أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

May 25, 2012

يوميات كان | تقييم عام للنصف الأول | نقد فيلم "حب" لميشيل هنيكه و"كواحد في الحب" لعباس كياروستامي


 يوميات "كان" السينمائي 2012
 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 7 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لقطة أولى |
الممثل الذي لن يفوز والأستديو الجديد
كان- محمد رُضــا
أنييلو أرينا (إلى اليمين) في لقطة من «حقيقة»٠

|*| نتيجة واحدة مؤكّـدة بالنسبة لجوائز المهرجان في هذه الدورة: لن ينلها الممثل الإيطالي أنييلو أرينا. لا يستطيع أن ينلها. حين شوهد فيلم «حقيقة»، الذي يقوم أرينا ببطولته، صباحاً (تبدأ العروض في الثامنة والنصف صباحاً بينما العيون لا زالت متثاقلة) خرج معظم الحاضرين بإنطباع واحد: تمثيل خليق بالجائزة، لكن الفيلم لا يرتفع إلى مستوى فيلم مخرجه ماثيو غاروني الأول «غامورا». وبين درجات النقاد نال الوسط وما دون. وهو بالفعل أقل قيمة من الفيلم السابق، علماً بأن ذلك الفيلم لم يكن بتلك الدرجة القصوى من الأهمية بدوره. المهم هو أن  السبب في أن أنييلو لن يكون من بين الفائزين لا علاقة له بالفيلم: الممثل محكوم بالسجن لعشرين سنة خرج منه بإذن لكي يمثّـل في هذا الفيلم ثم يعود إليه. أرينا، فنيّـاً، لا بأس به ممثلاً وهو خبر التمثيل قبل هذا الفيلم حين أخذ يظهر على مسرح يتألـّف العاملون فيه من أصحاب السوابق. وإن كنت لا أدري ما هي التهمة المحددة التي وُجّـهت إليه الا أن بعض الإيطاليين هنا أخبروني أنه متّـهم بالتخطيط لجريمة قتل. المخرج غاروني كان يريد هذا الممثل ليظهر في فيلمه السابق «غامورا»، الذي يدور حول أعمال عنف في مافيا نابولي، لكن القاضي رفض طلبه آنذاك.

|*| وهذا ثاني فيلم حديث يعهد ببطولته إلى سجين. كنا في مهرجان برلين تابعنا فيلم الأخوين الإيطاليين تافياني «قيصر يجب أن يموت» الذي نال الجائزة الأولى. الفيلم لم يكن من بطولة سجين واحد، بل كل من ظهر فيه كان من السجناء وذلك في تجربة سيني- مسرحية مقتبسة عن أحد أعمال وليام شكسبير ("جوليوس سيزر"). هذا يختلف عن بقاع أخرى من العالم. في معظمها يدخل المحكوم السجن ليبقى فيه خصوصاً عن التمثيل في فيلم. بالتأكيد لم يحدث هذا في أي فيلم عربي، ولو أن العديد من الممثلين المتزوّجين يهربون دائماً الى التمثيل منفردين نهاراً ويعودون إلى بيت الزوجية ليلاً.

|*| قررت مؤسسة Twofour54 في أبوظبي المضي قُـدُماً في بناء ستديو سينمائي حديث كذلك الذي أسسته قبل ست سنوات مدينة دبي ويستقطب حالياً عشرات الأعمال في كل سنة (حسب جمال الشريف، المدير العام لمدينة دبي للإعلام نحو 85 فيلماً مختلفاً تم تصويرها في دبي في العام الماضي). المشروع الجديد سينطلق، حسب الخطّـة، في العام 2015 وتنوي المؤسسة اعتبار الإستعانة به- من قِبل شركات الإنتاج- بمثابة دخول الاستديو في عملية الإنتاج ذاتها بنسبة ثلاثين بالمئة. لكن الاستديو أيضاً، وحسب الإعلان الذي أطلق قبل يومين هنا في "كان"، سيسعى لتعزيز الأعمال ذات المضامين العربية، عربية كانت أو أجنبية.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تقييم النصف الأول من المسابقة
بداية هابطة ثم ارتفاع مفاجيء
The Hunt

