أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Mar 31, 2012

أشاهد موتى | 3 قصص حب من الشرق | فن الكاتب تونينو غويرا | دي نيرو- الجزء 3




ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــYear 5| Issue 708ـــ



الناقد وفلسفة الفيلم |محمّد رُضا


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  "أشاهد الموتى" ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

"أشاهد الموتى".
يقول الصبي كول سير (هايلي جووَل أوزمنت) وهو ينظر بعينين خائفتين صوب الدكتور مالكولم كراو (بروس ويليس) فيما هو أفضل أفلام م. نايت شيامالان إلى اليوم «الحاسّة السادسة» (1999).
حسناً…. أنا أشاهد الموتى كل يوم.
بالأمس شاهدت روبرت لاوري وباربرا بريتون ولولا لاين وفرانك ألبرتسون وإليزابث رسدون من بين آخرين. 
لاوري مات في 1971/12/26
بريتون ماتت في 1980/1/17
لاين ماتت في 1981/5/22
ألبرتسون مات في 1964/2/29
أما رسدون فماتت في 1958/12/20
ليسوا أنهم أناس مشهورين، ولا أنا حافظ تاريخ وفيّاتهم في بالي، لكن هذا لا يهم. المهم أنني رأيتهم يتكلّمون. يركبون السيارات. يتضاربون. يتّصلون بالبوليس. يطلقون النار. يهربون. يبتسمون. يتعانقون… وذلك على صفحة فيلم عنوانه The Made Me A Killer
فيلم من فئة ب من إنتاج شركة غير معروفة أسمها "باين- توماس" ومن توزيع باراماونت سنة 1946 موقّع بإسم وليام س. توماس (مات في 1984/4/3 بدوره). ليس فيلماً ذا أهميّة تتعدى نطاق الترفيه في إنتاج خال من العناصر الكبيرة- لكنه فيلم والمهم أن ممثليه كلّهم ماتوا.
ليس أن موتهم هو القضيّة."؟كلّنا لها" يقول لك المثل الشعبي… (او "له" على الأصح) لكن المسألة التي خطرت لي، وليس للمرّة الأولى، أن السينما تخدع الموت.
انتبه إلى التالي:
الصورة الثابتة: معظمنا يحتفظ بصور أشخاص ماتوا. بالنسبة لي هناك صورة ملتقطة لوالدتي تبدو فيها كما لو كان مصمم الشعر نقل تسريحة هوليوودية تعود لحين كانت والدتي في الخامسة والعشرين من عمرها. رحمها الله. ووالدي له صور كثيرة احتفظنا بها: هنا يمسك بيدي ونحن خارجين من صالة سينما ويرقب خطواتي الصغيرة. هنا في السبعين من عمره يرتدي البيجاما ويجلس على الشرفة. وهناك هو يلعب الطاولة… رحمه الله.
كل صورة لكل شخص هي التقاط للحظة حيّة.
اللحظة رقم 1,394,888 من لحظات الحياة او أي رقم آخر لا يعلمه الا الله. الثانية التي يضغط فيها المصوّر على الزر لإلتقاط الصورة هي الثانية التي يتم فيها تسجيل تلك الثانية من الحياة. تتجمّد. لا يعد بالإمكان تلفها الا بشروط كيماوية او إذا ما مزّق الواحد الصورة او حرقها.
إذا التقط أحد لك الآن صورة فوتوغرافية، استنسخ تلك اللحظة من حياتك. جمّدها.
إذا كان هذا يحدث مع الكاميرا الفوتوغرافية فما البال بالكاميرا السينمائية وما تسجّـله من حياة؟  
الساعة الآن 10:17 صباحاً. الممثل يقرأ مشهده قبل التصوير. "جاهز؟" يسأله المخرج او مساعده "نعم". يقف في مكانه المحدد ويبدأ بالإنفصال عن الجميع بإنتظار كلمة أكشن. كذلك الكاميرا. كلمة "أكشن" تدوّي في الساعة 10:19. الممثل في شخصية أخرى، لكنه في الوقت ذاته هو نفسه. عليه أن ينظر إلى المركب الذي يمر تحت الجسر الذي يقف عليه (اخترت مثالاً سهلاً). Stop. يصرخ المخرج. انتهت اللقطة في الساعة 10:20. جزء من لحم ودم وشخصية الممثل تم تسجيلها في دقيقة. تلتقي وما سبقها وما لحق بها فإذا بالممثل هو شخصية حيّة تلعب دوراً على الشاشة في الوقت الذي هو شخصية أصلية حيّـة دخلت التصوير وخرجت منه كل يوم من أيام العمل. حين ينتهي الفيلم سوف يغادره وبعد أيام يعود فيها إلى منوال الشخص الواحد، سيدخل تصوير فيلم آخر.
النقطة التي أود تسجيلها هنا هي التالية: حين نشاهد الفيلم (أي فيلم مع أي ممثل) نشاهد جزءاً من حياته في تلك اللحظة وبتراكم اللحظات. إذا ما كان لا يزال حيّاً هو في الوقت الذي تشاهد فيه الفيلم ربما يكون نائماً في طائرة، ساهراً مع أصدقاء، يصعد سيّارته، يشتري تفاحاً وبرتقالاً، يستمع إلى إبنه يحدّثه، يتشاجر مع مدير أعماله… أي شيء على الإطلاق.
إذا ما كان الممثل ميّتاً….. هو ميّت. وهل نعلم حجم الكلمة…. ميّت. منته. لا روح فيه.
الكاميرا أخذت من الحي او الميّت تلك الدقائق التي تم تفليمها واحتفظت بها. أنت تشاهد ما لا يمكن مشاهدته. فاللحظة في الحياة من ثانيتها الأولى لا يمكن أن تعود إلى الوراء. هي تتوقّف، ولابد أن تتوقّف، لكنها لا تعود. السينما تُـعيدها. وإذا ما كان الممثل ميّتاً، والمعظم الكاسح من الممثلين منذ اليوم الأول للفيلم وحتى اليوم، ميّت، فأنت- حين تشاهد فيلماً قديماً- فإنك تشاهد الموتى.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



