أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

May 28, 2012

خاص كان: خفايا وقراءت نتائج المهرجان | ليموزين للموت: رموز السيارة في أربعة أفلام | تييري فريمو في حديث خاص | الأفلام العربية المشاركة أقل من رائعة، أكثر من زينة

                                                YEAR 6 | ISSUE 724

  يوميات "كان" السينمائي 2012
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خفايا وقراءات نتائج مهرجان "كان"
 كيف ربح هنيكه من قلّة المتنافسين 
وتحوّلت السينما الأميركية إلى ديكور

محمد رُضـــا
هنيكه (اليسار) مع ممثليه                                                                           

"ليس هناك ما يحول دون خروج هذا الفيلم بجائزة السعفة" كتبت في الفقرة الأخيرة من نقد فيلم «حب» وهو ما حدث بالفعل. لم يكن هناك بين الأفلام الإثني والعشرين التي اشتركت في مسابقة الدورة 65 هذا العام أي فيلم آخر يمكن حجب سطوع فيلم ميشيل هنيكه «حب» لا عن السعفة ولا عن البقاء في بال العديد من النقاد كمرشّح أول لها.
أقرب الأفلام إليه كان لا يزال بعيداً عنه،  وهو «بعد التلال»، الفيلم الآتي من رومانيا الذي اكتفى بجائزتي السيناريو (وضعه مخرج الفيلم كرستيان مونجو) وبطلتيه كرستينا فلوتور وكوسمينا ستراتان.
أما الأفلام العشرون الأخرى فهي إما حملت احتمالات بعيدة (كالفيلم الأوكراني «في الغيم» والفيلم الفرنسي/ الياباني «كواحد في الحب») او لم تحمل أي احتمالات جدّية على الإطلاق (كالفيلم الألماني «الجنة:حب» والمصري «بعد الموقعة»).
على أن توقّع فوز فيلم ميشيل هنيكه (وهو الثاني له على مستوى السعفة الذهبية بعد «الشريط الأبيض» سنة 2009) عكس ما يمكن اعتباره وضعاً خاسراً من ناحية مقابلة. ذلك أن معرفة الرابح سلفاً وعلى هذا التوقع الواسع، فرّغ الدورة من عنصر المفاجأة. وهو عنصر كان دائماً ما لعب دوراً مهمّـاً في نجاحات الدورات السابقة.
بفوز هنيكه مرّة ثانية ينضم إلى بضعة مخرجين سبق لهم وأن فازوا من قبل مرّتين من بينهم الياباني شوهاي إيمامورا والسويدي ألف سيوبيرغ والأميركي فرنسيس فورد كوبولا والبلجيكيين الأخوين داردين.
لقاء وتعارض
والحقيقة التي لابد من ذكرها، أن الإحساس القوي الآخر الذي صاحب معظم المتواجدين هو أن الأفلام المتسابقة بمجملها لم تكن بقوّة الأفلام التي تنافست في الأعوام الثلاثة الماضية. هذا الشعور تولّد من مجموعة من الأفلام لم تستهوي النقاد الذين هم معيار النجاح والفشل الرئيسي في دورات "كان" المتعاقبة. الممثلة إيزابيل هوبيرت لم تكن بعيدة مطلقاً عن الصوات عندما قالت "هناك احترام لا يقارن للسينما هنا".
مادس ميكلسن كما يبدو في "الصياد" لتوماس فنتربيرغ                                     

الحال هو أن ما يصنع للمهرجان رواجه هو مجمل عناصر عليها أن تكون مجتمعة: تاريخ المهرجان وإنجازاته، الأفلام التي يستطيع استقطابها، الممثلون الذين يبثّون هذا الوهج الكبير في كل مرّة و… الإعلام الذي يتساقط كرذاذ المطر فوق كل ما هو (ومن هو) في "كان" (نحو 4000 صحافي وناقد ومصور حضروا هذه الدورة).
لكن ما يصنع نجاح الدورة و-كل دورة: هم النقاد وهؤلاء أظهروا من الفتور ما يكفي لتحميل لجنة التحكيم مسؤولية كبيرة. صحيح أنها لجنة مستقلّـة تعمل بضوابط وقواعد تريد اعتبارها أكثر تخصصاً واحترافاً من القاعدة النقدية التي تحيط بتلك الأفلام، الا أنها اختارت في معظم جوائزها نتائج متوازية لما رشّحه معظم النقاد من البداية. ليس فقط بالنسبة لـ "حب"، بل أيضاً بالنسبة لجوائز مهمّـة أخرى مثل جائزة أفضل ممثل التي ذهبت إلى الدنماركي المولد مادس ميكلسن عن بطولته لفيلم «الصيد» ومثل جائزة لجنة التحكيم التي نالها البريطاني كن لوتش عن «حصّـة الملائكة».
لكن هذا لا ينفي تعارضاً، فعدد الذين أعجبوا بفيلم «الصيد» لتوماس فنتربيرغ من النقاد هم أكثر بكثير من عدد الذين أُعجبوا بفيلم «حقيقة» لماتيو غاروني الذي فاز بالجائزة الكبرى (الثانية قيمة بعد "السعفة الذهبية") والذين وجدوا أن كارلوس ريياغاداس لا يستحق جائزة أفضل مخرج (ومنهم من وجد أن فيلمه «بعد الظلام، ضوء» لم يكن ليستحق أن يعرض أصلاً) هم أكثر ممن وافقوا عليه.

طلاق وزواج كياروستامي
هنا يعزز الرأي القائل بأن التأثير الكبير لرئيس لجنة التحكيم، المخرج ناني موريتي، كان بادياً. فهو من الذين يهوون الحديث عن الحب والعائلة وأواصر الربط بين أحياء العائلة وأمواتها، وهذا ما يدور حوله فيلم ميشيل هنيكه، وهو- من ناحية أخرى- إيطالي يهوي الأعمال القائمة على مشروعات غير كلاسيكية تزيّنها الروح الشبابية وهذا- إلى حد- السبب الذي تبنّى فيه «حقيقة» لماتيو غاروني إلى جانب أن الفيلم إيطالي من بلد رئيس اللجنة ذاتها. ليس المقصود هنا أن إيطالية الجنسيّتين كانت هي الدافع، لكنها عامل مقترح لا يمكن تجاهله.

إلى هذا، هناك حقيقة أن خيبات الأمل من النوع الذي يتكرر كل سنة كانت موجودة بوفرة هذه السنة. 
طبعاً الفيلم الجديد للمخرج المخضرم يسري نصرالله، وعلى عكس ما تمنّاه البعض منّـا لدوافع عاطفية، لم ينل أي ذكر. وهذا كان متوقّـعاً بشدّة والفيلم لم ينل أي تقدير عال بين النقاد بل تراوحت آرائهم بين الضعيف والمتوسط.
لكن من قال أن المخرج الإيراني عبّاس كياروستامي سيخرج من هذا المولد بلا حتى شهادة تقدير؟ 
عبّاس كياروستامي نوع مختلف من السينمائيين الإيرانيين، فهو طلّق إيران من دون أن يكون خدش صفحة النظام فيها، وتزوّج من فرنسا من دون أن يكون الزوج الوحيد لها. سابقاً، من أيام بونويل في الأربعينات، وفرنسا تستقطب طالبي الحريّة واللاجئين من كل مكان. من العالم العربي كما من القارة اللاتينية بل وحتى من الولايات المتحدة في زمن المكارثية (هاجر إليها جوول داسين وجوزف لوزاي وتشارلي تشابلن أوّلاً قبل انتقالهم إلى اليونان وبريطانيا وسويسرا على التوالي)
فيلم كياروستامي المقدّم هنا تحت عنوان «كواحد في الحب» شطحة لا أهميّة لها في تاريخ السينما، ولا هي فنيّة لكي تمثّل خطوة إلى الأمام، ثم هي ليست ثقافية من حيث نجاحها في تجربة تحقيق كياروستامي لفيلم ياباني المكان والزمان ونسبة من الإنتاج. حين تبحث عن "يابانية" الهوية ستطالعك الملامح واللغة وحدها، أما الهوية الثقافية والإجتماعية فمفقودة. هذه القصّة قد تقع في أي مكان من العالم فما الداعي لوقوعها في مدينة يايانية؟
ولو كان هذا هو الإنحسار الوحيد في التجربة، لكان من الممكن المضي لذكر حسنات الفيلم، لكنها حسنات محدودة (ألوان المدينة منعكسة على زجاج السيارة جميل ولكن…). المهم أن النقاد ولجنة التحكيم كانوا متوازين هنا في إعتبار الفيلم عملاً يمكن المرور به من دون أسف خصوصاً مع خروج بضعة أفلام نالت تقديرات أعلى وإن لم تنل جوائز ما من بينها مثلاً فيلم ديفيد كروننبيرغ «كوزموبوليس» وفيلم «في الضباب» للأوكراني سيرغي لوزنتسا. 

هوليوود للزينة!
                                                                         The Paperboy

هذا يترك الإشتراك الأميركي يتيماً. 
لا أحد أحبّه هذا العام. بالنسبة للبعض لم يكن يملك ما يستأهل الحب.
إنها أربعة أفلام تناوب ظهورها وانطفاءها كما الألعاب النارية. بدا للكثيرين بأن الغاية لم يكن اشتراك السينما الأميركية لذاتها، بل اشتراكها لنجومها، فهي حوت من بين الأسماء العديدة التي حوتها على نيكول كيدمان وتوم هاردن وشيا لابوف وجسيكا شستين وماثيو ماكونوفي وجون كوزاك وكرستين ستيوارت وكيرستن دانست وروبرت باتنسن وبراد بت من بين آخرين… لمَ، والسؤال من المهرجان ثم إليه، لا نجلب تلك الأفلام فتؤمن اشتراكاً أميركياً واسعاً وفي الوقت ذاته تستقطب الإعلاميين وتمنح المهرجان تلك الأضواء الباهرة؟
ليس أن المهرجان أساء الإختيار مطلقاً، بل هو عمد إلى بعض أفضل الموجود، ويكفي أنه في العام الماضي منح سعفته لأحد أصعب ما وفّرته السينما الأميركية من أفلام وأكثرها وجدانية وابتكاراً وهو «شجرة الحياة» لترنس مالك.
لكن المشكلة هذا العام أن الأفلام المختارة لم يكن منها ما هو جيّد لا يمكن المضي عنه ولا أن لجنة التحكيم كانت في وارد تخصيصها بما تعلم أنها ليست بحاجة ماسّـة إليه كحاجة السينما الأوروبية ذاتها. من ناحية كانت على صواب في معظم اختياراتها ومن ناحية أخرى ظهرت الأفلام الأميركية مجتمعة كما لو كانت جزءاً من الديكور.
هذا منطبق على الفيلم الجيّد Mud (إسم بطل الفيلم ماثيو ماكونوفي وليس بمنعى وحل) لجف نيكولز وعلى الفيلم المقبول «صبي الصحيفة» للي دانيالز (مع نيكول كيدمان وجون كوزاك) وفيلم الذي تفاوت الرأي بخصوصه «بلا قانون» لجون هيلكوت (مع غاري أولدمن وغاي بيرس وجسيكا شستين من بين آخرين). الوحيد الذي بدا متهاوياً هو فيلم السيارات الخمسيناتية «على الطريق» لوولتر سايلس الذي صدم كثيرين بتفويته الفرصة تلو الفرصة لتحقيق إنجاز سينمائي من كتاب كان حقق إنجازاً أدبياً حول جيل الخمسينات.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملاحظات نقدية

ما حكاية السيّارات في دورة كان الحالية؟
يبدأ فيلم «طعم العسل» للكوري إم سانغ سو بمشاهد بديعة لسيارة فاخرة تقطع شوارع العاصمة وتسير بثبات فوق أحد الجسور العالية، كما لو كانت تتهادى فوق بحر ساكن. لكن في الخلفية وفي الشوارع الممتدة تحت ذلك الجسر حركة سير مكتظّـة عبّر عنها المخرج جيّداً حين اختار دمج المشهد الرئيسي لليموزين السوداء بالخلفية المذكورة بسرعتين مختلفتين: السيارة بسرعة عرض طبيعية والسيارات الأخرى بسرعة عرض منفّذة على الكومبيوتر ما يخلق إيقاعين مختلفين في اللقطة الواحدة.
بعد ذلك ليس هناك الكثير من المشاهد التي تقع أحداثها في السيارة، لكن ما هو هناك حاسم دائماً في هيكل حكاية تتحدّث عن عائلة بليونيرية تضم الجد والأب والأم والأولاد والخدم. عين المخرج على التقاطع القائم، كما في بداية الفيلم، بين هذه المستويات المختلفة معيشياً وطبقياً وكيف أن بطل الفيلم يجد نفسه ما زال ضحية وضعه بأنه مجرّد مساعد أجير رغم حاجة تلك العائلة إليه.
لكن السيارة في ثلاثة أفلام أخرى لها أدوار أكثر حضوراً. إنها في بعضها الفيلم بأسره. ما يقع في داخلها هو مفتاح دخول وخروج للشخصيات وللعالم الذي تدور فيه.

