميل اللجوء إليها عوض اللجوء إلى المراجع المشكوك أساساً في قدرة العديد من كتبتها على التحليل والتمحيص ناهيك عن الإتيان بالحقائق.
لا أدري أين أبدأ.العنوان؟ السطر الأول؟ فيلم تشارلي تشابلن هو «إمرأة باريس» وليس «إمرأة في باريس» والفارق لا يحتاج لذكر. ثم يقول في سطره الأول "هذا فيلم لتشارلي شابلن لم يسمع به كثر"، حسناً لم يسمع "كثر" أيضاً بأكثر من نصف أفلامه ما يجعل هذا التقديم منقوصاً. كذلك إذ يكتب أن الفيلم عُرض "مصحوباً بإسم آخر سيُعرف به أيضاً هو «الرأي العام»…." فإن ذلك ليس صحيحاً. الصحيح أن الفيلم خرج بعنوان واحد، ولو أنه أطول من "إمرأة باريس" وهو "إمرأة باريس: دراما قدرية" A Woman of Paris: A Drama of Fate ومراجعة الـ 87 فيلما التي ارتبط بها تشابلن ممثلاً او مخرجاً او منتجاً لا تحوي عنواناً كالذي ذكر. ليس في أميركا وبريطانيا ومعظم الدول الـ 23   التي عرض فيها الفيلم إلى الآن. لكنه عرض بإسم "رأي عام" في كل من البرتغال وفرنسا (بذلك لابد أن مرجعه الآخر فرنسي).
لكن أي مرجع ذاك الذي ذكر للزميل العريس بأن الفيلم يفتح على  لوحة كتب عليها: "لا تتألّف الإنسانية من أبطال وخونة، بل من رجال ونساء بكل بساطة، وهؤلاء لا  تحركهم سوى العواطف، الصالح منها والطالح سواء بسواء. أما الطبيعة فهي التي أعطتهم هذه العواطف… فيما نراهم هم يخبطون في الأرض كالعميان. وإذ يحكم الجاهل على أعمالهم ويحاكمها، وحده العاقل يكون رحوماً بهم جميعاً".
شككت بالأمر حل قرأت كلمة "بكل بساطة" لأنها من تداول الزميل في الكثير مما يكتب، ثم بكلمة "الصالح والطالح" وإذ رجعت إلى الفيلم وجدت ما يلي:
اللوحة الأولى (او بالأحرى اللقطة المقروءة الأولى على أساس أنها جزء مطبوع على الفيلم وليس لقطة للوحة) تقول: "إلى الجمهور: لأجل تحاشي أي سوء فهم، أود الإعلان عن أني لا أظهر في هذا الفيلم. إنه فيلمي الدرامي الجاد الأول الذي أخرجته ومثّلته بنفسي- تشارلي تشابلن".
أووووبس…. لعل "اللوحة" الثانية تقول ما ذهب إليه الكاتب، انتظر فإذا بلقطة مطبوعة أخرى بالفعل لكنها صغيرة وتقول: "كلنا نسعى لما هو صالح. نخطأ فقط في العمى (يقصد أننا نرتكب الخطيئة عن غير قصد). الجهلة يحكمون على الخطأ. لكن الحكماء يأسفون للأخطاء" وهذا هو الأصل بالإنكليزية:
"All of us are seeking good. We sin only in blindness- The ignorant condemn our mistakes-- But the wise pity them".
أما الملخص الذي يختاره فهو مثل تلخيص فيلم «ذهب مع الريح» بأنه "دراما تقع أحداثها في الحرب الأهلية من خلال قصّـة حب بين رجل وإمرأة". فالملخّص الوارد عام جدّاً وحتى في ذلك غير دقيق. جان انتحر الإنتحار لكن الفيلم لم ينته عند هذا الحد بل استمر لنحو ثلث ساعة من تلك المحاولة على عكس ما يوحي به الملخّص.
ثم يدخل الكاتب في افتراضات (والمقال مليء بها) تملي عليه الكتابة في علم النفس فهو يرى أن علاقة المخرج بالممثلة إدنا بورفيانس كانت من باب استعاضته لدور أمّه ("أراد من بورفيانس أن تلعب لديه وفي حياته دور الأم"…. لذلك استخدمها فيه كبطلة ولم يشاركها البطولة"…  لا أدري لأني لم أتابع عن كثب أسباب علاقة تشابلن بالممثلة، لكني أعرف أنه كان دائم العلاقات مع العديدات ممن لعبن بطولات أفلامه، فلماذا ستختلف بورفيانس عن سواها؟ ربما هذا وارد في مرجع ليس في متناولي الآن، لكن النسخة الشابلينية من هذا الموضوع (والتي قد تكون صادقة او لا تكون لكنها كانت تستحق الإشارة على أي حال) هي أنه أراد منح الممثلة حضوراً من دون أن تتكل عليه لذلك وجد أن ظهورها منفردة في بطولة هذا الفيلم هو أفضل لها. لكن العكس حدث وهي لم تنجز الا بطولة واحدة من بعد هذا الفيلم الأول في فيلم جوزف فون شتينبرغ «إمرأة البحر» (1926). في العام التالي ظهرت في فيلم فرنسي  بعنوان «تعليم أميرة» كان من بطولة بولين كارتون وبيير باتشيف وإخراج هنري ديامانت برغر. 
كانت إدنا ظهرت في نحو 35 فيلم من إخراجه، ومن الجائز أنها لم تعد، بالنسبة إليه، الوجه الذي يستطيع حمل فيلم كوميدي ففكر بها درامياً. لكن تشابلن كان في الوقت ذاته باشر علاقة عاطفية مع إمرأة أسمها Peggy Hopkins. وقلبه لن يتّسع لإثنتين.
لكن، ومع أن الكاتب يذكر أنها "لم تعد إلى العمل مع شابلن، بعد ذلك أبداً" الا أنها في الحقيقة لعبت في فيلمين لاحقين له هما «مسيو فردو» سنة 1947 (دور صغير كإحدى المدعوات لحفلة في الحديقة) والثاني هو «لايملايت» (1952) وكان أيضاً دوراً هامشياً. لكن على الأقل كلمة "أبداً" ليست دقيقة حين يتحدّث كاتب من باب التاريخ. للتأكيد، موقع «ويكيبيديا» نفسه يرتكب هذا الخطأ حين يتحدّث عنها ثم يتبعه بآخر حين يقول أن تشابلن "لم يطرح الفيلم للعرض!"
تشابلن وضع «إمرأة باريس» (المستخلص من أكثر من مصدر) في عداد أفضل أفلامه (وضع على القمّة «الإندفاع للذهب») لكن ربما كذّب بشأن ذلك او غالى إذا ما كان لدى الزميل مرجعاً يقول أن تشابلن لم يكن "رحوماً" إزاء هذا الفيلم. ثم يُضيف: "كذلك يرى (نقاد) آخرون أنه كان الفيلم الأول في تاريخ السينما الذي تحدّث بوضوح عن لا إمكانية التواصل بين البشر". لابد من التوقّف هنا مليّاً:
أي ناقد يقول هذا الكلام لا يعرف عمّا يتحدث فيه. أولاً لأن تطبيق ذلك على أفلام سينمائية يعني أن كل فيلم تحدّث عن إخفاق بين عاشقين لابد يعني عن "لا إمكانية التواصل بين البشر". وثانياً لأن الموضوع (كما أوجزه بالقفز على قمم الحروف) لا يعني عدم التواصل بين البشر مطلقاً وثالثاً لأن قصصاً عاطفية أسبق من هذا الفيلم دارت حول إخفاقات الحب فإذا كان الحديث عن إخفاقات الحب هو ذاته الحديث عن «لا إمكانية التواصل بين البشر" فإن هناك (من بين أخرى) فيلم دنماركي سنة 1910 عنوانه «الهاوية» Afgurnden  للمخرج أوربان غاد شاهدته قبل شهرين ودار عن مأساة عاطفية موازية. فكيف يكون فيلم تشابلن "أوّل" فيلم يدور بوضوح او غير وضوح عن هذا الجانب؟
لم أتطرق لما يمثّل الرأي (فهذا أتركه لقراءة نقدية قريباً) بل اكتفيت بما يُعتبر ذكر لافتراضات وفرضيات (و"ربما" و"يبدو" وسواهما من كلمات عدم التوثيق) وفي عداد ذلك ما يذكره الكاتب من أن الفيلم كان "الأول من إنتاج شركة يونايتد آرتستس التي أسسها مع ماري بيكفورد ودوغلاس فيربانكس وديفيد غريفيث"
فيلم تشابلن «إمرأة باريس» تم إنتاجه سنة 1923. يونايتد آرتستس تأسست سنة 1919 فهل انتظرت وصول مكاتب الإدارة وانتهاء العمّال من رفع إسم الشركة على مدخل المبنى أربع سنوات قبل أن تباشر الشركة العمل؟
الحقيقة أن لديها 34 فيلماً من توزيعها وفيلم «إمرأة باريس« فيلمها الخامس والثلاثين. أقول توزيعها، وليس إنتاجها لأنها أنشئت كشركة توزيع وبقيت على هذا النحو حتى العام 1956 حيث انتجت فيلماً من بطولة إدوارد ج. روبنسن (وإخراج مكسويل شاين) عنوانه «كابوس» وبعد ذلك داومت على التوزيع وأحياناً الإنتاج ثم انقلبت إلى الإنتاج والتوزيع على نحو متساو في السبعينات. 
أما «إمرأة باريس»  فهو من إنتاج شركة تشابلن وكذلك الحال مع كل فيلم قام به شركائه في «يونايتد ارتستس»، شركاتهم المنفصلة هي التي انتجت وشركتهم المتحدة هي التي وزّعت.
هذه هي حقائق وليست آراءاً. ولا أكتب لأكون مع او ضد الزميل لكني ضد أن يكتب ناقد ما، خصوصاً إذا ما كان من نوعيّته المتميّزة، ما هو خطأ لمجرد أنه ليس لديه الوقت ليرى او يقرأ. 


