أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

May 11, 2012

Year 6/Issue 717 | أفلام الزومبيز | "التائب" لمرزاق علواش | "النصر" لماركو بيللوكيو | عهد ليفي لبعض العرب

First Shot
المخرجة أندريا أرنولد  واحدة من أعضاء لجنة تحكيم «نظرة ما» في دورة مهرجان "كان" المقبلة.


الزومبيز في الجوار
سينما شخصيات متوحّشة أحياناً ما هي ضحية عالم من الطبيعيين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Day of the Living Dead | George A. Romero 
محمد رُضــا | لندن
في الفيلم المقبل «زومبي 108»  سنجد مدينة تايباي التايوانية وقد تحوّلت إلى غابة متوحّـشة  بعدما تحوّل نصف من فيها إلى زومبيز متوحّشين دائمي البحث عما يشبع غريزتهم التهام بشر أحياء. الفيلم سيأتي مشحوناً بمشاهد الرعب والدم مع فتح خط على مشاهد جنسية كما لو كان يريد تغطية كل الفرص التي من شأنها تمييز هذا الفيلم عن عشرات سبقته في السنوات الأربعين الماضية او نحوها.
نعم مرّت 44 سنة على ظهور أول فيلم زومبي مميّز بشخصياته الباحثة دون عناء عمّن تقضم في أي من ساعات النهار والليل، ففي العام 1968 قام مخرج أميركي مستقل وغير معروف أسمه جورج أ. روميرو بإطلاق فيلم بث الرعب والقلق في نفوس مشاهديه هو «ليلة الأحياء الموتى»: أبيض وأسود صغير بكاميرا تبدو كما لو كانت طبيعية التواجد حين انطلقت الأحداث، يدور حول ظهور فيروس مجهول يحوّل الناس إلى وحوش بشرية تتحرّك ببطء لكنها لا ترتدع. إنها نهاية العالم كما نعرفه، لكنها نهاية لا زالت تقع كل سنة مع مزيد من الأفلام المتمحورة حول هذا الموضوع وتلك الشخصيات.
منذ عشر سنوات زادت "شهية" السينما لوجبات من هذا النوع: جورج أ. روميرو عاد إلى هذا المنوال في «فجر الأحياء الموتى» (في أربعة أجزاء أخرى بعد فيلمه الأول)  والسينما البريطانية تحرّكت بنجاح وقدّمت فيلمين لافتين في هذا الشأن هما «28 يوم لاحق« و«بعد 28 أسبوع لاحق» والسينما الأميركية لم تتوانى عن تقديم المزيد مثل «زومبيلاند» و«كوكب الرعب» و«المجانين» و«يوم الموتى« و»الموتى« والمسلسل التلفزيوني الناجح The Walking Dead
وكما تقترح هذه الأفلام  من أن الوباء المتسبب في هذه الكارثة منتشر حول العالم، نرى أن سينما الزومبيز باتت متعددة الرؤوس. فإلى جانب المساهمة التايوانية التي ستعرض خلال هذا العام على نطاق واسع، هناك مساهمات أسبانية وصينية وايطالية وبل كوبية. نعم المخرج أليخاندرو بروغيز أنجز تصوير «جوان الموتى» (على غرار «جوان دارك») الذي تقع أحداثه، على الأرجح، في هافانا.
إذا ما كانت هذه الأفلام نبوءة مستقبلية فإن هذا محط جدال. البعض يفضّـل اعتبار أن هذه الأفلام هي مجرد هواجس وكوابيس محبوسة بين جدران صالات السينما، في حين أن البعض الآخر يخشى أن يكون العالم مقبل على مثل هذه النهاية بالفعل. لا يعرف كيف ولا متى لكنه سيستشهد بـ «زومبيلاند» و«بعد 28 أسبوع» ويقول: "أرأيت… لقد صدق حدسي".
28 Weeks Later | Juan Carlos Fresnadillo
لكن الثابت أن التعبير منتشر الآن على الشخصيات ذات المناصب الإقتصادية الرفيعة التي تستحوذ، في العالم الغربي، على مقدّرات الشعوب وبل تحرّك الحكومات صوب تبنّي قرارتها، كما الحال في الأزمة اليونانية المتسجدّة. التعبير مستخدم في نشرات الأنباء في المحطّات التلفزيونية البديلة المناوئة لتلك المؤسسات الإعلامية المعتمدة كتعويض أبلغ، في رأي مستخدميها، عن تعبيري «أسماك قرش» و«القطط البدينة» القطط السمان» في التعبير المصري). 

