May 21, 2012

Year 6. Issue 722 | فيلم مرزاق علواش عن الإرهاب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 يوميات "كان" السينمائي 2012
 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 4 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لقطة أولى |

كان مضروب بالمطر وسفينة تغرق! 
كان- محمد رُضــا

|*| عاصفة مطرية هوجاء ضربت مدينة كان وأصابت المهرجان في صميمه. فالمطر لم يتوقّف منذ الصباح (بعد يومين من هطول معتدل) كما لو كنا في عز الشتاء. تأثير ذلك على المهرجان ليس لطيفاً. إلى جانب أنه يخلق فوضى مرورية، حتى بين المشاة ومظلاتهم المفتوحة، فإن الشيء الواحد الأكثر مبيعاً لا يعد الفيلم في السوق السينمائي الموازي لأيام وعروض المهرجان الرسمية، بل المظلّـة الواقية يلجأ تحتها من شخص إلى ثلاثة متذكّرين أياماً في السنوات القريبة الماضية كانت الشمس ساطعة ودرجة الحرارة مرتفعة والبحر يغري الجميع بالنزول إليه.

|*| لكن السؤال المهم ليس إلى متى سيستمر هطول المطر بهذه الغزارة وما إذا كان سيؤثر على الحفلة الكبيرة التي يقوم بها مهرجان أبوظبي السينمائي على الشاطيء بعد العاشرة ليلاً، بل إذا ما كان الإنزعاج من جو يفرض الوقوف تحت المطر نصف ساعة او أكثر بإنتظار فتح أبواب الصالة يؤثر على كيفية استقبال الفيلم التالي.
جزء من الجواب هو في تعليق صاح به موزّع وصاحب صالة سينما في لوكسمبرغ إذ قال أوّل ما دلف إلى الصالة "كل ذلك من أجل فيلم إيراني صُـوّر في اليابان". العبارة تلقّفها الحاضرون بالضحك، لكنها معبّرة عن حنق قد يمنع صاحبه من تقدير الفيلم، الا إذا كان الفيلم أقوى من العاصفة واستحق كل العناء لمشاهدته. 

|*| فيلم «سفينة حرب» او Battleship الذي لا علاقة له بـ"كان" لا من بعيد ولا من قريب موضوع مُـثـار في أرجاء المهرجان بسبب ما نُشر من أرقام نهائية وما قد تعنيه هذه الأرقام. والكلام من الآخر: السفينة رسمياً غرقت.
كان الفيلم، الذي أخرجه بيتر بيرغ، قد تكلّف أقل من 210 مليون دولار بقليل. وعلى اعتبار أن الفيلم بحاجة لكي يسجّـل من الإيرادات مرّتين ونصف قبل أن ينجز أرباحاً، فإن ما كان على ذلك الفيلم تحقيقه من الإيرادات (ومن دون حسبان الدعاية وحملات الترويج التي بلغت 70 مليون دولار) لكي يبتسم هو 525 مليون دولار.
لكنه باع بعيد المنال بالنسبة لهذا الفيلم الذي أنفقت عليه يونيفرسال: فهو أنجز أميركياً (وحتى الثامن عشر من هذا الشهر) 25 مليون و350 ألف دولار. ومع أن إيراداته العالمية كانت أضعاف هذا الرقم، إذ وصتل إلى $252 مليون و150 ألف و300 دولار، الا أن كل ذلك لا يزال أقل مما يجب ليحقق أول دولار ربح.
بعد ديزني التي تعرقلت خطواتها بسبب فيلم «جون كارتر» الذي تكلّـف نحو 200 مليون أيضاً وجلب أقل من ذلك، هاهي يونيفرسال تحاول أن تدرس السبب. شيء آخر يربط بين الفيلمين لجانب أنهما من تلك النفقات الضخمة التي لا تصنع بالضرورة فيلماً جيّداً: تايلور كيتش فهو الممثل الذي يقود بطولة الفيلمين… ليس أن أسمه هو الذي أبعد كل الناس، لكنها بداية مضطربة وربما بداية النهاية لممثل لا زال في أوّل الطريق.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حول الإرهاب في الجزائر
*** التائب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إخراج: مرزاق علواش  
نصف شهر المخرجين (الجزائر/ فرنسا).