محمد رُضـا | 2012/06/18


الناقد وفلسفة الفيلم | محمد رُضـــا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ 2 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ     
موقف الناقد من السينما المستقلّـة

نظرياً، السينما المستقلّة موجودة. لكن الناقد عليه 
أن يعاملها على النحو ذاته التي يعامل به أي سينما 
أخرى.
فارس المدينة                                                                                  

ماهي السينما المستقلة؟
الجواب بالنسبة للمنتج قد يختلف عن الجواب بالنسبة للمخرج وهذا يختلف عنه بالنسبة للناقد. المنتج يستطيع القول أن الإستقلالية هي مسألة نسبية فالأمر في نهاية المطاف يبقى مسألة تمويل وتسويق وعرض وطلب. أي أن بزنس صنع الفيلم لا زال قائماً، بينما قد ينظر المخرج إلى المسألة من زاوية أن الفيلم المستقل هو ما يضمن له التعبير الذي يريده والأسلوب الذي يختاره للعمل كما رؤيته الخاصّة لما يطرحه وكيفية طرحه. وبما أن المؤسسات الكبيرة او شبه الكبيرة لا تخوّل له مثل هذه الحريّة فإن الإعتماد على المتوفر من صيغ إنتاج بديلة هو الحل.
لكن الناقد ليس عليه أن يأخذ بهذا الموقف او ذاك
قراءته للمسألة مختلفة من حيث أنه حتى مع واجب الإهتمام بالأفلام المستقلّة او البديلة او الذاتية والسعي لتشجيعها أمام جمهور هو محدود الحجم في النهاية، هناك التزامات أساسية تعود إلى رؤيته الشاملة للسينما وما إذا كان هناك اعتبار مختلف يمكن تطبيقه على لقطة واردة في فيلم "كبير" وأخرى واردة في فيلم "صغير".
معنى هذا الكلام هو ما يلي: لقطة في مطلع فيلم غير مستقل تشرف على مدينة ستقع فيها الأحداث، أزاء لقطة في مطلع فيلم مستقل تشرف على مدينة ستقع فيها الأحداث، يجب أن تُساق إلى قراءة نقدية واحدة. في هذه الحالة إما أن إحداهما أفضل من الأخرى او كلاهما في مستوى جيّد او مستوى رديء. المحصلة هي أن الحكم على كل لقطة، ثم على كل لقطة فمشهد من الفيلم وبالتالي على كل فيلم، عليه أن ينطلق من المعطيات النقدية ذاتها. في هذا الشأن لا يجوز القول أن الإمكانيات وحدها هي التي تدخّلت فلم يستطع المخرج استئجار طائرة مروحية لكي تطير فوق المدينة فيصوّرها بزاوية "عين صقر"، ولا يجوز القول أن توفّر هذه الإمكانية منح الفيلم المتمتع بالإمكانيات فضيلة بحد ذاتها.
المسألة تكمن في أن العناصر الفنية للقطة هي التي تحكم جوازية اللقطة وعلى جودتها أو لا وهي ذاتها في أي فيلم. وهذه العناصر ليست، إلى حد بعيد، عناصر مادية. ها هو محمّد خان صوّر المدينة من فوق في «فارس المدينة»، كذلك فعل  المغربي محمد العسلي في فيلمه الجديد «أيدي خشنة». طبعاً ليس بطائرة مروحية لأن ذلك ليس بيت القصيد،  ومشهديهما أفضل تواصلاً مع باقي الفيلم وأفضل توظيفاً مع غاياته من لقطة مماثلة في فيلم تكلّف خمسين مليون دولار لإنتاجه. 