ولا ريب أن العديد من أفلام الزومبي تداولت أبعاداً سياسيّة من هذا النوع. فجأة نهاية العالم باتت ناتجة عن جشع واسع جعل الناس تنقلب إلى وحوش تود الإنتقام مما السالمين. حتى يبرر جورج أ. روميرو هذا البعد، سمح للشخصيات المتوحّـشة أن تبدو كضحايا لعالم أفلت من عقاله في كل شأن وجانب. فإن المبعوثون من الموت في فيلمه الثاني في السلسلة «فجر الموتى» (1978) هم ضحايا مجتمع استهلاكي بالمقام الأول. ذلك المشهد الذي نرى فيه الزومبيز يدخلون إلى "شوبينغ مول» ويجولون في أرجاء متجره في وهلة تنتقل بهم إلى ممارساتهم السابقة حين كانوا أحياءاً طبعيين، يبث الرعب من دون أن يقع فيه ما يُرعب. عالم مسكون بهواجسه مقبل على عالم تتبدّى الأيام فيه كما لو كانت جحيماً متواصلاً على الأرض. في فيلمه الثالث في السلسلة «نهار الموتى» (بذلك تدرّج من الليل إلى الفجر ثم النهار) يضع روميرو السلكين العسكري والعلمي في بؤرته النقدية. وفي الجزء الرابع والأشد فتكاً في بعض جوانبه «أرض الموتى» نراه يوجّـه نقده إلى الإعلام وهو توجيه ليس جديداً إذ اشتغل عليه في كل أفلامه.
ليس أن الإمتداد الرمزي لماهية الزومبي (كنصف بشر) كان دائماً موجوداً في أفلام الزومبي، لكن حين يكون موجوداً فإنه حضوره واضح: الزومبيز هم بشر عاديون سقطوا إلى الدرك بعدما أطاحت الظروف الإجتماعية والأمنية والإقتصادية بكل الكيانات الشرعية التي التزم بها الإنسان منذ أن تحضّر قبل خمسة آلاف سنة او نحوها. لكن تلك التي لم ترغب في الترميز تنقسم بدورها إلى فئتين: فئة يهمّها إتقان فن التخويف من دون أي دلالات إضافية (في البال «زومبيلاند»- 2009) وفئة تتيح لنفسها التظاهر بأنها تعلّق سياسياً او إجتماعياً على الوضع لتنطلق منه إلى حذافير رواياتها (مثل النسخة المكررة من فيلم روميرو، تلك التي أخرجها زاك سنايدر سنة 2004 تحت عنوان «فجر الموتى» والتي يمهّـد فيها لأحداثه بإظهار مسلمين يقومون بتأدية الصلاة كما لو أنهم صدر الخطر اللاحق).
على صعيد فني فإن نظرية أن غير الواضح يمكن له أن يُخـيف أكثر من الوضوح تتبدّى صحيحة في العديد من الأمثلة. الفارق بين أفلام الزومبيز وأفلام دراكولا مثلاً (او أفلام دراكولا وأفلام "مصاصي الدماء" الحالية) هو أن أفلام الأمس كانت مخيفة حتى من دون مشاهد قضم أطراف وأفواه تعلوها الدماء. كان الرهان الصحيح آنذاك هو ترك مخيّلـة المشاهد تترعرع على نحو تدرك معه ما الذي يحدث بالفعل. في الحقيقة إذا ما لاحظت «نوسفيراتو» الصامت (للألماني ف.و. مورناو سنة 1922) الذي تحدّث عن مصّـاص دماء مستوحى من شخصية دراكولا (بعدما أخفق المخرج في استحصال ترخيص قانوني يتيح له استخدام الشخصية ذاتها) ووضعت نفسك بعيداً عن المؤثرات الحالية، فإنه سوف لن يترك مخيّلتك بعد ذلك. خلال العرض ستشعر بالخطر المدهم الذي لا يحاول أن يؤكد لك أنك ستلقى المصير نفسه حال خروجك من الصالة، بل الذي سيستخدم خوفك الناشيء داخل الصالة ليبني عليه نجاحه في الإستحواذ عليك مستخدماً الظلال والتركيبة القصصية والتنفيذ الفني كما عملية زرع الفكرة في البال بتؤدة وصبر.
منذ ذلك الحين تنوّعت الأساليب والإتجاهات وتطوّرت منابع الخوف الكامنة فينا وفي السينما ذاتها. صارت ربما أكثر تشابكاً، لكن المخرج الفصيح الذي لا يمكن المرور تحت رادار أفلامه ألفرد هيتشكوك كان قال في حديث للمخرج الفرنسي الراحل فرنسوا تروفو: "لا شيء يجب أن يقف في المسافة بين المشاهد والفيلم". هذه الأيام كل شيء يقف وربما لهذا السبب اختلف الذوق عما كان عليه سابقاً.