تابوت كروننبيرغ
                                                                       Cosmopolis

هاهو فيلم ديفيد كروننبيرغ «كوزموبوليس» يضع بطله (البليونير أيضاً) إريك (روبرت باتنسن) في سيارة "ليموزين سترتش" (الأطول والأفخم) بعدما أصر على أن يجتاز مدينة نيويورك من أقصاها إلى أقصاها لكي يقص شعره عند حلاق معين كان يعرف والده. وهو اختار اليوم الذي حل فيه رئيس الجمهورية الأميركي في المدينة ما يعنيه ذلك من تسكير طرقات وزحمة مواصلات. وبالفعل يحل الليل والسيارة لا زالت في طريقها. لكن ذلك مع حسبان عدد من محطّـات التوقّـف التي يخرج منها إريك من السيارة ليقابل بعض الناس في طريقه بينهم زوجته السابقة (سامانتا مورتون) التي يحاول العودة إليها معبّراً عن اشتياقه العاطفي إليها. لكن إريك ليس بوضع المنتظر هناك ثلاثة خلوات عاطفية في الفيلم إثنين منها في الليموزين ذاته (أحدها بينه وبين الممثلة الفرنسية جولييت بينوش)
إذا ما كانت رحلة السيارة بطيئة وصعبة (وفي الأصل تتطلّـب تبريراً أفضل من ذلك الممنوح) فإن الفيلم يعاني أيضاً من بطئه وصعوبة إقناعنا بما يدور حوله. لكن ما يهمّنا هنا هو الوضع الناتج عن مجمل أحداث تدور داخل السيارة. على هذا الصعيد، فإن هذا الداخل أقرب إلى تابوت متحرك في جنازة بطيئة. التصميم الإنتاجي وظّـف اللون الأسود والأضواء المحدودة واللقطات ذات البؤرة البعيدة لكي تمنح المشاهد تماثلاً بين الجنازة الموحاة بالتصميم العام لمكان الحدث (داخل السيارة) وبين نهاية عالم البليونير الذي ليس قادراً على توجيه حياته بعدما وصل إلى قمّتها المادية والإجتماعية باكراً. 
في النهاية إريك ميّت يتنفّس. لقد خسر السيارة وقَتل معاونه الأول (نقص القدرة على الإقناع متمثّـل هنا أيضاً) والتحم بمشادة مع موظّف سابق له (بول جياماتي) تكاد تنتهي بمقتله. في المقابل، فإن ما حاول الفيلم أن يشيده من عمق البحث في حاضر اقتصادي واقعي قائم على المستفيدين من النظام الرأسمالي وعلى الغالبية المتضررة منه في أميركا اليوم، منسوف بعبارة الفيلم الأخيرة التي تدعو إلى الصلح بين الإثنين.

أكثر من قناع
السيارة في هذا الفيلم- وبنجاح- إلى جانب كونها رمزاً لتابوت، هي نقطة سفر تبدأ بقناعات وتنتهي بقناعات أخرى، وهذا هو ما يحدث أيضاً في فيلم «موتورات مقدّسة» للفرنسي ليوس كاراكس. هنا أيضاً تلك السيارة الليموزين، لكنه ليموزين أبيض اللون. والرحلة تنطلق نهاراً لكن الليل يداهمها سريعاً. لا زحاماً أمامها ولا هي تشبه التابوت ولا يوجد فيها طروحاً اجتماعية واقتصادية، لكنها رغم ذلك رمز لمصنع من الغرائبيات. فالراكب الذي يستخدمها وأسمه أوسكار (دنيس ليفانت) يدخلها بشخصية ويغيّر شخصيّته داخلها ثم يخرج ليمثل هذه الشخصية في الحياة العامّة. السيارة ليست بفخامة الليموزين سترتش في فيلم كروننبيرغ، لكنها تلبّـى الحاجة، لأن جزءاً كبيراً منها مشغول بمرآة وطاولة للزينة وبصندوق واحد على الأقل توجد فيها كافّة أنواع الشعر الإصطناعي وأدوات التمويل. أوسكار، ومن دون سبب معروف في البداية، يخرج من السيارة في كل مرّة بشخصية مختلفة. في البداية هو إمرأة عجوز، ثم هو رجل أعمال ثري، عجوز على حافّة الموت، مشوّه بشري يعيش في المجارير ويخطف إمرأة جميلة، صعلوك، قاتل وهو في كل هذه الشخصيات يمثّـل، كما نعرف لاحقاً، دوراً في برنامج منفّذ من قِبل مجموعة تتخذه وما يقوم به لهواً استعراضياً.
                                                                        Taste of Honey 