شكل الأسبوع الأول من المهرجان ليس جديداً. الأفلام التي عرضت فيه، بدءاً من «مملكة سطوع القمر»، فيلم الإفتتاح الذي أنجزه وس أندرسن، وحتى عرض فيلم كن لوتش «قسمة الملائكة» ليل يوم الإثنين، تراوحت بين الجيّد والمتوسّط، القوي والركيك ولولا أن ثلاثة أفلام حملت رحيقاً منعشاً عرضت خلاله لكان تهاوى إلى حضيض مضجر.
إذا ما تجاوزنا عقدة فيلم الإفتتاح، وعما إذا ما كان "عملاً مبدعاً"، كما وصفه البعض، او فذلكة باردة الأوصال، كما هي حقيقته، فإن المسابقة شهدت خضّـتها الأولى عبر فيلم يسري نصرالله «بعد الموقعة». قبل العرض كان هناك ذلك الحماس الوثّـاب من أكثر من جهة: فالمخرج هو تلميذ المخرج يوسف شاهين الذي عرض غالبية أفلامه السابقة في "كان"، والمهرجان عرض ليسري «سرقات صيفية» (أول أفلامه سنة 1988) الذي تم إشراكه ضمن العروض الرسمية خارج المسابقة، ثم «باب الشمس» (2004) أيضاً خارج المسابقة. ثم استقبل له ولمخرجين آخرين «18 يوم»، أول فيلم طويل ظهر حول أحداث يناير 2011
كون »بعد الموقعة» فيلم نصرالله الخاص عن تلك الأحداث، وكون المجتمع السينمائي توّاق لمشاهدة فيلم مصري عنها، فإن اختيار هذا الفيلم بدا طبيعياً ما جعل الحماس يتضاعف من قبل هذا الفريق الثالث الذي يريد أن يعرف ما لدى هذا المخرج قوله عن تلك الثورة التي لا زالت تبعاتها تدور…. المشكلة أنه لم يقل الكثير. لم يتّـخذ موقفاً. لم يكشف جديداً وما قاله واتخذه وكشفه جاء حوارياً إرشادياً ومتكرراً.
في أعقابه غسل الفيلم النمساوي/ الألماني «الجنة: حب» الذاكرة السياسية بأخرى عاطفية: كان لهذا الفيلم بعض مريديه بناءاً على محاولة ناجحة لتضخيم إسم المخرج أولريخ سيدل الذي كان أنجز قبل أربع سنوات فيلماً أحبّـه النقاد هو «إمبورت/إكسبورت». مثل هذا الفيلم كان ذاك تعليقاً إجتماعياً، لكن الفيلم الجديد يحمل تعليقاً مزدوجاً: عن النساء الأوروبيات اللواتي تجاوزن الأربعين واستبدلن الرشاقة بالبدانة ويتوجّهن لكينيا للبحث عن المتعة الجنسية كما يوفّرها الأفريقيون. في المقابل هؤلاء الأفريقيين الذين حوّلوا العرض والطلب إلى بزنس يساعدهم في تكاليف الحياة. 
هذا الفيلم لم يشهد قبولاً نقدياً كبيراً ما جعل المهرجان يبدو كما لو أنه حط في بؤرة سيصعب الخروج منها، وما لبث فيلم «حقيقة» لماتيو غاروني أن أكّـد ذلك. «حقيقة» او Reality التقى من حيث لا يعلم مع «صدأ وعظام» للمخرج الفرنسي جاك أوديار. كل من غاروني وأوديار سبق لهما أن خرج بسعفة ذهبية (الأول سنة 2008 عن «غامورا» والثاني سنة 2009 عن «نبي») مقدماً على عمل غير تقليدي من أوجه كثيرة. أسلوب واقعي وقريب من الموضوع المعاش يجعلك تعتقد أن أعمال المخرجين، خصوصاً بعد نجاح تجربتيهما، ستتمحور على هذا الصعيد. لكن «حقيقة» جاء أقل قيمة مما أريد له أن يكون متحوراً حول عالم «رياليتي شو» التلفزيونية والسعي الدؤوب للمشتركين تحقيق الشهرة والمال وما قد يتبع ذلك من وراء مثل تلك البرامج، و«صدأ وعظام» دلف كقصّـة ذات معالجة تقليدية لمأساة عاطفية المنشأ وعاطفية التصدير والمعالجة أيضاً.
كلا الفيلمين لم ينجزا المأمول لكنهما كانا التمهيد الصحيح لفيلم «الصيد» للدنماركي توماس فنتربيرغ من حيث أن الحضور أخذ يبحث عن منقذ فعلي. المخرج كان شارك في تأسيس المنظومة الراحلة المعروفة بـ "الدوغما" وأول من تركها أيضاً. وفيلمه «الصيد» دراما إجتماعية موجعة في المكان الصحيح وسؤاله: من الذي سيعوّض على رجل ما يمر به من إذلال وإهانة ومخاوف عزلة عندما توجّـه إليه تهمة التحرّش جنسياً بالأطفال وهو بريء منها؟ ليس سؤالاً جديداً، بل سبق للمخرج الألماني جاكوب ثيولن أن عالجه في الفيلم الذي شارك مسابقة مهرجان برلين في دورة 2005 وخرج من دون جائزة. لكنه سؤال متجدد في إطار حكاية مختلفة ومعالجة فنية جيّدة (إقرأ النقد أدناه)
هذا كان أول علامات التحسّـن في المستوى إذ تبعه على الفور «وراء التلال» لأحد أشهر مخرجين في السينما الرومانية الجديدة وهو كرستيان مونجيو (الثاني والأفضل إلى حد ملحوظ هو كريستي بويو صاحب «موت السيد لازارسكو) الذي تعامل مع حكاية المؤسسة الكنسية في مواجهة مأزق أخفقت في معالجتها، كما تقدّم في نقدنا للفيلم قبل أيام. ليس أن فيلم مونجيو جدير بالجائزة بحكم ما تلاه من أفلام بعضها أفضل، بل بدا كذلك حين خرج الحضور منه قبل منتصف الليل معجبين بتصويره ورصده وتمثيله.
وفي حين أخفق بعد ذلك «بلا قانون» لجون هيلكوت في إثارة الحماس جاء «حب» لميشيل هنكه كتتويج لنهاية نصف أول وبداية نصف ثان من دورة تقف على المحك لأسباب قد نعود إليها قبل نهايتها.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أفلام "كان"  