يقصد المخرج الجزائري المعروف مرزاق علواش طرح قضيّـة الأحزاب الإسلامية المتطرّفة التي تجنح إلى الإرهاب من خلال حكاية شاب سبق له وان انضم إلى واحدة من هذه التنظيمات ثم قرر العودة عنها ليكتشف أن سوابقه سوف لن تعفيه من مسؤولية جسيمة حيال القانون والمجتمع وحيال علاقاته مع من يعتبرونه مسؤولاً عن تلك الضحايا التي سقطت بسبب تلك السياسة العنيفة التي اعتمدتها تلك المنظـّمات حتى وإن لم يشترك فعلياً في ارتكاب جرائمها.
إنه عن راشد (نبيل عسلي) وفي مطلع الفيلم ذلك المشهد الصادم لأرض شاسعة مغطّاة بثلوج الشتاء، وفي المنظر البعيد ذلك الشاب وهو يحث الخطى ناظراً وراءه مخافة مطاردين غير منظورين. يصل راشد إلى القرية ويجتمع مع أهله، ومن لحظة وصوله هناك من أهالي القرية من يتّهمه بالتسبب في قتل إبنه. لكن راشد ينفي التهمة، ويعلن أنه هرب من التنظيم الذي ينتمي إليه وفي اليوم التالي يتوجّـه إلى الضابط ويسلّـم سلاحه. هذا يجد له عملاً في مقهى صاحبه قبل به مضطراً. بعد أيام قليلة يتّـصل راشد بصيدلي البلدة طالباً منه مالاً لقاء إخباره بالمكان الذي تم فيه دفن إبنته الصغيرة التي خطفها الإرهابيون. قبل عشرين دقيقة من نهاية الفيلم يلتقي راشد والصيدلي وزوجة الثاني في ساحة البلدة ويركب راشد السيارة في رحلة طويلة إلى المكان. 
عند تلك اللحظة كان يمكن للفيلم أن ينطلق من البداية لاغياً كل ذلك التمهيد والدوران في المكان الواحد. لم يكن العمل بحاجة إلى ما سبق من تقديم وشرح حالات وتفسير ما هو واضح. لو عمد المخرج إلى "فيلم طريق" من ساعة ونصف يضم تلك الشخصيات الثلاث وكيف وأين تتعارض وتتفق وما يمكن أن يحدث خلال هذه الرحلة الطويلة ومحطّـاتها لكل أفضل من عمل ليس لديه الكثير ليعرضه. 
شغل المخرج متسارع أكثر من أي وقت مضى، وهو صوّر الفيلم بالدجيتال (لأول مرّة حسب ما صرّح به) لكن ذلك بسبب إمتناع الحكومة الجزائرية عن مساعدته في تحقيق هذا الفيلم. وبصرف النظر عن تفاصيل القضية وموقف كل طرف (وفي الأخبار أنه فتح النار على الحكومة الجزائرية في مؤتمر الفيلم الصحافي) فإن حجم الإنتاج المحدود فرض حدّاً لطموحات المخرج الذي عادة ما يحقق أعمالاً أكثر نجاحاً في تحقيق ما تصبو إليه.


Rust and Bones ***
 صدأ وعظام (المسابقة)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إخراج: جاك أوديار  (فرنسا).