مرزاق علواش… الإرهابي التائب يعود إلى الكروازيت


آمال قوراية | الجزائر

 من الباب ذاته، يعود مرزاق علواش (1944) إلى «مهرجان كان السينمائي» (من 16 إلى 27 أيار/ مايو). تظاهرة «أسبوعي المخرجين» التي احتضنت عمله «باب الواد سيتي» عام 1994، تستقبل هذه المرة شريطه الجديد الذي لم يبتعد في خطابه عن سابقه. في «التائب»، يسلّط صاحب «عمر قتلاتو» (1976) عدسته النقدية ذات البعد الإنساني على «فترة الإرهاب» التي شهدتها الجزائر في تسعينيات القرن الماضي من خلال تتبع سيرة البطل الإشكالية.

هكذا، سنرى رشيد الشاب الذي غرّرت به «الجماعات الإرهابية»، عائداً بعد عقدين إلى الاندماج مجدداً في مجتمع يرفضه. في اللحظات الأخيرة التي سبقت إعلانه مشاركاً في المهرجان، قرر مرزاق علواش تغيير اسم شريطه من «وقت المصالحة» إلى «التائب». يفسّر صاحب «باب الويب» هذه الخطوة بمحاولة إبعاد العمل عن التصنيف في خانة «الفيلم السياسي»، ما قد يؤدي إلى اختزاله في النظرة الضيقة المتعلقة بانتقاد سياسة المصالحة التي اعتُمدت لمعالجة ظاهرة العنف في الجزائر بعد وصول عبد العزيز بوتفليقة إلى الحكم. «لطالما كان «التائب» مشروعاً مؤجلاً. كتبت السيناريو قبل سنوات، لكنه بقي حبيس الأدراج لأنني لم أجد المناخ المناسب لتصويره».
هكذا، امتثلت الرغبة في إنجاز عمل عن «العشرية السوداء» في بلاد المليون ونصف مليون شهيد، إلى موضوعات عاجلة تصدّى لها المخرج الجزائري. أنجز «حراقة» (2009) الذي أسال الكثير من الحبر في الصحافة الجزائرية عبر فتحه قضية «قوارب الموت» التي تحمل عشرات الشباب الطامحين إلى بلوغ الفردوس الأوروبي. تأجل «التائب» مرة أخرى مع انشغال علواش بشريطه «نورمال» (2011) الذي صوّر فيه مظالم الحقبة «البوتفليقية» من خلال فضح التهميش الذي تمارسه وزارة الثقافة بحق بعض الفرق الموسيقية المشاكسة. لا يتوقف «التائب» طويلاً عند الخلفيات المتعلقة بالتحاق بطله بالجماعات الإسلامية المسلحة، وانضمامه إلى «معاقل الجهاد». كأن صاحب «العالم الآخر» (2001) أراد أن يواصل رحلته من حيث انتهى «باب الواد سيتي». هكذا، يبدأ الفيلم في اللحظات التي يقرر فيها رشيد التوبة عن النشاط الإرهابي، و«العودة إلى جادة الصواب» كما كانت تقول مناشير البروباغندا المرّوجة للمصالحة في أواخر التسعينيات. يقرر رشيد تسليم نفسه، ليستغل العفو بموجب قانون «الوئام المدني». لكن عودة «الإرهابي التائب» إلى قريته في منطقة «سيدي موسى» (كانت مسرحاً لمجازر بشعة، جعلتها رمزاً لجرج غائر في الذاكرة الجماعية الجزائرية) قوبلت بالرفض والاحتجاج من قبل بعض السكان الذين يتهمونه بـ«الاشتراك في ارتكاب مجازر».