إذاً، والحال هذه، هل تستطيع كناقد أن تتوقّف هنا وترجع هذا التفضيل لحقيقة أن الفيلمين المذكورين من الأفلام المستقلّة او البديلة؟ لا. لأنه لو فعلت لكان عليك أن ترجع إخفاقهما، لو حدث، للسينما المستقّلة او البديلة. الناقد لا يستطيع أن يمتلك صلاحية الحكم بمعيارين. والطريقة الوحيدة للخلاص من تهديد حالة كهذه هو التعامل مع أي فيلم بالنظرة التحليلية ذاتها بصرف النظر عن ميزانيّته. ما يجوز هو أن يلحظ الناقد الميزانية المتوفّرة من باب إذا ما كانت أمّنت ما هو مطلوب منها تأمينه. فهناك الكثير من الأفلام التي تمتّعت بميزانيات كبيرة وبدت تلك الميزانيات وقد تبخّرت على الشاشة، وفي المقابل أفلام كثيرة لم تتمتّع الا بتكلفة يومي عمل من فيلم ضخم ورغم ذلك لا تستطيع أن تعيب فقرها لأنها بدت كاملة. أحد الأعمال الحديثة في هذا المجال Margin Call لج س شاندور او أي فيلم لروبرت ألتمن او جون كازافيتيز.

في الحقيقة، وعلى ذكر ذلك المثال، هناك فيلم قصير جدّاً (دقيقة و17 ثانية) عنوانه «آدم» من إنتاج الأشهر القليلة التي سبقت ثورة يناير في مصر ومخرجه هو علي أحمد حرازي (أترجم إسمه عن اللاتينية لأني لا أملك أصلاً عربياً له) الذي عمد تماماً لما أصفه في الفقرة السابقة: جاء بممثله وطلب منه أن يقف وسط ميدان ويطلق صرخة. في أكثر من وجه، هذا الفيلم السابق للثورة أفضل من عدّة أفلام تم إنتاجها بعد الثورة. على الأقل، ومن بين عدّة أسباب، صرخ منادياً إلى ثورة قبل وقوعها، بينما عمدت الأفلام الأخرى إلى الحديث عما حصل مستفيدة من أن مادّته السياسية والبصرية تكوّنت بالفعل. 
إنه، والكلام لا زال في نفس السياق، من الصعب تحقيق فيلم تعبّر فيه عن نقدك الإجتماعي ضد حكم متعسّف، ومن السهل كثيراً صنع هذا الفيلم بعد زوال ذلك الحكم، وإذ تفعل تخسر قدراً كبيراً من الإستقلالية وانفرادية الموقف.
لابد في النهاية هنا، من القول أن الفيلم المستقل لا يستمد جودته من استقلاليّته، كما لا يستمدها الفيلم المؤسس إنتاجياً من تمتّعه بالمعطيات الإنتاجية. لو كان هذا صحيحاً لكانت أفلام المخرج روبرت ألتمن المستقلّة أفضل من أفلامه التي حققها لصالح المؤسسات الكبيرة، وهذا ليس صحيحاً كونها جميعاً أفلاماً متوازية في جودتها والتفاوت كامن بين افلام مستقلّة وأخرى مستقلّة أكثر مما هو كامن بين المستقلة والمؤسسة.

                                                                             


عشر سنين على رحيل رضوان الكاشف 
محمد فتحي يونس  
مرّت الذكرى العاشرة لرحيل المخرج رضوان الكاشف
من دون أن تستوقف الا القلّـة. أحد هؤلاء كاتب هذا
المقال الذي نشره في صحيفة "النهار" اللبنانية.

آمن ان مهمة السينما هي الحلم والثورة من اجل حياة افضل. لم تغرّه "السينما الدايت" بكل ملايينها وبريقها ومكاسبها. لم يرض ان يتحول المشاهد الى كائن يهرب من الحياة وازماتها الى ساعتين من "الكيف السينمائي"، يحمل في يده علبة فوشار وتدمع عيناه من نشوة الضحك ثم يلفظ ما شاهده على باب الخروج ليعود من جديد كائناً مطحوناً عابساً وربما اصولياً متطرفاً، مناخ يجني فيه تجار السموم السينمائية ملايين الارباح ويفقد معه الجمهور ذوقه وثقافته وتراثه.
كان رضوان الكاشف (1952ــ 2002) نموذجاً فريداً لمخرج لم ينفذ الا ما يؤمن به حتى لو كان مجمل اعماله 3 افلام روائية طويلة وبضعة افلام تسجيلية وروائية قصيرة. لكن الاهم انه نجح في تسجيل اسمه في تاريخ السينما بأكثر من 47 جائزة من مهرجانات مختلفة، علماً ان فيلمه "عرق البلح" استمر عرضه في صالات باريس 6 اشهر متوالية. كان الكاشف حالة سينمائية فريدة انتشلت السينما المصرية في وقت كانت تعاني فيه من حالة موت سريري فأعاد اليها الحياة مع مخلصين قلائل آخرين.
تمتد جذور عائلة الكاشف الى قرية كوم اشقاو بمحافظة اسيوط. كان جده رضوان عمدة القرية لكنه ترك وظيفته احتجاجاً على نفي الزعيم الوطني سعد زغلول في عشرينات القرن الماضي. وكان ابوه عالماً ازهرياً مرموقاً. درس رضوان الفلسفة وتخرج بتقدير امتياز. واتجه الى معهد السينما وتحديداً الى قسم الاخراج. تخلل فترة دراسته اصطدام حاد بالسلطة في نوبة غليان شعبي في فترة السادات، عرفت "بانتفاضة الخبز" في كانون الثاني 1977 وسمّتها السلطة الرسمية وقتذاك "انتفاضة الحرامية"، وكانت نتيجة هذا الصدام مطاردة امنية امتدت لأكثر من عام وانتهت بتسليم نفسه الى السلطات قبل يوم واحد من محاكمته التي انتهت بالبراءة.
بعد التخرج انعزل في صومعته السينمائية بعيداً من مزالق السياسة. فقد آمن ان اطروحاته السياسية سيتضاعف تأثيرها اذا انطلقت من طرح فني راق، وكان العمل مع يوسف شاهين كمساعد مخرج في فيلميه "اسكندرية كمان وكمان" و"وداعاً بونابرت" فرصة لصقل موهبته بمشاركة يسري وناهد نصرالله وبعض الموهوبين الذين شكلوا لاحقاً ما سمي الواقعية الجديدة في السينما المصرية، وهو تيار وصلت به السينما المصرية الى قمة تألقها مع عاطف الطيب ومحمد خان وداوود عبد السيد

