Apr 20, 2012

Year 5/ Issue 715 | مهرجان الخليج السينمائي: أفلام قصيرة وملاحظات طويلة | Dark Shadows | أتذكّر منسيين: توماس غوتييريز أليا | سينما الرعب: حول ما يُخيف أكثر من سواه

                                                                      COVER STORY

Cannes  2012  (1)

"كان" شهد  منافسة فيلمين مصريين على دخول المسابقة

فيلم يسري نصر الله الذي يدخل المسابقة تحت عنوان "بعد الموقعة" هو- في الأساس- فرحة كبيرة لكل مؤمن ومحب للسينما العربية. طبعاً، البعض يفضل القول أنها مصرية، لكن  مصر هي قلب العالم العربي كانت ولا تزال، وعلى هذا النحو فإن المنظور هو شامل وما هو مصري هو عربي والعكس صحيح.
هذا هو ثالث اشتراك للمخرج المصري المعروف في المهرجان الفرنسي العالمي. الأول كان «سرقات صيفية» (1988) والثاني «باب الشمس» (2004)، والأول له في المسابقة الرسمية. طبعاً في العام الماضي اشترك في تحقيق «18 يوم» الذي أخرجه 10 سينمائيين واشترك، كالفيلمين السابقين خارج المسابقة.
هناك فيلم عربي آخر في مهرجان "كان" هذه العام هو «نجوم سيدي مومن» الذي سيشترك في تظاهرة «نظرة ما». وحسب معلوماتي كان من المفترض اشتراك فيلم إبراهيم البطوط الجديد «شتاء السخط» لكن إما أن الفيلم لم يكن جاهزاً فعلياً للعرض على رئيس المهرجان تييري فريمو وفريقه، او أنه لم يحظ بإعجابهم. 
فيلم يسري الجديد (الصورة) يدور حول متعاون مع النظام السابق يحاول شق طريقه في الحياة من جديد بعد زوال النظام.  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أفلام وملاحظات مهرجان الخليج السينمائي
1
شيء أو شيئان عن السيناريو يحومان حول المهرجان

|*|  ثلاثة سينمائيين عرب، هم محمد خان (مصر)، فريد رمضان (البحرين) وميشيل كمّـون (لبنان) اشتركوا في هذه الدورة بإعداد أصحاب المشاريع السينمائية الخليجية لخطواتهم في عالم السيناريو. 
إنها ورشة عمل دعا إليها المهرجان وخصص لها جانباً من مهامه تحت عنوان «سوق سيناريو الفيلم القصير» تنص على أن يتقدّم أصحاب المشاريع والأفكار بصياغاتهم إلى هذه اللجنة الثلاثية فتستمع اللجنة لهم وتنصحهم بالتعديلات او التغييرات المطلوبة تمهيداً لإعادة صياغة السيناريوهات قبيل البحث عن التمويل وتسويق الفيلم.
وقبل يومين تم عقد لقاء مفتوح ضمّ أعضاء اللجنة وبعض المسؤولين عن المهرجان لجانب معظم الكتّاب الذين تقدّموا بمشاريعهم بالإضافة إلى الجمهور. وقام كل صاحب مشروع بسرد تلخيص لمشروعه مشفوعاً بكلمة عن الهدف او الغاية من وراء هذا السيناريو او ذاك.
وإذ توالى الكتّـاب الطامحين من السعودية وعُمان والبحرين وقطر والإمارات والعراق، بدا واضحاً أن نقطة القوّة تكمن في أكثر من ناحية، هناك الفرصة التي يوفّرها هذا المهرجان لهؤلاء المبتدئين، ثم هناك المبتدئون أنفسهم وهم في غاية الجد والسعي. 
إلى ذلك، هناك ملاحظتان مهمّـتان تم لهذا الناقد تسجيلهما. الأول أن الكاتبات النساء كن أفضل في تقديم أفكارهن أمام الجمهور من الرجال. في الحقيقة الأكثر رتابة وإثارة للملل توزّع على عدد من الكتّاب الذكور الذي كان بعضهم يسرد قصّته كما لو أنه ملّ التفكير فيها او كما لو كان يتحدّث عن موضوع بعيد عنه لا يشعر صوبه بأي تقارب.
الملاحظة الثانية هي أن معظم هذه السيناريوهات المقدّمة تدور حول أولاد ما بين العاشرة والثالثة عشر من العمر. قليل منها عن أشخاص راشدين. وهذه الملاحظة تقود إلى أسئلة: هل السبب يكمن في الرغبة في التعبير عن الطفولة والمستقبل الطري والبراءة المناطة؟ أم أن هناك سبباً آخر أهم؟ 
الحقيقة أنه لا يمكن اعتبار أن الرغبة في التعبير عن عالم الطفولة ومستقبله هو الأساس لأن العديد من هذه القصص (وهذه تصلح لتكون ملاحظة ثالثة) تدور في منتصف القرن الماضي (الخمسينات والستينات) بحيث مستقبل ذلك الحين بات ماضي هذه الأيام والرسالة بالتالي لن تصيب غايتها المنشودة. 
السبب الحقيقي، مقصوداً او نصف مقصود، هو أن التعامل مع الشخصية- الطفل هو أسهل للكاتب، خصوصاً إذا ما كان جديداً. ذلك لأن الشخصية بين يديه منصاعة لقراره. ليس فيها عقد الراشدين النفسية والإجتماعية والعاطفية. خالية من الشوائب وأسهل في نسيجها الدرامي.
إنه خلاص صوب البساطة إلى أن نضيف أن هذه الكتابات ستؤول إلى التنفيذ وأن منفّـذيها هم كاتبيها. بالتالي، هو خلاص مؤقت فحتى معالجة شخصيات لأطفال تتطلّب أكثر بكثير من لقطات هائمة وموسيقا حالمة (هناك علاقة غريبة هذه الأيام بين نقرات البيانو والأفلام) وطفل تبدو عليه معالم البراءة.