من هذا المنظور، يسلط الفيلم الضوء على مفارقات «زمن المصالحة». سرعان ما يتحوّل العفو الذي ناله رشيد بموجب قانوني «الوئام» و«المصالحة» الذي أفرح والديه، إلى مصدر إزعاج لسكان القرية الذي يعتبرون البطل «إرهابياً أفلت من القصاص». لا تلبث المواجهة بين «التائب» والسكان أن تتطور إلى اشتباكات بالسكاكين، بدافع الانتقام، لينتهي الأمر بوقوع ضحية جديدة من شباب القرية، وبترحيل رشيد إلى السجن. يُطلق سراحه بعد مدّة، ويقرر مغادرة القرية، نزولاً عند رغبة والديه، ليبدأ حياة جديدة في مدينة بعيدة. عن أدائه دور البطولة في الفيلم، يقول الممثل نبيل عسلي الذي جسد شخصية «التائب» في لقاء مع «الأخبار»: «هذا الدور مثير ومغر بالنسبة إلى أي ممثل. ولا أبالغ لو قلت إنّه الأكثر تميزاً من بين الأدوار التي حظيت بأدائها تحت إدارة مرزاق علواش. تجسيد شخصية رشيد كان صعباً ومنهكاً، ما دفعني إلى استثمار كل طاقاتي التمثيلية والجسدية، حتى أنني فقدت الكثير من وزني خلال التدريبات التي دامت شهوراً».
لا تقتصر قصة الفيلم على شخصية رشيد وحدها، بل تتضمن شخصيات محورية أخرى تعد عناصر أساسية في الفيلم. هناك لخضر (خالد بن عيسى) ومطلقته جميلة (عديلة بن ديمراد) اللذان يُعتبران من «ضحايا العمليات الإرهابية» إضافة إلى كونهما صديقين لـ«التائب». استغنى مرزاق علواش عن الاستعانة بالمؤسسات الثقافية الرسمية لإنتاج «التائب»، وقام بتمويل مشروع شريطه من الميزانية التي حققها عمله «نورمال» (نال جائزة أفضل فيلم روائي طويل في «مهرجان الدوحة ترايبيكا» التي تُقدّر قيمتها بـ 100 ألف دولار). لكن قيمة العمل لا تكمن في استقلالية إنتاجه ونبرته النقدية على الصعيد السياسي، بقدر نجاحه في إكمال سلسلة «الدراما السوسيولوجية» التي ينجزها علواش، مسلطاً الضوء على مظالم ما بعد «العشرية السوداء» في المجتمع الجزائري.


"النصرلـ "ماركو بيللوكيو": ســـحر
 الديكتاتور و شغف إمرأة
ميسر مسكي | سوريا


يميل المؤرخون إلى كتابة التاريخ على إيقاع حياة و أفعال بعض الأسماء الكبيرة التي يتمفصل التاريخ عند إنتصارها أو إنكسارهاو غالباً ما يُغفل المؤرخون الجانب الشخصي أو الخاص من حياة رجالات التاريخ و كأنه عنصر مشوش على سيرتهم التاريخيةهذا رغم أن الجانب الشخصي الحميم قد يحمل بعض الدلالات عن شخصية رجل التاريخ و قد يلعب دوراً غير قليل في التكوين النفسي الذي بدوره يحفز الشخصية التاريخية نحو هذا المنحى أو ذاك في رؤريته وقراره.

عن هذا الجانب الشخصي الحميم و ...الخفي، يصور المخرج السبعيني "ماركو بيللوكيوعملاً يروي سيرة العلاقة الخفية و المأساوية بين الديكتاتور الإيطالي "بنيتو موسولينيو "إيدا دالسرو التي نتج عنها طفل طالما أنكر الديكتاتور أبوته لهعام 2009 و في مهرجان "كانالسينمائي، خالست السعفة الذهبية للمهرجان فيلم "بيللوكيوالجميل قبل أن يحوزها المخرج النمساوي "ميكائيل هانكهعن فيلمه "الشريط الأبيض".

تاريخياً، بقيت علاقة "موسولينيبـ "إيداطي الكتمان فترة طويلة جداًخصوصاً و أن "موسولينيالذي ناصب الكنيسة العداء في بداية حياته السياسية عاد و غازل الفاتيكان حين بدا له أن دعم الكنيسة الكاثوليكية ضروري لحوز السلطةهنا كان لا بد له أن يخفي علاقته مع إمرأة بقيت تقول إلى يوم موتها أن زعيم إيطاليا قد تزوجها يوماً و أن ثمرة الزواج هو طفلهما "موسوليني ألبينو". لم يدمر "موسولينيفقط وثيقة الزواج المفترضة بل دمّر أيضاً المرأة التي عشقها يوماً و التي باعت يوم حاجته كل ما تملك لتساعده على إصدار جريدة حزبه الفاشي الجديد.

يبدأ "بيللوكيوفيلمه عند سنوات قليلة من قبل الحرب العالمية الأولى، حيث في إجتماع للحزب الإشتراكي، تقع "إيدافي سحر رجل مغمور، جسور، مغامر، طموح، أناني، و مهووس ببلوغ السلطةذاك كان "بنيتو موسوليني". في هذا الجزء من الفيلم يركز المخرج على مشاهد جنس نهم، متوتر، وبتفاصيل غرافيكيةلا يهدف "بيللوكيوهنا إلى بلوغ فيلم بورنو "شيك"، أو إلى حفنة تذاكر أكثر من جمهور يستهويه مشاهد مطارحة الهوىهذه المشاهد المُغرقة في حميمية جسدية محمومة ستساعد فيما بعد في فهم درجة الهوس المرضي الذي يسيطر على "إيداو يجعلها تطارد "موسولينيبعد إعراضه عنها رغم إنجابها لطفل منه.
"موسولينيالمتدرج صعوداً نحو السلطة بدعم و سند من الكنيسة الكاثوليكية، يقرر إسقاط "إيدامن سيرته الذاتية و يتزوج من إمرأة أخرى و ينجب منهامحاولات "إيداالمحمومة لإن تعيد الديكتاتور القادم إلى كنفها يجعلها تنزلق إلى مواجهة محتومة النهاية مع مؤسسة السلطة الفاشية التي تريد أن تمحي أي أثر لنزوة الديكتاتور في شبابهيتم إدخال "إيداإلى المصح العقلي، و تُـُصادر كل الوثائق الخاصة بحياتها الماضية، و يتم إعتراض كل مراسلاتها مع الديكتاتور و حاشيتهو ينتهي الأمر بإبعاد طفلها عنها عن طريق إرساله إلى مدرسة خاصة بعيدة تحت إسم مختلق.

