Jun 4, 2012

الناقد وفلسفة الفيلم: حلقات جديدة | أتذكر منسيين: جورج بان كوزماتوس | هوڤيك حبشيان عن: سينما ألان رينيه | محسن الهذيلي عن: "أمل" | نديم جرجورة عن: الجمعة الأخيرة | محمد رُضا عن السينما العسكرية


                                                YEAR 6 | ISSUE 725

الناقد وفلسفة الفيلم | محمد رُضـــا
ــــــــــــــــــــــــــ 1 ـــــــــــــــــــــــــــ  
  بداية ما أصبح تمثيلاً

لا أريد أن أبدو أمامكم لا مجنوناً ولا شوڤينياً، لكني أشاهد كل يوم من ثلاثة إلى خمسة أفلام. بينها (على الأقل) إثنان روائيان طويلان. لا يهم من أي سنة تم إنتاجها. بالأمس كنت في حضرة "كليوباترا» نسخة 1912… أليس ذلك عظيماً؟ ربما ليس لكل الناس… لكن بالنسبة إليّ… هناك جنّات ثلاث أعظمها تلك التي في السماء السابعة. الثانية والثالثة هما على الأرض: واحدة في الطبيعة وتفاصيلها من حبّة الرمل إلى الكون والأخرى في هذا العالم الساحر الذي نسمّيه سينما.
ماذا استفدت من مشاهدة فيلم يعود إلى مئة سنة تاريخاً؟ 
عرفت أكثر فازدادت معلوماتي الفيلمية والفنية. اكتشفت وجوهاً وأسماءاً لم أكن أعلم بها. راقبت حياة على الشاشة ورصدت تفاصيلها كما لو كنت حاضراً أثناء التصوير. قرأت المخرج وقرأت الممثل وقرأت الموضوع و… انتقلت بكلّي إلى ذلك العام في زيارة. 
تأخذك الذاكرة إلى حين كنت صغيراً.
تأخذك الموسيقا إلى ذلك الحين او ما قبله.
تأخذك الصورة الفوتوغرافية إلى ذلك الحين او ما قبله.
أما الفيلم فينقلك إلى الماضي بأسره. يجعلك تعايش الماضي على أكثر من وجه.
كنت مذهولاً كالعادة وأنا أمعن في نعمة أن يشاهد المرء أمواتاً تتحرّك. كل من في الفيلم وكل من وراء الكاميرا ماتوا. الفيلم لا يزال حيّـاً إلى أن يريد له رب العالمين أن يبقى. لا أعرف كيف أصف هذا الشأن. قبل مئة سنة كان هناك ممثل ما دلف إلى السينما ومثّل هذا الفيلم وكانت له حياة موازية. طفت أفكّر في الحياة الموازية. هذا الممثل (أي كان) كان ينجز يوم تصويره ثم ينصرف إلى عالم بالنسبة إليه بالغ الحداثة: عربات بخيول وعربات بموتورات. هاتف حائط تتكلّم من مايكروفون ثابت وسمّاعة منفصلة. ملابس طويلة للمرأة. شوارع. بيت. عائلة. طعام (بنكهة قتلتها الكيماويات الحديثة) وعشرات العناصر التي تؤلّف الفترة والظرف.
كنت أرقب التمثيل الذي نضحك الآن إذا ما شاهدناه في فيلم او نرميه بالبيض: تمثيل مسرحي كامل. حين المصاب، ترفع المرأة يدها إلى جبينها للتعبير عن الصدمة. حين تريد التعبير عن نفسها ترفع يديها وتدور حول نفسها وتمنح الجمهور ما تريد قوله بالحركة. 
آنذاك، لم يكتب أحداً ليطلب من الممثلين التخلّي عن "التمسرح"، بعد ذلك صار هذا النوع من الأداء عيباً وكان من الحق أن يكون ذلك أنه حين أصبح للسينما مفرداتها اللغوية الخاصّـة لم يعد بالإمكان الإعتماد على تمثيل ينتمي إلى فن آخر.
لكن دعوني أبحث هذه النقطة من جانب آخر: السبب في أن الممثل (في هذه الحالة هيلين غاردنر التي لعلبت كليوباترا والتي مثّلت - ولاحقاً أنتجت- من العام 1910 ولم ترد أن تزيد فتوقّفت سنة 1924) كان يعمد إلى الحركة المسرحية هو أنها الحركة الوحيدة التي عرفها. على المسرح يستطيع التخفيف منها لأن لديه صوت يتلو به الحوار. في السينما، كيف له أن يعبّر عن الوله، الضعف، الحب، الضغينة او أي شعور آخر، الا باعتماد الحركة المتكلـّفة؟ ما الذي يقول له أنه إذا ما استعاض عن رفع يده إلى جبينه لإظهار لوعة، فإن المشاهد سوف يعرف لوعته؟
الكاميرا (والمخرج وراءها)  لعبت دورها في تكريس هذا النوع من التمثيل. لم تكن تعرف اللقطات القريبة والمتوسّطة والبعيدة. كانت لقطاتها غالباً من حجم واحد (متوسّطة البعد تظهر الممثل كاملاً مع الأرض التي يقف عليها والأثاث من حوله (في المشاهد الداخلية).

مع تعددها لاحقاً أتيح للممثل كسر النمط إلى فتاتات تناسب الحالة التي يمر بها. وكل شيء كان يتطوّر صوب تأليف لغة كاملة تشمل مفردات التصوير ومفردات الإنتاج ومفردات الحكاية ومفردات التمثيل والتعبير ومفردات التلقّـي عند الجمهور. ذلك الذي كان بدوره لا ينتظر من الممثل أن يقوم بأي حركة مغايرة لتلك المسرحية لأنه بدوره اعتاد عليها ولن يفهمها. لكنه، كالممثل نفسه وكالسينما، كان مستعداً لأن يتطوّر ويتقبّل التنويع حالما وقع.
التمثيل في السينما انتقل من حالات إلى أخرى.
في البداية وضع نفسه حيث هو. بلا خيال. هو حدّاد. مصارع. ملاكم. حلاق. ماشي في الشارع لأنه كان فعلياً حدّاداً او مصارعاً او ملاكماً او حلاّقاً او ماشياً في الشارع. أول عربي أمام الكاميرات الأميركية وذلك في العقد الأول من القرن (ولي عودة له) كان مشهوراً في السيرك بأنه راقص ورامي خناجر وحين صوّرته السينما صوّرته على هذا الأساس.
مباشرة بعد ذلك، هو شخص آخر. هنا بدأ التمثيل. هو عالم ينطلق إلى القمر في رحلة جورج ميليس. وهو لص قطارات في فيلم إدوين س. بورتر «سرقة القطار الكبرى» وشخصية أوليڤر تويست في أي من النسخ التي تم تحقيقها عن رواية تشارلز ديكنز ما بين 1903 و1919
بعد ذلك، هو التمثيل الفعلي. التمثيل التشخيصي والتقمّصي من منتصف العشرينات وما بعد. لم يذب ما سبق دفعة واحدة، لكن الحالة الجديدة الثالثة سطت وأفرزت: ممثلون قادرون على دخول شخصيات أخرى، ممثلون غير قادرين على دخول شخصيات أخرى فيطلبها لنفسه ومقاسه. وهذا الفريق الثاني انقسم إلى نوعين: نوع فشل لأن شخصيته (بنفسه ومقاسه) لم تكن بالقدرة على استحواذ الإهتمام ونوع نجح لأن شخصية الممثل لديها "كاريزما" خاصّـة تجعله قادراً على جلب الشخصيات الخيالية إليه والتعامل معها من خلاله هو.
إذاً المسألة، وأنا لا زلت أتعلّـم مما أراه، تبلورت من الأنا حيث أنا، إلى أنا- هو، إلى أنا هو أي أنا. 
نقطة أخيرة: طبعاً، بينما أهرب من الدنيا إلى الخيال لا امتلك الا أن أتساءل عن السبب في أن الفارق بيننا، أهل الأرض، كبيراً. لماذا- مثلاً- يحافظ الغرب على تراثه السينمائي بينما هو مباع ومباح ومسروق وبلا قيمة تذكر في عالمنا؟ لماذا هذا الوضع من اللاإكتراث؟ هل حقيقة إدراكنا أن الحياة لهو ومتاع وأن الآخرة خير وأبقى سبب في زهدنا فيما يمس كل ما يمكن له أن يصنع منّا أناساً أفضل؟ هل نحن منتحرون او مفلسون؟ هل نكره ما نشاء من هذه الدنيا ونحب ما نشاء حسب مصلحتنا الخاصّة؟ وأليس صحيحاً أننا لا نرى مصلحة في الفن ولا في الأدب ولا في الثقافة ولذلك هي في أدني درجات الإهتمام لدى المتعلّم قبل الجاهل؟ الجاهل ليس لديه علم، لكن ملايين المتعلّمين يمارسون هذا الجهل ويضعون الفن وسائر الثقافات في أدنى مرتبة معتبرين أن الحياة أعلى وأهم من الفكر والأدب والفن… هذا الفن الذي يزيّن الحياة فلا معنى لها من دونه.