------------------------------------------------------------------------------


2
  السنوات الأفضل

|*|  يتوقّف أمر ما إذا كانت دورة ما أفضل أو أسوأ من الدورة السابقة على عدّة معايير. أهمّـها هو أن الناظر الذي يبغي تحليل الواقع مرتبط بنظرة مسبقة إليه. ربما كان يحب الأفلام التسجيلية أكثر من سواها ووجد أن الأفلام التسجيلية هذا العام هي أفضل مما كانت عليه في العام الماضي. في هذه الحالة، المهرجان كلّـه أفضل. او قد يكون من نوعاً من منتقدي المهرجانات، وليس الأفلام بالضرورة، وعلى هذا يبني رأيه. وهناك بعض ينتمي إلى أحاسيسه أكثر مما ينتمي إلى الوقائع والمعلومات وقد يرى أن الدورة الماضية كانت أفضل من الحالية او العكس.
ما هو مؤكد أن المسألة ذاتية إلى حد كبير، ثم بعد ذلك هي مسألة أفلام.
حتى مهرجان "كان" الذي سيطل علينا بعد شهر يشهد مستويات مختلفة او هكذا يعتقد كثيرون. في أحيان كثيرة يحدث أن يجتمع عدد كبير من المخرجين المعروفين في دورة واحدة. هذا يحمي الأجواء الإعلامية ويحمّس النقاد، لكن من يضمن نتيجة الأفلام؟ في دورات أخرى تبدو الإعتيادية هي المحرّك الأول، لكن هذه الإعتيادية قد تفاجئنا بعدد كبير من الأفلام. وفي حالات ثالثة متكررة، يعتقد البعض أن النوع السياسي من الطروحات هو ما يغلّف المهرجانات، ليكتشف في النهاية أن السياسة لم تلعب الدور الفاعل الذي اعتقده.
كل هذا للقول أنه بصرف النظر عن المهرجان الذي نتحدّث عنه فإنه من الصعب الحكم على مستوى المهرجان، لأنه حتى بعد أن تنجلي الدورة عن فائز وخاسر وعن تيار او إثنين، فإنه من الممكن أن يكون عدد الأفلام الجيّدة هذا العام أكثر من عددها في العام الماضي او العكس صحيح.
إذا ما كان كل هذا وارداً فلماذا إذاً يعمد بعضنا للحديث عن مستوى الدورات؟ 
طبعاً الناقد حر في قوله وحر فيما يختار الحديث فيه، لكن المسألة هي ضرورة الإرتفاع عن الطروحات المتكررة خصوصاً أن لا شيء ثابت في هذا الصدد، فلكل رأيه والآراء على تعددها عمرها ما شكّلت حقيقة.
والواقع النهائي أن المسألة في حقيقتها لا تختلف كثيراً. المهرجانات جميعاً تحاول جمع أفضل ما تستطيع، وفي بعض السنوات يكون الحصاد أوفر وأفضل من سنوات أخرى. لكن الفارق عموماً وغالباً لا يزيد عن أعداد قليلة، فدورة مهرجان فنيسيا في العام 2009 حوت على إثنا عشر فيلماً جيّداً، في حين أن دورة العام 2010 احتوت على تسعة أفلام جيّدة ومثلها في دورة العام الماضي،  فهل يبرهن ذلك على شيء؟ هل يجعل المهرجان أفضل او أسوأ؟
الحال هكذا في طي مهرجان "الخليج" وهو يسدل ستاره الذي دام ستّة أيام قصيرة. عرض خلالها 155 فيلماً عدداً كبيراً منها قصير، وذلك تبعاً للموقع الذي يحتلّـه المهرجان فوق الخارطة العالمية إقتصادياً وثقافياً. 


------------------------------------------------------------------------------

3
أفلام المهرجان القصيرة  
طفولة مُــرّة وطفولة أكثر مرارة
محمد رُضـا

*

من: داليا

  الأفلام الكثيرة التي تدور حول الأطفال او التي تحوي أطفالاً كثيرة في هذا العام. هي كانت كثيرة في الأعوام السابقة من هذا المهرجان (وفي كل دورة من كل مهرجان خليجي) لكن المرء إذ اعتقد أن المسألة في البداية كانت فورة طموحة لتناول فترة بريئة من العمر على أساس أن الأولاد دون الثالثة عشر هم دائماً ما يعكسون الأمل والطهارة النفسية سواء أكان الموضوع نفسه مأساوياً او مرحاً.

لكن هناك جوانب عدّة تجعل المسألة أكثر بكثير من مجرد حب لبراءة الطفولة وسنوات الربيع الأول. ربما المسألة تتعلّـق بالحنين الشخصي، وربما كانت تتعلّق بإعتقاد صارم بأن تلك السنوات هي أفضل سنوات الحياة، ثم لا ننسى أن البعض يحاول من خلال تصوير الطفولة أن يصوّر معاناتها في عالم شرس لا يرحم. 
في دورة هذا العام، نجد الطفولة وحكاياتها موزّعة في نواحي كثيرة، ومعظمها لأسباب مختلفة لا تعكس مواقف متنوّعة بل تتناول شخصيات طفولية في أوضاع مأسوية. 

في الفيلم الإماراتي "إنتظار" إخراج هناء الشاطري، نجد ذلك التوق إلى الطفولة متمثّلاً في وضع رجل راشد يتراءى له وجود طفلة بجانبه. إنها حكاية رجل كان بإنتظار المترو وحيداً عندما لاحظ وجود فتاة صغيرة تنظر إليه، ثم تجلس لجانبه وتأكل من الطعام الذي كان يتناوله. حين صعد الحافلة لحقت به. يحاول صدّها في باديء الأمر ثم يتجاوب مع لعبها قبل أن تختفي فجأة واختفاؤها يحوّله إلى رجل حائر ومنهار يوقف المارّة في المحطّة لسؤالهم عنها معتقداً أنها تظهر في الصورة التي التقطها لهما بهاتفه، لكن الصورة تظهره وحده والناس تعتقد أنه مخبول. يزداد إلحاحه ويعترض بعض المارّة وأحدهم يرميه أرضاً، فيبدأ بالبكاء. بما أن الفتاة غير موجودة في الصورة التي التقطها نعلم، كمشاهدين، أنها من بنات عقله. حين تفسير ذلك فإن مرجوعنا الوحيد لفهم الحالة يوجّهنا للإعتقاد بأن الرجل تحت إرهاص شديد وتوق أشد لحالة من الطفولة التي، لسبب غير معلوم، تعني له في تلك اللحـظة أهمية تفرض عليه استدعاء طفلة من الذاكرة او من الخيال.

في الفيلم العُـماني «حبات البرتقال المنتقاة بدقّـة» لعبدالله خميس يتخيّل، حسب النص المنشور لكن هذا ليس واضحاً على الشاشة، رجل آخر، وجود ولد وبنت دون العاشرة يقفان وسط قناة ماء جارية يلتقطان حبات البرتقال العائمة الآتية من مصدر غير معلوم. الرجل، المصاب بعرج، كان اشترى كيسا من البرتقال وحاول اجتياز الطريق عائداً من حيث جاء  يتردد كثيراً بسبب زحمة الطريق لكن حين يصل إلى الطرف الآخر من الطريق يكتشف أنه ترك كيس البرتقال في الناحية الأولى. يبتعد عن المكان متحسّراً. ما علاقة ذلك بالطفلين؟ إذا وافقنا على فكرة المخرج غير المعبّر عنها جيّداً، فإن العلاقة هي أيضاً ذاكرة منطفأة وتوق لعالم آخر.

الأمر عاتياً وعنيفاً حين يأتي الأمر إلى فيلم عراقي، من مقاطعة كردستان، عنوانه «داليا» ويدور حول جل كردي وإبنته العمياء الصغيرة في طريقهما إلى المستشفى لمحاولة إجراء عملية تعيد للفتاة بصرها. يتوقّـفان لتناول الغداء في مطعم. هناك يجبر رجل عربي الأب على ربط حزمة متفجّـرات  حول وسطه ويخطف ابنته مهدداً بقتلها إذا لم يفجّـر نفسه. يسأله الكردي طالباً الرحمة، لكن العربي، تبعاً للفيلم، بلا قلب يرحم ويتركه ساحباً الفتاة معه. يصرخ الكردي طالباً ممن في المطعم الهرب  فهو لا يريد إيذاء أحد، فيركض الناس طلباً للهروب، وتنفجر العبوّة به وبإبنته ليفيق من نوم طاريء وراء المقود. لكن الفيلم لا ينتهي هنا، من حسن الحظ، بل يصوّر إنفجاراً فعلياً حال يعود الرجل لوعيه. إذا تجاوزنا التصوير ذي اللون الشاحب والمكتفي بحمل الكاميرا من دون تفنينها، يبقى هناك الوضع غير المحبوك جيّداً. عَـميُ الفتاة مرجعه قيام نظام صدّام حسين بإلقاء القنابل النووية رغم أنها في الرابعة من العمر. صحيح أن الفيلم يذكر أن عماها وراثي لما حدث لأمّـها الا أن ذلك لا يمكن أن يكون صحيحاً طبيّاً.  بالتالي يفقد الفيلم نصيبه من المصدقية.
الطفلة هنا هي ضحية عالمين، نظام راحل ونظام حالي. الأول سبب عماها والثاني سبب مقتلها وأبيها. وأفضل ما في الفيلم إنه يعرض الحال المتوتّر بين الناس. فبينما الحادثة هي حلم يأتي الإنفجار الثاني كحقيقة.
وفي فيلم "كردي" آخر هو «حلبجة- الأطفال المفقودون» يطالعنا أيضاً الوضع نفسه: الأطفال الذين سقطوا خلال غارات النظام السابق على الأبرياء ومن دون تمييز وقتلت من قتلت، ولو أن فيلم أكرم حيدو يتناول جانباً منفصلاً فالعنوان، جزئياً، يُشير إليه هو كونه كان طفلاً حين رمت طائرات النظام قنابلها الكيماوية على ذلك الشعب.

الحالة الأقصى من حالات الطفولة نجدها في فيلم هاني الشيباني «جنّـة رحمة» هنا يُـعالج المخرج الإماراتي المعروف حكاية إجتماعية المدلولات حول إمرأة مُـسنّـة تعيش في بيت متواضع وتعيش مع فتاة آوتها وهي طفلة، لكنها الآن شابّة شديدة التخلّـف عقلياً ولا تستطيع التحكّم في تصرّفاتها ولا هي قادرة على الفهم والتواصل. الأم تعامل تلك الفتاة في جمع من القسوة والرأفة وترفض إقتراحات أولاد شقيقتها إيداع الفتاة في المستشفى. الحالة العنيفة التي يعرضها الفيلم مسرودة بقدر ملحوظ من الرقّـة، لكن هناك مشكلتان صغيرتان في هذا العمل، الأولى أن الحكاية تخسر بعض تأثيرها بسبب تطويل الحالة أكثر بقليل مما يجب. الثانية هي أن الممثلة التي تؤدي الدور (صوغة) أكبر قليلاً، في العمر والحجم، من أن يمنح الفيلم سبباً لطرح الموضوع في هذا السن تحديداً. على ذلك، يُـصيغ المخرج الدراما جيّـداً والتمثيل من صوغة والبطلة الرئيسية مريم سُلطان جيّد. الحوار لا يخدم الثانية لأنه لا يكشف جديداً من بعد مرّته الأولى.
الوضع الماثل هنا هو تلك الطفولة التي تسكن بدناً كبيراً. لكن ليس هناك من مدلولات عاطفية ونفسية  إضافية. 


------------------------------------------------------------------------------

4

فسحة لأفلام قصيرة حكت عن موت مفتوح على الأسئلة


نديم جرجورة
* 
"مصنع"

اعتاد «مهرجان الخليج السينمائي»، منذ تأسيسه في العام 2008، الاحتفال بالفيلم الروائي القصير، تحديداً. اعتاد إتاحة مجال واسع أمام هذا النوع السينمائي، الخليجي والعربي والأجنبيّ. فعلى الرغم من تخصيصه مسابقات رسمية بالأفلام الروائية الطويلة والوثائقية، إلاّ أن الفيلم القصير، المتحرّك والعاديّ، عثر على مكانة أوسع له في البرامج الرسمية، وفي مسابقة خاصّة به أيضاً. وإذا بدا الاهتمام بالفيلم الخليجي القصير واضح الأسباب والمعالم، لكونه الأكثر رواجاً والأسهل إنتاجاً (بعيداً عن كل تقييم نقدي)، فإن مبادرة إدارة المهرجان الخليجي إزاء الأفلام القصيرة العربية والأجنبية شكّلت محاولة إضافية لإيجاد حيّز إبداعي لصناعة رائجة في الغرب، ولنتاج لا يزال مخرجون عرب عديدون متحمّسين له.

جماليات القصير

في الدورة الخامسة (10 ـ 16 نيسان 2012) لهذا المهرجان، تمّ تثبيت مسابقة رسمية خاصّة بالأفلام الدولية القصيرة، ضمّت خمسة عشر فيلماً جديداً اختيرت من دول عربية وغربية متفرّقة، وأُنتجت في العام 2011، باستثناء فيلمي «الحاضنة» (النمسا) لكريستوف كوشينغ و«الفنار» (أذربيجان) لفاريز أحمدوف، المُنتَجين في العام الجاري. هذه المسابقة أُنشئت في العام الفائت، ولاقت رواجاً لقدرتها على اختيار بعض أفضل العناوين السينمائية اللافتة للانتباه، كتلك المختارة في الدورة الخامسة أيضاً. أفلام لافتة للانتباه، التقت حكايات بعضها عند «تيمة» واحدة: الموت، سواء اكان مباشراً، أم ظلَّل طيفه الفضاء الدرامي، والحياة اليومية لأفراد معينين. لكن الموت، الجذر الدرامي الموحِّد حكايات أفلام عدّة، مفتوح على أسئلة إنسانية مختلفة بمناخاتها وتفاصيلها وآلامها. وهو، لكونه نواة الحياة ومصيرها، لم يظهر بشكل مباشر، ولم يبق أسير ملامح مبطّنة فقط، لأنه تُرجم بصرياً في أشكال متنوّعة، كالإسراف في تعاطي المخدّرات ومصير المتعاطي والقريبين منه (الفنار)، أو الانصياع لقسوة الحالة الراهنة، فإذا بمولودة تدفع ثمن انهيار والديها (الحاضنة)، أو المرض (الروماني «الرجل الخارق، الرجل العنكبوت أو الرجل الوطواط» لتودور غيورغيو)، أو الإحباط واليأس والسقوط في متاهات الدنيا والحياة (البولندي «قصص مجمّدة» لغريغورز ياروزوك، الذي اتّخذ السخرية الكوميدية مناخاً له، والبرازيلي «المصنع» لأليسون موريتيبا، الفائز بالجائزة الثانية في «المسابقة الرسمية الدولية للأفلام القصيرة»، المتعمّق بالأسى الفردي في إطار مبسَّط وجميل وصادم بشفافيته الإنسانية). أما الموت المباشر أو الملتبس، فحاضرٌ في «تحليق» (سويسرا) للمغربية نعيمة بشيري، و«ضفدع الشتاء» (فرنسا) لسلوني سو، و«النور يا نور» (فرنسا) للّبنانية هدى كرباج. هناك أيضاً أفلام أخرى خارج المسابقة يُمكن إضافتها إلى هذه اللائحة، أبرزها الإيراني «من أجله» لسيّد مرتضى سبزقبا، والفرنسي «سرعة الماضي» لدومينيك روشي. 
لم يكن الموت «تيمة» وحيدة لأفلام عربية وأجنبية شاركت في المسابقة الرسمية، أو في برنامجي «أضواء» و«تقاطعات». اختراع فوضى التفاصيل، وإضفاء مسحة هزلية ساخرة على مسار حكائيّ، سمة فيلم «ميلودراما مصطنعة» (سنغافورة، 2011) للإيطالي جيوفاني فانتوني مودينا. معاينة الإطلالة الأولى لصبيّ في بداية المراهقة، وعلاقته بالمرأة حبّاً وهياماً، اختزال ما لـ«من ورا الشبّاك» (لبنان، 2011) للّبنانية نغم عبّود. التقاط تفاصيل عادية لأناس متنوّعي الاهتمامات والتحرّكات، في لقطة سينمائية واحدة بلغت مدّتها ثماني دقائق، ميزة «النهاية» (المجر، 2011) لبالاز سيموني. في مقابل هذا، تمثّل الفيلم الإماراتي «تجسيد» (2011) للمصرية مرام عاشور بمحاولته تفكيك الذات الداخلية لصبيّة تبحث عن خلاص، وتطرح أسئلة مرتبطة بالحياة والسلوك والعلاقات. وأعاد «الحساب» (مصر، 2011) للمصري عمر خالد، الفائز بجائزة لجنة التحكيم الخاصّة بـ«المسابقة الرسمية الدولية للأفلام القصيرة»، رسم تفاصيل متداولة في الحياة اليومية المصرية، كالقمع البوليسي والاجتماعي والفقر والكبت الجنسي، في إطار هرمية معقّدة، تبدأ من سلطة رجل أمن متوار عن الأنظار، وتنتهي في قاع المجتمع الممزّق. 

يوميات

استُلَّت المواضيع المختارة في هذه الأفلام من يوميات الناس العاديين، المحبطين والممزّقين والقلقين والتائهين والباحثين عن خلاص، أو عن دمار نهائي. علماً أن غالبيتها الساحقة اعتمدت بساطة القراءة الإنسانية، المختزنة عمقاً وجودياً أو بُعداً جمالياً لبشاعة الحياة الساحِقة ضحاياها الكثيرين. هذا كلّه في مقابل معالجات درامية أصيلة في استخدام تقنياتها المتفرّقة، وإن عاب بعضها خلل هنا، أو ارتباك هناك، أو اشتغال متواضع هنالك. مثلٌ أول: اللقطة الوحيدة التي صنعت «النهاية»، جعلت تفاصيل الحبكة أوضح وأجمل، بتحريرها من الحوارات، وباعتمادها لغة الحركة والسلوك مساراً لعدسة كاميرا التقطت وجوهاً وحالات ذاهبة بناسها إلى أقصى بساطتها. قدّم الفيلم شخصيات متفرّقة أثناء مرورها أمام الكاميرا، أو عند ممارستها حياتها داخل الكاميرا أو عبرها، من دون أن تنطق بكلمة واحدة. مثلٌ ثان: «المصنع». بدأ الفيلم ممارسة سخريته المرّة من العنوان. لكن اكتشاف السخرية احتاج إلى بعض الوقت، قبل أن تتوضّح صورته. فالمصنع تعبير استخدمه الأب المسجون في اتصاله الهاتفي مع ابنته، أثناء احتفالها بعيد ميلادها، مخفياً عنها وجوده في السجن، الذي أسماه «المصنع». لكن بلوغ هذه المرتبة احتاج إلى تراكم بصريّ مال معظمه إلى الصمت التام: والدة المسجون تستعدّ لزيارته، وتخبّئ هاتفاً خلوياً في مكان حسّاس في جسمها. لعبة سينمائية بارعة في مرارتها المبسّطة، وجماليات فضائها الدرامي والإنساني. مثلٌ ثالث: بساطة التصوير والمعالجة الدرامية نواة «من أجله». كأن البساطة قدر الأفلام الإيرانية، المفتوحة على أسئلة الحياة والمجتمع والموت والذاكرة والحكايات الفردية. جزء أساسي من النصّ السينمائي أخفى الجزء الأهمّ: الصيّاد العجوز يعيش وحيداً، ويتنقّل بين الأمكنة بحثاً عن حاجات متفرّقة. عثوره على صندوق كبير وضعه أمام اختبار جديد. لكن شكل الصندوق يُحيل المرء إلى التباس معناه، بين خزانة وصندوق وتابوت. أما النهاية، فمختلفة: بدا أن للعجوز «علاقة» ما بشهداء حرب تمّ التغاضي عنهم سابقاً.
ما بعد النافذة

الفيلمان اللبنانيان «النور يا نور» لكرباج و«من ورا الشبّاك» لعبّود مختلفان بعضهما عن البعض الآخر: الأول مشبع بالقهر والألم والانقطاع عن واقع بدا قاسياً في مرحلة لاحقة من المسار الحكائيّ. الثاني مرتكز على بساطة واضحة في متابعة تفاصيل الهاجس اليومي لصبيّ مُغرم بامرأة جميلة. الشقّ الأول من «النور يا نور» غنيّ بلغة سينمائية جميلة: التصوير، المونتاج، الإضاءة، الكادرات، التمثيل. هذا كلّه حول شابّة مقيمة في باريس، تحاول جاهدة الاتصال هاتفياً برقم ما، لكن الخطّ مقطوع. الشقّ الثاني أقرب إلى الإخباريّ: شخصيات مُصوّرة فوتوغرافياً، وأصوات توجّه رسائل إلى نور. هؤلاء أناس لفظتهم الحرب الأهلية. انتقلت هدى كرباج من حالة سينمائية جميلة، إلى لحظة إخبارية مناقضة تماماً لجماليات الصورة والاشتغال الدرامي. المعلومات المبثوثة في نهاية الفيلم (تفاصيل عن الحرب الأهلية، وعدد القتلى، والجيش السوري، وانتفاضة الاستقلال... إلخ.) جعلته توثيقياً بحتاً، لا يتلاءم وجمالياته الأولى. أما نغم عبّود، فحافظت على سياق تبسيطي عاديّ منذ بداية «من ورا الشبّاك» حتى نهايته.



-----------------------------------------------------------------------------


جوني دَب وتيم بيرتون يلتقيان من جديد
 _________________________________________
محمد رُضــا
* 

عندما توجّه المخرج تيم بيرتون، في ربيع العام الماضي، لإجتماع مقرر مع شركة وورنر، حمل معه قائمة بالمواضيع التي

 سيطرحها على رؤساء الشركة التي ستصرف نحو مئة مليون دولار على فيلمه المقبل. من بين هذه المواضيع كان استكمال دائرته من الممثلين الذين سيشتركون في أداء الأدوار الرئيسية. في لقاءات سابقة، كان المخرج المعروف حمل معه موافقات كل من ممثله المفضّل جوني دب لجانب كل من ميشيل فايفر وهيلينا بونام كارتر. الآن أضاف إلى المجموعة كل من إيفا غرين وجوني لي ميلر وكليو غرايس مورتز وكريستوفر لي.
كان يعلم أن وورنر لن تمانع على إختياراته اللاحقة هذه لأن ما يعنيها هو اختياراته الأولى. لذلك فإن غرضه الأول من الإجتماع في الواقع كان موضوعاً بعيداً عمّن سيمثل في الأدوار المساندة هذه. كان بيرتون يعلم أن الشركة، كغيرها من الشركات، تحبّذ اللجوء إلى شركات الكومبيوتر غرافيكس لكي تصمم وتنفّذ المشاهد التي تتطلّـب ديكورات تزيد عما هو متاح على نحو طبيعي. لكن بيرتون كان يحلم ببناء ديكوراته الخاصّة تماماً كما كانت السينما تفعل دائماً وحتى أواخر الثمانينات.
في البداية أعربت وورنر عن استغرابها لهذا الطلب. سألته: ولماذا؟ أليس من الأسهل صنع كل شيء على الكومبيوتر؟ الجميع يفعل ذلك، لم لا تفعل أنت ذلك؟ لكن المخرج كان حاضراً. لقد أجرى بحثه قبل سفره من لندن (حيث يعمل ويعيش) إلى هوليوود فاختار المكان وأجرى محادثات تتعلّق باستئجاره وتكلفة الديكورات التي سينفّذها ووجد أن الفارق بين تلك التكلفة وما يمكن إنجازه على الكومبيوتر متقارب جدّاً. وبل السبب أنه متقارب حقيقة أن بعض المشاهد ستتطلّب بعض العمل على الكومبيوتر غرافيكس والا لكان الشغل الطبيعي أوفر ثمناً. 
وورنر استغربت الطلب وطرحت الأسئلة ثم وافقته على حجّـته: بما أن الفارق ضئيل فإنه ليس من الحكمة التدخل في رؤية مخرج فنان مثل تيم بيرتون خصوصاً وأن معظم أفلامه أنجزت ما وعدت به من نجاح. وهذا الفيلم لا يختلف فهو يعد بنجاح مماثل إن لم يكن أكبر من فيلمه الأخير «أليس في أرض العجائب» الذي كان حققه لصالح شركة ديزني.
الفيلم الجديد هو «ظلال داكنة» الذي سينطلق لعروضه العالمية في الثامن عشر من الشهر المقبل. وهو في الأصل مسلسل رعب تلفزيوني جال الأثير في النصف الثاني من الستينات وحتى مطلع السبعينات. والتطوير الذي تطلّبته مهمّـة نقله إلى الشاشة الكبيرة كان شبه جذري فالفيلم الجديد سيحمل نكهة المخرج الكوميدية السوداوية. لكن الأهم هو أن الممثل جوني دب سيقدّم دوراً يُميّزه عن أدواره الأخيرة كما ميْـزه سابقاً كل دور مثّـله تحت إدارة هذا المخرج من العام 1990 حين أدّى بطولة «إدوارد سيزرهاندز» إلى «أليس في أرض العجائب» قبل عام واحد مروراً بـ «إد وود» (1994)، «سليبينغ هولو» (1999)، «تشارلي ومصنع الشوكولا» (2005)، «عروس جثة» (2005) و«سويني تود» (2008) 
جوني يؤدي شخصية فامباير لا يختلف كثيراً عن دراكولا، من دون إسمه، يخرج من التابوت ليلاً ويختلط بسكان منزل لا يصدّقونه حين يصارحهم بحقيقته. مثل شخصيته في «إدوارد سيزرهاندز» إنه الرجل العجيب الذي سيسيطر على الجو النسائي فإذا بالكثيرات واقعات تحت تأثيره.



------------------------------------------------------------------------------


أتذكّـر منسيين | محمد رُضا
توماس غوتييريز أليا إبن تشيلي الذي غنّى للإسكندرية

تمر بصمت شديد المناسبة الخامسة والعشرين على رحيل المخرج الكوبي توماس غوتييريز أليا الذي استحق خلال حياته المهنية الإهتمام الذي أولته إياه الأوساط السينمائية خلال الستينات والسبعينات حينما كانت أفلامه من بين أكثر الأفلام المصنوعة في أميركا اللاتينية أهمية وجودة، والذي يستحق، بعد مماته، إهتماماً مماثلاً إن لم يكن لشيء فلغياب تلك السينما السياسية والنضالية التي سادت تلك الفترة، ليس بسبب غياب مبررات النضال الإجتماعي والسياسي نفسه، بل بسبب دخولنا متاهات السياسة الحالية التي جعلت الأمور رمادية أكثر مما يلزم. هذا إلى جانب اللجوء إلى الثورة التكنولوجية خلق جيلاً غمرته مياه دمّـرت هويّاته الثقافية المنفصلة وحوّلتها إلى رديف لما يُسمّى بالقرية العالمية.
لكن قبل أن يقع كل ذلك، كان الوضع مختلفاً تماماً وتوماس كان من بين آليات ذلك الإختلاف. ولد في الحادي عشر من ديسمبر 1928 في مدينة هافانا وعاش متأثراً بجو العائلة الذي كان يُعتبر تقدّميّــاً لسنوات طويلة قبل الثورة الكومبية. وهو درس السينما في روما وتخرّج سنة 1953 وعاد إلى بلاده محمّـلاً بطموح العمل في أفلام ذات سمات واقعية بعدما تعرّف عليها خلال وجوده في إيطاليا. فالفترة كانت ثرية بإنجازات تيار السينما الواقعية الجديدة التي عزفت عن أفلام وطنية وأفلام تجارية بحتة او تلك التي كانت بدأت تقلّـد ما ورد من هوليوود. 
حين عاد أليا إلى كوبا وأسس مع زملائه "المركز التجريبي للسينما» عمد في أعماله التي حققها إلى نبذ كل هذه النوعيات من الأفلام لكنه أيضاً إستبعد والآخرين من أترابه من المخرجين الذين صاحبوا او تلوا نشأة الثورة الكوبية سنة 1959 مبدأ صنع أفلام ذاتية او أفلام مؤلّـفين في وقت اشتد عود هذا النوع من السينما في أوروبا.
هناك شيء آخر تميّزت به بعض أفلام أليا، فهو في حين وقف مع الثورة الكوبية الا أنه لم يتحوّل إلى بوق لنظامها الجديد. كان مؤيداً لمباديء أيديولوجية يسارية، لكنه كان أيضاً منتقداً واضحاً للتطبيق.
بعد نحو عشرين سنة على تحقيق فيلمه الأول سنة 1947 أنجز أول فيلم له شهد نجاحاً دولياً تحت عنوان «موت بيروقراطي" (1966) واستخدم فيه مشاهد من أفلام لوريل وهاردي وباستر كيتون ولوي بونويل في تحيّة لما اعتبره مشاهد نقدية مزدوجة القيمة فهي فنيّـة وفي ذات الوقت إجتماعية من حيث تعليقها على البيئة الإجتماعية التي تدور فيها والرسالات الخفية التي تنشد الوصول إليها.
أفلامه لم تكن أقل نقداً كما حاله في «العشاء الأخير» و«الليل الطويل» و«رجل عجوز بجناحين كبيرين» وصولاً إلى فيلمه الأخير «غوانتاناميرا» الذي سخر فيه من الحياة في كوبا.


------------------------------------------------------------------------------


سينما الرعب | ملاحظات حول ما يُخيف أكثر من سواه

محمد رُضا

Nosfiratu


أضاف الصوت على أفلام الرعب ذلك الذي تخشى أن تسمعه حتى في الحياة العادية: حشرجة الموت، صوت باب يُفتح بإصرار وبطء متعمّـدين، رفرفة جناحي الوطواط الذي سيتحوّل الى دراكولا، صوت البرق والرعد  الذي صاحب ولادة مخلوق فرانكنستاين، الغضب الذي يتفاعل في جسد دكتور جايكل وهو يحاول، ثم يخفق، في كبت جماح شخصيّته الشريرة التي فيها، مستر هايد٠

أحب هواة أفلام الرعب، وهو أحد أقدم الأنواع في السينما، هذه الأصوات كحبّهم لأفلام الرعب الصامتة ذاتها، وكحبّهم لسينما يريدونها أن تخيفهم٠ وقبل أن ننظر الى الخوف الناتج عن الفيلم ربما كان يجب أن ننظر الى الخوف الذي ينشد بعضنا الشعور به. لماذا يريد هذا البعض أن يقض مضجعه ويرى شخصيات تجسّد لا الموت وحده بل بعض أقسى وسائله على الشاشة؟ ما أهمية دراكولا بيننا؟ لماذا »كابينة د. كاليغاري« او »نوسفيراتو« او «الوطواط»  او سواها من الأفلام الصامتة مهمّة لنا؟ حسناً، إن لم يكن لنا فلمن جئنا منهم؟ لا زالوا بشراً نشترك وإياهم في معظم الخصال والمزايا٠
طبعاً كثيرون يكرهون أفلام الرعب، ولديهم اليوم أسباباً أكثر من تلك التي كانت منتشرة بين كارهي أفلام الرعب في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، فمعظم ما يندرج تحت إسم "فيلم رعب" هو مناسبة لمشاهد دم وعنف وقطع رؤوس او أطراف  والقليل جدّاً من القدرة على إثارة التخويف٠ فيلم الرعب السابق، وقليل من أفلام الرعب الى اليوم، كانت إيحائية. تثير الخوف الذي في العمق: ماذا تفعل لو كنت في رحلة تطلب فيها مقابلة مصّاص دماء؟ ماذا تفعل لو كنت في حضرة ريا وسكينة؟ ماذا تفعل لو كنت مهدداً بالطبيب المجنون في المنزل المقابل او لو أنك حططت الرحى في فندق منعزل موظّفه الوحيد مصاب بالشيزوفرانيا؟
خلال الفترة الصامتة، كان على صانعي أفلامها المرعبة من كارل ويلبور الى  ف. مورو الى روبرت واين وفريتز لانغ وغيرهم الركون الى ابتكار الرعب بالصورة وحدها. وكان هناك صعيدان لها: صعيد إجادة صورة أساساً، أي قبل وبعد الحكاية ونوعها، وإجادة وضع هذه الصورة الجيّدة لاستخدام يوحي ويتسبب في الخوف٠
Frankenstein

والقليلون استطاعوا فعل ذلك على نحو متكامل٠
أنظر الفصل التالي من المشاهد من فيلم ف. و. مورنو الخالد «نوسفيراتو» في سلسلة من اللقطات بعد الدقيقة الثانية عشر من بدء الفيلم. هاتر (غوستاف ڤ. واننهايم) كان بدأ رحلة يقصد فيها قصد فيها قصر المسمّى نوسفيراتو (الإسم الذي اختاره المخرج لمصّاص دمائه بعدما تعذّر عليه الحصول على حقوق دراكولا) غير مدرك حقيقته وغايته بيعه أملاكا تقع بالقرب من منزله٠ بعد نهار كامل من الرحلة التي عارضتها زوجته لسبب تشعر به من دون أن تدركه، يصل الى نزل في قرية صغيرة. المشهد المختار يبدأ من لحظة صعود هاتر الى غرفته الصغيرة في ذلك النزل القابع فوق حانة ومطعم شاهدنا فيها أربع نساء عجائز خائفات مما قد يحدث مع اقتراب الليل٠
يدخل هاتر وراء الخادمة التي تجهز السرير. ينتظرها لتنتهي ثم يضع حقيبتيه الصغيرتين على أرض الغرفة. تحييه (بهزّة رأس) وتغادر. ينظر من النافذة ٠
قطع الى ما نراه من وجهة نظره: الجياد التي جرّت العربة التي جاء فيها فالتة في البرية لكن في مقدّمة اللقطة حصان يبدو غير قادر على الهرب. لا نرى ما الذي يحدث له، لكننا نلحظ أنه يرفس شيئاً ما خارج الصورة. 
قطع الى ضبع
قطع الى النساء في خوف. النساء يخفين وجوههن (باستثناء أكبرهن سنّاً) وكلهن جالسات ما عدا واحدة منهن. وراءهن جميعاً جدار. اللقطة معتّمة باستثناء الجدار. وجودهن مصطفّات على حائط  مُنار جزئياً يجعل المشهد يبدو كما لو كان لوحة مرسومة٠
إحدى النساء ترسم علامة الصليب وتلتصق برفيقاتها٠
الضبع ينظر الى الخلف ثم يغادر
هاتر يترك النافذة ويغلقها. يحمل الشمعة الى طاولة قريبة. يجد كتاباً عنوانه  "كتاب الڤامبايرز" يقرأ فيه: وكان العام هو 1443 عندما وُلد أوّل نوسفيراتو...."٠

هناك أموراً كثيرة تحدث في هذا المشهد الذي يستمر نحو 4 دقائق (ويستمر في المكان نفسه نحو 4 دقائق أخرى) ومن دون أن أعود الى سياقه حسب الأحداث أبداً ببدايته: يدخل الغرفة الصغيرة في وقت قريب من الغروب. الخادمة تجهّز الفراش. هناك طاولة. شمعة. نافذة. جدران الغرفة الصغيرة٠ يضع بطل الفيلم حقيبته أرضاً. يصبح وحيداً. يسمع -على ما يبدو- ما يسترعي انتباهه. ينظر من النافذة٠
بعد التأسيس السابق للغرفة هناك إيحاء بما ينتظره مستقبلاً وإيحاء آخر بما تعيشه القرية من رعب ليس لديه فكرة عنه. لذلك نطق بإسم الكونت نوسفيراتو فوجم الجميع (هذا قبل دخوله الغرفة)٠ الآن المنظر لخارج الغرفة صوب الجياد من وجهة نظره وقريباً يترك المخرج مورنو وجهة نظره ويحوّل اللقطات الى وجهة نظر الفيلم فالبطل لا يستطيع أن يرى النساء في الغرفة  الأرضية التي تحته (غرفة الإستقبال) لكن المخرج يريد رسم الصورة كاملة٠ الحصان الخائف. الضبع . علامة الصليب. نظرة الضبع الى الخلف حيث النساء داخل النزل بعد أن رسمت إحداهن العلامة ومغادرته٠ كلها أمور تنطق ذهباً فيما يتعلّق بكيفية فرض الجو المرعب من دون مشهد واحد بالتحديد يكون مرعباً فكل ما تتألّف به تلك المشاهد مثير للرعب. الحصان يرفس ما لا نراه قريباً منه، وقد يكون السبب هو أن وقت التصوير لم يكن بالمقدور وضع حصان وضبع في لقطة واحدة، لكن هذا لا يهم. كيف التقط المخرج اللقطة (تصوير  ف. أ واغنر، أحد أبرز وأهم مدراء التصوير الألمان من العام 1919 الى العام 1958) ووظّفها في السياق ككل٠
الآن هناك مسألة اللوحة المرسومة كما أشرت لتلك النسوة الخائفات٠ مورنو ومدير تصويره لا ينسيان أن الهدف الموازي في أهميّته لهدف إثارة الخشية والرعب هو تقديم فيلم جيّد بمنأى عن نوعه. هذه اللقطة تساوي لوحة ومؤلفة كما لو كانت٠ إسهام المخرج ومدير تصويره لتقديم ما يعلق في البال فنيّاً في الوقت الذي يتحدّث فيه، بالصمت التام، عن فحواه٠

اللون 
أفضل أفلام الرعب الصامتة وردت في العقد العشريناتي من القرن الماضي، بعد عقدين وأكثر من انتشار السينما كوسيلة روائية وقبل دخول الفيلم مرحلة النطق. في هذه الأثناء، أضاف الصوت ما يلزم من مؤثرات كالتي ذكرتها في مطلع الحديث٠  أضافها ليزيد من جرعة التخويف٠ باب يُفتح من دون صوت صرير له في السينما الصامتة هو موح ومثير للخوف في فيلم الرعب بناءاً على السياق العام ونجاح المخرج في تتويج تلك اللحظة باللحظات السابقة. باب يُفتح مع صوت صرير له يوجز الوقت الذي يصرفه الفيلم الصامت لتأكيد الحدث ويقلل من عدد العناصر الإيحائية التي على مخرج الفيلم الصامت التعامل معها لكي يعوّض عدم وجود الصوت٠  لكنها ليست دائماً إضافة ناجحة. كثير من الإختصار ويأتي المشهد متسارعاً لا قيمة له او لحظته الوحيدة هي لحظة الصرير الصادر عن الباب المفتوح. مط عملية فتح الباب يتركك مع الصرير أطول من الفترة المنشودة والصحيحة٠ إذاً صرير الباب عليه أن يستمد من المشهد الذي يقع فيه بنائه ولحظة قوّته سواء أكان صامتاً او ناطقاً وهذا لكي يحمل ذات الرهبة والتساؤل عما يكون فتح الباب- لأي غاية- ما الذي سيحدث بعد ذلك٠
في مطلع الثلاثينات كانت هوليوود عرفت قيمة سينما الرعب (عرفت تلك القيمة سابقاً لكن من بعد اسهام الأوروبيين ألماناً وفرنسيين وبريطانيين فيه) وأولته اهتماماً شديداً. شركة يونيفرسال تخصصت فيه مولية اهتماماً كبيراً للأفلام التي تتعامل مع هذا النوع من الخيال الجانح صوب العتمة والشخصيات غير السويّة٠ 
الأفلام الناطقة الأولى التي صنعتها السينما الأميركية في هذا المجال لم تكن دوماً رائعة. شاهدت قبل أسابيع فيلم تود برانينغ »دراكولا« (1939) للمرّة الأولى وتطلّب الأمر صبراً كبيراً قبل أن أدخل عرين الحالة التي يريدني أن أدخلها. طبعاً المسألة صعبة على الفيلم لأنه قديم ولأنه يخاطب اليوم مشاهدين مرّت عليهم كل أنواع الأفلام المرعبة، لكن أمر دخول »نوسفيراتو« او» فامباير«  رائعة الفرنسي كارل دراير التي قدّمها ناطقة جزئياً سنة 1932 وسواهما الى ذات المشاهد اليوم لا يتطلّب وقتا او صعوبة ما يدل على أن الحرفة هي التي تشهد لا (او لا) بقيمة الفيلم٠
لكن ما يفتقره «دراكولا» - داونينغ من إثارة إيقاعية يعوّضه بالجو العام الذي يحسن تشييده كما بتصاميم المشاهد وهندسة الأماكن (قصر دراكولا أهمها)٠
وهو يستفيد أيضاً من كل ما استفادت منه أفلام الرعب القديمة: من حقيقة أن التصوير بالأبيض والأسود ما يعني أن المشاهد عليه أن يترك الواقع أكثر صوب الخيال مصطدماً سريعاً بالقوّة الكبيرة التي يحملها التعامل الفني مع الأبيض والأسود. الحقيقة التي لا أعتقد أن هناك لليوم ما يخدشها هو أن الأبيض والأسود وتدرجّ كل منهما صوب الآخر وعكسه، يحملان من القوّة في التأثير أكثر مما تحمله الألوان٠ ربما المقارنة بين »سايكو« هيتشكوك الأبيض والأسود و»سايكو« غس فان سانت الملوّن هي برهان ساطع وإن لم تكن فهناك كل تلك الأفلام غير الملوّنة في مواجهة الأفلام الملوّنة في سينمات الرعب، والتشويق البوليسي والفيلم نوار والدراميات الإجتماعية. هناك كل كمال الشيخ الأبيض والأسود في مواجهة كل كمال الشيخ الملوّن٠
Dracula/ Jack Palance

أحد الأسباب في هذا الوضع هو أن الملوّن، من دون إرادة وعلى نحو تلقائي، يخفّف من الصدمة التي ينقلك إليها الأبيض والأسود. في فيلم الرعب، الألوان تخلق حاجزاً بين المشاهد وبين المادّة المصوّرة كون هذا التلطيف يصبح جزءاً من الديكور. هناك لون الستائر ولون الملابس ولون الطاولة ولون الجدران... مقابل أن الأبيض والأسود ينقلك الى صرح أكثر تكاملاً وأقل إنغماساً في نقاط تشترك والواقع: إذا ما كان مصاص الدماء ووحش فرانكنستاين والرجل- الذئب والعنكبوت الذي أصبح أكبر حجماً من البيت بعد أن تم شحنه بالإشعاعات أموراً فانتازية فإن الأبيض والأسود هو أمر فانتازي مناسب كون الحياة التي نعيش ليست بالأبيض والأسود أيضاً٠
طبعاً، المخرجون الكبار إذا ما اشتغلوا على أفلام الرعب الملوّنة استحقوا الإختلاف والتغلّب على المعضلة الناتجة عن التلوين. الى اليوم فإن The Shining كما أخرجه ستانلي كوبريك سنة 1980 وصوّره  جون ألكوت،  هو أفضل ما تم إنجازه من أعمال الكاتب الذي يكرر نفسه ستيفن كينغ. لكن -وللمناسبة- جزء من جودة الفيلم تتعلّق باختيار الألوان، أي بمنحها القدرة على أن لا تكون مجرد ألوان طبيعية بل جذبها الى أن تصبح ألواناً غير طبيعية أيضاً يمكن معها في هذه الحالة إضفاء ذات القدرة على التخويف للفيلم المرعب القديم٠
 فيلم رعب ملوّن آخر نجح في تحويل التلوين لصالحه هو «دراكولا» كما أخرجه، سنة 1992، فرنسيس فورد كوبولا وصوّره مايكل بولهاوس. ما ذكر بخصوص فيلم كوبريك يمكن تطبيقه بحدود على هذا الفيلم مع اختلاف أن اللون هنا استخدم في تخفيف وتعتيم. بكلمات أخرى لا »اللمعان« رضى بألوان »طبيعية« محايدة ولا »دراكولا« -كوبولا رضى بألوان »طبيعية« محايدة، لكن كل فيلم اتجه عكس الآخر في عملية استخدام وتوظيف اللون٠

الحب
في علاقتنا مع أفلام الرعب هناك بالطبع المسافة التي نحاول -مشاهدين- الحفاظ علينا بين هذه الشخصية وتلك٠ هل يمكن أن تقع في حب دراكولا؟ مخلوق يعيش منذ مئات السنين على دم الآخرين ويستطيع الإنقلاب الى جرذ او الى وطواط او ذئب متى أراد؟
واحد من الأفلام القليلة التي سعت لاستجلاب عطف دراكولا بجعله حبيس رغباته لا يستطيع الخلاف منها هو فيلم تلفزيوني الإنتاج عرض على الشاشة الصغيرة في الولايات المتحدة، لكن سينمائياً في خارجها (وكان آخر ما شاهده هذا الناقد من أفلام سينما راديو سيتي وسط بيروت وذلك سنة 1974) هو »دراكولا« كما أخرجه دان كورتيس (مخرج تلفزيوني جيّد)٠
 لتمرير رسالة التعاطف مع أقسى الوحوش البشرية كان لابد من تقديم دراكولا يعاني مما هو عليه من آثام. يطلب الموت ولا يجرؤ الإقدام عليه. وخلاله قام الممثل جاك بالانس بالدور جاذباً إلى شخصيته ردود فعل أعتقد، كوني لست كل مشاهد، متفهّمة وربما متعاطفة٠
على ذلك، يبقى دراكولا (وعلى كثرة الأفلام التي ظهر فيها) أصعب نمرة يمكن تقديمها لهواة الرعب بين كل النُمَر المخيفة). بالمقابل مع وحش فرانكنستاين ينجح الثاني أكثر في بلورة فلسفة وجود من لا يرغب في أن يكون حيّاً او موجوداً٠
في حين أن كتابة برام ستوكر لدراكولا كانت قائمة على شخصية لا رحمة  فيها تشبه الطاعون الذي تسببه الجرذان في السفينة التي تحمل كنفه وتنقله الى البلدة التي ترسي فيها  تأتي شخصية الوحش في رواية »فرانكنستاين« كما وضعتها ماري شيلي متألّفة من مصادر إنسانية: إنه عن عالم أسمه فرانكنستاين بلغ فيه الطموح درجة جنونية نتج عنها قيامه بحفر المقابر لاستخراج أجزاء بشرية مات أصحابها للتو لأجل جمع ما يكفي لإعادة صنع شخص واحد وإيصاله بالكهرباء المستمدّة من الصواعق في الليالي العاصفة. النتيجة نجاحه في بث الكهرباء في جسد ميّت والكهرباء تمدّه بالحياة. وحش فرانكنستاين يبدأ عملاقاً خائفاً من الحياة ويمضي، بعد هروبه من المختبر، محاولاً لملمة مفاهيمها ومشاعرها والتصرّف طبيعياً. يلتقي بفتاة صغيرة حيث يبلغ الصراع قمّته بين أن يكون بشراً سويّاً او وحشاً وينتصر الوحش فيه٠ هنا كان على المشاهدين أن يفحصوا مواقفهم والكثيرين منهم تفهّم حاجة الوحش ليكون مخلوقاً مقبولاً لدى الآخر وأدانوا العالم الذي ابتدعه٠
ذات الصراع الذي استولى على  الرجل الذي يتحوّل عند كل بدر الى ذئب، حسب رواية لغاي إندور والصراع الذي ينشب في داخل الدكتور جايكل ويحوّله الى قاتل بإسم مستر هايد كما ألّفه روبرت لويس ستيفنسون٠ لكن الصراع في هاتين الشخصّيتين هو كل شيء  وطوال الوقت. من يستطيع أن ينسى لون تشايني في  فيلم جورج واغنر سنة 1941 وهو يرجو الجميع حبسه في الزنزانة وعدم السماح له بالخروج منها مهما فعل حتى لا يضطر لنهش إنسان بريء؟ او  صورة فردريك مارش في فيلم روبرت ماموليان »دكتور جايكل ومستر هايد« (1931) وهو يتصارع بينه وبين نفسه في معركة شيزوفرانية واضحة محاولاً طمس القاتل الذي في داخله؟


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2012
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular