Feb 17, 2012

محاكمة كافكا في فيلم أورسن وَلز | إيليا كازان والمكارثية | جديد مل غيبسون | البحث عن سينما عربية | سينما الواقع | كلينت ايستوود على يسار اليمين | مؤثرات دوغلاس ترومبل | سباق الأوسكار: التصوير

___________________________________________________________________________


إقرأ أعلاه: توقّعات الأوسكار: من يفوز ومن يخسر؟
   إنقر اللينك   
___________________________________________________________________________


Year 5 | Issue 701

COVER
 Conquest 1453
"فتح 1453" هو فيلم تركي جديد انطلقت عروضه العالمية في السادس عشر
من هذا الشهر. فيلم معارك تاريخية بين العثمانيين والبيزنطيين أخرجه فـاروق
أكسوي. 
___________________________________________________________________________
 في هذا العدد | 
عدد حافل بمواضيعه المختلفة والمتنوّعة جدّاً،  بدءاً بمقالة حول المخرج إيليا كازان وقراره الصعب أيام المكارثية مع نظرة على فيلم لم يسبق لنا طرحه هنا | في زاوية "تقنيات" أتحدّث عن فيلم جديد من بطولة مل غيبسون قد لا يرى نور العرض | الصديق المخرج والناقد عدنان مدانات يكتب عن افتقادنا لصناعة سينمائية عربية مختلفة | ... والناقد نديم جرجورة يتناول 3 أفلام تونسية جديدة في زاوية "شاشة ناقد" | وكعادته الرائعة، يوفّر لنا الزميل ميسر مسكي مقالة خاصّة عن فيلم "المحاكمة" أحد أفلام أورسن وَلز التي لم تُطرح من قبل وذلك في زاوية "تحليل فيلم" | وفي "مرّة أخرى" أعاود الحديث عن جانب جديد من جوانب الممثل والمخرج كلينت ايستوود | ثم أتناول بالحديث فنان المؤثرات الخاصّة دوغلاس ترومبل الذي صمم فيلمين من أفضل أفلام الدنيا: "أوديسا الفضاء" و"شجرة المعرفة" | أخيراً، وحتى لا تتحوّل هذه المجلة إلى كتاب، نغلق بـ "أوسكارز" حيث أتناول معطيات مسابقة التصوير ومن يستحقّها بين مديري تصوير نالا مؤخراً جائزتين مهمّتين | هل لديك تعليق على ما تقرأه في هذا العدد؟ سؤال؟ رأي جديد؟ لا تتأخر بالكتابة.
___________________________________________________________________________
|*| هوليوود |*|
هوليوود والمكارثية وإيليا كازان: الماضي الذي لا يغيب | محمد رُضا
 _________________________________________

على الرغم من أن فيلم «ج. إدغار» الذي أنجزه كلينت ايستوود من بطولة ليوناردو ديكابريو عن حياة رئيس مكتب التحقيقات الفدرالية لأكثر من أربعين سنة، ج. إدغار هوڤر، لم يتطرّق كثيراً إلى دور الرجل في مجابهة "المد الشيوعي" الذي اعتبره المحافظون خطراً كبيراً على الولايات المتحدة في الأربعينات والخمسينات، الا أن الموضوع نفسه يستحوذ الكثير من الإهتمام إلى اليوم. ومع صدور كتاب جديد عن المخرج إيليا كازان بعنوان «زيارة كازان مرّة أخرى» وإطلاق مجموعة من أعماله في صندوق دي ڤي دي جديد، فإن الموضوع لا يزال، بقصد او بدون قصد، موضوعاً مُثاراً إلى اليوم.
ذلك أن المخرج التركي ذي الأصل التركي (مولود في الثامن والعشرين من أيلول/ سبتمبر في مدينة اسطنبول سنة 1909 ) هو أحد كبار الناجين من مذبحة اليمين بالإنضمام إلى ذلك اليمين نفسه. وهذا الموقف جلب له المتاعب التي لم تنته بحيازته أوسكاراً قدّمه له المخرج مارتن سكورسيزي عن مجمل أعماله، بل تجددت. 

في العام 1952 قامت "لجنة التحقيقات في النشاطات المعادية لأميركا" بطلب المخرج كازان للإدلاء بشهادته أمامها. في البداية تمنّع مخرج «على الميناء» و«ڤيڤا زاباتا« و»شرقي عدن» و«وجه في الزحام» في الخمسينات و«رائع فوق الحشائش» و«أميركا أميركا» و«التدبير» في الستينات، لكن المنتج داريل زانوك لم يترك له خياراً حسب ما ورد في كتاب كازان عن نفسه، إذ أخبره أنه إذا لم يفعل فإنه لن يستطيع العمل في هوليوود. تبعاً لذلك، قام كازان بالإبلاغ عن ثمانية سينمائيين ومسرحيين على أساس أنهم شيوعيين. لم يكن من بين هؤلاء نجماً  لكنهم، مثل المسرحي موريس كارنوفسكي والكاتب السينمائي والمسرحي كليفورد أوديت، كانوا من عماد الحركة الثقافية في ذلك الحين. لهذا السبب انفض الليبراليون الأميركيون من حول كازان على أساس أنه خان الثقة وأودى بمهن البعض إلى الدمار. 
لكن لجانب أن آلافاً كثيرة من المثقّفين والمواطنين العاديين تأثّروا بالحملة التي قامت بها المكارثية فإن السينما لم تتأخر في تناول تلك الفترة على وجهيها، فهي، لدى اليمين،  فترة ضرورية لدحر خطر الإتحادات العمّالية التي "سيطر عليها الشيوعيين" والسينما التي يوظفها الشيوعيون لتغير القيم الأميركية، ولدى اليسار وسيلة متعددة الغايات وفي مقدّمتها سيطرة اليمين على السينما والثقافة وتحويلهما إلى أداة تخدم الأيديولوجيا.
On The Water Front | على رصيف الميناء