شاشة الناقدميسر مسكي


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نسيم الحب في ثلاثة أفلام من الشرق 


ربما تكون هموم القلب هي أكثر المواضيع التي شاء السينمائيون أن يشغلوا نفسهم بها. لا العنف ولا الجريمة ولا أفلام الحركة، على شعبيتها وشيوعها على الشاشات السينمائية، تغلبت على تقلبات الهوى وحالات القلب في نشوته كما في إنكساره. بل أننا نجد أن أغلب أفلام العنفوالحركة إنما تحوي في طياتها قصة حب، بغض النظر عن غباء هذه القصة أو  نُبلها.والحب بحد ذاته يتلون بأطياف مختلفة بإختلاف الثقافة والمجتمع وتقاليده. فما هوطبيعي ومقبول في مجنمع ما قد يفجر فضيحة في مجتمع آخر. في المقال التالي سنُطلّ على حالات حب مختلفة من السينما الصينية التي بدأت تسجل حضوراً لافتاً في المهرجانات العالمية منذ ما ينوف عن عشرين عاماً ولا زالت. تحمل السينما الصينية سمة مختلفة بمناخاتها الغريبة عن الثقافة الغربية التي طالما سادت لقرون طويلة بفعل الهيمنة الثقافية التي رافقت صعود السطوة الغربية منذ القرن السادس عشر | ميسر مسكي


"مزاج للحب" : لوعة الرغبة وذلّ الخيانة
A Mood For Love 
2000



1962، هونغ كونغ، إمرأة متزوجة ورجل متزوج متجاوران في شقتين، تقودهما خيانة شريك كل ٍ منهما إلى علاقة مضطربة، تحوم على حافة القلق والشوق. رجل وأمرأة صرعتهما صاعقة الحب، لكنهما مكبلان بمكان وجودهما المكتظ بالجيران والأعين المتلصصة والأذان المرهفة. والكاميرا هنا تساهم في تعميق مزاج اللهفة والقلق عبر تلصصها على الشخصيتين من حوافي الأبواب أو  عبر ممرات المبنى الضيقة، أو  من زوايا الشوارع. جو كثيف، لزج عابق برغبة محمومة للآخر وبأمطار موسمية غزيرة تزيد من كآبة اللحظة وتشي بإستحالة العلاقة.
المخرج (وكاتب السيناريو) ونغ كاروي يستلهم المزاج العام في أول ستينيات القرن الماضي حيث التقاليد لا تزال تمجد العفة وترفض البوح عن شهوات الجسد. الفيلم يوحي بالجنس دون أن يبوح به بصرياً. خيال المشاهد له أن يعدو ممسوساً بكل التخيلات التي يعف عن تصويرها المخرج كاروي. فحتى حين يلتقي العاشقان في فندق صغير، الكاميرا لا تذهب أبعد من حدود باب الغرفة ومن ثم تستدير لتأخذ الستائر الحمراء الطويلة حيث يداعبها النسيم المنسلّ من نوافذ الممر الكبيرة. يذهب خيالنا في كل الأطراف رغم أننا نعرف ان العلاقة  بقيت أفلاطونية لروادع أخلاقية لدى الطرفين، فالمرأة التي تعرف أن زوجها يخونها مع زوجة جارها تقول في لحظة صفاء وإنكسار"نحن لن نكون مثلهما".  هذا السجال المنهك في دواخل الشخصيتين دفع البعض للقول أن الفيلم ليس عن الرغبات الجنسية المقموعة والمُحبَطة بل عن عمق الدوافع والروادع الأخلاقية في النفس البشرية
ونغ كاروي يبدو مفتوناً بموسيقى وأغاني الـ"بوب ميوزيك" المعاصرة لزمن الفيلم وهو يستخدم أغاني "نات كينغ كول" بغزارة لتعزيز حالة المزاج في المشهد. والمخرج لا يترك وسيلة متوفرة لديه (كاميرا، إضاءة، أزياء، طقس...) دون أن يستخدمها في خلق المناخ الملائم لحالة مزاج للحب. حب يحمله الخيال والإحباط إلى تخيل أن ما لا يحدث هو أهم من الذي يحدث حقاً
"مزاج للحب" قصة حب مُـحبَط ترويها عيون الشخصيتين لكاميرا تلتقط بحنان نفوس مكسورة على تخوم لوعة الرغبة وذلّ خيانة الشريك.
الفيلم ترشح لجائزة السعفة الذهبية في مهرجان "كان". لكن فقط "توني لونغ" في الدور الرئيس نال جائزة أفضل ممثل في مهرجان "كان" عام 2000. كما حاز الفيلم جائزة السيزار الفرنسية لإفضل فيلم أجنبي لذلك العام.