على عكس ما أبداه المخرج الفرنسي في فيلمه السابق «نبي»، ذاك الذي فاز بسعفة مهرجان كان قبل ثلاث سنوات، حين عمد إلى وجوه جديدة من بينها طاهر رحيم وعادل بنشريف ورضا كاتب، يتعامل «صدأ وعظام» مع ممثلين مؤسسين هما ماتياس شوونارتس الذي اكتسب شهرة عالمية بفيلم «بولهيد» قبل نحو عام، وماريون كوتيّار التي تحقق أفلامها في فرنسا مداخيل مهمّـة تجعلها من بين الأنجح بين أترابها في السنوات الأخيرة.
ما هو مختلف هنا ليس فقط هذا الجانب، بل في إدارة المخرج لفيلمه. ففي حين عمد «نبي» إلى كاميرا دائمة الحركة ضمن صيغة إنتاجية محدودة تدور في داخل السجن او في شوارع ليلية ضمن جو المغامرة، يقوم هنا بإداء دور أكثر ميلاً لما هو تقليدي بين أساليب العمل. الكاميرا، ولو محمولة في مشاهد عدّة (تم التصوير بدجيتال) تتبع شيفرة كلاسيكية في العمل ما يناسب ووضعية سيناريو مليء بالمشاعر العاطفية المتوترة.
إنه حول آلان (او آلي كما في الفيلم) الرجل الذي نتعرف إليه وهو يودع إبنه الصغير بيت شقيقته التي تعمل في محل سوبرماركت صغير لكي تساعد زوجها في الإنفاق على البيت. كان الأب وإبنه الصغير تركا نقطة لا عودة منها لأسباب لا تهم المخرج بما فيه الكفاية لكي يوفّرها كخلفية لهذه الشخصية. هما فقط على الطريق صوب جنوب فرنسا حيث سيعهد الرجل إلى شقيقته أمر العناية بإبنه ثم ينطلق في أرجاء المنطقة بحثاً عن عمل. يجده كحارس ملهى. بعد قليل هو وجه لوجه مع المرأة التي أسمها ستيفاني (كوتيار). إمرأة تعمل مدرّبة لأسماك قرش ولديها قدر عال من إزدراء الآخرين، بمن فيهم آلان نفسه. 
هنا يقدم المخرج على نقلة مفاجئة نجد فيها ستيفاني في المستشفى وقد خسرت ساقيها في حادثة لا نراها على الشاشة ولا يمكن لنا الا أن نخمّنها تخميناً. لابد أن سمك القرش انقض عليه وتسبب في عملية بتر ساقيها، هذا الا إذا كان هناك حادثة ما قد تكون أقرب إلى واقع الحكاية.
كما يتحاشى المخرج تفاصيل من المحتمل لمخرجين آخرين الدخول فيها، يتحاشى أيضاً التركيز على مشاهد واردة لكنها غير مستغلَّـة بما فيه الكفاية. نمو تلك العلاقة بين رجل فقد وجهته وإمرأة فقدت قدميها. كل منهما معاق على نحو مختلف، وكل منهما بحاجة إلى الآخر، لكن من دون سبب مؤكد لمدى حاجته هو إليها. ستيفاني تركّب ساقين آليّتين وتصبح قادرة على الإستقلال لكنها لا زالت بحاجة إلى هذا الرجل القوي الذي بدأت تحب. 
الحكاية لا تنتمي إلى المعهود خصوصاً في الأفلام الهوليوودية التي سريعاً ما تبدأ بعزف أغاني خفيفة لمسايرة جو من الإنتعاش رغم المصيبة. تحديداً: ليس المطلوب هنا نشر رسالة مفادها أن المرأة التي خسرت قدرتها على الحركة لديها تلك القدرة الداخلية القويّة للتغلّـب على الصعاب وتحقيق ما قد يبدو مستحيلاً. صحيح أنها لا تستسلم لما هي عليه الا أنها تمر بحالات اكتئاب واقعية ومقبولة لا يسعى خلالها آلان إلى التخفيف عنها. هذا كله بفضل كتابة تتيح لكوتيار في نصف الساعة الأخيرة من الفيلم (ساعتان) بلورة الشخصية التي تؤديها والوصول بها إلى مصاف غير مغترب لا عن الواقع ولا عن الإنسانية الدفينة التي تشمل العمل بأسره.