كازان بنفسه أخرج «على رصيف الميناء» (1954) ضد فساد الإتحادات العمّالية، و«وجه في الزحام» (1957) ضد السُلطة الواقعة بين يدي إعلام يساري. كلا الفيلمين رائع كصناعة، وكلاهما منحاز كموقف. لكن محاولات مجابهة الوضع الناشيء عن ذلك الخوف سبق «على رصيف الميناء» بعامين حينما قام فرد زنمان بتحقيق فيلم عن سيناريو كارل فورمان الذي كان مغضوباً عليه من قِبل المكارثية. الفيلم هو «منتصف الظهر» او High Noon الذي يتحدّث عن شريف بلدة لا يجد من يساعده في مواجهة الأشرار. على بساطة ذلك التلخيص، الا أن ذلك اعتبر وجهة نظر غير أميركية حيال حقيقة المواطن الأميركي.
فيلم وسترن آخر مهم في هذا الصدد هو «جوني غيتار» لنيكولاس راي حيث مجموعة من الخارجين عن القانون (من دون أن يكونوا أشراراً سيئين) بقيادة جوان كروفورد (يساعدها سترلينغ هايدن الذي كان من بين الذين خشوا السجن فأدلوا بشهادات) واقعون تحت سطوة رجل القانون (وورد بوند) ومجموعة يمينية من أهل البلدة. 
Johnny Guitar | سترلينغ هايدن وجوان كروفورد في "جوني غيتار"٠

قائمة الأفلام تطول، لكن أحد أبرزها في مطلع هذا العقد هو «الفخم» The Majestic
الذي قام خلاله الكوميدي جيم كاري بلعب دور كاتب ممنوع من العمل يتحوّل إلى بطل قومي حين يتصدّى لمجموعة مكارثية جديدة. أيضاً في البال فيلم جورج كلوني «تصبحون على خير، وحظ سعيد» الذي صوّر بداية كسر طوق المكارثية من خلال مواطنين رفضوا تصديق المخاوف التي أطلقتها.


