أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Apr 9, 2012

Year 5. Issue | ثلاثية الشقّـة لرومان بولانسكي: جديد الناقد ميسر مسكي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بدءاً من يوم الأربعاء : يوميات مهرجان الخليج السينمائي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شاشة الناقد | ميسر مسكي
رومان بولانســكي  في ثلاثية الشقة
الإنسان المُعاصر بين رُهاب المدينة و هواجسه المـُدمرة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ربما من النادر أن نعثر على سينمائي تجسدت هواجس شخصيات أفلامه في حياته الخاصة كما رومان بولانسكي.
أتى بولانسكي من خلفية عائلة يهودية بولونية، لم تمارس إنتمائها الديني، قضت فيها الوالدة في معسكرات الإعتقال النازية، فيما عاد الوالد من جحيم الأسر حطاماً رفض بولانسكي الإبن أن يساكنه، حيث قرر الأخير أن يغادر الذاكرة و العائلة إلى حياة خاصة لم تلبث أن بدأ يظهر عليها تأثيرات هذه الطفولة غير السوية
في مقال قادم سنعود إلى سيرة بولانسكي المهنية من خلال إطلالة على أغلب أعماله و تداخلها مع حياته الخاصة، أما اليوم فنظرتنا ستتركز على ما تم إعتباره، و بشكل غير رسمي، ثلاثيته  عن هواجس الفرد و إغترابه في خضم حياة المدن المعاصرةسيختار بولانسكي أصلاً أدبياً مختلفاً لكل ٍ من أفلامه الثلاث التي تدور في ثلاث مدن شكلت بشكل أو بآخر رمز الحضارة المدينية الغربيةلندن في "النفور" 1965 –  نيويورك  في "طفل روز ماري" 1968 – باريس في "المـُستأجر" 1976.

يبدو الفرد في ثلاثية بولانسكي المدينية مأزوم في وجوده و غير قادر على التأقلم مع المحيط الذي لا يكف عن التمادي في الضغط على شخصيته الهشة أصلاًلا تستطيع شخصيات بولانسكي العثور على الأدوات اللازمة سلوكياً و نفسياً و عصبياً للتعامل الملائم مع هذا المحيط العدواني، فتفقد توازنها و تـُغلق على نفسها سبُل النجاة  فتختار إما العنف أو الرضوخ أو الموت
لكن هنا يبرز السؤال الأهمهل هو المحيط الذي يجتاح وجود الفرد؟ أم أنها هواجس الإنسان الداخلية و قلقه الذاتي المـُدمر؟ 
ربما يشاركنا القاريء المهتم برأيه بعد أن يشاهد الأفلام الثلاث بتتاليها الزمني.

  • "نفور" – Repulsion
"كارول" (تؤديها كاثرين دونوف في صباهاشابة بلجيكية تقيم في شقة صغيرة في لندن مع شقيقتها التي لا تبدو العلاقة معها على خير ما يرامتعمل "كارولفي صالون لتجميل السيدات لكنها تبدو دائماً على مسافة من أصدقائها في العمل و هي لا تبدي الرغبة في الإنغماس في عملهاإحساس من الإنعزال و طيف شرنقة يعزل و يغلف حضور "كارولفي عالمها الصغير و الهاديء في ظاهره.
بين حين و آخر تهاجم الهواجس الجنسية "كارولخصوصاً حين تتسلل إليها عبر الجدران أصوات العملية الحميمة بين أختها و صديقها الذي يتردد تكراراً إلى شقتهمالا تخفي "كارولنفورها في الصباح من كل أثر لحضور ذكري (ماكينة الحلاقة في الحمام مثلاًلكنه نفور يبقى مضبوطاً بقواعد العلاقة بين الأختين و إستقلالية كل ٍ منهما.
هذا الحال لا يلبث أن يطرأ عليه تغير حاسم حين تغادر الأخت و صديقها في إجازة لبضعة أيام و تبقى "كارولوحيدة في الشقة لتساكن هواجسها الدفينة التي سرعان ما تجعلها تنزلق نحو الإنفصال التام عن محيطها و يوماً فيوم تقترب من الجنون!
يستخدم بولانسكي الكثير من الدلائل البصرية التي ترسم عالم "كارول"  الدفين و الغامضشقوق في إسمنت الرصيف، الشقة التي تبدو لنا أنها تتداعى و تؤول للإنهيار، الأرنب النيء الذي تخرجه "كارولمن البراد لتطهوه و من ثم تنساه و تتركه ليتعفن، حيث تعود إليه الكاميرا أكثر من مرة و في كل مرة نراه يزداد تعفناً و يرتفع طنين الذباب حولهو طبعاً لا ننسى تهيؤات "كارولالتي بسببها ترى أيدي تخرج من الجدران تحاول مداعبتها أو الإمساك بهاهي الأيدي الخارجة من هواجسها الجنسية و التي تستدرجها نحو النهاية العنيفة و القاسية. "كارولالتي تـُطبق عليها جدران الشقة الضيقة يتنازعها النفور من الذكور و الرغبة بهمفهي أحياناً نراها تذهب إلى فراشها فيما يشبه طقس إستحضار الرجل الوهمي الذي يغتصبها في تهيؤاتها.
حين تعود شقيقة "كارولو صديقها من إجازتهما يجدان الشقة في فوضى كاملة (حال "كارولالذهنيةو جثتي رجلين هما إنتقام "كارولمن ماضيها و قلقها الدفين المروعأما "كارولفيجداها في حالة تشنج تخشبي Catatonia و مختبئة تحت السرير و هو مخبأ الأطفال التقليدي حين يتملكهم الفزعو هنا تذهب الكاميرا ببطء إلى صورة عائلية قديمة يريد بولانسكي أن يفسر لنا عبرها نوازع الرهاب العنيف لدى "كارول". في مقدمة الصورة الأب و الأم يجلسان فيما في خلفية الصورة "كارولفي صغرها تنظر بغضب و ببعض الضياع إلى أبيهايترك لنا هنا بولانسكي أن نستنتج العلاقة الغير سوية بين أب ربما أعتدى أو أساء إلى إبنته في طفولتها فحولها إلى شخص تاهت في داخله بوصلة المفاهيم و المشاعر.
بولانسكي يصور بالأبيض و الأسود فيضيف ذلك من غموض القلق و قسوته و يأتي إختياره لـ "كاثرين دونوف"، الشهيرة ببرودها، ناجحاً حيث في عزّ المشهد العنيف عند نهاية الفيلم تبدو "دونوف" (أو "كارول") تؤديه بإنفصال يكاد يلامس الميكانيكية، فهي فقدت إدراك الخط الفاصل بين الهاجس و الواقع