جزء من هذه الشخصيات سبق له أن ظهر في الجزء الذي أخرجه كاراكس من فيلم ثلاثي الإخراج عنوانه «طوكيو» شاركه تحقيقه كل من جون-هو بونغ وميشيل غوندري. هذا الجزء هو ذاك الذي نشاهد فيه ذلك المخلوق البشري المشوّه الذي يخطف إمرأة جميلة ويهدد سلامة الناس قبل وبعد ذلك لاجئاً إلى المجارير. لسبب وجيه، فإن هذا الجزء في الفيلم الثلاثي يبدو أكثر تمتّـعاً بالمعنى من حالته الحاضرة هنا في فيلم ينشد الصدمة ويدّعي المعنى من جراء التصدّي للغرابة وحدها. لكنه يبقى لافتاً وصادقاً لما يحاول إنجازه منفرداً.
الفيلم بسيّارته ومغزاها المحدد قد يكون المقابل لعالم بات أقل مخيّلة مما تحمله أي ربع ساعة من هذا الفيلم. عالمه هو التضاد للعلاقة الضيّقة التي بات الواحد منّـا يحياها أمام التقنيات الحديثة. انصبابه على تحويل الهاتف النقال والكومبيوتر والمبتدعات التقنية الأخرى إلى كل ما لديه من علاقات وما يطلبه من مساحات فكرية وروحية.

عبر أميركا
الفيلم الثالث هو ذاك الذي تحدّثنا عنه يوم أمس: «على الطريق» وهو فيلم مختلف تماماً عن الأفلام الثلاثة التي سبق ذكرها. 
الخمسينات ثم الستينات كانت سنوات اكتشاف وجه آخر لأميركا قاده شباب ذلك الجيل وفحواه الخروج من التقاليد العائلية والدينية والمحرّمات المختلفة صوب حياة تتألف من جناحين: الإنطلاق والحريّة. جزء منه هو سيرة ذاتية للكاتب جاك كيرواك متخفّية في شخصية أخرى (تلك التي يقوم بها سام رايلي). قسم آخر منه هو تجربة للحديث في ذلك الصرح الزمني السابق لأميركا وثقافاتها الشبابية آنذاك (نهاية الخمسينات). في كل هذا وذاك، هناك السيارة (او عدّة سيارات في الواقع) وكلّـها من الفترة ذاتها: قديمة وضخمة وسوداء او داكنة تقطع الرحاب البريّة في سرعة وقوّة وداخلها عصبات الشباب اللاهي وهو يمارس الجنس والتحشيش ويضحك عالياً مستمتعاً بزمن مهدور.
السيارة هنا ترمز إلى الزمان كما إلى الوسيلة التي تمكّن الفيلم من قص حكايته. وهي ليست سيارات ليموزين بل سيّارات عادية الحجم. وذلك له مرجع إجتماعي كما هي الحال في «طعم العسل» و«كوزموبوليس» و«موتورات مقدّسة». في تلك الأفلام الثلاث، فإن الشخصيات إما بالغة الثراء طعم العسل» و«كوزموبوليس») او موظّفة من قبل بالغي الثراءموتورات مقدّسة»). في «على الطريق» هي سيارات أشخاص ليس لديهم أكثر من بضع دولارات. لكن فقط لو عكس الفيلم ثراءاً معنوياً او عمقاً غنيّـاً بمدولاته لعوّض فقر شخصياته. أبطاله يشحذون ويسرقون ويرتكبون الإثم وذلك للإنتقال من نقطة إلى نقطة في مشوار لا يصل. مشاهد سرقتهم للبترول وللطعام تصبح المنوال الذي يمكنهم من تجاوز عثرات المكان راغبين فقط في تغييره من دون وجهة او قصد.
كما الأفلام الثلاثة الأخرى، الفيلم فيه غنى بصري شاغل للعين. لكن على عكسها، فيه فقر في التعبير عن المقصد النهائي وإيداع الفيلم في نهاية تكشف السبب في الإحتفاء بما نراه من دون وجهة نظر المخرج فيه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حديث | المدير العام لمهرجان "كان" تييري فريمو
لا يمكن لمدير مهرجان أن يقول
أنا أكتشفت هذا السينمائي" ٠ 
بصفته المندوب العام لواحد من أهم المهرجانات السينمائية على كوكب الأرض، يقوم تييري فريمو بإدارة هذا الحدث محافظاً على هذا تاريخ هذا المجد. إنه ليس اختياراً بل عملاً مجهداً يبدأ كل سنة بعد إسبوعين من انتهاء الدورة الماضية. في العام الماضي حل مكان جيل جاكوب الذي يتبوأ الآن مركز الرئاسة وبذلك أصبح فريمو الرقم الحقيقي في الأولوية والتنفيذ والمسؤول الأول في القرارات. إنطلاقاً من هذه الأهمية تم إجراء هذه المقابلة