|*تقنيات |*| 
لماذا لن ير المشاهدون فيلم مل غيبسون الجديد؟ | محمد رُضا

 هناك فيلم جديد للممثل مل غيبسون وسوف لن تعرضه صالات السينما، بل سيذهب مباشرة إلى البيوت. هذا ليس لأن صالات السينما قاطعت الممثل بسبب مواقفه المعلنة، بل لأن شركات الإنتاج تريد تحويله إلى فأر مختبرات: إذا نجحت التجربة ستوجّه أفلاماً أخرى مباشرة إلى البيوت. إذا لم تنح فإن الخسارة خسارته هو.
التفاصيل تعود إلى الإتفاق القائم بين ستديو فوكس الشهير وبين شركة آيكون انترتاينمنت البريطانية القاضي بإنتاج هذا الفيلم. ففي العام الماضي، وبينما كان فيلم «السنجاب» الذي قام ببطولته غيبسون تحت إدارة الممثلة والمخرجة جودي فوستر، يجول خجولاً في الصالات العالمية، تم الإتفاق بين المؤسستين على إنتاج هذا الفيلم. لكن مباشرة من بعد انتهاء التصوير، تقدّمت شركة فوكس من شريكتها آيكون تسألها إذا ما كانت ترضى ببث الفيلم مباشرة إلى البيوت بواسطة محطّات متخصصة بمشتركين يدفعون لقاء العرض. آيكون كان عندها تحفّظات بسيطة لكن مهمّة، هي تريد أن تعرض الفيلم في الصالات البريطانية والأسترالية (حيث أسهم مل غيبسون لا زالت مرتفعة) ولا تكترث للإقتداء بخطّة فوكس التوزيعية. فوكس وافقت.
الفيلم بعنوان «أقبض على الأميركي» وهو الترجمة الصحيحة لـ Get the Gringo ومخرجه هو أدريان كرونبيرغ الذي اشتغل مساعد أول للمخرج أوليفر ستون على فيلم «وول ستريت: المال لا ينام» ويشارك غيبسون التمثيل مجموعة من الممثلين المعروفين بالوجه وليس بالإسم ومنهم بيتر ستورمار ودين نوريس. أما الموضوع فيتحدّث عن أميركي ألقت السلطات المكسيكية القبض عليه وأدانته وسجنته، وكيف ينجح في الهرب من سجنه بعد أن ساعده صبي مكسيكي في التاسعة من عمره.
موعد البث في أيار/ مايو المقبل، لكن هذا التعاقد على إهمال دورة صالات السينما بأسرها والإسراع في توجيه الفيلم إلى الشاشة الصغيرة (وقبل إطلاقه على اسطوانات) ليس الأول. فالعديد من أفلام مهرجان سندانس الذي انتهى قبل أسابيع قليلة تم شراؤها من قِبل شركات التوجه المباشر إلى المنازل ومنها فيلم من بطولة بروس ويليس وربيكا هول وكاثرين زيتا جونز عنوانه Lay the Favorite
أيضاً فيلم «موازنة» وهو يجمع بين رتشارد غير وسوزان ساراندون. وهناك أفلام لا زالت حائرة. بعض المنتجين يفضّل بثّها مباشرة عبر المحطّات المتخصصة لقاء تذكرة إلكترونية تتراوح بين عشر وخمسة عشر دولاراً، وآخرين يعتبرون أن في ذلك مخاطرة تجارية غير محمودة العواقب. من بين الأفلام الحائرة تلك «لا أحد يمشي» وهي دراما عائلية مع ديلان مكدورمنت و«فنون ليبرالية» مع اليزابث أوسن ورتشارد جنكنز.
ولعل ما حدث لفيلم «نداء هامشي» في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، يلقي ظلالاً على أن التوجّه إلى شاشات المنازل مباشرة يبدو فكرة مثيرة للإهتمام، لكنها ليست ضماناً رابحاً. فذلك الفيلم الجيّد عُرض تجارياً ثم عرض عبر البث المباشر بعد ذلك بنحو شهر. الإقبال عليه سينمائياً لم يكن مؤثراً لكنه كان أفضل من الإقبال عليه عبر البث المباشر، فهو أنجز أكثر من خمسة ملايين دولار عبر صالات السينما الأميركية ونحو ستة ملايين دولار عبر الصالات العالمية (ميزانيّته لم تزد عن أربعة ملايين)، لكنه حقق أقل من أربعة ملايين دولار في بثّه المباشر. 
إنما من ناحية أخرى لا يجب أخذ «نداء هامشي» كبرهان، بل كمجرد مثال. ذلك أن هناك أفلاماً حققت عبر البث المباشر أكثر مما حققته في الصالات الأميركية ومنها الفيلم الياباني «ثلاثة عشر قاتلاً» إذ أنجز أربعة ملايين عبر الشاشات الصغيرة وأقل من مليون دولار من صالات السينما. رغم ذلك فإن أصحاب الصالات يقولون أن هذا الفيلم الياباني ليس بدوره مثالاً كونه أنجز أضعاف ذلك في بلاده وعبر صالات السينما وحدها.
|*سينما عربية |*| 
البحث عن صناعة سينمائية | عدنان مدانات

في عام ،1972 انعقد في مدينة دمشق المهرجان الأول للسينمائيين الشباب العرب القادم معظمهم من بلدان ليس فيها صناعة سينمائية، ومنها السودان والكويت . طرحت أثناء المهرجان العديد من الاقتراحات والمطالبات ذات العلاقة بتطوير السينما العربية، ولم يكن من بينها مطلب أو اقتراح خاص بتأسيس صناعة سينمائية في البلدان العربية، وكان يمكن لمطلب من هذا النوع أن يستند في ذلك الوقت لمبررات كثيرة، ومع ذلك لم يثره أحد، وعلى الأغلب، فإن ذلك التجاهل لمطلب تأسيس صناعة سينمائية كان سببه الحاجة إلى البحث عن حلول عملية وليست وهمية، حلول تنطلق من الممكن وليس من المرجو المستحيل . المطلب الممكن آنذاك والأكثر واقعية كان يتعلق بإمكانية إيجاد سبل إنتاج الأفلام، وفي ما يتعلق بهذا المطلب طرح أحد السينمائيين العرب الشباب فكرة لخصها بعبارة الفيلم الذي ينتج فيلماً، وكان المقصود بذلك أن تنتج فيلماً، بحيث يكون فيلماً جيداً وناجحاً بكل المقاييس، بما يسمح، نتيجة نجاحه خاصة من الناحية التجارية، بإنتاج فيلم تالٍ .

في الآونة الأخيرة، بدأ بعض السينمائيين العرب الشباب بالمطالبة بأن تهتم الدول العربية بتأسيس صناعة سينمائية متطورة، لكن رفع شعار تأسيس صناعة سينمائية في مختلف الأقطار العربية ليس أمراً واقعياً، لأن الصناعة كلمة كبيرة ولأن البلدان العربية كانت ولم تزل بلداناً غير صناعية بالمعنى الحقيقي للمفهوم، وفي الحقيقة لا توجد صناعة سينمائية في الوطن العربي إلى الآن، لا توجد مثل هذه الصناعة بمعناها الحقيقي، حتى في البلدان العربية التي توجد فيها مؤسسات قطاع عام سينمائية مثل سوريا والجزائر والمغرب، وبالذات حتى في مصر، البلد الأكثر قدماً في مجال إنتاج الأفلام السينمائية والأكثر حيازة للبنى التحتية الخاصة بإنتاج الأفلام، والأكثر غزارة في الأفلام المنتجة من بين البلدان العربية الأخرى، وأخيراً الأكثر انتشاراً وجماهيرية .