كان الفيلم القصير، "الجنوبية"، اولى تجاربه السينمائية عام 1986 وكان من المفترض ان ينفذ فيلماً آخر عنوانه "اجمل رجل غريق في العالم"، لكن رحيل والدته كان سبباً في انتاج رائعته الاولى التي استقبلها الوسط السينمائي بحفاوة، ثم كانت شهادة ميلاده الحقيقية في رائعته "ليه يا بنفسج" عام 1992. الاسم مستمد من اغنية تراثية شهيرة لمطرب مصري قديم هو صالح عبد الحي، والعنوان السابق اختصار لفلسفة الكاشف السينمائية ومشروعه الذي ركز على حياة المهمشين والبسطاء وتعاستهم وحقهم في الحلم والسعادة ثم رصد بهجتهم وسخريتهم للتدليل على ان ذلك هو سبيل الانقاذ الوحيد لهم.
يحكي الفيلم عن اصدقاء ثلاثة احمد (فاروق الفيشاوي) وعباس (نجاح الموجي) وسيد (اشرف عبد الباقي) يعملون عازفين في حفلات الزفاف الشعبية ويجمعهم حلم السفر الى الخارج وجني المال، يعيشون في حارة ضيقة وقاتمة لكنها متسعة للاحلام على الرغم من ان لكل منهم آلامه. فأحمد يعيش قصة حب مع فتاة تهرب من الحارة عندما تدرك ان حبهما لن يكتب له البقاء في ظل تلك الظروف الصعبة. سيد يحب فتاة من طرف واحد ويرى ان في الشقاء اليومي بارقة امل. اما عباس فيمثل الحياة بكل تناقضاتها وتدفقها فيتزوج من امرأة معروفة بأنها سارقة للحمير ويخسر كل علاقاته من اجلها وتنتهي به الحال خادماً في حانة فقيرة. على الرغم من نجاح احمد في السفر الى الخارج، فهو يعود الى حارته بعد ان تحاصره هناك القسوة والضغوط.
كان رضوان الكاشف شغوفاً برصد حياة المهمشين ويرى ان القاهرة ليست جنة بل هي ملتقى للمتناقضات محاصر بجيوش من الفقراء. بالتأكيد لم يكن انحياز الكاشف الى الفقراء انحيازاً ايديولوجيا خالياً من الفنّ. فهو يدرك جيداً الفرق بين الفن والدعاية. ويختلف مفهوم الفن عنده عن مفهوم بريخت "التعليمي" وإن جمعتهما القدرة على تحريك عقل الجمهور وجعل المشاهد يبذل جهداً ذهنياً ليفهم معاني الفيلم. لم يقتصر مفهوم المهمشين عند رضوان الكاشف على الفقراء فحسب، بل تعداه الى الثقافات الخاصة الثرية والمهملة في الوقت نفسه، كثقافات الصعيد مثلاً. حاول ان ينجو من مركزية القاهرة وقدّم تجربته الأهم "عرق البلح" التي تحكي عن حياة قرية صعيدية صغيرة هاجر كل سكانها بحثاً عن الرزق في بلاد النفط ولم يبق في القرية سوى صبي واحد قام بدوره محمد نجاتي بالاضافة الى النسوة اللواتي اعيتهن الرغبات الجنسية المكبوتة لسفر الازواج فلجأن الى الخطيئة التي سرعان ما تظهر نتيجتها في بطونهن فتعم الفضيحة وتلجأ احداهن الى الانتحار حرقاً بينما ترفض اخرى ان تتخلص من جنينها الذي حبلت به من خطيبها "طالع النخل" الذي كان يتسلق النخل لجلب البلح المستخدم في صنع العرق الذي يزيد من شبقهن.
يعود الرجال الى القرية فتصدمهم الفضيحة ويموت الصبي بعد وقوعه من احدى النخلات وتتقدم النساء لتوديعه بتراتيل جنائزية مؤثرة ويرحل الجميع ولا يبقى في القرية الا امرأة عجوز تحكي قصتها للغرباء بالاضافة الى طفلة الخطيئة. حرص الكاشف على اثراء الفيلم بجو الاسطورة والغناء الشعبي الصعيدي، كما حرص على اختيار قرية تجسد العزلة فلجأ الى الصحراء واختار قرية بلاطة وسط الواحات لتصوير تحفته الخالدة التي حصدت الكثير من الجوائز في مهرجانات تطوان واونجيه وجنوب افريقيا وغيرها. ولكن على الرغم من المناخ الفني الساحق، لم يحقق فيلمه ايرادات كثيرة وهي قضية لم تكن تشغله كثيراً فقال ذات مرة: "اني اتعامل مع افلامي كما اتعامل مع فدان ارض تزداد قيمته بمرور الزمن ولا اتعجل الربح منه"، ولكن لحسن حظه ان تجربته الاخيرة حصدت ما لم يسع اليه من النجاح التجاري بجانب الفني بالطبع، فجاء "الساحر" مكملاً لمشروعه السينمائي الذي يعيش وسط التهميش ويروي آلام المهمشين وينتصر ببهجتهم، ولذلك لم يكن عيباً ان يكون اسمه الاول "نظرية البهجة".
يحكي "الساحر" عن رجل بسيط كان يعمل ساحراً شعبياً ينتزع الضحكة لإسعاد الناس، تتوفى زوجته فيصبح همه الاول المحافظة على ابنته وابعادها عن هواجس المراهقة. يلتقي حفافة (سلوى خطاب) هاربة من جحيم زواجها الاول وبرفقتها ابن مهدد بالعمى. الشخصيتان اسيرتان للماضي، هو بمهنته وادواته وهي بذكرياتها الاليمة. يسعى منصور (محمود عبد العزيز) الى مساعدة ابنتها ويستعين بمهاراته القديمة ليبيع من ثري حصاناً ضعيفاً بثمن كبير، لكن ابنته تقع فريسة ابن الملياردير ميكا وعندها يصرخ "انا يا شوقية اتلهيت بابنك ونسيت بنتي". لكن شوقية كانت طوق النجاة لابنته عندما سهلت لها الزواج من حمودة "بائع حمص الشام"، جارها في الحارة وحبيبها الاول. "الساحر" مرثية مليئة بالاشتباكات، لا تتوقف فيها آلام المهمشين ولا تتوقف طرق البهجة للقضاء عليها.
ربما كانت تجربة رضوان الكاشف خاطفة ومبهرة اتسمت بتأكيد بعض القيم، منها فكرة العودة الى الجذور. ففي "الساحر" تعود البنت الى حبيب الحارة القديم، وفي "ليه يا بنفسج" لا يلبث احمد ان يترك الغربة ويعود، وكذلك الفكرة واضحة في "عرق البلح". كما ركز الكاشف على الثقافات الخاصة والمهن الغريبة المنقرضة، وهذا ما اضفى على أعماله جاذبية خاصة. فهناك الحفافة في الساحر، وصانعو العرق في عرق البلح. لا شك ان رضوان الكاشف نجح في رسم عالمه السينمائي بقدر كبير من التميز برغم عمره القصير الذي عاشه متوهجاً، لم يوقفه الا الموت في 5 حزيران 2002


                                                                                


 هيتشكوك
 صراع موت وحياة في سينما مخرج فذ

يفكر محمد رُضا بتخصيص موقع لهيتشكوك رغم
مشاغله. إلى أن يتم ذلك (إذا تم) هذه عودة إلى
سينما مخرج لا تزال لغزاً بحد ذاتها.