                                                                             


أتذكّـر منسيين
 جورج بان كوزماتوس 

حياة: في سنوات حياته (2005-1941) حقق جورج بان كوزماتوس، اليوناني الذي وُلد في إيطاليا، والذي تعلم السينما في أفضل مدارسها (الصالة) منذ أن كان صبيّاً في القاهرة، عشرة أفلام. ليس من بينها ما يدخل قوائم أفضل عشرة أفلام، لكنها كانت تعبيراً عن سينما التشويق والحركة التي يحب. وهذه الأفلام امتدت ما بين 1970 و1997 ما يعكس صعوبة خطواته.
الأفلام: أشهر الأعمال التي أنجزها
The Cassandra Crossing  (1972)
Rambo: First Blood Part II (1986)
Cobra (1986)
القائمة الكاملة مع تقييم الناقد أدناه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"كان عقاب والدتي لي حينما كنت صغيراً هو منعي من الذهاب إلى السينما. وكانت تريدني أن أصبح محامياً كوالدها".
قال المخرج الراحل جورج بان كوزماتوس ذات مرّة مسترجعاً ولعه بالسينما. في سن السادسة أخذه معه والده إلى مصر حيث كان يدير صالة سينما. هناك شاهد الصبي الشغوف فيلم «كابتن بلود» لمايكل كورتيز (1936) الذي علق بباله كأول فيلم شاهده وكان لا يزال يتذكّره. لكن والدته كانت تريده محامياً كوالدها، وكان عقابها له إذا ما فعل شيئاً مخالفاً لما تريد أن تحرمه من الذهاب إلى السينما لشهر. أخيراً، إنصاع إلى طلبها وحط في لندن لثلاث سنوات من الدراسة، لكنه لم ينقطع عن السينما بل اتخذ من «ذ ناشنال فيلم ثيتر» مقرّاً في الليل يتابع فيه العروض الكلاسيكية ويتعرّف فيها جديّـاً على السينما التي يحب. هناك تابع جان رنوار وفريتز لانغ وجورج كيوكر والتهم كل ما يمكن أن يصل إليه من أعمال.
                                        رتشارد هاريس في «عبور كساندرا»

كان الإتفاق معقود بينه وبين ذويه على أن يدرس المحاماة لثلاث سنوات وبعدها إذا ما وجد نفسه لا يزال يحب السينما فليكن، لكن إذا ما قطع دراسته القانونية (في جامعة لندن) فإن أهله سوف يقطعون عنه راتبه. كوزماتوس درس لثلاث سنوات ووجد نفسه لا يزال يحب السينما. التحق بعد الدراسة بمدرسة لندن السينمائية وأخذ يكتب النقد ليكتشف أن ما يستهويه ليس ما يستهوي النقاد عادة. كان يكتب عن السينما الهوليوودية التي يحب وينتقد تلك الأوروبية التي على نسق غودار او جاك ريفيت. وهو اعتبر أن النقاد (خصوصاً الأميركيين) يهيمون حبّـاً بالهجوم على الأفلام مكرراً أنه "إذا ما كنت تحب السينما ففي كل فيلم شيء جيّـد"، مفهوم شاسع وليس دليلاً على حب السينما طبعاً لكن ذلك كان رأيه.
في حوالى العام 1968 قرر دخول العمل السينمائي. كان في عطلة فوق جزيرة قبرص وسمع أن المخرج الأميركي أوتو برمنجر يصوّر فيلماً في «فاماغوستا» (الفيلم هو «هجرة» Exodus) فلجأ إليه للعمل مساعداً. قابلته السكرتيرة وأخبرته أن برمنجر لا يقابل أحداً لم يحلق ذقنه. انطلق كوزماتوس يبحث عن مكان يحلق فيه ذقنه. كان يوم أحد ودكاكين الحلاقة مغلقة. طرق باب إحدى الفلل فخرج صاحب الفيلا مستطلعاً. قال له: "سأخسر عملي إذا لم أحلق ذقني الآن… هل استطيع أن استعير حمامك لهذه الغاية؟". ضحك صاحب الفيلا واستقبله. 
بعد حلاقة الذقن عاد (جريحاً من كثرة الخدوش) إلى مكان التصوير فضحك المخرج لما شاهد وجهه على هذه الحالة ومنحه العمل. 
                                                                  Rambo II
بعد ذلك قام كوزماتوس بالعمل مساعداً للمخرج اليوناني ميخائيل كاكويانيس على فيلم «زوربا اليوناني» كما في فيلمين آخرين، ثم أدرك أن نسبة ضئيلة من مساعدي المخرجين ينتقلون إلى الإخراج، وأن استمراره في هذا العمل ليس ما ينشده. سافر إلى السويد بعيداً وكتب سيناريو فيلمه الأول «المحبوبة» الذي سعى لإيجاد تمويله مستقلاً وأمّـه حسن الطالع إذ كانت راكيل وَلش تبحث عن دور درامي لها في ذلك الحين فإذا بالمخرج يعرض لها دور البطولة لجانب رتشارد جونسون وجاك هوكينز. 

كان ذلك سنة 1970 وبعد سنتين كان يضع رتشارد بيرتون في بطولة «مذبحة في روما» الذي أثار نقمة الفاتيكان. أسلوب فرنشيسكو روزي وجيلو بونتيكورفو في العمل لم يكن بعيداً عن بال كوزماتوس كما يتبدّى ذلك في الفيلم، وكما يعترف حين يذكر في إحدى مقابلاته آنذاك من أنه أحب كل «سلفادور جيليانو» لروزي و«معركة الجزائر» لبونتيكورفو.
ما بين «مذبحة في روما» وفيلمه اللاحق «عبور كاساندرا» مرّت خمس سنوات. الفيلم الذي جمع له المخرج عدداً من أكبر النجوم آنذاك: صوفيا لورن، أڤا غاردنر، رتشارد هاريس، بيرت لانكاستر، جون فيليب لو والممثلة السويدية إنغريد ثولين (من وجوه إنغمار برغمن المعهودة). الفيلم هو دراما في قطار حيث ينتشر ڤيروس قاتل في قطار منطلق عبر أوروبا لذلك كان متعدد الشخصيات والوجوه فبالإضافة إلى المذكورين كان هناك عدداً من الوجوه الجديدة مثل آن تيركل وأو ج سمبسون وراي لفلوكر ومارتن شين، ومدرّس التمثيل لي ستراسبورغ في قصّـة جانبية محشورة عن اليهودي الطيّـب الذي يحمل في شخصه كل الخير (استثناءاً) وذكريات مؤرقة حول الهولوكوست. 
بعد ذلك بعامين حقق «الهروب إلى أثينا»، ححكاية من الحرب العالمية الثانية تدمج الحقيقة بالخيال مع روجر مور وتيلي سافاليس وديفيد نيفن وكلوديا كاردينالي ورتشارد راوندتري وستيفاني باورز في البطولة. أيضاً، ومن الباب التعاطفي الساذج نفسه، منح إليوت غولد شخصية يهودي مع معالجة كوميدية تجعله ساذجاً أيضاً. 
غاب بعد ذلك حتى العام  1985 ليعود بفيلم رعب كندي/ أميركي بعنوان «من أصل مجهول» حول جرذان تغزو المدينة. فيه لحظات حاسمة كثيرة كفيلم يعتمد على الرعب الحيواني لكنه لم يبلغ بكوزماتوس مكانة جديدة. من حسن حظّـه أنه كان تعاقد مع شركة كولمبيا لتحقيق الجزء الثاني من «رامبو» وفعل ذلك بمهارة محسوبة. 
كوزماتوس في كل أفلامه يعرف تفاصيل ما يريد تنفيذه ويقدم على ذلك بمهارة ملحوظة مع الإعتماد على مدير تصوير يمنحه البعد البصري لاختياراته. «رامبو» الأول (للكندي تد كوتشيف-1982) كان تأسيسياً لما تلاه، لكن فيه بعض أفضل ما شهدته كل أفلام رامبو من مشاهد (مع نهاية قريبة من الركاكة). «رامبوانتقل إلى فييتنام بعدما تقرر إرسال رامبو لتخليص رهائن لا يكترث أحداً في القيادة العسكرية عودتهم بالضرورة حتى لا تتعقد المسائل السياسية المناطة بالمحادثات لإطلاق سراحهم. لكن رامبو يفاجيء الجميع بقدرته على تخليص الرهائن والعودة بهم إلى القاعدة العسكرية رغم أنف الجميع.
أنجز كوزماتوس بعد ذلك فيلماً بوليسياً شيّقاً لكنه ليس مميّزاً بعنوان «كوبرا» مع سلفستر ستالون أيضاً حول شرطي متجهّم يتم إسناد مهمّـة الدفاع عن الشاهدة الوحيدة الباقية في قضية خطيرة (بردجت نلسون).
فيلمه التالي «لفياثان» (1989) كان من الخيال العلمي حول ركام سفينة "سوفياتية" تحمل شحنة خطرة يقوم الأميركيون باكتشافها وسحبها إلى اليابسة ليكتفشوا أنها تحوي خطراً على الإنسان، مع بيتر وير (الذي ظهر في «من أصل مجهول» ورتشارد غرينا (من «رامبو ثم أسماء منسية لم تتقدم بعد ذلك. هذا الفيلم سبق «الهاوية» لجيمس كاميرون لكنه لم يترك التأثير الكبير ذاته. 
لا أعرف الظروف التي قادت كوزماتوس لإخراج فيلمه اللاحق «تومستون» (1993): وسترن يعيد سرد حكاية تناقلتها هوليوود كثيراً في السابق: الشريف وايات إيرب (كيرت راسل) وصديقه دوك هوليدان ڤال كيلمر») مع سام إليون وبل باكستون وباورز بوث. لا زلت أفضل نسخة جون ستيرجز (الأبعد عن الواقع في التفاصيل) المعروفة بـ «قتال عند أوكي كورال» (1957) بطولة بيرت لانكاستر وكيرك دوغلاس وروندا فلمنغ وجون أيرلاند بين آخرين. 
الظروف التي أعنيها هي كيف قام بمشاركة الإخراج مع كاتبه السابق كڤن جار. هل حبّـاً في مساعدته؟ أم أنه جاء ليكمل ما بدأه جار ولم يستطع إتمامه. ما أعرفه أن جار لم يخرج بعد ذلك أي فيلم (ولا قبل ذلك أيضاً) بل لجأ إلى بعض الأعمال منتجاً (توفي في العام الماضي وكتب وقام بإنتاج «المومياء» سنة 1999).
آخر فيلم حققه كوزماتوس كان «مؤامرة ظل» الذي لم يعن شيئاً لأحد. فيلم وُلد على أساس أنه لن يكون أكثر من تشويق معهود حول مؤامرة لقتل رئيس الجمهورية على بطل الفيلم (تشارلي شين) إحباطها. وهو- بالطبع- يفعل!. حتى على المستوى التقني ليس هناك ما يُحتفى به. وكان خاتمة- حزينة إلى حد- لمخرج ذي معلومات غزيرة أحب سينما الأكشن وحقق فيها قدر استطاعته وجاءت أعماله متشابهة في مستوياتها.