ومن ناحية ثانية، فهذا الشعار لا يمكن أن يجد تفهماً له من قبل البعض، والمؤسسات المالية والاقتصادية الكبرى سواء بسواء، التي لا تتفهم السينما بحد ذاتها ولا تنظر لها نظرة جدية، لا تتفهم السينما بوصفها قيمة ثقافية، ولا ترى فيها جدوى اقتصادية، وفي الحقيقة فإن شعاراً من هذا النوع يبعث على الخوف أكثر مما يثير الحماسة أو التفهم حتى لدى مؤسسات القطاع العام أو الخاص .

في بعض البلدان العربية التي لا توجد فيها صناعة سينمائية، توجد حماسة شديدة للسينما من قبل عشرات السينمائيين الشباب، الذين درسوا السينما وعادوا إلى أوطانهم بأحلام إنتاج أفلام سينمائية يحققون من خلالها طموحاتهم الإبداعية، ولأنهم لم يجدوا الفرص المأمولة، فقد شرعوا في البحث عن السبل الملائمة لتحقيق طموحاتهم، من حيث المبدأ، وبغض النظر عن مدى تجاوب أو عدم تجاوب المؤسسات العامة والخاصة في البلدان العربية مع هذا المطلب، فلهذا الشعار الآن ما له وما عليه .

ما له، أولاً، هو توافر الكفاءات والخبرات البشرية المساعدة في كل المجالات التي تم اكتسابها من خلال مهنة شقيقة للسينما، هي تحقيق البرامج والمسلسلات التلفزيونية والأغاني المصورة الفيديو كليب، وكل ما يحتاج إليه السينمائيون في هذا المجال هو تطويع الخبرات التلفزيونية وملاءمتها لطبيعة وخصوصيات السينما، فما قد يبدو مقبولاً من حيث الشكل في التلفزيون، يمكن أن يكون نشازاً منفراً غير مقبول في السينما (خبرات كتابة نصوص السيناريوهات، إدارة الممثلين في المشاهد الفردية كما في المشاهد الجماعية، الديكور، الأزياء، الماكياج، المؤثرات الخاصة وغيرها) . ومن المعلوم أن الإنتاج التلفزيوني في الوطن العربي في مجال المسلسلات الدرامية قد حقق قفزات نوعية على صعيد مستلزمات الإنتاج التقنية .

ثانياً، إن تأسيس صناعة سينمائية، بمعنى إيجاد وتمويل البنية التحتية والتقنية لإنتاج الأفلام السينمائية، على ما يحتاج إليه الأمر من سنوات طوال وأموال كثيرة، أمر لم يعد ضرورياً في يومنا هذا، وقد تنتفي ضرورته كلياً في المستقبل غير البعيد كثيراً، وذلك بسبب نوعية الاكتشافات الجديدة التي استبدلت التقنيات الإلكترونية الرقمية ببعض التقنيات السينمائية التقليدية، وستستكمل في وقت لاحق مسيرة تغيير بقية التقنيات السينمائية (بداية من الكاميرا السينمائية وشريط الفيلم السينمائي التقليدي الخام، وانتهاء بصالات العرض السينمائية التي ستتخلى عن آلات العرض السينمائية التقليدية وستتوحد تحت راية واحدة تضم مجموعة شبكات بث تلفزيونية رقمية) .

ثالثاً، إن هذا المطلب مطلب تعجيزي نظراً للواقع الموضوعي حضارياً واقتصادياً، وهو من ناحية ثانية، يحول الأنظار عن مطلب آخر أكثر بساطة وأكثر إلحاحاً وجدوى وينضوي
 تحت لواء الممكن، فيما لو توحدت وتضافرت الجهود من أجل تحقيقه، عبر تأسيس صناديق لتمويل إنتاج الأفلام السينمائية، وهو ما تفعله الآن بعض المهرجانات السينمائية العربية جزئياً، وجذب شركات الإنتاج التلفزيوني للدخول في ممارسة الإنتاج السينمائي، وهذا الصندوق وهذه الإسهامات المحلية عبر المؤسسات الفنية الوطنية يمكن أن تكون بديلة عن التمويل الأجنبي الذي تبقى الاستفادة منه مقصورة على أفراد قلائل، ووفق استحقاقات لا تناسب الجميع حيث قد يقبلها البعض ويرفضها البعض الآخر .