لا يمكن تفكيك سينما ألفرد هيتشكوك لتكوين حالات صغيرة. الأشكال المختلفة الناتجة عن محاولة تفكيك ألفرد هيتشكوك تبقى ذات أحجام كبيرة لا تحتمل التصغير والحكم بالمطلق الجاهز. خذ مطلع فيلم «فرتيغو» (1958) وحده تجده مكثّـفاً في منهج عمله وتنفيذه والاسئلة التي يطرحها.
يفتح الفيلم بكلوز أب على وجه إمرأة. الشفتان. العينان. النظرات المتنقّلة بتوتّر. الوجه ذاته يبقى بلا شعور واضح، لذلك تلك النظرات غير واضحة بأكثر من توتّرها. بعد ذلك هناك خطوطاً دائرية تلتف حول نفسها في الوقت الذي تبدو فيه تلك الدوائر كما لو كانت خارجة من الوجه الى الوجه. من وجه المرأة الى وجه المشاهد. دوراناً يرمز للعنوان كما للحالة النفسية الغامضة التي سنشاهدها٠
المتوقّع هنا إذاً أننا سنصادف إمرأة ربما كانت خطرة. ربما كانت حائرة. بالتأكيد تمر بأزمة. لكن اللقطات الأولى بعد ذلك هي لبطل الفيلم سكوتي (جيمس ستيوارت) الذي نراه هو من يمر بأزمة.  هناك حافة معدنية  وثمّـة يد تقبض عليها.  ترجع الكاميرا مفصحة عن هذا الرجل (سكوتي) وعن المدينة وعن أزمته: إنه معلّق بقضيب من المعدن الخفيف عند حافّة سطح مبنى عال يشرف على المدينة تحته. كان سكوتي، سنعلم لاحقاً، يطارد مجرماً لكنه لم يستطع القفز بنجاح من السطح الآخر فسقط فوق السطح ثم انحدر وتعلّق بتلك الحافّة وقد تدلّى جسمه  وحمل وجهه رعباً ناتجاً عن خاطرة احتمال سقوطه وموته إذا ما ارتخت قبضتيه او إذا ما تعب من وضعه او حدث ما يتسبب في فك قبضتيه عن الحافة. الشرطي الذي كان يطارد المجرم معه، مرتديّـاً زيّـه بزيّه الرسمي ينبطح فوق سطح المبنى ويحاول مساعدة سكوتي على تسلّق الحافة صوب النجاة. لكن ما يحدث هو أن الشرطي يسقط في الفضاء بعدما فقد توازنه. 
                                                                                        VERTIGO

بدقيقة ونصف رسم المخرج وضعاً خطراً يحتوي على مأزق حياة او موت. هذا من ناحية.
في المدّة ذاتها قدّم بطله في حادثة ستشكّـل خلفية شخصيّته ومبرراً لتصرّفاته اللاحقة.
وفي المدّة ذاتها، قاد المشاهد إلى منتصف حدث دائر بلا مقدّمات لأن من تفوته تلك الدقيقة والنصف خسر مفتاح الفيلم بكامله بعد ذلك.
سوف لن نعلم كيف نجا سكوتي من الحادثة. سنراه في اللقطات الأولى بعد هذه المقدّمة يمشي بعكّاز، لكن هيتشكوك لن يجيب إذا ما تحامل سكوتي على نفسه وزحف الى أعلى، او إذا ما وصل شرطي آخر وساعده. كذلك لا نعرف كيف حدث أن ساقه معطوبة بحيث يحتاج الى عكّاز. 
كان يمكن بالطبع ترقيع لقطة تظهر الطريقة التي تم بها إنقاذ حياة سكوتي. لكن هيتشكوك فضّل أن لا يفعل. وبذلك تركنا مع بطله وحوله علامة استفهام  أبدية سنزورها في الدقائق القادمة. وإذ تمر مشاهد كثيرة في «فرتيغو» كما لو كانت حلماً، علينا أن نذكّر أنفسنا أن الفيلم ليس عن حلم، بل عن حكاية لا يمكن أن تؤخذ الا إذا كانت مُعاشة إما في الواقع او في واقع الميّت٠
ما يعيدنا الى حقيقة ما حدث في المشهد الأول حين تعرّفنا على سكوتي معلّقاً بين السماء والأرض. في تفسير نفسي خاضه باحثون، أن المرء في لحظة من تلك اللحظات التي يجد فيها نفسه بين الحياة والموت، تتنازعه رغبتان حادّتان: الرغبة في الموت (إغراء أن يترك الرجل نفسه يهوى) والخوف منه (أن يحاول جهده الثبوت في مكانه وتحسين وضعه للبقاء حياً). والحقيقة أنه لولا الخوف لمات الكثير من الناس انتحاراً، لكن في لحظة يصل المرء الى ذروة ذلك الإختيار فإن الرغبة في الموت قد تنتصر على الخوف. فهل تخلّى سكوتي عن الحياة فترك ذلك القضيب المعدني من قبضته وسمح لنفسه بالسقوط؟

لن أتوقّف عند هذا الفيلم لتحليله. الرغبة هنا هي منح القاريء قدراً من المنهج الهيتشكوكي ولماذا هو فريد إلى اليوم، وذلك للإجابة على السؤال حول السبب الذي لا يزال هيتشكوك مهمّـاً إلى هذا الحين.
الجواب الأسهل هو التالي: إنه مهم اليوم لأنه، ككل فنّـان مر في سماء السينما، من غريفيث وايزنشتاين إلى ترنس مالك، يبقى مهمّـاً. لكن الجواب الأصعب هو تحليل مكامن تلك الأهمية خصوصاً وأن البعض يعتقد أن حقيقة أن هيتشكوك تعامل، غالباً، مع سينما التشويق يجعله كامن في مرتبة أقل من تلك التي للياباني ياسوجيرو أوزو او الفرنسي جان-لوك غودار او النمساوي الآني ميشيل هنيكه.
مجرد اعتبار أن السينما هي منوال واحد (وهو ما ينم عنه ذلك التعامل) هو خطوة إلى الخلف لأن العديد من المخرجين الكبار اشتغلوا على منوال او آخر لا يمكن وصفه بأنه رقي فكري او فلسفي او طرح لموضوع سياسي. لكن أيا منهم، بمن فيهم هيتشكوك ذاته، لم يكن فقيراً في مد سينماه بالعمق المطلوب لتحليل شخصيّة او لتأليف كيان لغوي لمفرداته البصرية. وتأليف العمق لا يأتي، كما يعتقد كثيرون حولنا، من الحديث عن موضوع سياسي او ثقافي او فلسفي، بل في أن يتبلور الفيلم كفعل سياسي وثقافي وفلسفي وأفلام هيتشكوك لا تخلو من ذلك. طبعاً، لم يتحدّث عن مخاطر القنبلة النووية ولا عن القضية الفلسطينية، لكنه تحدّث عن الإنسان في مأزق حياته كما عنه في مواجهة مخاطر كانت حقيقية من النازية إلى الفساد الإداري وصولاً، وهذا الأهم، إلى الفساد الإنساني.
رغم ذلك، فإن البحث في هذه المسائل هو جزء من الصورة الخاصّـة بالسؤال المطروح. الجزء الآخر هو ما يمت إلى إنفرادية المخرج بجعل المشاهد لا يرى الفيلم بل يعيشه أيضاً. هناك مئات الأفلام التي صوّرت شرطياً يرتاب في شخص ما، لكن من بين هذه المئات هو فيلم واحد جسّد هذا الإرتياب إلى حد أن الخوف من اكتشاف الحقيقة يصيبك أنت وذلك في مشهد من فيلمه «سايكو» (1960) حين ركنت جانيت لي (التي سرقت مبلغاً كبيراً من المال) سيارتها لجانب الطريق ونامت، لكي تصحو على طرقات الشرطي على زجاج السيارة. كل لقطة محسوبة لأن تحل في الموقع الصحيح في الوقت المناسب لتجسيد ما يفكّر به الشرطي ("هناك شيء غريب في تصرّفات هذه المرأة") ولتجسيد ما تفكّـر به المرأة ("هل أثرت ريبة الشرطي؟ هل سيلقي القبض عليّ او يسأل تفتيش السيارة؟") وهي كلها الأسئلة التي تنتاب المشاهد ليس فقط إذا ما شاهد الفيلم لأول مرّة، بل حتى حين يشاهده للمرّة الثانية او ما بعدها، لأن من نجاح الفيلم أن يجعلك، حين تشاهد الفيلم مرّة أخرى، أن تعيشه من جديد. 
                                                               NORTH BY NORTHWEST

مباشرة بعد "دوخة" أنجز هيتشكوك فيلماً رائعاً آخر سنة 1959  هو North By Northwest  فيه مطاردة تقع فوق جبل ماونت روشمور حيث تماثيل رؤساء أميركا. في سعي بطلي الفيلم كاري غرانت وإيڤا ماري سانت للبقاء حيين هرباً من العصبة التي تعمل لصالح العدو، يجدان نفسيهما عند حافة التمثال.  كلاهما تدلّى بدوره ومهدد بالسقوط. الخوف من السقوط من علو شاهق احتل عند هيتش قدراً كبيراً من الأهمية٠ وهناك تلك اللقطة التي لا تزال تحيّـر نقاداً ومؤرخين: لماذا عمد المخرج إلى المزج بين صورة نصفيه لبطل الفيلم غاري غرانت، مع صورة خلفية لرؤساء أميركا ولثانية واحدة بدا كما لو أنه جمّدها فوقهم. سيتطلّب الأمر تدقيقاً يشمل الفيلم بأسره، وهو ما أقاوم إغراء القيام به، لكن ما أطمح هنا من وراء ذكر هذا المشهد هو تقديم مثال على عمق الدلالة المتأتية فقط من الصورة. وإذا ما راجعنا تاريخ السينما بأسره فإن أكثر أفلامها خلوداً هي تلك التي تعتمد الصورة لا الحوار ولا التعليق طريقة لتوفير ما تريد توفيره من مدلولات.
 في هذين الفيلمين فرتيغو» او «دوخة» و«شمال شمالي غرب» يأتي الخوف من السقوط في النهاية لتعقبها سلامة البطل. إنها كتذكير بأن الحياة كادت أن تلفت من كم مرتديها. من هو القابض على الحافّة يصبح أمراً لا يهم كثيراً. لكن في  فيلم "دوخة" يأتي هذا الخوف من السقوط في البداية ولغايتين: الأولى: معظم الفيلم يتعلّق بخوف يعتري بطل الفيلم سكوتي من العلو  (هناك عدّة حالات  أكثرها  انتشاراً أسمها أكروفوبيا) والثانية: أن عدم الجواب عن السؤال حول كيف بقي حيّاً يمتد ميتافيزيقياً ليقترح أن سكوتي ربما سقط وربما مات وربما ما يتراءى له (كما ستكشف الأحداث) لا يقع مطلقاً. واقعياً (قدر ما يمكن للمشاهد أن يستخدم هذه الكلمة) فإن سكوتي خرج إنساناً ضائعاً من التجربة بأسرها. لقد تخلّى عن عمله كتحري بوليس ويقول لصديقته الفنانة  أنه لم يترك البوليس فقط، بل ترك كل شيء آخر.... تراه مات؟
تراه مات كل واحد من أبطاله خلال مأزقه الأول وما نراه هو خيال ناتج عن حالة ما بعد الموت؟ هذا سؤال وجداني وككل وجدان يتجاوز المنطق دون أن يلغيه. 
هيتشكوك، في النهاية، هو أكثر مخرجي السينما صدرت عنهم الكتب. هناك عشرات عن غريفيث وفيلليني وكوروساوا وانطونيوني وبرغمان، لكن هناك أكثر من مئة كتاب صدرت عن ألفرد هيتشكوك وحده… وكلها لا زالت تحاول قراءته والكثير منها ينجح لكنه، مثل بطله، لا يزال مرتاباً إذا ما نجح تماماً او لا.

                                                                                


تحية  | أندريه تاركوڤسكي

 "التضحية" (1986)  كان آخر أفلام تاركوڤسكي
وثاني فيلم له خارج بلاده. الخلفيات تؤكد أن 
تحقيق هذا الفيلم لم يكن أسهل من إنجازه 
أفلامه الروسية. 