التقييم
1970: The Beloved **
1973: Massacre in Rome **
1977: The Cassandra Crossing **
1979: Escapre to Athena **
1983: Of Unknown Origin ***
1985: Rambo: First Blood Part II ***
1986: Cobra **
1989: Leviathan **
1993: Tombstone ***
1997: Shadow Conspiracy **

                                                                             
ألان رينه عنكبوت السينما شابٌ في التسعين!
هوڤيك حبشيان


في حوار شامل معه في مجلة "سينما" الفرنسية، نُشر عام 1980، تطرق ألان رينه إلى عصاميته على هذا النحو: "تركتُ معهد الـ"ايديك"، لأنه لم يكن فيه الكثير لأتعلمه. السنة الاولى كانت عامة: كان الكل يتلقى التحصيل العلمي نفسه. حياة مدرسية مع ما فيها من نظراء، علامات، صباحاً وظهراً ومساء. لم اشعر بالارتياح. وخصوصاً، لم يكن في استطاعتي ان اتعلم الشيء الذي كنتُ أتيت من أجله، يعني المونتاج. في النهاية، تعلمته على آلة قصّ ولصق بدائية". 

بعد تجارب غير مرضية في تقمص الأدوار، انجز رينه مجموعة افلام انطلاقاً من تجارب التشكيليين الكبار: فان غوغ، بيكاسو، غوغان والفنّ الافريقي الذي عالجه في "التماثيل تموت أيضاً"، تشارك اخراجه مع كريس ماركر. انها خمسينات القرن الماضي، ورينه كان أول مَن وضع أسس الفيلم الذي يتخذ من الفنّ مادة نقاش له. منذ البداية، ظهر عنده ميل واضح الى الأدب، في مرحلة كانت الاقتباسات الأدبية سائدة، فكان مقرباً من نيكول فيدريس، وكان اختار مكاتب "منشورات سوي" الشهيرة مقراً له ولكريس ماركر. ثم، عام 1955، مع جان كارول، أحد كتّاب "سوي"، أنجز فيلماً أصبح في ما بعد أقوى تعبير بصري لمعسكرات الاعتقال النازية. جاء الشريط مشبعاً بالواقعية. السبب أن كارول كان يعرف عما يتكلم كونه احد الذين اعتُقلوا خلال ما سمّاه النازيون "الحلّ النهائي".
بعد هذه الرائعة، التي وشت بموهبة استثنائية عند مخرجنا الثلاثيني، خاض رينه تجربة الفيلم الروائي الطويل. "هيروشيما حبي"، حلّ في اللحظة التي تحول فيها مسار السينما الفرنسية. في العام نفسه الذي شهد ولادة "الموجة الجديدة"، أي عام 1959، قدّم رينه هذا الفيلم الذي أعدّت له السيناريو مارغريت دوراس. ذات يوم زار رينه صاحبة "الشاحنة" طالباً اليها أن تساعده في وضع نصّ لفيلم يريد انجازه. تروي دوراس: "أمضيتُ 13 يوماً وانا اقول في نفسي سأتخلى عن هذا المشروع، فقد كان من المستحيل انجاز فيلم عن هيروشيما. لكني، انطلقت من حال الاستحالة هذه لإتمام الفيلم. كان في بالي جملة "لم ترَ شيئاً في هيروشيما". كان ينبغي لرينه أن يذهب الى هيروشيما للتصوير بعد سبعة أسابيع. تقبّل فكرة السيناريو من حيث المبدأ (...). هو الذي نصحني بإيمانويل ريفا. أراني صورة لها. كانت تلبس تنورة سكوتلندية. التقيتها عشية مغادرتهما الى هيروشيما وأمضينا سهرة كاملة معاً وحكيتُ لها حكاية سيدة هيروشيما الى أن رأيت دموعها تنهمر".
كان رينه قد عثر على ريفا في الأوساط المسرحية. آنذاك، في نهاية الخمسينات، لم يكن رائجاً أن يهتم السينمائيون بممثلي المسرح. كان هو يبحث عن وجوه غير معروفة من الجمهور العريض. راح يصورها حيناً بكاميراه الصغيرة، وحيناً يلتقط لها الصور. لم يتأخر كثيراً قبل أن يستقر خياره عليها. جاء الفيلم مزيجاً من الواقع والخيال وحاز اعترافاً دولياً كبيراً. في الجزء الأول، هناك لقاء، من خلال توليفة مميزة، بين لقطات توثيقية ومشاهد اخبارية وتعليق موسيقي وصوتي. كل هذا ينطلق من تيمة "لا، لم تشاهد شيئاً من هيروشيما". عبر مصير امرأة احبّت جندياً مات أمام اعينها، صوّر رينه أشياء كثيرة: بارات، علب ليل، مطاعم، شقق ومحطة. خلطة أشياء ومآسٍ. هيروشيما أرضٌ خصبة لنتذكر الحرب في نيفير. المأساة الشخصية تجاور المجزرة الجماعية. الفيلم يصبّ جام غضبه أمام وجوهنا، رافعاً صوته في وجه الظلم: الإنسان، كيف يمكنه أن يفعل هذا؟". 
                                                               هيروشيما حبي