يضبط المخرج "ماركو بيللوكيوإيقاع فيلمه على تطورات مفصلية في تاريخ تسلق "موسولينيسلـّم السلطة و...سقوطه التراجيدي الداميأشرطة وثائقية بالأبيض و الأسود تتخلل الفيلم و تروي لنا حكاية الصعود و مزاج الأمة على مدى الثلاثين عاماً من سيرة رجل عاش نهماً للسلطة. و في اللحظة التي يخرج فيها من حياة "إيدا" هو يخرج من الفيلم أيضاً. فنحن لا نعود نشاهد "موسوليني" إلا من خلال الأشرطة الوثائقية التي تشاهدها "إيدا" في صالات السينما. 
فيلم "بيللوكيو" ليس عن الديكتاتور بل عن المرأة التي هامت به حباً أدى بها إلى مشارف الجنون قبل أن تنتهي وحيدة في مصح عقلي. "إيدا" قد تكون ترمز إلى إيطاليا التي هامت بسحر بديكتاتورها و وعوده بالإمبراطورية القادمة. الديكتاتور الذي قال مرة أن الجماهير ما هي إلا أنثى تـُفتن بالرجل القوي. و كما حال "إيدا" فقد قاد "الدوتشي" إيطاليا إلى هزيمتها المـُرّة و الدامية. 
يملك "بيللوكيوعيناً مرهفة للجمال، فكادراته تشي بحس رفيع للتكوين و تضاد الضوء و الظلهذا الظل الداكن المشوب باللون الأزرق، الذي يسيطر على مقاطع طويلة من الفيلم إنما يعبر عن حال الشخصيات، فهي غالباً إنما تغيب فيه أو تظهر منه لوقت قصير قبل أن تعود إليهقد يكون الفيلم أحياناً على وشك الإنزلاق نحو الميلودرامية لكن أداء "جيوفانا ميتزوجورنوفي دور "إيدايعود بالفيلم إلى الواقعية الدرامية المؤثرةففي مشهد بالغ التعبير تجلس "إيدالتتابع، مع بقية النزلاء في المصح فيلم " الصبيلـ "تشارلي تشابلن"، إسقاط المشهد في الفيلم على الحال النفسية لـ "إيداالتي سلبوا منها طفلها تبدو معكوسة ببراعة على وجه "ميتزوجورنو".

على موسيقى أوركسترالية عريضة، لا تهاب المبالغة أحياناً، يصنع "بيللوكيوفيلماً أوبرالياً بديع الصورة، حزين القصة، و مفعم بعاطفة يؤجهها بلا كلل أداء "جيوفانا ميتزوجورنو". لكن رغم كل العناصر المتوافرة يبقى العمل دون سوية بعض التحف التي تناولت تاريخ إيطاليا الحديث مثل "1900" لبرتولوتشي، و "الفهدلفيسكونتي