حفلت الدورة الحالية ببعض مظاهر السينما العربية من بينها اشتراك فيلم «بعد الموقعة» في المسابقة. لكن هل ترى معي  أن هذا الإشتراك لا يزال محدوداً وأن هذه السينما غير قادرة للأسف على مواكبة المتطلبات الدولية؟

أولا علينا أن نعترف بوجود السينما العربية وأنها تنبع من تقاليد عريقة. ثانيا حقيقة أن السينما العربية لم تتناول سوى الموضوعات التي تجتذب الجمهور المحلى لعقود أعاقت دخولها للسوق الكبرى حيث كان يمكنها أن تتطور. ولأجل ذلك تحتاج السينما العربية إلى أداتين هما: التدريب والتعليم وتأهيل سينمائيين للمستقبل

كيف يمكن  لمهرجاناتنا العربية  تقديم يد العون للمخرج العالمي؟

من الصعب لي أن أتحدث عن هذه المهرجانات، لأنني للأسف لم أحضر أيا منها. فهي حتى الآن لا تعد جزءاً من المهرجانات "الكبرى" لكنها موجودة بالتأكيد مع هويتها الخاصة وخصائصها القوية وهي الآن تقف على أسس راسخة في مجال صناعة السينما. وعلى أي حال، أصبحت تلك المهرجانات ضرورية، لأن الأفلام لا تزال بحاجة إلى التقديم في هذا الوقت من العام. أنا أعتقد أنه لا يوجد تنافس بين المهرجانات لأن جميعها يؤدي الدور المطلوب وعلى أكمل وجه. وأنا دائما أُقدر اهتمام دول الخليج بالسينما. فهذه هي البداية فقط وقناعتي أن هذه الدول سوف تفاجئنا يوما ما.

 ما هي العناصر التي تبحث عنها في الفيلم المتسابق؟

يشارك فى المهرجان 1700 فيلم كل عام وعلينا أن نختار الأصلح للمنافسة. وحتى إن ظهر أن إختيار الأفلام هو مسألة شخصية فنحن نعلم ملامح الفيلم الجيد. وغالبا ما يثق العالم في إختيارنا. وفي نهاية العام، عندما يحين الوقت للمراجعة والتحليل نرى أن لجنة تحكيم مهرجان كان لم تكن بعيدة عن الواقع كثيرا. ورغم أن رسالتنا مُحدده فالسينما فن قبل كل شيء. دعنا نُبدى إعجابنا بهؤلاء الذين يخرجوا لنا نماذج جديدة ولا ننسى الذين يخلدون الأعمال الكلاسيكية. فإختياراتنا تقوم على هذا المفهوم. ونحن نحترم الأداء ونحترم فكرة أن السينما تستطيع إبتكار مستقبل جديد فى كل مرة يقدم فيها المخرجون عملا فنيا جديدا عن الحداثة. ولا شك أن حزمة الأفلام الجيدة هي محصلة مجموعة من الأفلام الجيدة. وبعد ذلك يأتي دور المهنيين والنقاد.