|*| شاشة ناقد |*| 
الوثائقي أنسب والواقع أقوى من السينما | نديم جرجورة

يُعتبر الاحتفال بذكرى حدث جوهري، بدّل أحوال بلد ومجتمع وناس، استعادة خفرة لما جرى أثناء الحدث وقبله. يُعتبر أيضاً بمثابة دعوة متجدّدة (يُفترض بها أن تكون يومية أصلاً) للنظر بعين ثاقبة وهادئة إلى المقبل من الأيام. أميل إلى الاحتفال بذكرى مرور عام واحد على بداية ما سُمِّي «الربيع العربي»، سينمائياً. في تونس، البلد الأول الذي صنع لحظة تأسيسية جديدة في التاريخ الحديث للعالم العربي، تماماً كما في مصر، البلد الثاني الذي بلور البدايات الواقعية للحظة نفسها، شكّلت السينما جزءاً أساسياً من الحكاية. أولاً، لقدرتها على التقاط النبض الإنساني، وتصوير يومياته لحظة حدوثها. ثانياً، لمعاينتها السابقة شؤون الناس في البلد، اقتصادياً واجتماعياً وإنسانياً، انطلاقاً من المعاناة الرهيبة التي عاشها الناس في ظلّ «الحكم القامع والفاسد»، بأشكال سينمائية خفرة ومتواضعة ومخادعة ومباشرة في آن واحد. ثالثاً، لبراعة مخرجين في جعل الكاميرا عيناً إنسانية. أي في جعل العدسة منفذاً قاد إلى أعماق اللحظة أحياناً، وذهب إلى ما هو أبعد من اللحظة أحياناً أخرى.
لا خوف بعد اليوم (تونس)
بين السابع عشر من كانون الأول / ديسمبر 2010 والرابع عشر من كانون الثاني/ يناير 2011، شهدت تونس حراكاً شعبياً عفوياً وسلميّاً وغاضباً هو الأول في التاريخ الحديث للجغرافيا العربية. النتاج البصري المواكب للحراك هذا أفضى إلى تعدّد الأنماط المستخدمة في القراءة والمحاورة والنقاش. في استعادة الماضي أحياناً، من خلال تواصل مباشر وحيّ مع أناس عاشوه وشهدوا مآسيه، وواجهوا طغيانه أيضاً. التحليل النقدي للأفلام المصنوعة في تونس، والمرتبطة بالحدث نفسه، كشف أن النتاج الوثائقيّ أفضل أنواع الصورة المتحرّكة في المعاينة الآنيّة. أفضل وأسرع وأقدر على التقاط اللحظة، وأرشفتها ومنع تزويرها. أي على جعلها «لحظة راهنة دائماً». هذا ما أكّدته الأعمال المصرية اللاحقة، وإن اتّسم النتاج البصري المصري باختبار الفيلم الروائي القصير في علاقته المباشرة والحسّية مع الحدث، بُعيد وقوعه بأسابيع قليلة جداً.
الاختبار التونسي وثائقي محض. هذا ما تسنّت لي مشاهدته لغاية الآن. ثلاثة أفلام وثائقية مختلفة الأساليب، التقت كلّها عند هدف واحد: الكشف المتنوّع لأحوال البلد والمجتمع والناس، قبل بداية الحدث، وأثناء مجرياته الإنسانية المفتوحة على الأسئلة كلّها. الكشف المتنوّع الذي يُفترض به أن يكون مُنطَلقاً لمزيد من «كشف المستور»، سواء أتعلّق الأمر بممارسات العهد السابق، أم غاص في واقع الحدث ومساراته. الفيلم الوثائقي، في لحظة كهذه، يعاين ويتابع ويقول رأياً ويتواصل مع الآخرين. الفيلم الوثائقي اختبار ذاتيّ أيضاً، يبدأ بالفرد (صانع الفيلم) ويكاد لا ينتهي عند الآخرين (الجماعة المحيطة به أولاً، أو على الأقلّ). الأفلام التونسية الثلاثة نموذج أول على حيوية الغليان الذي صنعه الناس: «لا خوف بعد اليوم» لمراد بن الشيخ، «الكلمة الحمراء» لإلياس بكار و«علمانية إنشالله» لنادية الفاني. الأفلام هذه محاولة أولى لتحقيق أشياء عدّة: خلفيات الحدث لا تقلّ أهمية عن الحدث نفسه، وعن مجرياته اليومية. الحكايات الفردية لا تقلّ أهمية عن الحراك الجماعي. التفاصيل التي تبدو هامشية لا تقلّ أهمية عن الحدث/ الحراك. هناك تشابه آخر بينها: التوثيق طاغ، وإن بدا أن هناك مسعى جدّياً لإدخال نَفَس سينمائي ما. أي أن قوّة الموضوع حالت دون بلوغ سوية سينمائية. حالت دون إيجاد الفسحة المطلوبة للإبداع البصري.
لا يؤثّر هذا على الموضوع المختار. هناك متانة في صوغه بصرياً أحياناً (الفيلمان الأولان تحديداً، وإن باختلاف واضح في الاشتغال البصري). هناك رغبة حقيقية في استفزاز الجماعة، أثناء تعريتها من بعض أكاذيب غلّفت لاوعيها، وقادتها إلى الخنوع التام لقوانين غير مرئية (علمانية إنشاالله). أميل إلى القول إن قوّة المادة الإنسانية، المتسخدمة في صناعة فيلم وثائقي، قد تتيح للمهتمّ إمكانية التغاضي عن جوانب تقنية وفنية فَقَدت حيويتها وإبداعها. ما جرى في تونس أقوى من الواقع. أو بالأحرى بدا لوهلة أنه «متخيَّل» سينمائي. لكن الواقع حقّق شيئاً من المستحيل أيضاً. لهذا ربما، بدا الوثائقي الذي لحق الحدث عاجزاً عن الاستفادة من الأدوات السينمائية البحتة. الأفلام الثلاثة هذه شكّلت لقاء بين قوّة المادة الإنسانية واشتغالاتها الفنية البصرية: قوة تُطالب بأرشفتها وتحصينها من الضياع والتزوير، واشتغالات واكبت الحدث وصوّرته وتابعت تفاصيله، وإن على حساب السينما أحياناً. قوة محتاجة إلى صُوَر متلاحقة تحمي حراكها الميدانيّ، وتنقل وقائعه إلى الخارج، بصرف النظر عن البراعة الإبداعية السينمائية، واشتغالات واجهت تحدّيات جمّة، أثناء الحدث وبعده، أبرزها: التوفيق بين حماسة العمل وسرعة الحدث والرغبة في المواكبة والمراقبة والقول والمتابعة.