رسالة برنارد هنري ليفي مدّعي 
الفلسفة ونصير إسرائيل  والمعارضين العرب


عثمان تزغارت | باريس
تضمنت القائمة التكميلية للأفلام التي أُلحقت هذا الأسبوع بالتشكيلة الرسمية لـ «مهرجان كان السينمائي» مفاجأة من العيار الثقيل. أعلن المفوض العام للمهرجان تييري فريمو أن سبعة أفلام جديدة ستدخل البرنامج الرسمي (راجع الكادر)، منها وثائقي سيقدم ضمن عرض خاص في التشكيلة الرسمية خارج المسابقة، يحمل توقيع الفيلسوف الفرنسي المتصهين برنار هنري ليفي.
شريط «قَسَم طبرق» (90 دقيقة) يستعيد مغامرات ليفي في أتون «الثورة» الليبية على مدى ثمانية أشهر. ويروي العمل كيف أدّى «الفيلسوف الجديد» دوراً مركزياً في التحريض والتخطيط للتدخل الأطلسي لعسكرة الحراك الشعبي في ليبيا، تحت مسمى «واجب التدخل الإنساني». ويُعد ليفي ورفيق دربه الوزير الفرنسي المتصهين برنار كوشنير من أبرز دعاة «واجب التدخّل الإنساني» منذ عقد التسعينيات، أي قبل سنوات طويلة من سطوع نجم «المحافظين الجدد» في أميركا البوشية بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001.
لم تكشف إدارة المهرجان أي معلومات مفصّلة عن مضمون الشريط، الذي قالت إنّ ليفي لم يستكمل عمليات مونتاجه بعد. واكتفى تييري فريمو ببيان مقتضب وصف فيه هذا العمل الإشكالي بأنّه «يبين إلى أي مدى تستطيع القناعات الفكرية تغيير مجرى التاريخ، وتحويل مشاريع التدخل الإنساني والسياسي التي كانت تبدو مستحيلة إلى أمر واقع». أما برنار هنري ليفي، فقال في تصريح لوكالة «فرانس برس» إنّ تقديم الشريط في «كان» «لن يكون تحية لثوار ليبيا فحسب، بل أيضاً رسالة أمل إلى ثوار سوريا». ورغم تكتم صاحب «الإيديولوجيا الفرنسية» على مضمون الشريط، إلا أنّ الأرجح أنّ القصد من كلامه ما كشفه سابقاً في كتابه عن ثورة ليبيا La Guerre sans l›aimer. قال إنّه صوّر شريطاً توثيقياً يؤرخ لحظة بلحظة، كلّ المساعي التي قام بها على مدى ثمانية أشهر، بهدف حشد الدعم السياسي والعكسري الغربي للتدخل في ليبيا، بمباركة نزيل الإليزيه السابق نيكولا ساركوزي.
والأرجح أنّ «رسالة الأمل» التي قال ليفي إنّ الشريط سيحملها بخصوص «ثوار سوريا» تتعلق بالاجتماع الشهير الذي زعم في كتابه أنّه عقده في بيته في باريس خلال فترة حملته الليبية، مع عدد من أبرز أقطاب المعارضة السورية، تمهيداً لعقد تجمّعه التضامني الشهير مع «الشعب السوري» في الحي اللاتيني. وأضاف «صديق نتنياهو وليبرمان» في كتابه إنّ ممثلين عن مختلف تيارات المعارضة السورية، باستثناء ممثل «هيئة التنسيق الوطني» في الخارج هيثم مناع، حضروا الاجتماع المذكور في بيته. هناك، وقع تجاذب أثناء النقاش بين المعارضين السوريين بخصوص الانعكاسات السلبية المحتملة على «صورة الثورة السورية» بسبب رعاية ليفي رسمياً لتجمّع الحي اللاتيني بحكم مواقفه المعروفة بالولاء الأعمى لإسرائيل، لكنّ ليفي قال يومها إنّ تلك المآخذ أثارت حفيظته، فأوقف النقاش وخاطب المعارضين السوريين، قائلاً: «من لديه مشكلة حيال انتماءاتي الصهيونية، فما عليه سوى الانسحاب الآن من الاجتماع». وزعم ليفي أنّ أحداً من أقطاب المعارضة السورية الحاضرين لم يجرؤ على المغادرة، بمن فيهم رئيس المجلس الوطني الحالي برهان غليون، لكن هذا الأخير أنكر لاحقاً اشتراكه في أي اجتماع في بيت ليفي. لذا يرتقب أن يكون المشهد المصوّر لهذه الواقعة في شريط ليفي الذي سيقدّم في «كان»، محل اهتمام خاص من قبل وسائل الإعلام.
تجدر الإشارة إلى أنّ برنار هنري ليفي جرّب سابقاً الإخراج السينمائي مع فيلم روائي يتيم هو «الليل والنهار» (بطولة ألان دولون ـ 1997)، لكنه مني بفشل نقدي وشعبي جعله يحجم عن تكرار التجربة. أما في مجال السينما التوثيقية، فيعدّ «الشريط اللييبي» عمله الثاني الذي يعيده الى الكروازيت بعد 18 عاماً على فيلمه الشهير «بوسنة» (1994) الذي أثار زوابع من الجدل. يومها، استهجن النقاد والصحافيون ظهور «الفيلسوف ذي الياقة البيضاء» وسط ضحايا التطهير العرقي في سراييفو الجريحة، مستعملاً معاناة البوسنيين لاستقطاب أضواء الشهرة والنجومية والترويج لأطروحات «التدخل الإنساني».
ولا شك في أنّ إدارة المهرجان شعرت بأن عمله الجديد عن ثورة ليبيا سيثير جدلاً مماثلاً، لذا أرجأت الإعلان عنه الى اللحظة الأخيرة، واختارت توقيتاً غريباً لعرضه في اليوم قبل الأخير من المهرجان (25 أيار/ مايو)، بعد أن تكون عروض المهرجان قد اكتملت وغادر أغلب النقاد والصحافيين عشية الكشف عن نتائج الجوائز!



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2012
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system