أفلام كبيرة جاءت في الستينات: "السنة الماضية في ماريينباد"، "مورييل أو زمن العودة"، "الحرب انتهت"، "بعيداً من فيتنام"، "أحبّك أحبّك". في "السنة الماضية..."، استعان بنصّ كبير لأمير "الرواية الجديدة" ألان روب غرييه. في قصر من القصور ذات الهندسة الباروكية، جزم رجل بأنه التقى العام الماضي امرأة متزوجة من رجل "مقلق". أين الحقيقة وأين الوهم في هذا الفيلم الاستثنائي الذي قلما أنجز مثله في تاريخ السينما؟ لعبة مونتاج جديدة يتشابك خلالها الماضي والحاضر والمستقبل. شخصية تلتف حول نفسها كسجناء فان غوغ، طارحة أسئلة لا تجد من يردّ عليها، وتتكلم دائماً بجمل معلّقة حُذفت نهاياتها. الفيلم بات ظاهرة سينمائية صنعت مجد رينه مبكراً، واظهرت مدى قدرته على خوض تجربة اسلوبية مماثلة. طبعاً، يأتي الفيلم مثقلاً بتأثيراته الأدبية ومشبعاً بإرث اللغة، اللغة الفرنسية. لكنه، كما عهدناه دائماً، يقتل رينه الأدب بالأدب. انه واحد من الذين تنجو سينماهم من الأدب على رغم الحضور المكثف للأخير. في هذا الصدد، يقول روب غرييه: بعض السينمائيين يستغنون عن كتّاب السيناريو، لكنهم على الرغم من ذلك يصنعون سينما يجتاجها الأدب، كأن في داخلهم ندماً من كونهم لا يكتبون رواية. في حين أن سينمائياً مثل رينه، يستعين بكاتب سيناريو، من أجل أن يصنع فيلماً وليس أدباً". في المقابل، يشرح رينه رفضه في نقل الروايات الى الشاشة وتفضيله العمل على سيناريوات أصلية: "لا اعرف السبب الحقيقي، ربما لأن المؤلف السينمائي على معرفة تامة بأنه لا يمكنك، إذا شرد تفكيرك أو ضاع تركيزك، ان تطلب الى الممثلين أن يعيدوا تمثيل المشهد الاخير، او حتى ان تطلب الى مدير صالة السينما أن يعيد البكرة التي فاتتك. وهو الشيء الذي يجوز فعله في الادب. اذ يكفي ان تقلب صفحات كتاب في اتجاه الخلف. من المفترض ان يتذكر المُشاهد كلّ ما يراه ويسمعه خلال متابعته حوادث الفيلم. في حين ان الروائي يعتبر انه لا بأس اذا عاد القارئ بضع صفحات الى الوراء، اذا صعب عليه فهم بضعة سطور من روايته".
اذا كان رينه استعان دائماً بأسماء كبيرة لكتابة نصوصه الفيلمية، فهو في المقابل، لا يعتبر السيناريو الجيد هدفاً في ذاته. "لو كان ذلك هدفنا، لكنا اكتفينا بنشر السيناريو. لذلك، فالمسائل الطارئة اثناء التصوير هي التي ستغيّر ما هو مكتوب، وهذا التغيير يصنعه الممثلون ومدير التصوير وكذلك الظروف". هكذا بلور رينه فيلماً بعد فيلم تقنيات تصويرية خاصة، وطريقة في العمل يمكن نعتها بـ"السقراطية"، أي انها قائمة على الانتظار والترقب وعدم فلش جميع الأوراق على الطاولة دفعة واحدة. ينبغي التذكير انه ظل يعمل، مع فريق واحد، في السنوات الأخيرة، علماً انه يعزو هذا الشيء الى المصادفة. يقول: "اذا كنت تعاونت والفريق نفسه منذ أعوام، فإن ذلك كان ثمرة المصادفة. لم يكن استخدام الاشخاص أنفسهم نوعاً من مبدأ عندي. لكن كان من الممتع ان ألتقي هؤلاء مجدداً. لماذا استغني عن اشخاص يريحني العمل معهم؟".
التعاون مع الكاتب الاسباني الكبير خورخي سمبرون أتاح له عام 1966 انجاز واحد من أهم اعماله: "الحرب انتهت". آنذاك، كان من الصعب ادخال الفيلم في مسابقة كانّ تحت ضغط الحكومة الاسبانية، لكنه ذهب الى كارلوفي فاري حيث نال اعجاب الجمهور والنقاد. يروي سمبرون ان رينه جاءه طالباً اليه ان يخبره في بضعة سطور ما يريد أن يحكيه، فاقترح عليه سمبرون ستّ حكايات تجنّب منها اربعاً. ثم، اختار قصة اسبانية عن دفن لاجئ اسباني في الضاحية الباريسية. بحسب سمبرون، كان رينه يريد فيلماً سياسياً وهذا ما حصل في النهاية. في البدء، كانت فكرته انجاز فيلم عن سيرة نقابيين يهتمون باللاجئين السياسيين ويعملون على لملمة التواقيع، وينظّمون التظاهرات دفاعاً عن السجناء السياسيين في أنغولا. ثم كان القرار بالتركيز على قضية اسبانية. يروي سمبرون ولادة الفيلم على هذا النحو: "ذات يوم جاءني رينه ليقول إنه غير راض عما كتبناه (...). بعد ثمانية أيام، اقترحتُ عليه حكاية أخرى. هذه المرة، كانت الشخصية الأساسية شقيق شخصية السجين التي اقترحتها سابقاً. كان لهذا الوافد حديثاً الى مخيلتنا الفرصة في أن يكمل نشاطاته الثورية. في هذه الحكاية الجديدة، كنتُ اصف ثلاثة ايام من حياة ثوار محترفين. لم نحدد المنظمة التي ينتمي اليها، لكن الواضح انه من اليسار المتطرف. الثائر دييغو مقيم في فرنسا، لكنه يذهب بين الفينة والفينة الى اسبانيا، سراً. يغيب أشهراً عدة كل عام، لتأهيل بعض الشباب والاهتمام بشبكته (...). أصرّ على مسألة أن رينه يشارك في كتابة النصّ مع الكاتب، وإن لا يضع فاصلة واحدة بيده ولا يقترح كلمة واحدة".
كان دييغو في "الحرب انتهت" من عمر ايف مونتان عندما اضطلع بدوره. وكان سبق لمونتان ان شاهد أفلام رينه وأعجب بها كثيراً، عندما بدأ يمثل تحت ادارة المعلّم. يقول: "عندما نكون في صحبة رينه، او في صحبة مخرجين من طينته، نحضّر للدور، نناقش، نتمرن، قبل الوقوف أمام الكاميرا. لكن، علينا أن نصمت ما إن نصل الى البلاتو، ونفعل ما كان مقرراً (...). رينه يتعاطى معك كما لو كان طالباً، لكنه صاحب قوة هرقلية. وهو دائماً، ينال منك ما يعتقد انه الأفضل لمصلحة الفيلم". في الحقيقة، لم يكن اختيار مونتان اعتباطياً. فللمغنّي والممثل الايطالي الأصل ماضٍ حافل بالارتباطات السياسية: "كنتُ اشعر نفسي معنياً بشخصية دييغو، وهذا لا يعني انه كان يسهل تجسيدها. هذا لا يعني الا شيئاً واحداً: لم يكن اختياري من جانب رينه محض مصادفة!". 
العام الماضي في ماريباد

على مدار كل هذه السنوات، أبدى رينه اهتماماً كبيراً بتيمة الذاكرة وتماسك العدائية في المجتمعات، التي تقودنا عنده الى نوع من تدمير ذاتي وانتحار. العدائية تتخذ عنده أشكالاً "اجتماعية": الحرب النووية في "هيروشيما..." والحرب "العادية" في "مورييل"، من خلال الصراع الجزائري ــ الفرنسي. هذا كله جعل سينما رينه متفوقة فكرياً وثقافياً على سينما كثر من معاصريه، هواجسها الحرية وعلم النفس والظروف الثقافية الاجتماعية التي تؤثر في خيارات الفرد. بيد ان تعبير "مخرج ذهني" يتلقّاه المعلّم بسلبية كبيرة، مفضّلاً تعريف "صانع الانترتنمنت" على المثقف.
لم تبقَ تجربة التعاون بين رينه وسمبرون يتيمة، اذ تولى سمبرون تأليف "ستافيسكي" (1974)، واحد من أفضل أفلامه، مع بلموندو بطلاً. تطرّق نصّ سمبرون الى شخصية المغامر ستافيسكي وتعمّق في ابعادها النفسية، ولم يتوان عن فتح خط مواز بينها وبين إقامة تروتسكي في المرحلة ذاتها في فرنسا قبل أن يتعرض للطرد. ثم فجأة، عام 1980، قرر رينه المنحى الاختباري المتطرف في واحد من أكثر افلامه تجريباً: "عمي الأميركي". من خلال الغوص في نظريات لابوري في السلوك البشري، سعى رينه الى اثارة الضحك. لابوري اعتبر الكائن الحيّ "ذاكرة حية"، وقد أجرى تجارب مختبرية على حيوانات ليثبت اطروحته في ميكانيزمات العدائية. بالنسبة إليه، سبب الوجود الوحيد هو الوجود نفسه. انطلاقاً من هذا كله، يشيّد رينه نوعاً من بازل معقد، مقدماً مرة أخرى لقاءات مميزة بين ثلاثة ممثلين: جيرار دوبارديو وروجيه بيار ونيكول غارثيا.
في التسعينات، انفتح رينه على تجارب أخرى، نافضاً الغبار عن سينماه، محدثاً الاجماع المنشود سواء عند الجمهور أو النقاد. مع "تدخين/ لا تدخين"، تطرق الى المسرح المصوّر، مستعيناً بممثلين هما انييس جاوي وجان بيار بكري لأفلمة النصّ المسرحي لألان أيكبورن. في هذا الفيلم اضطلع كلٌّ من سابين أزيما وبيار ارديتي بخمسة أدوار مختلفة. يأتي "نعرف الأغنية" عام 1997 بنمط مشابه: أغنيات من الريبيرتوار الفرنسي الشعبي، تتداخل بمواقف من الحياة اليومية. رينه هو المخرج الفرنسي الأكثر ترشحاً لجوائز الـ"سيزار" الخاصة بالسينما الفرنسية، اذ ان عدد المرات الذي ترشح لـ"سيزار" أفضل مخرج بلغ الـ8، نال منها مرتين. مرة عام 1978 عن "عناية آلهية" ومرة أخرى عام 1994 عن "تدخين/ لا تدخين".  سينماه لا تزال في ذروة النضارة والشباب والحركة، ولا يزال عنده الكثير ليقوله عن الطبيعة البشرية، والعلاقات في المجتمع الحديث، والعزلة في المدن الكبيرة. كذلك في جعبته تقنيات سردية واحتيالات بصرية قديمة - جديدة. ولا يزال دقيقاً دقةً مرضية في اتمامه العمل، دقة تبلغ حد الوسواس. لا يزال رينه وفياً لبعض معاونيه منذ ثمانينات القرن الماضي، لا سيما فريق الممثلين، من اندره دوسولييه الى بيار ارديتي فسابين ازيما، التي يعتبرها ملهمته. خلال رحلة التقاط المَشاهد، الاحبّ الى قلبه أكثر من غيرها من الرحلات، يلعب واياهم لعبة قائمة على الحزازير وشدّ الحبال، والهدف من هذا كله: ان يعرف الممثل من تلقاء نفسه كيف يبني كاتدرائية الانفعالات التي يوصي بها الخلاّق الكبير. يحوك رينه فيلمه كما يحوك العنكبوت بيته.