أي من المخرجين الجدد تعتبرهم إكتشاف المهرجان؟

بالنسبة لنا، يعتبر الاكتشاف هو الطريقة التى نقيِم بها الأفلام أو المؤلفين خلال المنافسةولكن المفهوم المقدس للاكتشاف يزعجني أحيانا. فالسينما ليست مثل الأدب فأديب مثل آرثر رامبو كان يكتب أعماله على أحد المقاهي. صانعو السينما المستقلون فعلاً قليلون جدا. ولا يمكن لمدير مهرجان كبير أن يقول "أنا اكتشفت هذا السينمائي". ومن يصنع السينمائي هو شخص ما ربما يكون المنتج ذاته. لكن هناك نماذج رائعة من المخرجين سلط المهرجان عليهم الضوء مثل باولو سورينتينو وكريستيان مونجو وسيرجوي لوننتسا وكارلوس ريجادا وغيرهم. وصل إلى أيدينا فيلم " بليسوفولى يورز"، وهو أول فيلم من إخراج المخرج التايلاندي المستقل أبيشات بونج ويراسيثاكول على شريط "في إتش إس" (VHS). وكان هذا في عامي الأول مع المهرجان. فلفت صديق ياباني انتباهى إليه وبعدها بعشر سنوات فاز هذا المخرج بجائزة السعفة الذهبية. وهنا تأتي أهمية مهرجان كان.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأفلام العربية في مهرجان "كان": 
أقل من رائعة، أكثر من مجرد زينة.
 _________________________________________
محمد رُضــا
يا خيل  الله                                                                                  

ثلاثة أفلام عربية في الدورة المنضوية هذا الأسبوع من مهرجان "كان" السينمائي الدولي تكشف عن حالات متباينة تمر بها السينما العربية تبعاً لظروف الدول التي تنتمي إليها.
واحد منها، «بعد الموقعة»، تم ضمّـه إلى المسابقة في حين وجد الفيلمين الآخرين لهما مكانين في تظاهرتين متوازيتين: "يا خيل الله" المغربي في "نظرة ما" و«التائب» الجزائري في «نصف شهر المخرجين».
النقد الغربي لم يكن مرحبـاً بها على حد متساو، وأكثر الأفلام عرضة للإنتقاد كان فيلم يسري نصرالله «بعد الموقعة» لسببين: الأول أنه معروض في المسابقة التي تبقى محط إهتمام القسم الأكبر من النقاد والإعلاميين (أكثر من 3400 فرد) والثاني أنه لم يتوصّـل بالفعل إلى تبرير لا موقفه غير الواضح حيال أحداث مصر التي شهدتها في يناير/ يونيو العام الماضي، ولا إلى بلورة صياغة فنيـّـة أفضل لموضوعه.
يستخدم فيلم يسري نصرالله الجديد "موقعة الجمل" ثم ينفصل عن العرض التسجيلي ويؤلّـف  منه خطّـاً روائياً ينضوي على حكاية ذلك الفارس الذي ألقي القبض عليه وإسقاطه عن فرسه قبل أن ينهال عليه المتظاهرون ضرباً. إنه باسم السمرة، أو محمود في الفيلم، الذي أصبح محط عداء المحيط الإجتماعي بسبب اشتراكه في الموقعة لحساب رجال النظام السابق، هذا رغم أنه يبرر ما فعل لنا وللمرشدة الإجتماعية ريم (منّـة شلبي) بأنه كان بهدف هدم الجدار الذي تم وضعه بين حارته والهرم ومنعه من النظر إليه. فلقد وعده من استأجره والآخرين لهذه المهمّـة برفع معيشته وهدم الجدار لكن ها هو الجدار لا يزال منتصباً وها هو يمثّـل أمامه.
بعد المعركة                                                                               

على الرغم من حسن تمثيله، الا أن ذلك كلّـه غير مقنع ولا يكفي لبناء الفيلم عليه خصوصاً وأن يسري لا يبدو مدركاً أي وجهة نظر يريد أن يتبنّى. كذلك ليس مقنعاً أي شيء في تلك العلاقة العاطفية التي تشرأب برأسها بين ريم ومحمود ثم لا تتقدّم ولا تتأخر ولا تذهب بعيداً.
لا نعرف مثلاً لم تتصرّف ريم على هذا النحو المعاند لما يراه كل مشاهد على أنه موقف خاطيء طالما أن العلاقة ليست حبّـاً، ولا هي رغبة جنسية صرفة. ربما هناك عاطفة قلب وربما هناك نداء جنسي، لكن الفيلم يبقى بمعزل عن اتباع أي من هذين الإحتمالين لكي يؤسس لما يقع لاحقاً.
ينتقل يسري نصرالله بين تأليف تسجيلي وآخر درامي (أحياناً بسلاسة) لكنه يخفق في معالجة سيناريو ينتقل بنقاطه من دون حل من المشاهد الأولى لها لمشاهد أخيرة. عند النهايات مثلاً لا زال الفيلم يتحدّث عن وضع محمود من حيث إذا ما كان ضحية او جلاداً، مردّداً مشهداً بعد آخر حيرة النظر إليه لا من قِـبل ريم فقط، بل من قِـبل الفيلم ومخرجه أيضاً. 

الفيلم المغربي «يا خيل الله» هو جديد المخرج نبيل عيّوش الذي يعود إلى البيئة الفقيرة التي تعيش عشوائيات حي سيدي مؤمن في ضواحي الدار البيضاء وحيث يترعرع الأولاد في فقر مدقع فنتابعهم في نحو ساعة وهم يدلفون من جريمة وجنحة إلى جريمة او جنحة أخرى بما في ذلك، وفي مشهد لا حاجة لنا به، مشهد اغتصاب صبي دون الثالثة عشر لصبي آخر من عمره. إنتفاء الحاجة مردّها أن الفيلم يستعرض الحادثة للصدمة، كذلك يفعل في تلك الساعة الأولى من الفيلم حيث الكاميرا لاهثة والمشاهد متوتّرة والضجيج عال والمواقف الحادّة متوالية. 
في الساعة الثانية ينقلب الأسلوب من كاميرا محمولة ومهتزّة إلى كاميرا غالباً ثابتة. لقد كبر أولاد الشوارع وانضمّـوا إلى التنظيم الإرهابي الذي سيبعث بهم بمهام تفجيرات متعددة كتلك التي وقعت في المغرب فعلاً في العام 2003. هذا النصف الثاني أكثر انضباطاً لكنه لا يخلو من تصوير كاريكاتوري لأعضاء التنظيم من مدرّبين وشيوخ او مسؤولين. صحيح أنه لا يجيّرهم للسخرية لكنهم بلا عمق. على ذلك ينجح الفيلم في رصد الحالة العامّـة ولو أن المرء لا يمكن له إعتبار هذا الفيلم بمثابة العمل المرجعي للموضوع الذي اختاره مخرج «علي زويا» و«كل ما تطلبه لولا».

الفيلم الثالث هو «التائب» للمخرج الجزائري مرزاق علواش ويدور أيضاً حول التطرّف والإرهاب. إنه عن راشد (نبيل عسلي) الهارب من الخدمة في أحد التنظيمات والذي  يعلن إنسحابه من  التنظيم ويعمد لتسليم سلاحه إلى ضابط البوليس في البلدة الصغيرة التي جاء منها. لكن راشد يتوسّم حلاً اقتصادياً لمأزقه: يريد أن يرشد صيدلي الحارة إلى المكان الذي تم فيه دفن إبنته الصغيرة المخطوفة لقاء مبلغ من المال، وسوف يستقل وإياه وزوجة الصيدلي السيارة التي ستنطلق إلى مكان بعيد للغاية. عند هذه النقطة بالتحديد كان يمكن للفيلم أن يبدأ لأن ما سبق يبدو تحضيراً. عند تلك اللحظة كان يمكن للفيلم أن ينطلق من البداية لاغياً كل ذلك التمهيد والدوران في المكان الواحد. لم يكن العمل بحاجة إلى ما سبق من تقديم وشرح حالات وتفسير ما هو واضح. لو عمد المخرج إلى "فيلم طريق" من ساعة ونصف يضم تلك الشخصيات الثلاث وكيف وأين تتعارض وتتفق وما يمكن أن يحدث خلال هذه الرحلة الطويلة ومحطّـاتها لكل أفضل من عمل ليس لديه الكثير ليعرضه. 
كما لاحظنا، فإن الأفلام الثلاثة مرتبطة بما يدور في عالمنا اليوم مع اختلاف الحدث من فيلم لآخر. لكن الملاحظة الأخرى هي أن كل فيلم جاء مكبّـلاً برغبات غير تلك المنجزة. يشي بعمل أكبر وأقوى لم يستطع بلوغه رغم الحريّـة الممنوحة لكل واحد منها.



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2012
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system