حب هنيكه للفيلم البسيط والمعقد طريقه إلى السعفة
L'Amour ****
حب | ميشيل هنيكه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ألماني/ فرنسي/ نمساوي (المسابقة)
L'amour 

في العام 1997 أنجز المخرج الروسي ألكسندر سوخوروف «أم وإبن» حول شاب (أليكساي أنانيشنوف) يعيش مع أمّـه العجوز والتي تعاني من الهزال والضعف (غودرون غييَر) في كوخ على ضفاف نهر في منطقة ريفية. الفيلم يدور في اليوم الذي ماتت فيه الأم، وقبل موتها مشاهد للإبن وهو يعتني بأمّـه أيما عناية. يحدّثها. يسرد لها الشعر. يداويها ويصبر عليها ويحملها، في مشهد لا يغيب عن البال، لخارج الكوخ حيث يضعها على ضفّـة النهر لعلّها، قبل مضيّها من هذا العالم، تتمتّـع بجماله. ثم تموت… 
بما أن الفيلم كان حزيناً قبل موتها، فإن الحزن المتوقّـع لما بعد ذلك ليس فادحاً. ما يجعل ذلك الفيلم قمّـة في التعبير العاطفي تلك الوجدانيات الإنسانية المذهلة التي يغيب معظمها عن فيلم ميشيل هنيكي الجديد، وإن كان الفعل الإنساني حاضر بدوره، ولو على طريقة المخرج المختارة بعناية.
يبدأ بمشهد اقتحام البوليس (الفرنسي) لشقّة كبيرة والإندفاع صوب باب غرفة النوم وخلع الباب أيضاً حيث يكتشف جسد آن (إيمانويل ريفا) الميّتة. ثم ننتقل إلى ما سبق ذلك من أحداث أدّت إلى موتها: إنها إمرأة عجوز تعيش مع زوجها المتقاعد جورج (جان-لوي تريتنيان) في ذلك البيت ولديهما إبنة متزوّجة أسمها إيفا (إيزابيل أوبرت). في أحد الأيام تُصاب آن بعارض شلل فتفقد بعض القدرة على الحركة. يرصد المخرج هنا تأثير ذلك المباشر على الزوج وعليها إذ تصبح أكثر امتعاضاً. بعض الواجبات لا تزال تستطيع القيام بها، لكن الزوج يقوم بالبعض الآخر، ثم تزداد واجباته مع تعرّضها لعارض آخر تفقد معه القدرة على الحركة التلقائية تماماً كما على النطق. خلال ذلك تزور إبنتهما المنزل في طلات متوتّرة، فالأم لا تطيق زوجها الإنكليزي ولا تريد لأحد أن يراها مسجاة على فراش المرض. من ناحيته يعمد الزوج بصبر وأناة إلى العناية بها وحين يستعين بممرضة جديدة يلحظ أنها لا تقيم وزناً لحاجات زوجته يطردها. هذا ما ينقل كل الرعاية إلى الزوج الذي يستمر محبّـاً وباذلاً. 
هنا يقع أمران: الأول أن هذه الرعاية واستمرار الحب والبذل لا ينتج عنه مرور الفيلم في حالة فتور على الإطلاق. الفترة الفاصلة بين تردّي حالة الزوجة وبين تمهيدات النهاية في الجزء الأخير من الفيلم تبقى بالغة التوتر وأسلوب المخرج القابض على الأنفاس ببساطته الظاهرة وتعقيداته الداخلية يستمر قويّـاً في دلالاته. الأمر الثاني حمامة! من نافذة الحجرة المطلّـة على فناء البناية تغط حمامة وتبدأ بتناول طعام تجده على الأرض (واضح لمن لديه حمام أن المخرج أمر بنثر الطعام خصيصاً). الزوج يكتشف وجودها وهو يكتب فينصرف إليها ويخرجها من النافذة المفتوحة ثم يقفل النافذة.
لاحقاً، قبل النهاية سنرى الحمامة وقد عادت وهذه المرّة إلى داخل الشقّة تأكل ولا تهاب محاولات الزوج (الذي كان حينها يكتب أيضاً) القبض عليها. ثم يقبض عليها فعلاً وينتهي المشهد. بعد قليل إذ يكتب لإبنته يخبرها بأنه أطلق سراح الحمامة… لكن هل فعل ذلك حقاً؟
هذا المشهد الثاني يتبع عملية تركيب يبرع بها المخرج عادة. لا ننسى أنه بدأ من ما بعد النهاية  بإقتحام البوليس لغرفة المرأة الميّتة تاركاً في الذهن سؤالاً حول الظروف التي أدّت إلى الوفاة. هذا بحد ذاته تركيب إخراجي لافت (وليس جديداً على مخرج «لاعبة البيانو» و«الشريط الأبيض» من بين أخرى) إلى أن تدخل الحمامة في معادلة غامضة. ما هي؟ لماذا مشهديها؟ هل أطلقها جورج حقّـاً؟ إذا فعل ذلك، لمَ لمْ نره يفعل ذلك؟
قبل مشهد الحمامة الثاني، كان الرجل يحلق ذقنه. يسمع زوجته تتألّـم. يهرع إليها. يجلس إلى جانبها ويأخذ يدها بين يديه ثم يبدأ الحديث إليها. يسرد عليها قصّـة حدثت له وهو صغير حين تم حبسه ثلاث ساعات في المدرسة لسوء تصرّف. ما أن ينتهي من القصّة حتى ينقض على الوسادة الأخرى بجانب زوجته ويضعها على وجه الزوجة ويخنقها بها. 
ثم، ولمزيد من الغموض، هناك المشهد الختامي: هاهما (الزوجة والزوج) يتهيئان للخروج من البيت. ينسى معطفه فتذكّره. يرتديه. يتبعها لخارج البيت. ينتهي الفيلم. فمتى حدث ذلك؟ ولماذا هو معروض؟
للإجابة على كل هذه الاسئلة، على المشاهد أن يعود إلى أفلام هنيكه السابقة: العلاقة المتوتّرة بين الأم وإبنتها في «عازفة البيانو». الموت انتحاراً وقتلاً في العائلة في «القارّة السابعة» وذبح الدجاجة (رغم أننا لا نراه يذبح الحمامة) في «مخبوء»، كذلك معظم الوارد في سياق الحكاية التي يرويها الزوج قبل تخليص زوجته من نفسها وتخلّـصه منها معاً والتي تعود بنا إلى «مخبوء» أيضاً. العالم المنزوي بأسره داخل جدران ذلك البيت الكبير الفارغ بإستثناء الإثنين، هو ذاته في «مخبوء» حيث الشخصيات حبيسة جدرانها النفسية كما جدران البيت الداخلية. تصوير داريوش خوندي يمنح البيت إضاءة خافتة وناعمة (مقابل تصوير أكثر حدّة قام به كرستيان برجر في «مخبوء»). 
ليس هناك ما يحول دون خروج هذا الفيلم بجائزة السعفة، كذلك أحد ممثليه المخضرمين او كليهما. «حب» هو عن حب، لكنه حب صعب. ليس حبّـاً رومانسياً (لن تسمع شيئاً: "أنا بحبّك يا بهية وابقى طول عمري لجانبك") بل حبّاً من العمق ولو من دون وجدانيات الفيلم الأسبق «أم وإبن».


المخرج الذي ضاع في اليابان؟
Like Someone in Love **
كواحد في الحب | عبّاس كياروستامي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المسابقة [فرنسا/ اليابان].
Like Someone In Love

بعد نحو ثلث ساعة من بدء الفيلم، تنظر الفتاة أكيكو (رين تاكاناشي) إلى صورة مرسومة معلّقة في منزل رجل عجوز وتقارن نفسها بصاحبة الصورة متحدّثة عن ملامح مشتركة ثم تضيف: "لكن عيناي أكبر". بعد خمس دقائق أخرى يسمح لنا المخرج كياروستامي إلقاء نظرة على تلك اللوحة فإذا بالمرأة فيها مرسومة جانبياً… فقط من باب الواقع: كيف يمكن لأحد أن يقارن عينان ليستا واضحتان في لقطة جانبية مع عينيه ويقول أنهما أكبر أو أصغر؟
عنوان هذا الفيلم مأخوذ من أغنية لإيلا فتزجيرالد، التي كانت واحدة من أكثر مغنيات الجاز موهبة. والفيلم يفتح على موسيقا جاز في حانة والكاميرا ثابتة في مكانها يدخل إليها ويخرج منها بعض الشخصيات التي لن نرها لاحقاً. حين تنتقل إلى أكيكو، نتابع ما تشكو منه مباشرة فخطيبها يؤنّبها على كذبها، وجدّتها تتصل بها سبع مرّات طالبة منها الحضور. هي فتاة متعة في الليل وطالبة في النهار. وها هو القوّاد "الأنيق" يطلب منها الذهاب إلى موعد اختاره لها. رغم تمنّعها الا أنها تتجه إلى هناك لتجد نفسها في بيت عجوز في مثل سن جدّها. يتبادلان الحديث طويلاً قبل أن تنام عنده من دون أن تمارس معه الجنس. 
كالعادة، تشكّل سيارة التاكسي (او أي سيّارة في الواقع) في أفلام كياروستامي رمزاً خاصّاً لا ينضح بشيء ندركه بإستثناء أن السيارة عالم صغير للفضفضة عن النفس- إذا ما كان هذا الرمز هو المقصود. وهذا ما يحدث هنا على أي حال. نصف الفيلم في السيارات ونصفه الآخر في منزل العجوز وفي الأماكن الأخرى جميعها. وهو من الأخطاء التي لا تبرير لها كيف تستمتع أكيكو إلى رسائل شفهية مسجّـلة على هاتفها والسماعة في أذنها، لكن صوت المتّصل واضح ومسموع على نحو جلي لدى سائق التاكسي والمشاهدين على حد سواء.
طبعاً سيدلف إلى الحبكة ذلك الخطيب العصبي الذي اعتقد أن العجوز هو جدّها، وحين يعلم لاحقاً أنه ليس كذلك يثور ويهاجم المنزل. اللقطة الأخيرة لحجرة تُلقى على زجاجة البيت يتراجع تحت صدمتها العجوز ويسقط أرضاً و… النهاية. كيف ولماذا. هل هي نكتة؟ هل هي رسالة بليغة؟ لا على الإطلاق. إنها نهاية لا معنى لها نجد مثلها في نهاية فيلم «وراء التلال» للروماني كرستيان منجو الذي من بعد كل المآزق النفسية والأحداث الجادّة التي يجسّدها الفيلم ينتهي بلطخة من الوحل تُـلقى على زجاج السيّارة التي تقل المتهمين بجريمة قتل.
لكن فيلم منجو على الأقل له هوية وطنية. فيلم كياروستامي الياباني التصوير لا سبباً له. ليس هناك حالة درامية ملحّـة ولا يعكس هوية ثقافية. الأحداث ذاتها يمكن لها أن تقع بسهولة في فرنسا او هولندا او جنوب أفريقيا او البرازيل. 
هناك اهتمام للأجواء العامّة محمود. لكن ما يقع ضمن هذه الأجواء يفتقد الضرورة. إلى ذلك، يستعير كياروستامي تلك الأجواء وفن التوقيت والإيحاء بالجو المكبوت او الخطر الذي قد (وقد لا يقع) من مشاهداته الكثيفة لسينما ميشيل هنيكه.



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2012
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system