 
المسلسلات الأميركية
حين التقيته في فرنسا ذات شتاء حول طاولة مستديرة مع جمع من الصحافيين المندهشين بلقائه في فندق باريسي فخم، بدا لنا طيفاً اسطورياً يلقي بأجنحته علينا. كأنه طيف يأتينا من الحرب الباردة. طيف يتخطى المكان والزمان. روى لنا انذاك انه متيّم بالمسلسلات الاميركية، ما صدم  الحضور، وأظهر مرة أخرى انفتاحه على كل مستجد ومثير. عبر رينه العقدين الماضيين في نجاحات متفاوتة. مرة أصاب ومرة خاب. لكنه لم يصبح اسيراً لـ"سينما العجزة". احد أروع أفلامه في السنوات الأخيرة: "قلوب". هنا اقتبس رينه مسرحية للبريطاني ألان أيكبورن، "مخاوف خاصة في اماكن عامة"، مثبتاً أن العودة الى الـ"أفان غارد" جائزة، وخصوصاً اذا كانت لتزويد المشاهد بعض المتعة. ألان رينه، سينمائي شاب في التسعين، لم يقل كلمته الأخيرة بعد...

تجربة التمثيل
ظهر رينه في "زوار المساء" (1942) لمارسيل كارنيه، بيد ان مسرحية "النورس" لتشيكوف كانت الاكتشاف الأعظم في سنوات المراهقة. كانت طبول "الحرب الثانية" في حال تأهب، ولم يكن الألمان قد احتلوا باريس، عندما قرر ألان رينه النزوح اليها والاقامة فيها. في البال، طموحٌ واحد: الانضمام الى صفّ رينه سيمون لتعلم التمثيل. ثم، مباشرة بعد انتهاء الحرب وجدنا رينه على مقاعد الـ"ايديك"، المعهد التاريخي الذي كان افتتح أبوابه للتوّ. لكن، عندما لا يجد ما يتعلمه هناك، يقرر المغادرة بعد عام واحد على انتسابه اليه.

"
الموجة الجديدة"
على الرغم من ان "هيروشيما حبي" قمة من قمم ما بات يُعرف منذ نهاية الخمسينات بـ"الموجة الجديدة"، لم يشعر رينه نفسه قريباً من تلك الموجة. "أتعلمون"، يقول، "لم استطع يوماً ان انصهر في "الموجة الجديدة"، لأننا لم نكن كلنا من الجيل نفسه. فالمنتمون الى هذه الموجة كانوا أكثر شباباً مني، وكنتُ أنا بدأت بإنجاز الافلام القصيرة، لكن كانت علاقتي بهم طيبة.
مقارنة بهم، كان يمكن تصنيفي في عداد الشيوخ. لكني اشدد أنه بفضل "الموجة الجديدة"، خطر على بال المنتجين ان يقترحوا عليَّ فكرة انجاز فيلم روائي طويل. من دون كلود شابرول وفيلمه "أولاد العمّ"، ما كان ليحصل الكثير. الشيء الايجابي في "الموجة" انها فتحت المجال للجميع ان يصبح سينمائياً في زمن كان يُمنع على مَن لم يشارك في صناعة 9 أفلام كستاجيير ومساعد مخرج، أن ينتقل خلف الكاميرا. أهمية "الموجة" انها كانت تؤمن بأنه اذا احبّ الفنان السينما، فهذا يكفي لاطلاق المجازفة (...) سابقاً في فرنسا، كنا ننتج 90 فيلماً في السنة، والآن صرنا ننجز ما يقارب الـ220 فيلماً في عام واحد".

"
لستُ متأكداً"
يقول رينه انه لم يكن يفكر يوماً في ان سيصبح مخرجاً. "قد أبدو متعجرفاً، لكني لست متأكداً بعد من انني صرت مخرجاً. لا تزال متعة التصوير عندي مثلما كانت في بداياتي. لا اتسلى في انجاز فيلم الا عندما أبلغ مرحلة التصوير. اللحظة الوحيدة المريحة، على رغم الصعوبات والاهتمام بالتفاصيل، هي التصوير ثم المونتاج. اما البقية فعبارة عن مراحل قاسية، لا سيما التحضيرات، بحيث لا شيء يضمن ان ما نبذله من جهود سيؤدي الى انجاز الفيلم".

                                                                             
شاشة الناقد | "أمل"  لنجوم الغانم
فيلم عن غربة العيش في المدينة التي نحبها
محسن الهذيلي