في آخر أفلامه «التضحية» إختار المخرج الراحل أندريه تاركوڤسكي إنهاء دور بطله ألكسندر بتغييبه عن الحاضر، وذلك عن طريق قيام رجال المصح بأخذه في سيارتهم بعيداً. الكاميرا في لقطة بعيدة تنظر إلى السيارة وهي تمضي فوق السهوب مبتعدة. وختام الفيلم نراه متمثلا في إبن ألكسندر الذي يعتني بشجرة تركه له والده. شجرة زرعها وعنى بها كما عنى المخرج في تكوينها كرمز للحياة وللرسالة التي على كل منّـا حملها. وإذ ترتفع الكاميرا إلى إرتفاع أعلى من طول الشجرة مسلّطة على الصبي والبحيرة الساكنة أمامه، نشعر بأن قيمة الحقيقة كامنة الآن في هذا الصبي الذي ترك له والده الفن والحضارة وحب الحياة  كما ورثها بدوره.
لكن تاركوفسكي اختار تغييب الأب بنقله في سيارة الى حيث قد لا يعود، ولم يختر الموت نهاية له على الرغم من التشابه بين الحالتين. ذلك لأن التغييب يعني بقاء المرء حاضراً في المستقبل، في حين أن الموت، بحد ذاته، قد يكون نقطة النهاية في مشوار صاحبه. المطلوب مع خروج العناوين الأخيرة على صفحة مياه البحيرة هو الشعور بأن الأب ما زال باقياً هنا. ربما نظر المخرج إلى موت الأب كفعل نهاية عاطفي، في حين أن المطلوب كان فعلاً يحمل قدراً أكبر على الإستمرار. كذلك فإن التغييب عبر الموت حاصل طبيعي لكن التغييب عبر البقاء على قيد الحياة هو إنفصال شبه اختياري: الأب موجود في ماضي الأشياء وليس في حاضرها. حاضر وغائب معاً.

SACRIFICE                                                                                                

لأ أعتقد أن مخرجاً آخر في العالم قد استطاع تجسيد حياته على الشاشة حتى تفاصيلها الأخيرة. حين حقق تاركوڤسكي هذا الفيلم كانت إصابته بالسرطان قد ذاعت. وغيابه هو كان وارداً أيضاً. وهو لديه ولد كذلك وفي بعض أحاديثه وكتاباته يذكر الإرث الذي يريد تركه لولده. على ذلك فإن «التضحية»  ليس فيلما بيوغرافيا، بل رسالة إنسانية إذا ما اكتفت بها السينما، فإن هذا يجعلها، وحتى من دون حسبان باقي أمجادها، أهم وسيط حضاري بالفعل.
في التاسع والعشرين من شهر كانون الأول/ ديسمبر 1986 توفي تاركوڤسكي في باريس بعدما نهشه المرض. لم يلحق لا بآخر يوم في السنة ولا بأوّل يوم من السنة الجديدة. كان مثل الغلاف الأخير للكتاب وأنت تغلقه بعدما قرأته. وإذ تعود لتفتح بعض صفحاته تجد أنك وضعت إشارات وعلامات على الكثير مما ورد فيه.
أجد وأنا أستعيد أن أول فيلم أخرجه، وكان فيلماً قصيراً حققه سنة 1959 حمل عنوان «لن يكون هناك رحيل اليوم». وهو بالطبع لم يرحل في ذلك العام وبل تابع أعماله بتؤدة. فيلمه الثاني «آلة البخار والكمان» أنجزه كفيلم تخرّج سنة 1961 وذلك قبل عام واحد من تحقيقه «طفولة إيڤان» أول أعماله الروائية الطويلة. الفيلم استقبل من قبل الأجهزة الشيوعية في البلاد بحذر ثم تم منعه وهو المصير نفسه الذي واجه فيلمه الروائي الطويل الثاني «أندريه روبلوف» (1966). في العام 1972 حقق فيلمه الثالث «سولاريس» تبعه بعد ثلاثة أعوام بفيلمه «المرآة» (1975) وبعده تحفته «مقتفي» (1979) الذي كان آخر فيلم أنجزه في الإتحاد السوڤييتي ولو أن «نوستالجيا» (1983)  كان إنتاجاً مشتركاً بين روسيا وإيطاليا. أما «التضحية» فحمل أعلاماً سويدية وبريطانياة وفرنسية.
حين منحته السلطات السوڤييتية حق الهجزة كان حريصا على القول أنه ليس مهاجراً، وأنه لا توجد لديه مشاكل مع سلطات بلاده، بل استلم إذناً لكي يعمل ويعيش في الغرب لفترة مفتوحة. بذلك الإعلان كان تاركوڤسكي يقطع دابر الفرص التي كانتت ستتيح للبعض من أجل استخدامه مخلب دعاية مضادة. لكن هذا لم يكن يعني أن المخرج لم يكن لديه ما ينتقده على موقف مسؤولي السينما في وطنه الأم. 
علاقته بالسُلطة قد لا تثير المراقبين اليوم لأن السُلطة ذاتها تغيّرت. لكن هذا مخرج نشأ متمرّداً ومحبّاً لتحقيق الموضوع الذي يريد بالطريقة التي يريد. وعانى في سبيل ذلك بالمنع وعدم الإكتراث لتوزيع أفلامه داخل بلده وبالكثير من الصد من قِبل مخرجين سوڤييت آخرين كانوا ينظرون إليه كفرد يعمل لمنواله الخاص عوض أن يكون فنّـاناً للشعب. وهذه هي ذات التهم التي وٌجّهت مثلاً إلى يوسف شاهين في مصر ومحمد ملص في سوريا وفي كل مكان تحكّمت فيه السلطة وغرزت أنيابها في الثقافة والفن وحق المواطن بالتعبير عما يريد التعبير عنه وبطريقته الخاصّـة. ومع التطبيق، لا يعني ذلك أن فناناً همّـه الوصول إلى الجمهور العريض هو أقل أهمية (كمال الشيخ وصلاح أبوسيف هل هما أقل أهميّـة من يوسف شاهين؟ او جون فورد وهوارد هوكس هل هما أقل أهمية من أورسن وَلز وستانلي كوبريك؟)
ANDREI RUBLEV | Tarkosky                                                 

القيود التي فرضها النظام عليه تدرّجت من منع العرض إلى منع التصدير وإلى التأخر في السماح بعرض الفيلم او رفض السيناريوهات المقدّمة بحثاً عن التمويل. هذا لم يثنه عن المتابعة لكنه يوضح أن بعض المسافات الشاسعة بين أفلامه (سبعة أفلام في 24 سنة) لم يكن تأنّـيه فقط، بل اضطراره لانتظار التراخيص. 
لكن ما أن ترك المخرج بلاده إلى أراضي الجيران الأوروبيين حتى واجهته مشاكل مهمّة. لقد اكتشف أن عليه تجاوز نوع آخر من القيود هي تلك التي يفرضها السوق التجاري والرغبة الدائمة في العمل ضمن ميزانية تُحسب بدقّـة وتختلف عن الطريقة التي تضع فيها المؤسسات السينمائية الرسمية ميزانياتها. المشاكل السوڤييتية بالنسبة لتاركوڤسكي كانت رقابية لكنها لم تكن مالية (الا بمقدار ربما)، لكن المخرج وجد أن هناك قلّـة في الغرب مستعدة للمجازفة بميزانية كبيرة لفيلم لا يأتي من يراه في النهاية الا أتباع تاركوڤسكي المخلصين. على أهميّة هذه العقبة في طريق الإبداع، لا أعتقد أن تاركوفسكي كان سيعدم وسيلة لتحقيق أعماله لو كتبت له الحياة أكثر. حتى ولو كان الأمر وقفاً على فيلم كل عامين او ثلاثة. 
سأضيف أن بعض مشكلة تاركوڤسكي مع الإنتاج هو فشل العدد الكبير من النقاد الغربيين في تقديم هذا المخرج للجمهور. تأخروا في تقديره على نحو كامل (وبل لا زال هناك من يفعل ذلك لليوم) الناقد البريطاني فيليب فرنش (يكتب لصحيفة "أوبزرفر" لليوم) اعترف بعد عودته إلى لندن من عمله كعضو في لجنة تحكيم مهرجان "كان" سنة 1986 بأنه تراجع عن منح «التضحية» صوته للسعفة الذهبية في الجولة الثانية من التصويت (نال الفيلم جائزة لجنة التحكيم الخاصّة، الثانية ترتيباً) علماً منه، والقول له، بأنه أفضل عملاً من فيلم «الإرسالية» الذي أخرجه رونالد جوفي وهو الفيلم الذي نال سعفة كان في ذلك العام. التبرير الذي أبداه هو أن معظم أعضاء لجنة التحكيم رأت أن السعفة يجب أن تذهب لموهبة جديدة ممثلة بجوفي. وكان «الإرسالية» هو ثاني أفلام ذلك المخرج الذي لا شك صنع حينها أفلاماً جيّدة …. لكن أكثر جودة من «التضحية»؟ No F.. Way
STALKER                                                                                  
هذا النوع من التغاضي يمكن جمعه تحت مظلّـة أن العديد من متابعي أفلام تاركوڤسكي من سينمائيين (نقاداً ومخرجين وآخرين متصلين) كانوا يدركون أهميّته لكن ربما فاتهم فهم معاني أفلامه الى الحد الذي طمح إليه المخرج او لما يوازي أهميّـة تلك الأفلام.

تاركوڤسكي نوع من المخرجين الباحثين عن معاني الحياة. كل من يعتقد أن الحية هي بداية ونهاية او أرض وسماء عليه أن يبحث عن أفلام تاركوڤسكي ليرقب القدر الروحاني الكبير الذي تحويه بين مشاهدها الآسرة. ستدله على مخرج جسّد إيمانه بالخالق في أفلامه من دون أن ينصرف إلى التديّن الكنسي. أكثر من ذلك، ومع أنه أخرج «أندريه روبلوف» الذي دار حول ناسك وصانع أيقونات أرذوذكسي، الا أن رغبته هنا لم تكن صنع فيلم "ديني" بقدر ما كانت تحويل ناسكه إلى شاهد عيان لما كانت روسيا تمر به من أوضاع في القرن الخامس عشر. وهو إذا ما وجد صدّاً من قبل المؤسسة حينها تأتّى عن أن بطله مسيحي (هذا أولاً بلا ريب) لكنه أيضاً تأتّـى عن أن الفيلم لا يرسم تاريخاً بطولياً لروسيا، كما فعل- على سبيل المثال هنا- فيلم سيرغي أيزنشتاين «ألكسندر نافسكي» (1938) الذي قدّم شخصية بطولية دافعت عن روسيا ضد الغزاة وكانت في الوقت ذاته متديّنة (يستحق هذا الفيلم تقديمه في كتابة خاصّـة).
أفلام تاركوڤسكي تجسد إيمانه بالله (وهو درس العربية وقرأ القرآن وهناك قدر من الترجمة الصورية للفكر الإسلامي في أعماله) ليس على نحو الإقتداء التعبّدي بل في شمولية إنسانية تحوي الفلسفة والشعر والدين والحضارة كلها في قالب من السرد الفني الشاعري الجميل.
«سولاريس» عند البعض فيلم خيال علمي يعتبر بمثابة الرد على «2001: أوديسا الفضاء» لستانلي كوبريك. لكن الرد المقصود ليس في أن كليهما من الخيال العلمي بل في أن فيلم تاركوڤسكي يبحث في الإنسان على الأرض وفي الفضاء وعن قيمة الحياة في الوجود المطلق. يقف عاجزاً تجاه المعجزات الإلهية المتكررة. كتب تاركوڤسكي حوله: "كنت جالسا في البيت الذي نصوّر فيه الفيلم ولاحظت تسرب ماء من تحت الباب. في البداية كان تجمّـعاً صغيراً ثم كبر ومع كبره كنت أري الحياة تنشأ".
في "المقتفي" يدور البحث كذلك عن القيمة. الأحداث مستقبلية لكنها على الأرض حيث هناك عالم وأديب يتبعان دليلاً فقيرا في رحلتهما نحو منطقة ممنوعة ومحرّمة. في نهاية الرحلة بيت مهدوم. وفيه غرفة يريد الرجلان دخولها حين الوصول إليها. لكن الدليل يمنعهما لأنهما ليسا مؤمنين بما فيه الكفاية.  إنها مكان مقدّس. يتحدث الفيلم عن بحث العالم والمثقّـف عن «المجتمع الإنساني» المتكامل لكن أدواتهما ليست هي تلك التي يؤمن بها تاركوڤسكي، التي كما عاد فذكر في فيلمه الأخير «التضحية» تنطلق من فكرة سامية وتنتهي إلى فعل يهدم الإنسانية ولا يفيده. «مقتفي» يحث على أن يبقى في حياتنا اليوم ما هو مقدّس. إيمان كبير لا يجب أن يُـضحّـى به من أجل أي غاية او أي شيء آخر. ولو كان في ذلك الإجابة عن سر فلسفي او حياتي ما. لذلك حين يعود الدليل إلى زوجته منهكاً من الرحلة  يقول لها في أسى كلمات لا تريد أن تخرج من بالي: "إنهم يقولون، نحن نعيش مرّة واحدة فقط. كيف إذاً يستطيعون الإيمان بأي شيء آخر؟".
يصل "التضحية» بعد ذلك الى ذروة هذا الإيمان عن طريق توجّـه بطله ألكسندر (إرلاند جوزفسون) بدعوة إلى الله بأن يمنح الإنسان فرصة أخرى. إذا ما فعل (وذلك بعد أنباء عن انفجار نووي) فإنه يقسم على أن يقدم على التضحية بحياته وبعائلته وبمنزله. همّه كان أن يعيش كإرث وليس كمادّة وأن يستطيع الإنسان الآخر العودة إلى القيم الأخلاقية والمباديء السامية لأن ذلك شرط صلاح العالم (يا ليت تاركوڤسكي يعرف ما آل إليه الوضع من حين تحقيق ذلك الفيلم الأخير له إلى اليوم). وكما كان همّ ألكسندر أن يخلف هذا الإرث لولده، كان همّ المخرج أن يخلف هذه الرسالة/ الإرث لمشاهده.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2012
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system