"وداعاً يا محظيتي": العشق الممنوع
Farewell My Cocobine
1993


إختار المخرج "تشن كيغ" أن يعرض أحداث فيلمه على خلفية عريضة تمتد على خمسين عاماً من تاريخ الصين الحديث. فترة شهدت تقلبات حاسمة في الصين، من إنهيار العهد الإمبراطوري إلى عهد الوطنيين الجمهوريين بزعامة "تشان كاي تشك" إلى الإحتلال الياباني خلال الحرب العالمية وأخيراً صعود الشيوعييون إلى رأس السلطة وثورتهم الثقافية القاسية.

على إيقاع هذه التطورات الكبيرة يرسم المخرج "كيغ" لوحة ملحمية السمات نتابع عبرها سيرة ممثلين إثنين في أوبرا بكين من سن الشباب إلى سنوات الشهرة. "دوزي" ولاد يتم تدريبه منذ صغره على إنتحال دور إنثوي (كان ممنوعاً في مطلع القرن العشرين أن تمثل النساء على المسرح) هو محظية الملك التي تنتحر حين يُهزم مليكها أمام أعدائه. يرفض "دوزي" بعناد الأولاد أن يتحول إلى أنثى، لكن التعذيب القاسي الذي يتعرض له على يد أستاذه يجبره على الخضوع. وهو لا يلبث أن يتبنى هذا الإحساس الأنثوي حتى في حياته الخاصة فيقع في حب صديقه "شيتاو" الذي يلعب دور الملك المهزوم. "شيتاو" الغافل عن المشاعر الدفينة لصديقه الحميم، يهوى بائعة هوى "يوجيان" (تلعبها بإقتدار الممثلة "غونغ لي)ويتزوجها. مثلث الحب هذا يشعل أحاسيس الشغفوالغيرة والوله بين أطرافه الثلاث فيما الصين من حولهم تتغير بعنف بحثاً عن هويتها إثر زوال العهد الإمبراطوري الذي طالما عَرّفَ الصين لثلاثة آلاف عاموأكثر قبل تلاشيه.

المخرج "كيغ" يلتقط خيوط حكايته بإحكام ويقترب من شخصياته برقة وعذوبة في لحظة إنكسارها. بديع ذلك المشهد في نبل إحساسه حين تنحني "يوجيان" لتحتضن "دوزي" بذراعيها في لحظة ألمه المبرح والهاذي نتيجة لإنقطاعه عن المخدرات، رغم أنها تعرف كم هو يكرهها لإنه يعتقد أنها بزواجها من صديقه قد حالت دون تحقيق أمله في عشقه الممنوع عنه
وإذا كان الفيلم السابق "مزاج للحب" يدور في شقق صغيرة وممرات وشوارع ضيقة وبالتالي تبدوالكاميرا وكأنها (والشخصيات) تعاني من رُهاب الأماكن الضيقة، فكاميرا "كيغ" هنا تتحرك بأقواس واسعة وفي فضاءات فسيحة تليق بعمل ملحمي الشكل كما الساق التاريخي. وفي لحظات يكاد مناخ الأزقة في بكين يذكرك بروايات "تشارلز ديكنز" عن حواري لندن في بدايات القرن التاسع عشر.

"وداعاً يا محظيتي" سيرة شخصيات تحاول الهروب من ذاتها وقدرها، لكن لا تلبث أن تجد إثر كل محاولة أنها منخرطة أكثر في متاهات قدرها الذي يرسمه تحول الصين من حال إلى حال مناقض تماماً. أمة تنتفض ضد مصيرهاوشخصيات يائسة  تحاول إلتقاط لحظة سعادةولوعبر حب ممنوع عن تحقيق ذاته. أطراف مثلث الحب هنا تجد نفسها متورطة في تحولات المشهد الصيني إن كان عبر تهمة التعامل مع المحتل الياباني أو عبر التآمر على الثورة الثقافية الشيوعية بعد ذلك بسنوات. وفي كل محنة يمزق كل ٍ منهم ذاتهوالآخرين نحونهاية حين تأتي لا يمكن لها أن تكون إلا مأساوية وعنيفة على قدر الألم والمعاناة والحرمان الطويل.

تعاملت السلطات الصينية بتردد مع الفيلم حين ظهر عام 1993، فهي منعته ومن ثم سمحت بعرضه وبعدها أعادت حصر توزيعه. أمران لم ينظر إليهما الرقيب الصيني بعين الرضا حينها. الأول هو طريقة تناول الثورة الثقافية في عهد الزعيم "ماو".والثاني هوالعلاقة الجنسية المثلية بين الشخصيتين الرئيستين في الفيلم.

حاز الفيلم سعفة "كان" الذهبية عام 1993 كأفضل فيلم.

"شهوة وحذر": الحب في زمن الحرب
Love, Caution
2006


في فترة مفصلية وشديدة الإضطراب من التاريخ الصيني الحديث، تدور حكاية تشويق وحب يديرها المخرج "آنغ لي" بإتقان. في أيام الإحتلال الياباني أو ائل أربعينيات القرن الماضي مجموعة من الشباب الصيني الجامعي يشكلون خلية لإغتيال المسؤول الأمني الصيني المتعاون مع المحتلين في هونغ كونغ وحين يفشلون يلاحقونه إلى شنغهاي. أداتهم الأساسية في عملية الإغتيال هي "تشيا تشي"، شابة صينية تنضم إلى الفريق المسرحي الجامعي حيث يسترجها رئيس الفريق إلى خليته السرية لإغتيال المسؤول الأمني. الخطة تقوم على فكرة أن تقوم "تشيا تشي" بإغواء المسؤول لتسهيل عبورها الموانع الأمنية الكثيفة حوله. تنجح الشابة في رسم علاقة عاطفية مع المسؤول الأمني وتدخل بيته وتصادق زوجته. لكن مع توطد العلاقة العاطفية والجنسية بين الشابة والمسؤول الأمني تبدأ بطرح التساؤلات على ذاتها وتنزلق إلى حالة تمزقها ما بين القلب والواجب. وفي اللحظة الحاسمة التي تستدرج فيها المسؤول الأمني إلى الفخ لإغتياله تصعقها العاطفة نحوه ويتطور الموقف بسرعة إلى نهاية مأساوية.

في هذه الحبكة القديمةالجديدة عن الحب والواجب يقدم "آنغ لي" عملاً ممتعاً، متوتراً، جميلاً، لكن يحتاج إلى منطق وعاطفة أقل. لا يمكن لنا أن نقبل بسهولة أن مسؤولاً أمنياً قاسياً وبلا رحمة وشديد الدقة وعظيم النفوذ يسقط بسهولة لإنتحال شابة صفة زوجة رجل أعمال ثري يظل غائباً دائماً لإدارة أعماله. وإن كان النصّ يتفادى السذاجة الكاملة للجهاز الأمني بالإفصاح لاحقاً عن أن نائب المسؤول كان يعرف بالمؤامرةوأنه كان يتابع تفاصيلها دون أن يخبر رئيسه.
"آنغ لي" ينجز فيلماً فيه كل عناصر الفيلم العريض والجماهيري بحبكة متوترة تقوم على التنافر والتضاد بين الخاص العاطفي والعام الشديد القسوة. تصوير وإضاءة ومونتاج موظفة بخبرة لخلق الإطار العام والمناخ الملائم لإبقاء المُشاهد متابعاً بهدوء حذر الحكاية تتوالى نحونهايتها السوداء. لا يبدو"آنغ لي" مهرولاً نحو النهاية، بل هويأخذ وقته في رسم تفاصيل صغيرة ويدعونا لإطالة النظر إليها.وحتى في مشاهد الجنس القاسية فهو لا يتعامل معها إلا على أنها تفصيل يبرر نزوع الشخصيتين (المضادتين بالنوايا والأهداف) إلى مزيد من الإقتراب من بعضهما في محيط يبدو متأرجحاً على سطح بركان وشيك الإنفجار. ربما لايمكن هنا أن نغفل أداء "توني لونغ" (مزاج للحب) الرزين والمعبر عن رجل الأمن الغارق إلى أذنيه بشهوة الحب، لكنه يبقي على تعابير وجهه حيادية حتى في اللحظة التي يحمله فيها الهوى إلى مواطن إنفلات العواطفوالرغبات.
تبدو غريبة إختيارات المخرج "آنغ لي" لإفلامه وغير مترابطة ظاهرياً في سيرته المهنية. فمن "حس وحساسية" المرهف من العهد الفيكتوري، إلى "هالك" المُسطح ، مروراً بـ "نمور جاثمة وخناجر مخفية" الغريب، و"بروباك ماونتن" المثير للجدل.
البعض يقول أن هذه الأفلام كلها يجمعها ذلك السعي الأكيد من شخصياتها لفهم طبيعة ذواتهم رغم القيودوالموانع التي تفرضها عليهم مجنمعاتهم. حسناً، كلام عام قد يصيبوقد يخطىءوللقارىء أن يقرر

نال "شهوة وحذر" الأسد الذهبي في مهرجان "فينيسيا" السينمائي لعام 2007.وكان ذلك ألسد الثاني للمخرج بعد "بروباك ماونتن".


سيناريو | تونينو غويرا


كتب لأنطونيوني وفيلليني وتاركوڤسكي: 

سيرة سينمائية لكاتب كبير | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 "أربعة عزيزون على قلبي: فيلليني، تاركوفسكي، أنطونيوني وبارادجانوف" يقول تونينو غويرا في فيلم تسجيلي سبق موته في الحادي والعشرين من هذا الشهر ببضعة أشهر، ثم يضيف: "والأربعة رحلوا". خلال تلك اللقطة يحط عصفور يشبه عصافير بارادجانوف على كتف الكاتب ثم يطير بعيداً عنه… هل أخبره بأنه سيرحل قريباً؟
المشهد من ذلك الفيلم وعنوانه 3Xtonino يقع في دارته المشرفة على هضاب خضراء جميلة في الريف الإيطالي: "لقد سافرت كثيراًإلى فرنساإلى روسياإلى أميركاإلى إنكلترالكن المرء حين يكبر يلزم بيته". ويضيف: "لم أعد أسعى لتحف سينمائية كبيرة. حين أشاهد الثلج ينهمر، أرى نفسي كالثلج. الشتاء موسيقاي الداخلية".
تونينو غويرا كان أشهر، والبعض يقول أفضل، كاتب سيناريو أوروبي بعد الحرب العالمية الثانية. وإذا كان في كلام النقاد مغالاة، فإن حديث المخرجين الكبار عنه وسعيهم للتعاون معه تأكيد على ذلك. فغويرا، الذي وُلد في مدينة ريميني في السادس عشر من آذار/ مارس سنة 1920 عمل مع نخبة النخبة: الروسيين الشاعرين أندريه تاركوفسكي وسيرغي بارادجانوف، الإيطاليين الكبيرين مايكلأنجلو أنطونيوني وفديريكو فيلليني واليوناني ثيو أنجيلوبولوس والأخوين الإيطاليين باولو وفيتوريو تافياني، كما ماركو بيلوكيو، فرنشيسكو روزي، بينما توزّعت باقي أعماله الـ 105 على العديد من المخرجين الذين تعاون معهم مرّة واحدة من بينهم التونسي ناصر خمير الذي لجأ إليه سنة 2005 لمساعدته كتابة مشروعه «بابا عزيز».
وُلد غويرا بعد ولادة فديريكو فيلليني بشهرين في العام نفسه (1920) وفي البلدة ذاتها. لكن بدايات كل منهما اختلفت. الكاتب غويرا انطلق نحو الشعر والمخرج الشهير انطلق نحو الرسم. ثم التقيا أوّل مرّة، على الشاشة، بفيلم «أتذكّـر» ("أماركورد"-1973) الذي في واقعه عن ذاكرة الإثنين حول بلدة ريميني التي ولدا فيها. شبابهما والحكايات التي عايشاها او سمعا بها حينما كانا صغيران،  وأحداث الظرف السياسي من صعود الهجمة الفاشية إلى اندحارها. 
هذا التعاون تبعه بثلاثة أفلام، ليست بالقوّة ذاتها لكنها رغم ذلك متميّزة هي: "كازانوفا فيلليني" (1967) و«السفن تبحر» (1983) و«فرد وجنجر» (1986). لكن فيلليني، بالطبع، لم يكن أوّل مخرج ايطالي كبير الشأن يجد في سيناريوهات تونينو غويرا إلهاماً يبحث عنه. سبقه إلى ذلك مايكلأنجلو أنطونيوني سنة 1960 حينما أخرج «المغامرة» واحدة من أعماله الملتزمة بأسلوب لا يخلو من التجريب والمختلفة تماماً عن أعمال أي من المخرجين الآخرين.
لأنطونيوني أيضاً، كتب غويرا "خسوف" و"الصحراء الحمراء" و"تكبير صورة" (فيلم أنطونيوني الأول بالإنكليزية) وذلك في الستينات. في السبعينات كتب له "نقطة زابريسكي" (فيلم أنطونيوني الأميركي الإنتاج الوحيد-1970) ثم «هوية إمرأة» (1982) كما فيلم أنطونيوني الأخير «وراء السحب» (1996).
Amarcord

تونينو عمل كثيراً أيضاً مع المخرج الجيّد (والمنسي غالباً) فرنشيسكو روزي بدءاً من «أكثر من معجزة» (1967) واستكمالاً بأفلام شهيرة مثل «قضيّة ماتي» (1973) و«المسيح توقّف عند إيبولي» (1979) و«ثلاثة أخوة» (1981) و«مفكرة موت منتظر» عن رواية غبريال غارسيا ماركيز (1987) وصولاً إلى «الميثاق» (1997) الذي لم يحظ بالإهتمام الكافي آنذاك.
خلال هذه الفترة كان ارتباطه مع المخرج اليوناني ثيو أنجيلوبولوس قد بدأ. حقيقة أن غويرو لم يذكره بين الأربعة الأقرب إليه غالباً ما يعود إلى أنه حين تمّ تصوير هذا الفيلم كان المخرج اليوناني ما زال حيّاً ومعا اشتغلا على «رحلة إلى سيثيرا» (1984) و«منظر في الضباب» (1988) و«نظرات أوليسيس« (1995) و«الأبدية ويوم» (1988) و«المرج الناحب» (2004) وصولاً إلى «غبار الأيام» (2008).
لابد من ملاحظة أن شغل الكاتب مع هذا العدد من المخرجين البارزين، ومع سواهم ممن اعترضوا حياته، كان مرناً. صحيح أنه ضمن في كل سيناريوهاته عنصري الإجادة الروائية والمضمون المنتقد، الا أن أعماله تبرز منفردة في الوقت الذي تندمج فيه مع رؤية وأسلوب كل مخرج: مع أسلوب فيلليني الحكواتي الساخر ومع أسلوب روزي السياسي الصارم، ومعالجات انطونيوني المتمّهلة والتي تختلف مع معالجات أنيجلوبولوس رغم إيقاعهما المشترك.
لقاء غويرا مع تاركوفسكي كان رائعاً وأنجب «نوستالجيا». لقاء الشاعرين السينمائيين تم أول مرّة سنة 1962 حين تقدّم المخرج الروسي بفيلمه الأول «طفولة إيفان» لمسابقة مهرجان فنيسيا (وخرج بجائزة من هناك). غويرا دعى تاركوفسكي لزيارته في إيطاليا وتاركوفسكي سعد بالدعوة، لكنه لم يستطع القيام بها الا بعد عشرين سنة عندما سمحت السلطات السوفياتيّة له بالمغادرة لإنجاز فيلمه الرائع «نوستالجيا».
يتطلّب «نوستالجيا» عدّة مشاهدات من قبل أن يدرك المرء أين ينتهي دور غويرا وأين يبدأ دور تاركوفسكي. غويرا نفسه لا يمنح نفسه الكثير من الحضور بعد أن يكتب عملاً. يقول لصحافي سأله في الثمانينات: "السيناريو بعد الإنتهاء من كتابته جثّة هامدة. المخرج يُـضيف إليه ما يبعثه للحياة. يضع له الأفكار والرؤية التي يريد".
من هذا المنطلق ندرك أن ليونة الكاتب تعود إلى أنه كان يدرك الدور الذي يفصل بينه وبين المراحل التالية جميعاً. على ذلك، يحس المرء أنه كان يكتب لهؤلاء المخرجين، بالإضافة إلى إليو بتري والأخوين تافياني والروسي سيرغي بارادجانوف، مدركاً سينما كل منهم وملبيّاً بالضرورة حاجات تلك السينما لسيناريو مدروس ومناسب. الفكرة في أي من سيناريوهات غويرا كاملة، والأكمل منها هي الأحداث المعبّرة عنها. لا ثغرات ولا ابتكارات ولا خروج عن الملكية التقنية والفنية لكتابة السيناريو. بذلك يأتي السيناريو الذي تفتحه وتحت عنوانه إسم تونينو غويرا، خاصّاً به وفي الوقت ذاته، ملك للمبدعين التعامل معه كونه غير منقوص.
"الموت ليس رهيباً. فهو يأتي مرّة واحدة" قال الكاتب ذات مرّة وجلس على شرفة منزله في تلك الربوع الإيطالية الخضراء. إثنان وتسعون سنة محمّـلة بالإنجازات التي جعلته واحداً من عباقرة الكتابة السينمائية ومحط رغبة العديدين العمل معه. 
قبل إثنا عشر سنة التف حوله عدد كبير من السينمائيين يحتفلون بعيد ميلاده الثمانين آنذاك وجلبوا معهم راقصون من "البولشوي". بدا، حسب ما قرأناه، سعيداً وعاش ليكتب بعد ذلك عدّة أعمال أخرى (آخرها «كل شيء رائع» قبل ثلاث سنوات). الصورة الآتية من ذلك الفيلم التسجيلي تصوّره وحيداً في دارته الا من قطْتين وعصفورين… واحد في القفص والآخر حط على كتفه ثم طار...



ممثل | روبرت دي نيرو (3)


المرآة والثور الهائج وما بعد


سيبقى المشهد الذي ينظر فيه روبرت دي نيرو إلى المرآة متسائلاً: أتتحدّث إليّ؟ Are you talking to me  من تلك المشاهد المتداولة كثيراً كلّما استعان البعض ببعض ما قدّمه الممثل من أفلام. المشهد، لنكون صادقين، من تلك التي تفاجيء المشاهد الذي لم ير فيلم «سائق التاكسي» من قبل، وحين إعادة مشاهدته فإنه إن لم ينتظر ذلك المشهد قبل حدوثه فسيترك فيه ذات التأثير. 
كل منّـا لابد نظر إلى المرآة وقال شيئاً مشابهاً. حكى لها وبالتالي لنفسه عبارة. في تلك اللحظة تخيّل نفسه ممثلاً أمام الشاشة. حتى حين تنظر إلى المرآة لكي تعاين كيف يبدو شعرك او حين تتطلّع المرأة لتعاين تجاعيد وجهها، فإن حالة من "الآخر" المشتهى هي التي تعترض المسافة القريبة بين الشخص ومرآته.
في تلك اللحظة كان ترافيس بيكل (دي نيرو في الفيلم) قد حلق شعره واشترى لنفسه مسدّساً، و-ظاهرياً على الأقل- انتقل من سائق تاكسي عادي إلى سائق تاكسي بأجندة فاشية. "هل تتحدّث إليّ؟" هي عبارته التي تتحدّى الآخر الغائب صورة الحاضر وجداناً. وهذا "الآخر" هو الطرف المناويء الذي يريد ترافيس بيكل إيذاءه.
نوع آخر مختلف تماماً من أداءات روبرت دي نيرو ورد قبل ذلك بعامين، لكن القلّـة تحاول أن تتذكّره. ففي سنة 1974 أنجز المخرج فرنسيس فورد كوبولا «العرّاب 2». كان «العرّاب» (1972) قد تركنا وقد تولّى آل باتشينو، إبن مارلون براندو، زعامة العائلة وإدارة أعمالها، لكن الفيلم لم يرد أن يترك شخصية براندو (دون كارليوني) المضي هكذا. أوجد لها مكاناً حافلاً في الجزء الثاني منتقلاً بالأحداث إلى الثلاثينات او نحوها حين كان براندو شابّاً يافعاً ورد من صقلّية هرباً من رغبة انتقام عائلة مافاوية أخرى. دي نيرو هو براندو صغيراً. وطريقة تمثيله له تؤدي لطريقة تمثيل براندو الا إذا جئنا بحلقة من علماء النفس والإجتماع لتعترض او تكشف عن خبايا لا نعلم بها. علاقة دي نيرو بالدور هي علاقة تحت الإدارة المحكمة للمخرج على عكس تلك العلاقة التي في «سائق التاكسي» التي يفرض فيها الممثل وجوداً نافراً. أكاد أقول أن هذه هي طريقة المخرج كوبولا، فهو يُدير ممثليه بإحكام أشد، ثم أتذكّر أن آل باتشينو هو "النافر" بالنسبة لسلسلة "العراب" بثلاثيّتها. 
لكن ما يدفعني للحديث عن دي نيرو تحت مجهر كوبولا هو التأليف السينمائي الذي واكب ذلك الفصل الطويل من الأحداث حين يرصد دي نيرو المتزعّم والمستغل فانوتشي (غاستون موشيني): ثري ومتباه ومتعجرف ويسرق الناس ويعتبر نفسه زعيماً على الحي، ودي نيرو، الشخص الصغير النابع من أرض الواقع الصعب، يقرر أنه سيضع حدّاً لفانوتشي بقتله. الفصل ينتقل بين إعداد دي نيرو للمهمّة، وبين فانوتشي وهو يسير متهادياً ومتعالياً وصوله إلى منزله. اللمبة المحروقة. يفتح الباب. يـظهر دي نيرو فجأة ويطلق النار عليه. مات الزعيم. يحيا الزعيم. دي نيرو هو الجديد.
في السنوات اللاحقة سيبذل دي نيرو جهداً كبيراً للفوز بأفضل الأدوار، وسينجح: هو في دور إيطالي آخر في فيلم روبرتو برتولوتشي «1900»، ثم هو في بطلة «صائد الغزلان» لمايكل شيمينو وعائد إلى المخرج مارتن سكورسيزي في «الثور الهائج» الذي نال عنه أوسكار أفضل ممثل بجدارة سنة 1981
مرة أخرى، هنا، تحدّث النقاد عن الإندفاع الشخصي الكبير للممثل دي نيرو حين لعب شخصية الملاكم (الفعلي) جاك لا موتا. للدلالة، ذكر عدد كبير منهم كيف أن الممثل أضاف إلى وزنه كيلووات عدّة لكي يندرج تحت الشروط البدنية للشخصية الحقيقية. وهذا كله صحيح وحقيقي، لكن تقييم تشخيص الممثل يتطلّـب في الواقع النظر إلى كيف جسّد الروح وليس الجسد فقط. إنه حول ملاكم تُـهيمن عليه روح مدمّرة يُمارسها على الحلبة ويمارسها في الحياة. من شأن هذه الروح تدمير ذوات الآخرين وأجسادهم، وفي المقدّمة ذاته هو. الحلبة هي انعكاس للحياة وتلك للحلبة في تواز مثير للرصد.
بداية الفيلم ستدعو للملاحظة أيضاً: أمام الكاميرا يقوم جايك لا موتا بمواجهة من نوع آخر: إنه في العام 1964 يقف على منصّة مواجهاً الجمهور الحاضر للحديث، كوميدياً، عن حياته على الحلبة قبل أكثر من عشرين سنة حين كان ملاكماً ناجحاً. علينا أن نقبل أن ما سنشاهده نحن من هذه الحياة مسرود كفلاشباك لممثل في حالة إعتراف، ولو أن ذلك سيؤذي الفيلم إذ فيه لحظات عاطفية وجنسية حرجة يتساءل المرء فيها إذا ما كان لدى جايك كل تلك الجرأة للإعتراف بأفعاله، فهو كان يضرب ملاكميه بعنف شديد وبعنف أشد إذا ما اعتقد أن زوجته فيكي (كاثي موريارتي) معجبة به. ثم بدأ الإرتياب يزداد بعد سنوات حينما يواجه زوجته بأسئلة حول ما إذا كانت خانته، فتكشف (لكننا لن نعلم مدى حجم الحقيقة) عن أنها كانت على علاقة مع كل "الجيرة" بمن فيهم شقيقه جووي (جو بيشي). هذا يكون بمثابة الضربة القاضية فوق حلبة الحياة. علاقته بأخيه تنتهي بمشاجرة، ويعتزل اللعب وبعد سنتين تطلب منه زوجته الطلاق، ثم يدخل السجن بتهمتين حيث هناك المشهد الجاسم عندما يأخذ بضرب جدار الزنزانة بيديه كملاكم قبل أن يستسلم لنوبة بكاء على النهاية التي آل إليها.
في فيلم «كازينو» [سكورسيزي- 1995] سيلتقي دي نيرو بجو بيشي من جديد وبينهما شارون ستون. العلاقة العاطفية الثلاثية ستطفو على السطح بكل قوّة، وفي شكل يستعيد «الثور الهائج» ولو في إطار قصصي مختلف. 
في «ملك الكوميديا» King of Comedy [سكورسيزي- 1983] يستعيد تلك الوقفة المسرحية الواردة في مطلع «الثور الهائج». هنا هو من يحلم بالشهرة وتحقيق الذات كمقدّم نمرة كوميدية من شخص واحد (one man show) ويريد أن يفتح لنفسه المجال تلفزيونياً فيختطف كوميدياً مشهوراً (جيري لويس) للغاية. الفيلم كوميديا ساخرة ومنزلته بين أفلام سكورسيزي متوسّطة كذلك تمثيل دي نيرو، على عكس أدواره الأخرى في الثمانينات مثل «المهمّـة» [رونالد جوفي- 1986] و«قلب ملاك» [ألان باركر-1987] و«الشرفاء» او The Untouchables [برايان دي بالما- 1987]. إنه عقد اقترب فيه من الرومانسية الوقوع في الحب» لأولو غروسبارد- 1984 و«ستانلي وإيريس» لمارتن رِت- 1989]. في نهاية ذلك العقد قرر التوجّه إلى الكوميديا المباشرة عبر فيلم لنيل جوردان بعنوان «لسنا ملائكة» We're No Angeles 
تلك كانت المرّة الأولى التي اكتشفت فيها وجهاً جديداً لدي نيرو. نعم لا يزال ممثلاً مهيمناً، لكن هل الكوميديا مناسبة له. كتبت حينها ولا زلت أعتقد أنه لجأ إلى الكوميدي الفرنسي الراحل لوي دو فونيس لاستعارة طريقة أدائه.

Heat حرارة

فيما تبع من أفلام، انتقل دي نيرو بين ثلاثة جوانب أساسية: 
أفلام داكنة الملامح والأجواء كما في «كايب فير» [سكورسيزي- 1991] وMad Dog and Glory [جون ماكنوفتون- 1993] 
أفلام كوميدية مثل «حلل هذا» [هارولد راميس- 1999] و«قابل الآباء» [جاي روتش- 2000] و«قابل آل فوكرز» وكل منها تألّف من بضع أجزاء وجميعها تحت المستوى الفني الذي يمكن له حماية أي رغبة من الممثل في الحفاظ على تميّزه.
الجانب الثالث بوليسي وأدبي متعدد وبعضه أفضل من بعض: هو في ثلاثة من أعمال جيّده هي فيلم كونيتن تارانتينو الجيد «جاكي براون» (1997) وفي فيلم جون فرانكنهايمر «رونين» (1998) وفيلم مايكل مان «حرارة» (1995) الذي يحمل بعض أفضل ملامح دي نيرو في التسعينات، في الحقيقة هذا هو وضع الأفلام الثلاثة بسبب ما تتمتّع به من صيانة فنيّة، كتابة وإخراجاً.
في السنوات العشرين الأخيرة، انطلى عليه ما انطلى على سواه: قبل بأعمال لم تتساوى مع وعوده السابقة، لكن الواقع هو أنه حين سنحت له الفرصة (متثّلة بمخرج جيد ومادة قويّـة) لم يتوانَ عنها. وهو لا يزال يفعل ذلك إلى اليوم.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2012
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ






No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system