  • "طفل روزماري" – Rosemary's Baby
يعبر بولانسكي الأطلسي إلى نيويورك ليقتبس رواية "إيرا ليفاينالتي كانت قد نالت قسط كبير من الشهرة حينها: "طفل روزماري". يبني "ليفاينالتشويق في روايته بالطريقة التقليدية مُحتفظاً إلى النهاية بالمخبوء الذي يسدده إلينا مُفزعاً و مُحركاً فينا مواطن القلق من المجهول و الغامضلا يلتزم بولانسكي بترتيب التصاعد في التشويق، بل هو يبوح لنا عبر تصوره السينمائي المتين بالكثير من عناصر النهاية بحيث أنها حين تأتي لا تعود هامة بحد ذاتها بقدر أهمية دعوة بولانسكي الخفية لنا للتأمل في الشرّ الكامن في حياتنا المعاصرةشرّ يبدو قادراً على التسلل إلى أيامنا و القبض على خناق سذاجتنا التي طالما سمحت (و تسمحبالإنسياق وراء مظاهر المحيط الخادعة. "طفل روزماريرؤية سينمائية متمكنة من أدواتها تروي الشرّ الدفين في الحياة المدينية حيث يتجاور الناس دون أن يتصادقواو حيث يكمن الشرّ في إبتسامة أقرب الجيران.
يبدأ الفيلم بلقطة عامة من زاوية مرتفعة لمنهاتن و "سنترال بارك"، و سندرك بعد قليل أن هذه هي اللقطة التي نودع بها الأفق الواسع قبل أن تغلق مساحات الشقة الضيقة سبل الخلاص على "روزماري " و زوجها (و علينا). "روزماريو زوجها الممثل يبحثان عن شقة للإيجار و يعثران عليها في مبنى في وسط منهاتنمنذ البداية يسمع الزوجان عن شؤوم المبنى و عن حوادث وفاة لم يتم تفسيرها وقعت في المبنى، لكنهما يرفضان الإصغاء إلى شائعات تبدو و كأنها من نتاج القرن السادس عشر.
يبدأ بولانسكي بعد ذلك ببناء التوتر الداخلي في المشهد كما في الحدث عبر تفاصيل يجيد توقيتها و إيقاعها و مقارنتها الصارخة بين سذاجة "روزماريالتي لا ترى في الناس و الأشياء أكثر من الدلالات الظاهرة و بين الشرّ الذي ينساب عبر جدران الشقة المجاورة وجوهاً مبتسمة و جيران جاهزين لتقديم الخدمات طوعاً و بلا كلل نحو هدف و نهاية غرائبية.
جزء كبير من تأثير فيلم بولانسكي يأتي عبر إفصاحه لنا مبكراً (عكس الأصل الأدبيعن بعض من ذلك الشرّ المتربص بـ "روزماريمما يجعلنا متورطين عبر رغبتنا المتوترة و الغريزية في درء ذلك الشرّكما أن بولانسكي ينال من "ميا فاروأداءً مدهشاً في قدرته على تركيب شخصية مرتبكة، ساذجة، بسيطة، طيبة بحيث تبدو "روزماريخارج المكان وعلى نقيض المدينة القاسيةو في مشهد  قرب النهاية، و في كابين للتلفون، تعطي "ميا فاروبضعة دقائق من أداء لا يُنسى.
رغم مرور أكثر من أربعين عاماً على إطلاق الفيلم، لا يزال "طفل روزمارييثير القلق كل مرة تشاهده فيهاالقلق يأتي من الشرّ الكامن في مكان دفين فينا و نقلق حين نراه أمامنا على الشاشة.

"المـُستأجر" – The Tenant 
يعود هنا بولانسكي أدراجه إلى أوروبا حاملاً نجاحات "طفل روزماريو فيلمه الشهير "الحيّ الصيني" (1974). باريس بالتحديد هي مقصده و فيها يـُلبس فيلمه "المستأجر"  شيئاً يقترب من شخصيتهفالشخصية الرئيسة هنا هي بولوني حائز على الجنسية الفرنسية و يبحث عن شقة للإيجار (أيضاًفي زمن كان العثور على هذه الشقة في باريس يقترب في إحتماله من إحتمالات الفوز باللوتوبولانسكي يلعب الدور الرئيس بنفسه (بالإضافة إلى الإخراج و المساهمة في كتابة السيناريو)
هنا أيضاً يبدو إختياره لذاته في الدور الأول صائباً حيث لكنته الثقيلة و بنيته الصغيرة تضفي على الدور بُعداً تفسيرياً لإغترابه و لهزيمته أمام محيطه الذي لا يخفي عدوانيته.
"تريلكوفسكي" (رومان بولانسكييسمع عن شقة خالية للإيجار فيقصدها ليسمع من صاحب البناء أن المستأجرة السابقة "سيمونقد حاولت الإنتحار بإلقاء نفسها من نافذة الشقة، وهي ترقد بين الحياة و الموت في المشفى، و حصوله على الشقة مرتبط بموتها أو تحسن حالها. " تريلكوفسكييقصد المشفى ليطلع على حال المستأجرة فيجدها مغلفة بالضمادو هناك يلتقي بـ "ستيلا" (إيزابيل أدجانيصديقة "سيمون".
تفارق "سيمونالحياة فتؤول الشقة إلى " تريلكوفسكيو هنا تبدأ مشاكله مع صاحب المبنى و الجيرانفالأول لا يكف عن مراقبة حركاته و الشكوى من تصرفاته، فيما بقية الجيران لا يتوقفون عن التشكي من الضوضاء التي يصدرها هذا المستأجر الجديد و حتى لو كان ذلك مجرد سعال عابر أو تحريك قطعة أثاث. " تريلكوفسكيبدماثته و تردده و لكنته و بنيته الصغيرة يبدو غير قادر على مواجهة عوانية محيطهو حتى حين يلجأ للشرطة يجد منهم بروداً و تشككاً من لكنته و كونه غريباً رغم حصوله مؤخراً على الجنسية الفرنسيةشيئاً فشيئاً ينمو الإحساس لدى " تريلكوفسكيأن هناك مؤامرة يحيكها الجميع لإيصاله إلى الإنتحار كما حصل مع المستأجرة السابقةهنا تتحول الشقة إلى فخ يجد " تريلكوفسكينفسه غير قادر على الفرار منههل هي الشقة؟ أم هو الرهاب الذهني لدى " تريلكوفسكي"؟ أم أن الشقة هي تجسيد لوساوس عقل فقد قدرته على الإدراك السليم في محيط لا يني يُخضع أفراده إلى ضغوط لا يطيقون إحتمالها؟
في إنزلاقه إلى الجنون ينصاع " تريلكوفسكيإلى وهم المؤامرة فيتقمص شخصية "سيمونفيرتدي فستانها و يلبس شعر نسائي مستعار و ينتعل حذاءً عالي الكعب و يُكمل الشخصية بمكياج نسائي فاقع ويجلس وحيداً في الشقة مواجهاً أوهامه و تهيؤاتهحتى "ستيلاالتي يراوده شعور دافيء نحوها لا يلبث أن يعتقدها جزء من المؤامرة ضدهلقد أغلقت المنافذ أمامهلم يعد يملك سبيلاً للخلاص من محنته و وساوسه إلا...الموتفيلقي بنفسه من نفس النافذة التي ألقت "سيمونبذاتها منها.
في المشهد الأخير في نفس فراش "سيمونفي المشفى مغلف بالضمادو يطلق صرخة مرعبة كصرخة "سيمونقبل موتهاو نبقى نحن نتسائل هل كل ما دار أمامنا إنما كان إستحضاراً ذاتياً في ذهن " تريلكوفسكيالمضطرب جنوناً، أم هي حادثة منفصلة تتكرر.
ينجح بولانسكي في خلق مناخات ذهانية مضطربة يلعب فيها الصوت كما الصورة في تكوين الإطار الذي يقود " تريلكوفسكيإلى مأساته الأخيرةالشقة في ضيقها تلعب دوراً حاسماً في محاصرة الشخصية المضطربة ضمن جدرانها بحيث تبدو النافذة هي المخرج الوحيد من هذا الأسر الذهني المفجع في عدم قدرته على التأقلم.

لم يحظ فيلم بولانسكي هذا بالكثير من الترحيب الجماهيري حين إطلاقه، لكن مع الوقت تحول إلى شيئاً يشبه الأيقونة السينمائية حين يتطرق الحديث إلى أزمة الإنسان المعاصر و إغترابه في المراكز المدينية الكبرى (الميتروبوليتانفي الغرب.



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2012
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ





No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system