Behind the Hills  **
وراء التلال (رومانيا)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إخراج: كريس مانجيو (المسابقة)

الكثير من التوقّعات دارت حول الفيلم الثاني للمخرج مانجيو بعد ذلك النجاح النقدي (والتجاري) الكبير الذي أنجزه فيلمه السابق «أربعة أشهر، ثلاثة أسابيع ويومين». مثل الفيلم السابق، نال المخرج مانجو سعفة "كان" عن ذلك الفيلم الذي تمحور حول فتاتين إحداهما حامل وتسعى إلى الطرح في ظل الحكم الشيوعي- آنذاك- الذي كان يمنع من مثل هذه العمليات. 
هذا الفيلم الثاني لمانجو يتقاطع أكثر من مرّة مع الفيلم السابق. هو أيضاً عن فتاتين- صديقتين وهو أيضاً عن عملية ستقع لإحداهما ولو أنها ليست عملية إجهاض.
اللقطة الأولى للفيلم مدهمة: فويشيتا (كوزمينا ستراتان) تمشي فوق رصيف ضعيق ومزدحم بالمسافرين يفصل بين قطارين في المحطة  تبحث عن صديقتها ألينا (كرستينا فلوتور) حين تجدها على الرصيف الآخر يتعانقان، فهما تصادقتا حينما كانتا متزاملتين في دار الحضانة قبل سنوات عديدة. بينما انضمت فويشيتا إلى الكنيسة كراهبة محجّـبة تمارس التعاليم السماوية  كما تقتضي المدرسة الأرذوكسية، اتجهت ألينا لألمانيا حيث بقيت فيها طوال هذه الفترة إلى أن عادت- مبدأياً- لتقنع صديقتها بأن تترك رومانيا وتعود معها إلى ألمانيا.
كبداية على إلينا أن تشارك صديقتها الحجرة التي تعيش فيها فيوشيتا في الدير (الواقع فوق هضاب بعيدة عن المدينة ما يفسّر العنوان). والمشاهد الأولى موزعة بين تقديم فيوشيتا صديقتها ألينا لراعي الكنيسة (فاليريو أندرويتا) وبين حديثهما (ألينا وفيوشيتا) عن الماضي قليلاً وعن الحاضر أكثر. ألينا لا زالت تحب فيوشيتا ولو أن "جنس" هذا الحب او حدوده ليس محدداً. الغالب أنهما كانا على علاقة أقوى من مجرّد الشعور مع الآخر. لكن فيوشيتا تؤكد مراراً وتكراراً أنها أصبحت مؤمنة وهي تدعو ألينا لكي تؤمن معها. ليس أن ألينا ملحدة الا أنها لا تذهب في إيمانها مذهب صديقتها. 
بالنتيجة، وأول ما تصدّ فيوشيتا صديقتها عن التفكير بالماضي وتؤكد لها أنها باتت إمرأة جديدة، تدخل ألينا حالات هستيرية متعاقبة واضعة الدير نفسه في ورطة. طوال ساعتين لاحقتين سيرصد المخرج لنا توابع هذه الأزمة العاطفية على فيوشيتا وعلى بيئتها كما على ألينا. العملية المشار إليها تقع في ذلك النطاق عندما يقوم الراعي وباقي الراهبات بربط ألينا إلى عمود على شكل صليب ويبدأون بمحاولة إخراج الشيطان الذي يعتقدون أنه في داخلها. في صبيحة اليوم التالي، تفيق ألينا مبتسم، لكنها سريعاً ما تموت ويُساق الراعي ونصف الراهبات إلى التحقيق.  مثير في بعض جوانبه، مصوّر بتؤدة مثيرة للضجر أحياناً من دون أن يخسر اهتمام مشاهديه مطلقاً. مانجيو يبدو أحياناً غير قادر على فعل ما هو أكثر من فعل متابعة ما يدور لغاية سردية متواصلة ومحدودة، فعلى عكس فيلمه السابق حيث رسم إدانته للفترة الشيوعية، لا يبدو «وراء التلال» واضحاً في هذه الناحية. هل هو فيلم معاد لممارسات الكنيسة او مجرد حكاية حول التناقض بينها وبين الحرية الفردية. لكن شيئاً واحداً لا معنى له ويستمر طوال الفيلم: لماذا المخرج يبدو مهووساً بتسجيل وإطلاق نباح الكلاب من مطلع الفيلم حتى نهايته. ليس نباحاً واحداً في المشهد بل نباح عدد كبير من الكلاب التي لا نراها. حتى ولو أريد لهذا أن يكون رمزاً الا أنه كان إزعاجاً أكثر لا تبرير له.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2012
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular