أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Apr 12, 2012

مهرجان الخليج السينمائي 2 | نقد فيلم "تورا بورا"


 مهرجان الخليج السينمائي -2
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جديد الدورة: التوسّع في العروض لتغطية كل الإمارات

|*|  هناك جديد في هذه الدورة الخامسة من مهرجان "الخليج السينمائي" تعبّر عنها الرغبة في الحفاظ على المكتسبات التي أنجزها المهرجان في الأعوام السابقة ثم التقدّم لما وراءها. فالسنوات الأربعة السابقة تنقسم إلى قسمين: العامان الأوّلان تأسيس لمناسبة واعدة والعامان التاليان تحقيق للرغبة في إنجاز حضور يتبوأ المشهد السينمائي في هذه المنطقة الثرية ثقافة وفنّا وتراثاً من العالم. إنه خلال هذين العامين إزدادت المنافسة حدّة بين هذا المهرجان ومهرجانات أخرى في المحيط الخليجي رغبت، ومن حقّـها طبعاً، أن تنجز الأهداف المناطة برعاية السينما الخليجية ومواهبها. هذه المنافسة دعت لبلورة إتجاه حاسم وجديد في هذه الدورة. فالمهرجان وأفلامه سينتقل إلى أبوظبي بدءاً من يوم الخميس من هذا الأسبوع، ورئيسه، عبد الحميد جمعة، يُعلن أن الغاية هي التوسّع بحيث يتم نقله إلى كل إمارة من إمارات الإتحاد.

ليلة الثلاثاء كانت الإفتتاح الرسمي لهذه الدورة. وجاء الإفتتاح منظّماً وموجزاً ومعبّراً أيضاً وبحضور سمو الشيخ ماجد بن محمد بن راشد آل مكتوم، رئيس هيئة دبي للثقافة والفنون. وتناول خطاب الرئيس عبدالحميد جمعة حقيقة أن المهرجان هذا العام يتألّف من 155 فيلماً أتت من 42 دولة يشهد منها نحو  80 فيلم عرضه الدولي الأول.
كلمة المدير العام للمهرجان مسعود أمرالله آل علي، شددت على المكانة التي يحظى بها المهرجان وأشارت إلى أن الحب هو الفاعل الرئيسي الذي يحرّك جهود العاملين شاكراً صانعي السينما على بذلهم ونتاجاتهم.
بعد ذلك، قدّم المدير السينمائيين المحتفى بهما هذا العام: المخرج البحريني بسّام الذوادي، المخرج الأول للسينما في البحرين الذي قدّم نفسه من خلال فيلم تسجيلي قصير (جدّاً) عنه، والممثل الإيراني بهروز وثوقي اللذان اعتليا المسرح واستلما جائزتيهما التقديريتين. ولم أملك سوى ملاحظة أن الممثل الإيراني، وهو مشهور بأعمال عديدة من قبل وبعد "الثورة" الخمينية كان يرتدي ربطة عنق!.


فيلم الإفتتاح: تورا بورا حب وسياسة

|*| الحب كان أيضاً من شأن فيلم الإفتتاح "تورا بورا" للمخرج الكويتي وليد العوضي. هذا الفيلم كان تم تقديمه في مهرجان "كان" في العام الماضي لعدد محدود من الصحافيين في عرض خاص.  والآن يشهد عرضه الرسمي العالمي الأول. والحب الذي فيه هو الذي يكنّه أب وأم لإبنهما الذي كان اختفى من حياتهما منضمّاً إلى حركة طالبان في أفغانستان. ومع أنهما لا يعرفان مكانه في تلك البلاد الشاسعة والخطرة، الا أن ذلك لم يمنعهما من السفر إلى باكستان على أمل أن يلتقيا به وإعادته إلى الكويت وإلى رشده معاً.
يبدأ الفيلم بهما وقد حطّـا (والفيلم مأخوذ عن حادثة وشخصيات حقيقية) في بيشاور. يدخلان فندقاً متواضعاً (وهما الثريّان غير المعتادين على حياة التقشّف وهذا النوع المجحف من الرحلات) والزوجة أم طارق (أسمهان توفيق) تشكو لزوجها أبوطارق (سعد الفرج) عن أن الفندق حقير. الزوج يقول لها "أنهما ليسا في رحلة سياحية". وهي بالفعل ليست كذلك، ليس فقط أنهما جاءا إلى بيشاور لكي ينتقلا إلى تورا بورا حيث تنظيم القاعدة المحمي بقوّات طالبان، بل لأن المنطقة بأسرها- وبإستثناء واد جميل واحد- عبارة عن جبال وسهوب جرداء. لنحو ساعتين الا بضع دقائق، سيمضي الفيلم معهما في هذه الرحلة القاسية وسيتناوب الحديث منتقلاً منهما ومسعاهما إلى تجهيز إبنهما الشاب بالمتفجّرات للقيام بعملية إنتحارية. بعد ذلك، يصل إبنهما الأكبر طارق ساعياً، مع باكستانيين، للبحث عن والديه. هكذا نحن في مواجهة ثلاث قصص مع العديد من الشخصيات. المخرج عوضي لا يضيع بين شخصياته تلك بل ينجح في التركيز على شخصياته المهمّة وتقديمها تحت أضوائها المختارة.
هذا كلّه جيّـد، كذلك فإن العناصر الإنتاجية التي سمحت للمخرج تصوير الفيلم في أنحاء مختلفة (بعضه في باكستان والكثير منه في المغرب على ما هو مُعتقد) وتنويع أماكن التصوير المتعددة (من فنادق إلى منازل مهدّمة، مستشفى للأمم المتحدة، معسكرات، قرى الخ….). إلى ذلك، يمكن ضم حس المخرج بقيمة الموضوع المهم الذي بين يديه. لكن عند هذا الحد تكاد الحسنات تتوقف او تنتهي. المشكلة هي في أن التحقيق ذاته مصطدم بعوائق تنبت من السيناريو وتمتد إلى المونتاج.
السيناريو مسؤول مثلاً عن عدم ترتيب تلك المشاهد التي ينتقل الفيلم بينها. نحن مع الأبوين اللذين يعانيان الضعف والوهن ثم المرض والإعتقال والإصابات، وفوق ذلك الطريق التي تزداد خطورة وصعوبة خلال الرحلة، على عكس رحلة إبنهما طارق الأسهل والأكثر سلامة في معظمها ولأسباب لا تبدو واضحة. 
حين يأتي الحديث عن إبنهما المجاهد فإن تساؤلاته المحقّة حول ماهية هذا الجهاد إذا ما كان يعني قتل أطفال في مدرسة، تأتي مفاجئة كوننا لا نتعرّف عليه الا في نطاق لقاءاته مع أمير الجماعة. كان أجدى لو أننا شاهدنا اكتشافاته العينية حين اقترب من الهدف الذي أرسل إليه. 
الحقيقة هي أن هناك أكثر من طريقة سرد لهذا الفيلم، لكن المشكلة ليست في الطريقة التي اختارها المخرج، تلك الشاملة على خيوط وأحداث متناوبة الإنتقال مع شخصياتها وحسب مواقعها، بل في كيفية التنفيذ ذاته بحيث أن نصف الساعة الأخيرة هي، غالباً، إعادات لما سبق تأسيسه. الموت يأتي بعض الشخصيات (خصوصاً الأم) من دون شعور دفين ينجم عن تخصيص مشهد ما يحلّق فيه الموت فوق رأسها (آخر مشهد حي لها كانت ترعى إبنها الجريح طارق الذي نجح في الوصول إليهما وتحريرهما لكنه أصيب برصاصة تضعه في حالة حرجة).
هناك دور للممثل الفلسطيني قيس الناشف يؤدي فيه شخصية مصوّر فيديو يعيش في تلك الصقاع لكننا لن نعرف لماذا. هذا ليس مهمّـاً للغاية. الأهم أنه يعترض الطريق بيننا وبين ما هو مفترض به أن يكون صادماً من أحداث. يكسر وتيرة الحدّة التي يتمنّـاها الفيلم لنفسه. صحيح أن دنيس هوبر لعب الدور نفسه في «سفر الرؤيا… الآن» لفرنسيس فورد كوبولا، الا أن وجوده لم يعترض مطلقاً المسافة بين المشاهد والفيلم. حين ظهر مباشرة أمام الكاميرا عبّر عن نفسه وشخصيّته. بعد ذلك وجوده هو جزء من المشهد وليس صلباً بصرياً فيه يمنع التواصل مع ما يدور وراءه.
تم تأليف الفيلم لجزء من مسلسل تلفزيوني على حلقات. هذا ليس أفضل وسيلة لتقديم عمل سينمائي، فلابد أنه بين ما تم حذفه ما قد يوضح أكثر جوهر المشاكل المذكورة. لكن هذا ليس عذراً من أي نوع لأن ما يتعرّض إليه النقاد هنا هو الماثل على الشاشة وحده.


No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system