يحكي الفيلم الوثائقي الأخير للمخرجة الإماراتية نجوم الغانم عن حياة الفنانة المسرحية السورية المقيمة في أبوظبي أمل حويجة، ويصور الفيلم الغربة الفنية والاجتماعية التي تعيشها هذه الفنانة وشعورها بالفقد لبلدها سوريا المرتبط لديها بتجربتها الفنية والإبداعية.
وتعيش أمل حويجة منذ سنوات في دولة الإمارات وقد تنقلت فيها بين دبي وأبوظبي أين استقرت في الفترة الأخيرة.
ويركز الفيلم في صوره وحواراته على حياتين: حياة أولى تبدو هادئة ورغدة عموما وتتعلق بمدينة أبوظبي والإمارات وأسلوب الحياة فيها، وحياة غربة فنية تتعلق بالفنانة أمل التي لم تجد الشروط اللازمة لممارسة فنها وتطوير تجربتها المسرحية.
رغم وعيها أو لاوعيها بتباين الحياتينحياة المدينة وحياة الفنانة- تمادت نجوم الغانم ضمن فيلمها في تصوير حيرة أمل حويجة وغربتها وضيقها بالمكان ولكن على خلفية لم تعكس ذاك الحزن والشعور بالإخفاق الذي تحمله أفكار أمل، فالخلفية التي هي مدينة أبوظبي، أظهرتها الغانم مشرقة ومنفتحة على الآفاق وساحرة.
هذا التراوح بين إحساس الفنانة الحزين والصور الطليقة والوديعة للمدينة في الفيلم أضفى بعض الثراء الصوري على الفيلم ولكن أوجد فيه أيضا تناقضا واضحا بين لطف وجاذبية الخارج وحزن وإحباط الداخل النفسي للفنانة أمل حويجة.
كانت أمل تحدثنا عن غربتها النفسية والثقافية ولكن في أماكن لم نشعر فيها بأي غربة، بما في ذلك بيتها الصغير الذي تعيش فيه وحدها، فبيتها رغم ضيقه بأثاثه ذي الطابع المسرحي بدى عبقا بدفئه وأمانه وتميزه بألوانه الطبيعية وقلة ألوانه الساخنة، لم تكن أماكن الفيلم إذن وخاصة الخارجية منها حيث الالتقاء بالناس العابرين وبالشمس الزاهية توحي بالغربة أو بالحزن بل على العكس من ذلك تماما، كل شيء كان يشي بحيوية الحياة وجاذبيتها. في إحدى المناسبات كانت أمل في بيتها وكانت تتحدث عن شيء وشعرت بالأسى و كادت أن تبكي لولا أنها أمسكت نفسها، في هذا المشهد رغم صدق دموع أمل إلا أن جو المكان لم يكن مواتيا للحزن، أضف إلى ذلك أن الغانم لم تستعمل اللقطات القريبة (كلاوز آب) من أجل تعميق المشاعر وإبرازها.
غربة أمل ربما أحسسناها فعلا في مناسبتين ثنتين: حين الحديث عن غياب الشروط الضرورية في المدينة من أجل ممارسة فنية وابداعية حقة، وحين الحديث عن العلاقات الإنسانية وغياب الصداقات الدائمة حيث الكل منشغل بنفسه وأعماله. وقد ساعدنا الفيلم على الوصول إلى هذه الأفكار والأحاسيس بمشاهد صورت، في الداخل أو الخارج، ولكن دائما أثناء الليل، وهي مناسبات لم تكن فيها أمل وحدها بل كانت مع أصدقاء لها وأحيانا بحضور زوجها. حزنا مع أمل مرة واحدة كانت فيها وحدها، كان ذلك في الليل أيضا، في ذلك المشهد الذي غادرت فيه إحدى الحفلات في مسرح المجمع الثقافي وجلست عند بابه على الدرج وحدها أمام ذينك المسؤولين عن الأمن، أما في باقي المناسبات التي ظهرت فيها أمل وحدها، وكانت اتفاقا كلها أثناء النهار، لم تكن تعطي أدنى فرصة لظهور الأشجان ومشاعر الغربة والحزن، لأنها بكل بساطة كانت صورا تتدفق أضواء وألوانا تشرح الصدر.
بعد هذه المقدمة ننصرف إلى ذكر بعض التفاصيل والعناصر التي انبنى عليها الفيلم:
  • من أهمية الفيلم أنه عرفنا بالفنانة أمل حويجة، وهذا التعريف كان مفيدا لمن يعرف أمل ومن لا يعرفها، لأن الفيلم كان يميط اللماث عن عدة أوجه وأبعاد في حياة هذه الشخصية، وذلك ابتداءا من حياتها الفنية ووصولا إلى بعض شؤونها الشخصية. فعلى مستوى هذه القراءات المتعددة كان الفيلم مغر وجذاب إلى حد كبير.
  • بعيدا عن حياة أمل حويجة الفنية أطلعنا الفيلم على واقعها الاجتماعي والعاطفي وابتعادها عن عائلتها وزوجها، ومن طرائف الأمور في علاقة أمل حويجة بزوجها أنهما يقيمان في بلدين مختلفين، فبينما تقيم هي في أبوظبي يقيم هو في أثينا. وهو ما يجعلهما لا يتقابلان إلا في لقاءات سنوية، من جهة ثانية يختلف الزوجان كثيرا (في الظاهر) من حيث اهتماماتهم المهنية، فبينما تمارس هي الفن، يمارس هو السياسية.
  • تطرق الفيلم من خلال أفكار أمل حويجة ليس إلى غربتها هي وحسب بل إلى الغربة التي يعيشها بعض المثقفين العرب في الإمارات في ظل غياب الفعل الثقافي والفني الحقيقي، وفي هذا الخصوص تشير أمل حويجة إلى ما تسميه النفاق الغالب على الحركة النقدية الفنية في البلاد، وهو نفاق لا يمكنه أن يدفع بالعملية الإبداعية نحو التطور والترسخ حسب قولها. وربما كان هذا العنصر من بين أهم العناصر التي دفعت بأمل حويجة إلى التفكير في الرحيل والعودة إلى سوريا وهو ما فعلته بالفعل، ولو أننا سنراها في آخر الفيلم تعود ثانية لتستقر في مدينة أبوظبي.
  • يقوم الفيلم في تعقبه لأمل حويجة خلال أبوظبي بتصوير بعض أوجه جمال هذه المدينة والتي تمثلت أساسا في الحضور المنعش لذاك البحر الراقد مثل نهر مقدس.
لقد صور الفيلم أبوظبي مثل جزيرة (وهي كذلك بالفعل) يحضرها البحر من كل جوانبها. رأينا البحر من عند الشاطئ ومن خلال الأشجار وعند موانئ المدينة المختلفة، ميناؤها التجاري وبواخره الضخمة، ميناء الصيادين وسفنه الصغيرة المملوءة بأدوات الصيد، وكان هناك أيضا شاطئ القرية التراثية وسفنها التقليدية، كانت الغانم من أجل تحقيق التنوع لا تتوقف عن تغيير أماكن مشاهدها وزوايا تصويرها.
وكذلك، ظهرت أبوظبي متميزة بصورتها الأخاذة، وهو عين الواقع، ولكنه واقع الصورة وليس واقع الحقيقة، لأن حقيقة المكان الخارجي في أبوظبي هو الحر والرطوبة وثقل الهواء. وقد تعود أهالي أبوظبي في غير الشتاء معايشة الخارج من وراء حجب عديدة ألطفها حجاب السيارة المكيفة، وهنا نصل إلى عنصر آخر في الفيلم صورته الغانم بلطف كبير:
  • قام الفيلم بتصوير بعض العلاقات الحميمة بين أمل وأشيائها، وأقوى مثال على ذلك -إلى جانب بيت أمل وارتباطها به- سيارتها، قلنا أن السيارة تأخذ في حياة الناس المقيمين في أبوظبي قيمة كبيرة، وقد صور الفيلم هذه القيمة في تلك العلاقة الحميمة بين أمل حويجة وسيارتها المرسيدس، حيث كانت أمل تتعامل معها مثل حيوان أليف، حيث أطلقت عليها إسما لا تذكرها إلا به، وأظهرت لها نوعا من الحب نجده عند بعض الناس تجاه قطة البيت أو عصفورها. لذا كان مشهد بيع السيارة المرسيدس الصغيرة (قبل السفر إلى سوريا) في سوق السيارات في الشارقة، يحتوي على كثير من مشاعر الود والأسى والحنين، وفي هذا المشهد أطلعتنا الغانم، بشكل خاطف، على عالم أسواق السيارات وتعاملات تجارها، مشهد بيع السيارة هذا إلى جانب مشهد إخلاء أمل لمكان سكنها كانا يطفحان بالمشاعر الإنسانية الحزينة، ووصلتنا تلك المشاعر لأن الغانم قد وفقت إلى حد كبير في تصوير ارتباط أمل حويجة ببيتها من خلال ديكورها شبه المسرحي وسيارتها التي كانت تتكلم عنها لدى تاجر السيارات وكأنها جزء من تراثها الإنساني.
  • لم يفوت الفيلم فرصة تصوير بعض الحيوات الحميمة، التي ربما نعتقد أنها حبس على المدن القديمة، ولكننا نجدها في أبوظبي بالفعل، وهي تتعلق فيها خاصة بممارسة بعض الأسواق مثل سوق السمك وسوق الغنم وسوق الخضر، ولكن الفيلم لم يرنا إلا هذا الأخير وصوره لنا وفيه أمل وهي تبتاع أشياء وتتبادل بعض الكلمات مع باعته غير العرب من الهنود والبنغاليين وربما الباكستانيين وهم بنفوسهم القانعة ووجوههم الطليقة وملابسهم البيضاء يحدثونها في دعابة ويعاملونها مثل أميرة.
  • وهنا نتوقف عند ذكر الأشخاص المتعددين والمختلفين الذين تطرق الفيلم إلى ذكر حيواتهم، فقد عرفتنا أمل ببعض أصحابها ممن ابتلعتهمحسب رأيها- الحياة في أبوظبي أو دبي، فبعد أن جاؤوهما بهدف جمع المال لبناء بيت العمر في بلدانهم والرجوع إليها، باتوا يلهثون وراء الحياة المرفهة والسيارات الفارهة والمساكن الوسيعة، كما سرقت تينك المدينتين منهم أموالا أخرى كثيرة أنفقوها في تعليم أبنائهم والانفاق عليهم، ما دفعهم إلى الإقتراض من البنوك وتأجيل موعد الرجوع إلى بلدانهم
أمل حويجة                                                    
تحدثت أمل أيضا عن أولئك المغتربين من العمال الهنود والآسيويين الذين تعاطفت معهم -ربما لقربهم من غربتها- وتساءلت عن مدى عزلتهم هم أيضا وبعدهم عن أوطانهم وأهاليهم. وقد استغلت المخرجة نجوم الغانم هذا التفاعل الإنساني بين أمل وأولئك العمال المنسيين لتصور إحدى أجمل المناظر على ميناء الصيادين في أبوظبي، وهو ما مكننا من أن نرى خلسة أولئك العاملين وهم على أسطح المراكب يزاولون الحياة كما في فناءات منازلهم.
فنيا اعتمد الفيلم بالأساس على الصور التي أخذها لبطلته أمل حويجة خلال أماكن عيشها وتنزهها في مدينة أبوظبي زائد الصور التي أخذها لمن حاورهم في المدينة حول أمل، ولكنه لم يكتفي بذلك، فقد اعتمد أيضا -في تطرقه إلى تجارب أمل الفنية داخل الإمارات وفي سوريا قبلها- على صور سينمائية وتلفزية وشمسية من الأرشيف، كما جرى تصوير أمل على أحد مسارح أبوظبي في أداء مسرحي منفرد، وقد وفقت كل هذه الأدوات والمصادر في إبراز النشاط الكبير لهذه الفنانة وعراقتها في المسرح والسينما وفن الدوبلاج وإدخال بعض الحيوية الأسلوبية على الفيلم
في الأخير نشير إلى أنه رغم أن الفيلم قد قضى جزءا مهما من وقته مع شخصية أمل منفردة (ما كان يمكنه أن يتسبب في بعض الرتابة وخلق بعض المملل لدى الجمهور) إلا أن صدق الشخصية وتنوع نشاطها وثرائها الفني والإنساني حال دون ذلك، كما أن بعض التناقض ما بين جو تصريحات أمل الحزينة وجو خلفيتها المكانية المضيئة والمنشرحة واللطيفة مضافا إلى الرجوع في عدد من المشاهد إلى الأماكن نفسها مثل ما حدث بالنسبة لحديقة وشاطئ القرية التراثية، كان يمكنهما أن يفسدا علينا انجذابنا للفيلم، ولكن كل ذلك لم يحصل لأن نهاية الفيلم كانت غير منتظرة وبدت مبررة لأغلب تلك الاختيارات.
لقد تميز فيلم "أمل" لنجوم الغانم بتصويره للمشاعر والأحاسيس، أحاسيس الغربة لدى فنانة مرهفة تجاه المكان الذي تعيش فيه والناس (مهما كانت جذورهم) الذين يشاركونها إياه، فالغربة عند أمل كانت مضاعفة، فهي غربتها هي مضافة إلى غربة الأحباب البعيدين. من جهة أخرى -وكما قلنا- جعلت الغانم لهذا الشعور القوي بالغربة خلفية غير متضامنة تماما معه، هذا الاختيار لم يكن مفهوما في البداية ولكنه بدى مقبولا ومتوافقا ومتناغما تماما مع نهاية الفيلم، فأمل حويجة بعد أن عادت إلى سوريا افتقدت أبوظبي (ذات المحاسن التي لم تغفل الغانم عن تصويرها طول الفيلم) فرجعت إليها سعيا.

                                                                             

الصمت يكشف قوة التوتر وحجم الغضب
«الجمعة الأخيرة» فرصة للتعرف على عالم يحيى العبد الله
| نديم جرجورة | 
أتاح «الجمعة الأخيرة» فرصة التعرّف الى جانب سينمائي جديد في ذات يحيى العبد الله (34 عاماً). أفلامٌ قصيرة متفرّقة أنجزها منذ أعوام قليلة، كشفت حساسية مرهفة في التقاط النبض العام، وفي معاينة أحوال البيئة والناس. بعض هذه الأفلام محتاج إلى بلورة سينمائية، تمنح المناخ الدرامي حيوية أقوى في تشريح الذات والبيئة، لكن بعضها الآخر، سواء أكانت وثائقية (ست دقائق) أم قصيرة (آلو.. آلو..) أم تجريبية (رجل في فنجان قهوة)، جعل النصّ البصري مرآة تعرية لبعض معالم البيئة، ولفضح بعض الناس، محيلة التجريبيّ مثلاً على اختبار فني للعلاقة الوطيدة بين الصورة وارتباكاتها الضوئية واللونية من جهة أولى، والقلق الإنساني في مواجهة العدم والالتباسات والتوهان من جهة ثانية. في حين بدا الوثائقي تشريحاً للجهل والأميّة المعتملين في الذات الفردية لأردنيين لا يفقهون شيئاً من الثقافة العامّة. 
في «الجمعة الأخيرة» (2011)، الروائي الطويل الأول لعبد الله، الذي عُرض في برنامج «الأردن في دائرة الضوء»، في الدورة الخامسة (10 ـ 16 نيسان 2012) لـ«مهرجان الخليج السينمائي» في دبي، وجدت العناوين التي اختزلت بعض أفلامه القصيرة متنفَّساً أكبر لها، وحيّزاً للبوح الذاتي المتمثّل بغضب عارم مزّق الذات ودواخلها، وظهر علناً بهدوء مناقض لحقيقة هذه الذات. البراعة واضحة في كتابة النصّ، إذ استخدم العبد الله الصمت والإيقاع الهادئ لقول الأشياء وتفسيرها وتحليلها. لم يكن النص مباشراً أو حادّاً في خطابه الإنساني، بل اقترب من خصوصية المرء وقلقه وغضبه بأسلوب جمالي، وابتعد (في الوقت نفسه) عن فوضى الصراخ والضوضاء، لقناعته بقوّة الصمت في كشف مكامن التوتر والقلق والغضب داخل المرء. المدخل الدرامي للحبكة العامّة انطلق من الصمت نفسه هذا: متتاليات بصرية لاحقت أناساً، وسردت تفاصيل صغيرة، وصنعت مقدّمات قادت المُشَاهد داخل دهاليز نفسية واجتماعية وروحية لشخصيات ومعالم وبيئة مجتمعية. الصمت إشارة إلى حجم الغضب الذاتي. والأداء (علي سليمان تحديداً) مُساهم فعّال في جعل هذا الصمت مدخلاً إلى العالم المخفيّ في طيّات الحبكة، وفي إدارة الغضب، كي لا ينفلش صراخاً وحدّة لا طائل سينمائياً منهما.

«الجمعة الأخيرة» حكاية فرد ومجتمع. لكن الفرد طاغ، والمجتمع مختبئ في الزوايا المحيطة بالفرد وعالمه المنهار ببطء قاتل، كانهيار الفرد نفسه في الخيبة والتمزّق والألم والضياع: أيام قليلة تفصل اللحظة الراهنة على العملية الجراحية التي يُفترض بيوسف (علي سليمان) إجراؤها في إحدى خصيتيه. أيام هي الأقسى والأكثر ألماً، لأنها كشفت مرارات كثيرة وخيبات حادّة. كأنها مطهرٌ فُرض على يوسف الاغتسال به، من دون أدنى قدرة على رؤية المقبل من الأيام، أو مغزى الاغتسال، أو نتيجته النهائية. كأن الاغتسال نوع من تعذيب آخر، لأن الخلاص المنشود لا يأتي إلاّ بعد ألم، والخصي أقسى أنواع الألم الذكوريّ. فشله في الحياة الزوجية أدّى إلى طلاقه من دلال (ياسمين المصري)، وارتباكه مع ذاته والآخرين أفضى إلى علاقة غير متوازنة بابنه الوحيد عماد (فادي عريضي)، وعجزه عن تأمين تكاليف العملية الجراحية دفعه إلى السعي لاستعادة عمل قديم برع فيه (بيع سيارات)، وخيبته من العمل في الخليج زادت من تحطّم روحه وانعدام أفق خلاصه، بالإضافة إلى انسداد الأفق وانكسار كل شيء معه وأمامه. دلال منشغلة بأمور حياتها الجديدة مع زوج آخر. وعماد رافض الانصياع إلى رغبة والده في الدراسة والفلاح فيها. والعمل الجديد معلَّق. والحالات الإنسانية الموازية ليوميات يوسف لا تقلّ خراباً وضياعاً وانكسارات.
لم يسقط النصّ والمعالجة السينمائيين في فخّ البكائيات، ولم ينشدا قصيدة بؤس وشقاء. فالأسلوب سينمائي بحت، والاشتغال البصري متوافق ومعنى الصورة السينمائية في مواكبة الحالات وتبدّلاتها، وفي رفد الحبكة بالهوامش المكمِّلة لها.


                                                                             
أنغام عسكرية في سينما الخيال- العلمي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 محمد رُضا
                                                          28Days Later


حين ينطلق فيلم «إبراهام لينكولن- صائد الفامبايرز» قبل نهاية الشهر المقبل، سنجد أمامنا فيلم يتعامل مع الرئيس السادس عشر في تاريخ الولايات المتحدة يكتشف مؤامرة إرهابيين يتولّون التحضير لغزو الولايات المتحدة بجيوش من مصاصي الدماء. يقرر أن أولويّته هي التصدّي لهذا الغزو وإنقاذ البلاد.
الفكرة خيالية بالكامل وضعها كرواية سث غراهام سميث (الذي شارك كتابة السيناريو أيضاً) لكن الجديد فيها أنها تستوحي من الحاضر إلهامها. فأميركا، في نظر كتّـاب ومخرجين ومنتجين، هي في خطر مماثل في زمننا الحالي عبّروا عنه في عشرات الأفلام الأخيرة وأحدثها «سفينة حرب» و«ذ أفنجرز». المختلف هذه المرّة أن الإدارة العسكرية والمؤسسات السياسية المختلفة تؤيّـد هذا المنحى من الإهتمام، لأنها متّـفقة مع مبدأه: نعم أميركا مهددة بخطر إرهابي او آخر عسكري او كليهما معاً.
«إبراهام لينكولن» سيشاهده 1500 عسكري من الفئات القيادية في عرض خاص، يسبق العرض الخاص للصحافة من باب التبنّى أكثر من باب إبداء الرأي. وبذلك تهدف شركة فوكس المنتجة إلى ربط الفيلم بالذي تقع أحداثه في القرن التاسع عشر، مع ما يحدث حولنا اليوم وذلك فيما تراه تنشيطاً لاهتمامات الجمهور الأميركي وسواه.

فروقات وتشابهات
العلاقة بين السينما الأميركية والقيادة العسكرية ليست من صنع الظروف الراهنة بل تعود إلى مطلع العشرينات من القرن الماضي عبر الأفلام الحربية التي دارت حول الحرب العالمية الأولى مثل «أجنحة» لوليام أ. ولمان (1927) و«كل شيء هاديء على الجبهة الشمالية» للويس مايلستون (1930-29). وتجددت مع كل حرب بعد ذلك، من الحرب العالمية الثانية، التي خاضتها الولايات المتحدة في أوروبا وجنوب شرق آسيا، إلى الحرب الكورية، إلى فييتنام ثم إلى الشرق الأوسط وإلى اليوم وفي غمار كل حرب أخرى صغيرة بين حربين كبيرين.
لكن الأفلام الحربية وحدها لم تكن كل ما يعكس الجانب العسكري من معادلات الحياة الوطنية او الإجتماعية، فالمنحى العسكري موجود في أفلام من أنواع مختلفة. هي في أفلام الخيال العلمي من الخمسينات إلى الستينات ثم اليوم، وفي أفلام الوسترن (من العام 1948 ونحوه) وفي أفلام الأكشن والفانتازيا والسوبر هيروز كما في «آيرون مان» الحديث، وفي أفلام الرعب والتشويق (سلسلة «الأحياء الموتى» لجورج أ. روميرو) كما في أفلام الأكشن المختلفة مثل «توب غن» (1986) و«الفريق أ» (2010). وبل هناك منحى عسكري واضح في أفلام تاريخية آخرها وأوضحها «300» لزاك سنايدر (2006).
على أن هناك فروقات كبيرة بين أفلام تبدو للبعض متشابهة. إذا نظرنا إلى «سفينة حرب» Battleship [بيتر بيرغ- 2012] نجده فيلماً عسكرياً بالكامل لناحية أنه يتحدّث عن قوّات أميركية تواجه قوّاتاً غازية من الفضاء لن يستطع سواها الدفاع عن أميركا، وباقي الأرض، سواها. وبل نجد أن الوسيلة الناجعة للتصدّي لقوّات الفضاء المزوّدة بما لا تستطيع المؤسسة العسكرية الأميركية مواجهته هو العودة إلى قطع الأسطول الخمسيناتية الراسية على بعض الشواطيء مثل واجهات سياحية. في صميم ذلك الحل الدعوى إلى التمسّك بالقوّة العسكرية في منحاها ومبدئها الميداني والوطني الأول.
هذا الفيلم يختلف عن «ذ أفنجرز» [جوس ويدون- 2012] من حيث أن المؤسسة العسكرية تجد الحل في القوة البشرية غير العسكرية أساساً: في شخصية "ثور" القادم من الفضاء الخارجي وفي شخصية هوكآي المحارب بالسهام وشخصية "ذ هَلّـك" ضحية التجارب النووية العسكرية ذاتها. الشخصيّتان الأخرتان هما "كابتن أميركا" و"آيرون مان" وهما من خارج صف الجنود والضبّـاط لكن أوّلهما من صنع الجيش (كما أن «روبوكوب» من صنع الشرطة) وثانيهما- آيرون مان- مخترع مستقل يتعامل والمؤسسة العسكرية.

الحل الوحيد
والتركيز على الحل العسكري في الأفلام الهوليوودية ليس خفيّاً حتى بالعودة إلى الخمسينات. فالمدني المسالم الذي يريد التصالح مع الأميركيين الأصليين (الهنود الحمر) عوض اعتماد السلاح حلاً عادة ما يُقضى عليه بسهم مع من يريد مصالحتهم ليفسح المجال للحل الآخر. وهذا ما نرا يحدث في «الشيء القادم من الفضاء الخارجي» [كرستيان نيبي 1951] حيث الحل في مواجهة المخلوق المتوحّـش لا يكمن في المعالجة العلمية التي يحنو إليها أحد العلماء، بل في الحل العسكري. 
                                                 Battleship

على ذلك، وفي مواجهة وفرة الأفلام التي تعتمد هذا الحل، نجد أعمالاً أريد لها أن ترى الصورة في موضع مختلف. في «حرب العالمين» [برايون هسكين- 1953] يخفق العسكر في مواجهة الهجوم الخارجي الآتي من الفضاء فيلجأ الناس إلى الدين الذي ينقذهم. صحيح أن الرمز هنا في طيّات الخطر الشيوعي كما وصفته أفلام خيال علمية عديدة في ذلك الحين، لكن الحل عند ذلك الفيلم هو الكنيسة وليس البنتاغون. 
في نسخة ستيفن سبيلبرغ من الفيلم ذاته (2005) فإن الإنقاذ يأتي مفاجئاً يكاد لا شرف فيه لأحد. لكن بالتأكيد إنقاذ لم يصنعه العسكر، على عكس فيلم «يوم الإستقلال» [رونالد إميريش- 1996] حيث لا محال لأي حل آخر الا بالحل العسكري.
وفي ذلك صواب لا يمكن ضحده بسهولة. كيف يمكن للعالم أن يعيش يوماً آخر من دون قيام فروع الجيش بواجباتها لإنقاذ الأرض حين تتمتّـع القوات الفضائية الغازية بمثل تلك الضخامة والقوّة وشراسة العنف؟
المشكلة تنبع في أنه الحل الوحيد في سلسلة من الأفلام التي تبتعد عن الخيال الجانح التي تمثّله سينما الخيال العلمي، لتقترب من صورة الأحداث الجارية فتستلهم منها. مؤخراً فيلم «فعل شجاع» [مايك ماكوي وسكوت ووف- 2012] استبعد القصّـة الدرامية أساساً منصرفاً لسلسلة من مشاهد الأكشن التي قام بتمثيلها جنود فعليون للحديث عن تدخّلهم لمنع أذى الإرهاب. وفي «معركة لوس أنجيليس» لجوناثان ليبسمان (2011) نجد أن العسكر هو الحل مرّة أخرى، لكن مع مرام أبعد قليلاً: هذه المرّة فإن الفرقة التي يتولاّها السيرجنت نانتز (ارون اكهارت) كانت خدمت في العراق. ظاهرياً لا شيء هنا، بإستثناء أن الولايات المتحدة خسرت، في نظر أميركيين كثر قبل سواهم، الحرب في العراق، ما يمنح حربهم وانتصارهم على الغزو الفضائي تعويضاً.
وهذا ما يدلف إلى مسألة أخرى: على عكس العديد من الأفلام الحربية التي استلهمت من الحرب العالمية الثانية قصصها وبطولاتها ونجاحاتها خرجت الأفلام التي تعاملت  والحرب العراقية وقد خسرت في الجوانب الثلاثة معاً (خسارات متفاوتة). أفلام مثل «منطقة خضراء» [بول غرينغراس- 2010]، «جارهيد» [سام منديس- 2005]، «في وادي إيلاه» [بول هاجيز- 2008]، «ستوب-لوس» [كمبرلي بيرس- 2008] و«مخزن الألم» [كاثرين بيغلو- 2010] فشلت تجارياً أولاً لكون الحرب الأميركية- العراقية ليست شأناً محبباً لدى القطاع الغالب من الأميركيين، وثانياً لأن التلفزيون وأخباره وتغطياته سرق كل ما يمكن الحديث عنه، والصورة لم تكن مبهجة.  



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2012
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular