أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

May 18, 2012

مهرجان كان السينمائي- 3 | نقد فيلم "بعد الموقعة"٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


لجان تحكيم بعرب وفيلمين عن بن لادن

|*| يروي الممثل والمنتج عمرو واكد كيف ووجه، بعد اشتراكه في لجنة تحكيم دورة العام الماضي من مهرجان دبي السينمائي الدولي، منتجاً كان له فيلم في المسابقة، فيقول: "عاتبني الرجل حين انتهى المهرجان كون فيلمه كان مشتركاً ولم يُمنح أي من الجوائز. قال لي: ولا حتّى جائزة مونتاج؟". يضحك الممثل فاتحاً سيرة إعتقاد البعض أن منح الجوائز هو أمر سهل إذ ما على عضو لجنة التحكيم الا أن يطرح ويصر ويتساءل: "كما لو أن المسألة لا تتبع نظاماً او احترام العضو لنفسه او للعمل الذي استلم مهامه.

|*|  وعلى ذكر التحكيم، فإن كان يحفل بأربع لجان تحكيم. الأولى هي الخاصّة بأفلام المسابقة ويرأسها المخرج الإيطالي نينو موريتي والتي تضم، فيمن تضم الممثلة الفلسطينية هيام عبّـاس وهي واحدة من ثلاث ممثلات لجانب كل من الألمانية دايان كروجر والفرنسية إيمانويل ديفو، كذلك هناك الممثل البريطاني إوان مكروغر. أما موريتي فهو أحد أربع مخرجين بدوره، فإلى جانبه البريطانية أندريا أرنولد والهايتي راوول بك، والأميركي ألكسندر باين. التحكيم الثانية هي للأفلام القصيرة ويديرها جان- بيير داردان، نصف الأخوين داردان اللذين عرضا معظم أعمالهما على شاشة "كان" السينمائي من قبل وهي تضم كاتب السيناريو والمخرج البرازيلي كريم عينوز (من المرجّح أن أصوله لبنانية او فلسطينية او سورية). اللجنة الثالثة فهي لمسابقة «نظرة ما» ويرأسها الممثل الأميركي تيم روث وتضم العربية أيضاً ليلى بختي  المولودة في فرنسا والتي كانت ظهرت في الفيلم البلجيكي/ الإيطالي المشترك «المصدر» من أعمال مسابقة السنة الماضية. أما اللجنة الأخيرة فيقودها المخرج البرازيلي كارلوس دييغوس وهي خاصّة بجائزة الكاميرا الذهبية التي تمنح للفيلم الأول.

|*| الجو السائد بين المنتجين والموزّعين هنا هو أن الغارات الكبرى التي كان هؤلاء يقومون بها على السوق السينمائي ربما لم تعد واردة في ظل الوضع الإقتصادي المتأزم. حسب أحد المنتجين: "أيام كنا نأتي لنعرض ونمشي سعداء كوننا اتفقنا على أعمال بحوزتنا، تبدو بعيدة اليوم وأكثر صعوبة في التحقيق مما كانت عليه بالأمس". الحاصل هو أن اليورو في واقعه يخلق أزمة أسعار وبعد ارتفاع مفاجيء في أسعار الأفلام في العام السابق، يسود الإعتقاد أن الأسعار ستعود إلى ركن غير مريح هذه السنة بإنتظار معرفة ما ستؤول إليه الأحداث السياسية والإقتصادية في أوروبا علماً بأن الوضع الحرج لكل من اليونان وإيطاليا وأسبانيا يمنع البائعين من ثلاثة أسواق رئيسية تقليدياً. 

|*| أخيراً، استحوذت شركة واينستاين السينمائية على حقوق رواية صدرت أخيراً بعنوان «الإسم الشيفرة جيرونيمو» وهو الإسم الذي مُـنـح لعملية الهجوم وقتل أسامة بن لادن قبل نحو عام. بذلك سيكون بن لادن موضوعاً لفيلمين بحسبان الفيلم الذي تقوم كاثلين بيغلو بإخراجه حالياً تحت عنوان «بن لادن».


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

موقعة الجمل المستمرّة
الإشتراك المصري في المسابقة الرسمية 

محمد رُضــا

فيلم يسري نصرالله الجديد له علاقة، كما يكشف العنوان بأحداث الثورة المصرية التي وقعت قبل أكثر من عام وكان من نتائجها ما نعرفه اليوم من تغيير شخصية الحاكم والوثوب إلى منتصف الإحتمالات المتعارضة والوقوف أمام مستقبل يأمل الجميع له الخير، لكن ذلك- يؤكد الفيلم كما السياسيون- لن يكون سهلاً. والموقعة هي "موقعة الجمل" كما باتت معروفة: يستخدم الفيلم في مطلعه تلك الموقعة كما شاهدناها على شاشات التلفزيون حين انبرى عدد من أتباع النظام، وبأمر من قياديي الحكم السابق، بالهجوم على المتظاهرين راكبين خيولاً وجمالاً. حينها بدا المشهد كما لو كان خارجاً من فيلم صوّره مجهول في مطلع القرن الماضي. سوريالياً في معناه ومثيراً لضحك مكتوم في صميمه. 
لم تكن اليد العليا للفرسان الأشاوس إذ سقط منهم، كما أوضحت الأفلام الملتقطة بأجهزة الهاتف، واحد او إثنان عندما استرد الحشد المصري نفسه واستعاد الفعل وأمسك ببعض الفرسان وأوقعهم أرضاً ثم أوقعهم ضرباً. الفيلم ينفصل من مشهد سقوط أحد الفرسان ليحوّل هذا الفارس (باسم سمره)  إلى أحد طرفي حكاية. الطرف الثاني هو تلك المرأة الشابّـة العاملة (منة شلبي) التي تعمل في منظومة إجتماعية محلّية تحاول مساعدة البيئات المتضررة من واقع الأوضاع القائمة.
إذاً، من مشاهد تسجيلية صرفة سيختار المخرج الإنتقال إلى مشاهد تبدو كما لو كانت تسجيلية تبحث فيها بضعة نساء، بمن فيهن ريم (شلبي) الوضع. أتذكّر مشاهد مماثلة في أفلام البريطاني كن لوتش تقوم على إشراك الكاميرا في متابعة حوار نقاشات سياسية بين مجموعة موجّـهة من حيث المبدأ يكمن فيها ما يُـعرف بـ "بطل الفيلم". لكن لوتش لا يستخدم هذا الأسلوب في كل فيلم، وحين يستخدمه يستخدمه مرّة واحدة. هنا يستخدمه المخرج ثلاث مرّات. لا أقول هنا أن نصرالله استعار من لوتش ذلك التفعيل القائم على إيقاف الدراما والتصرّف خارجها لفترة، وإن فعل فلا غبن عليه. لكن ما يُـثير الملاحظة هنا هو أن بعض هذه المشاهد  تُـترجم سريعاً إلى ثرثرة، ذلك يحدث حال تنتفي الحاجة إليها لكن الكاميرا تستمر في التسجيل على أي حال.
حين تؤم ريم (شلبي) عملية توزيع طعام الخيول على العاملين في مركز سياحي يقع قرب الهرم، تتعرّف على محمود (سمرا) الذي يلفت نظرها من البداية خصوصاً حينما يتم رفض طلبه بالحصول على مؤونة الفرس الذي يملكه. السبب هو في أنه كان أحد الخيّالة التي هاجمت المتظاهرين قبل أيام. هذا يقود إلى قبلة بين ريم ومحمود كانت تحتاج إلى تهيئة أفضل، لكن إذ وقعت فإن نتائجها وخيمة على فرقاء كثيرين. من ناحيتها فإن ريم (التي تطالب بالطلاق من زوجها) تنفذ من خلال ذلك اللقاء (او هل أقول من خلال تلك القُـبلة؟) إلى أسرة محمود البسيطة فهو متزوّج فاطمة (ناهد السباعي) ولديه منهما ولدين صغيرين.

محمود بلا عمل بسبب هروب السيّاح، وزوجته تعمل في مشهد واحد كمنظّفة وباقي مشاهدها هي في شجار مع زوجها او مع صغارها الذين يعيشون متاعب المدرسة. ولا أدري لماذا حشر الفيلم كل ذلك الإهتمام الذي أولاه بعد تسجيل الحالة المدرسية. هناك مشهد واحد على الأقل لا يُضيف أي جديد للفيلم هو ذاك الذي تصعد المدرّسة سطح المدرسة لتدخّـن سيغارتها مع ريم التي كانت تشاجرت معها والان تبتسم لها. نعم هناك حديث عن فقدان حريّة التدخين لا أمام الأولاد بل أمام باقي المدرّسين، لكنه حديث غير مفهوم البتّـة فالتدخين ليس تعبيراً عن حالة الحريّـة او عدمها وفي مصر ذاتها قد يُطرد الأستاذ إذا ما أشعل سيغارة في حرم المدرسة. 
ما يعانيه محمود من ردّ فعل من المجتمع كونه اشترك في تلك الواقعة، يلتقي وما تعانيه ريم حينما تحذّرها صديقاتها وزميلاتها من مغبّة ما تقوم به من اهتمام مبنيّـاً على شيء ما بين الإستلطاف والحب (نحن لا نسمع كلمة حب مطلقاً بين بطلي الفيلم). لكن ريم لا ترتدع ساعية لضحد ما تراه حشد مواقف ضدّها عبر توسيع دائرة اهتمامها ليشمل آخرين. هذا التوسيع متأخر في توقيته بالنسبة إليها كما بالنسبة للفيلم. ما يقلق هنا هو أن السبب الواهي الذي أدّى بها لتبادل قبلة مع محمود، القبلة التي سيبني الفيلم عليها كل شيء لاحقاً، لا زال هو السبب الواهي في تحريك الأحداث قُدماً. لا نعرف مثلاً لم تتصرّف ريم على هذا النحو المعاند لما يراه كل مشاهد على أنه موقف خاطيء طالما أن العلاقة ليست حبّـاً، ولا هي رغبة جنسية صرفة. ربما هناك عاطفة قلب وربما هناك نداء جنسي، لكن الفيلم يبقى بمعزل عن اتباع أي من هذين الإحتمالين لكي يؤسس لما يقع لاحقاً. تعنّتها غير المبرر (وبالتالي المشكوك في صدقه) يُـثير الإزعاج أكثر مما يُثير الإهتمام. تحاول إقناع زميلاتها والمشاهدين أن هناك تبريراً حاسماً لموقفها، لكننا لا نراه على الشاشة.
«بعد الموقعة» يدخل ويخرج من مشاهد معيّنة من دون إستكمال معالمها. تتقدّم شخصيات وتتأخر من دون حسابات درامية معقولة. هناك مشهد نموذجي لذلك هو ظهور زوج ريم فجأة حيث يصرف الفيلم وقتاً لا بأس به معهما وهما يتحدّثان بألفة ويتبادلان بعض العبارات ذات المغزى في الوقت ذاته. حين ينتهي المشهد، ينتهي كل سبب له. لا نعرف ما الذي وقع نتيجة له. هل اتفقا على العودة؟ هل أدركا استحالة ذلك؟ هل لا زالا في الوضع نفسه؟ ليس أن كل شيء عليه أن يكون واضحاً، لكن إذا ما تم إدخال مشهد ما، فإن عليه أن يحمل سبباً ونتيجة.
 بين الممثلين نجد ناهد السباعي وحدها تؤدي تشخيصاً متجانساً مع الدور المرتسم لها. الآخرون يدلون بمواقف أكثر مما يتمتّـعون بشخصيات مكتوبة كاملاً. الفيلم يقف حائراً بين تأييد هذا المنطق ثم تركه لينتقل إلى منطق آخر ويكشف عن بعضه. طريقة يوسف شاهين في إدارة الممثلين هي ذاتها هنا، من دون القدرة على ابتداع المشهد الذي يكتنز الفكرة الا في ذلك الذي يخطب فيه الممثل سمره أمام الجدار المحمّـل بتبعات أخطاء النظام. جدار عليه أن يكون السبب في قبول تلك الشخصية الهجوم على المتظاهرين والسبب في توقف العمل والسبب في أنه ما عاد يرى الهرم وعليه أن يذكّره بالجدار الإسرائيلي. إنه مشهد، رغم ذلك، جيـّد في تنفيذه تمثيلاً وحسّـاً، لكنه لا يغيّـر من موقف ريم شيئاً. بما أن الفيلم ليس عن شخصيات لا تتغيّـر يدعو الأمر للتساؤل، مرّة أخرى، عن السبب والنتيجة.
في نهاية المطاف، وبينما لا يقرر الفيلم إذا ما كان محمود مجنياً عليه او مشترك في جناية فإن  «بعد الموقعة» نوع من الأفلام التي سيتكاثر الحديث فيها حول قضاياها وتعابيرها السياسية ومواقفها الفكرية وأبعادها الإجتماعية وهو تفضيل جاهز لنقاد كُـثُـر، لكن أليس كل ذلك إسهام في تحويل دفّة النقاش من الفيلم كنتاج سينمائي بمفردات الصورة وبصرياتها إلى نتاج يكتفي باستخدام السينما وسيلة إيصال؟

يسري نصرالله، في الوقت الذي ينتقل بين تأليف تسجيلي وآخر درامي (أحياناً بسلاسة) يخفق في معالجة سيناريو ينتقل بنقاطه من دون حل من المشاهد الأولى لها لمشاهد أخيرة. عند النهايات مثلاً لا زال الفيلم يتحدّث عن وضع محمود من حيث إذا ما كان ضحية او جلاداً، مردّداً مشهداً بعد آخر حيرة النظر إليه لا من قِـبل ريم فقط، بل من قِـبل الفيلم ومخرجه أيضاً. لكن في نهاية المطاف، يحاول المخرج القول أن راكبي الخيول والجمال إنما كانوا ينصاعون إلى أوامر لقاء مكاسب (بالنسبة إلى محمود كل ما كان يريده هو هدم الجدار الذي تم بناؤه بين حارته والهرم!) لم تتحقق. ريم ترى أنه شارك باختياره. هذا البينغ بونغ الحواري يقع في أكثر من مشهد ثم ينقل رموزه معه على سطح الهرم حين نرى، في مشهد النهاية، محمود وهو يصعد حجارته محاولاً الوصول إلى القمّـة. إنها لقطة رمزية بلا ريب، لكنها ليست خاتمة جيّدة مطلقاً. 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2012
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system