خصوصيات

كل فيلم من الأفلام التونسية الثلاثة امتلك خصوصية معينة، لا تلغي سمات عدّة أخرى: «لا خوف بعد اليوم» (الفيلم التونسي الأول الذي «خرج» إلى العالم بفضل عرضه الأول في دورة العام 2011 من مهرجان «كان») مزج السابق بالراهن، باختياره شخصيات فاعلة في الصدام المباشر مع السلطة القائمة حينها، ببطشها وقمعها وإرهابها، وبمحاولته الذهاب بالشهادات الإنسانية الواقعية تلك إلى التخوم الراهنة للحدث. «الكلمة الحمراء» قدّم صورة حيّة عن التداخل بين الماضي والحاضر أيضاً، وبين الأمكنة الجغرافية التونسية في الوقت نفسه. فبانتقاله من مدينة إلى أخرى لسرد روايات فردية عن وقائع وأحداث وحكايات وصدامات (بين السلطة والناس، أو بين الناس أنفسهم بسبب التوجّهات المختلفة أو المتناقضة بينهم، علماً أن الصدامات بين الناس لم تكن قامعة أو عنيفة، كتلك التي مارسها النظام ورجاله ضد الشعب)، بدا «الكلمة الحمراء» انتقالاً في الزمن أيضاً، لعودته إلى أحداث جرت هنا وهناك، لعبت دوراً خفياً في إنضاج الوعي الفردي والجماعي إزاء ضرورة الخروج من التقوقع إلى المواجهة المفضية إلى خلع النظام، والبدء بتأسيس لحظة تاريخية. «علمانية إنشالله» انتقل من حكاية إلى أخرى: فالبداية معقودة على رغبة المخرجة نادية الفاني في تفكيك الحالة المسيطرة على التونسيين أثناء صيام شهر رمضان، لكشف المخفيّ فيها، والخداع الذي يمارسه كثيرون، والافتراء على الذات أولاً بالانصياع إلى قوانين غير مرئية أو غير معروفة، فرضت على هؤلاء قبول أمور تتنافى والحرية الفردية والجماعية، أقلّه بالنسبة إلى المخرجة. لكن اندلاع الحراك الشعبي دفع الفاني إلى إيجاد تتمة مختلفة، لا تتناقض والرغبة الأولى، بل تتكامل والمسار الطبيعي الخاصّ بواقع الحال: كأني بنادية الفاني تسأل عن مصير الازدواجية القاتلة في الحياة اليومية. لكن الجواب ظلّ أسير العنوان الثاني للفيلم: «علمانية إنشالله» (حمل المشروع الأول عنوان «لا ربّي، لا سيدي»، الأقوى تعبيراً عن مضمون النصّ الأصلي). أي أن «العلمانية» شرط وحيد للخروج من المآزق كلّها، بحسب الفيلم، علماً أن الخوف حاضرٌ أيضاً، ومتمثّل بالتمنّي. فهل تنتصر العلمانية، في بلد شهد تفوّقاً عربياً واضحاً في المجال هذا، أقلّه في شؤون حياتية واجتماعية وقانونية معيّنة؟
في «لا خوف بعد اليوم»، صُوَر متتالية عن مسار تصاعدي رواه أناس صنعوه يومياً، عبر المواجهة تلك بينهم وبين النظام القامع والفاسد: المحامية والمدافعة عن حقوق الإنسان راضية نصراوي وزوجها «الداخل ـ الخارج» من السجن باستمرار. الشابّة لينا بن مهنّي، المدوّنة التي تحدّت النظام في بطشه وجنونه. الكاتب والصحافي كريم شريف، الذي ظهر أمام الكاميرا متسلّحاً بهراوة لحماية نفسه وعائلته وجيرانه في «ليال سوداء» خيّمت على البلد أثناء الحراك. شخصيات كهذه لا تختلف كثيراً عن شخصيات أخرى أقلّ «شهرة»، وأكثر نشاطاً ربما. لكن مراد بن الشيخ لم يتغاض عن الآخرين، تماماً كما في «الكلمة الحمراء» و«علمانية إنشاالله»: الحدّ الفاصل بين وجوه معروفة وأخرى أقل شهرة أو منعدمة الشهرة مغيَّب، لمصلحة هدف واحد، متمثّل بضرورة كشف حقائق، وسرد وقائع، وحماية الروايات الفردية من الاندثار: حقائق عاشها أناس قالوا أمام الكاميرا ما اختبروه ميدانياً. وقائع خبرها أناس نزلوا إلى الشارع بهمّ واحد (الخلاص من الطاغية)، فإذا بهم أمام أسئلة عميقة ومهمّة، جعلتهم يتناقشون ويتصادمون سلمياً غالباً (هناك ممارسات قامعة رفضها تونسيون كثيرون، قام بها أناس مرتبطون بالنظام السابق ربما، أو منتمون إلى جماعات إسلامية متزمّتة. هذا ما حصل عندما هاجم أصوليون متزمّتون قاعة مسرح أثناء عرض «علمانية إنشالله»، والاعتداء الجسدي على بعض الحاضرين. وهذا ما حصل عندما أشعل أصوليون متزمّتون النار في المحطة التلفزيونية «نسمة»، بسبب عرضها فيلم التحريك الإيراني «بيرسيبوليس» لمرجان ساترابي وفانسان بارونّو).
شدّد مراد بن الشيخ على أن «لا خوف بعد اليوم»، لأن ما جرى في تونس حطّم جدران العزلة، ودفع التونسيين إلى استعادة حضورهم الفاعل في المجتمع، على أمل أن تكون «الكلمة الحمراء»، التي صنعت الحدث وواجهت الطاغية بجرأة وبراعة، مدخلاً حقيقياً إلى تحقيق العلمانية المنشودة... إن شاء الناس.


|*| تحليل فيلم |*| 
خمسون عاماً على "محاكمة" كافكا سينمائياً | ميسر مسكي
المحاكمة   The Trial
بين حين و آخر نقدم في هذه المجلة نظرة مطولة على فيلم إستند صانعوه على أصل أدبي شهير. منذ فترة تحدثنا عن تحفة الأديب الألماني "توماس مان": "الموت في البندقية" التي حولها الإيطالي الكبير "فيسكونتي" إلى رائعة سينمائية  
بنفس العنوان.
اليوم نتناول هنا رواية الأديب التشيكي "فرانز كافكا" التي طالما أثارت الكثير من الجدل منذ أن نـُشرت عام 1925، ألا و هي "المحاكمة"، و الفيلمين اللذين إستندا إليها. الواقع أن الفيلم الأول (1962) و الذي أخرجه الأميركي "أورسون ويلز" سيحوز القسم الأكبر من إهتمامنا لإنه الأقرب إلى مناخات "كافكا" الهاذية و الأكثر جرأة  في إستكشاف أنفاق الجنون البشري في نسخة سينمائية تبقى وفية للصورة و السينما أكثر من إنشغالها في إقتباس النص الأدبي. فيما يبدو الفيلم الثاني (1992) بتوقيع "ديفيد هيو جونز"  مهموماً بإستنساخ الرواية سينمائياً. ورغم أن الفيلم بحد ذاته ليس سيئاً لكن مخرجه يبدو قانعاً بالإقامة على تخوم النص الروائي...بأمانة!

الــرواية و الكاتب
ولد "كافكا" عام 1883 لعائلة يهودية في مدينة براغ عاصمة التشيك و التي كانت لا تزال حينها جزأ من الإمبراطورية النمساوية - الهنغارية. شهد "كافكا" في شبابه السقوط المدوي للإمبرطوريات الأوروبية الكبرى إثر الحرب العالمية الأولى و إنتشار الفكر القومي الذي سمح بولادة جمهورية التشيك موطن "كافكا".
هذه التحولات الكبرى على الساحة الأوروبية عصفت بمنظومة القيم السياسية و الفكرية و الأخلاقية التي كانت سائدة في السابق و ترافقت مع هيمنة نظام إقتصادي مفتوح هزّ بمفاهيمه الجديدة بنيان الكيانات الناشئة كما الإنسان ذاته.
في هذه الفترة بدأ "كافكا" يكتب عن أزمة الإنسان المسحوق تحت وطأة النظام الجديد. و من أهم كتاباته التي لم يُنشر أغلبها إلا بعد وفاته: "الحصن"، "التحول"، "أميركا"، و "المحاكمة".


تبدأ "المحاكمة" بإعتقال "جوزف ك."، موظف البنك المرموق، في صبيحة يوم عيد ميلاده حين يقتحم محققان أمنيان خلوة "جوزف" و يسوقانه إلى التحقيق في تهمة لا يبوحان بها، و يبقى "جوزف" طوال الرواية يسأل عن تهمته و لا جواب. شيئاً فشيئاً ينزلق "جوزف" إلى لعبة الإحساس بالذنب أمام هيمنة المؤسسة القضائية و السلطوية الطاغية فيبدأ عملية الدفاع عن نفسه ضد تهمة لا يعرفها أساساً فيما النظام الفاسد و القاسي يمعن في قهره حتى يصل الأمر بـ"جوزف" إلى نهايته المفجعة صبيحة يوم عيد ميلاده بعد عام من بدء محنته.
"المحاكمة" هي كابوس غرائبي عن النظام المعاصر في عزّ طغيانه و...فساده! كما أنها عن الفرد في هذا النظام الذي هو بشكل أو بآخر إنعكاس لروح الفرد ذاته و إمعانه في خطيئة الوجود!

البعض أعتبر أن رواية "كافكا" إنما هي نبؤة بالآتي من التاريخ الأوروبي. فبعد تسعة سنوات فقط من نشر الرواية وصل النازيون إلى الحكم في ألمانيا و بدأوا في هيمنة لا هوادة فيها على مقدرات الأفراد و الشعوب.
"كافكا" لا يكتب رواية سهلة. بل هي تدور في متاهات الواقع و المفترض و يرسم صورة قاتمة للإنسان المعاصر و محنة وجوده. لكن الأهم أن رواية "كافكا" تحتمل القراءة و التفسير على أكثر من مستوى. فالبعض رأى أن المحاكمة و محنة "جوزف" إنما هي تدور في ذهنه المشتت و إحساس الإنسان الديني الدفين بالذنب أو كما يطلق عليها البعض "الخطيئة الأساسية". كما قال البعض أنه إذا كان "كافكا" يدين النظام المعاصر الجديد في هيمنته اللاإنسانية على الفرد، فإنما هو (الكاتب) يدين في الوقت ذاته هذا الإنسان الذي ينغمس في لعبة الفساد و الفردية و الذنب التي تقوده في النهاية
إلى خاتمته المأساوية. 

الفيـلم والمخرج المحاكمة (1962) أورسون ويلز


"أورسون ويلز" المخرج و الممثل الأميركي الذي كان أثار عواصف من الجدل أثناء العمل و بعد إطلاق فيلمه الشهير "المواطن كين" الذي دخل تاريخ السينما، وجد نفسه عرضة لتهميش ربما متعمد من إستوديوهات الإنتاج السينمائي الأميركية الرئيسة مما دفعه للسفر و الإقامة في أوروبا مرتين حيث عمل في نشاطات مرتبطة بالسينما. في إقامته الأوروبية الثانية حصل "ويلز" على التمويل المبدئي لتحقيق "المحاكمة". و في الواقع فإنه يبدو إنجازاً  لافتاً مجرد أن يستطيع "ويلز" الحصول على تمويل لفيلم يستند إلى رواية "كافكا" السوريالية القاتمة. 
في منتصف عملية تصوير الفيلم أبلغ الممول "ويلز" أن ضائقة مالية طارئة ستمنع إقامة الديكورات الكبيرة التي طلبها. بحث "أورسون ويلز" عن البديل و وجده في محطة القطارات الباريسية المهملة "أورسي"، قبل أن يحولها ثلاث معماريين فرنسيين شباب عام 1986 إلى درة متاحف الفن المعاصر في العاصمة الفرنسية. المحطة بأنشائها المعدني و الزجاجي و فضائها الواسع و حالة الإهمال التام و الفوضى التي تسودها تضفي على مناخ الفيلم قنوطاً و قلقاً بصرياً يعكس حال الشخصية الرئيسية.
للدور الرئيسي في الفيلم إستُعرضت بعض الأسماء قبل أن يستقر رأي "ويلز" على "أنطوني بيركنز" الذي كان قد أنجز في العام السابق (1961) دور القاتل المضطرب في فيلم "سايكو" الشهير. بعض من كتب في سيرة أعمال "أورسون ويلز" يقولون أن الأخير قد أسرّ لهم أن أحد العوامل التي رجحت كفة "بيركنز" هي تلك الإشاعات التي أحاطت بالميول الجنسية للممثل. فـ "أنتوني بيركنز" كان يحيط حياته الخاصة و ميوله الجنسية بالسرية التامة مما أتاح أن يشاع عنه أنه مثلي الجنس. "ويلز" أراد أن يستغل هذا الجانب في شخصية الممثل للوصول إلى ذلك الإحساس بالتوتر الدائم و العصابية و الخوف من الإنكشاف الذي طالما كانت شخصية "جوزف ك." تعاني منها في رواية "كافكا".

يبدأ "ويلز" فيلمه من مقطع من النصّ الأدبي عند نهاية الرواية تقريباً: يأتي رجل إلى بوابة القانون حيث يقف حارس يأمره بالإنتظار. يطول الإنتظار و تمر السنين و يهرم الرجل الذي لا يكف عن التوسل حتى "للبراغيث في فراء معطف الحارس" للسماح له بالدخول. حين تقترب منيته يسأل الرجل المحتضر الحارس أنه إذا كان الناس كلها ترغب بالقانون و النظام فكيف لم يأت أحد غيره إلى البوابة طول هذه السنين. يجيبه الحارس أن أحدأً لم يأت لإن هذه البوابة مخصصة فقط للرجل. و لكل ٍ بوابته التي يحتضر أمامها.
بعد هذه المقدمة التي تختصر فلسفة رواية "كافكا" يقودنا "ويلز" في سلسلة من المواقف و المشاهد الغرائبية و السوريالية الهاذية في لا واقعيتها و جنونها الذي يستحضر كوابيس العقل البشري حين يعدو في متاهات الزمن اللامنطقي.
رغم أن "جوزف ك" لا يعرف التهمة الموجهة له فهو لا يتورع عن البحث عن برائته و لو عبر الرشوة أو التوجه إلى أشخاص يؤثرون على القضاة و هو لا يني يظهر بين الحين و الآخر حسه الدفين بالذنب الساكن عميقاً داخله. فهو يذكر أنه حين كان طالباً كان يرتجف حين تسأل المدرسة عن من أخذ الشيء الذي تركته على الطاولة، رغم أنه لم يكن يعرف ما هو هذا الشيء أصلاً. و كذلك يخبر السيدة العجوز أنه دائماً يجد نفسه على خطأ في كل مسألة رغم أنه لا يعرف ما هي المسألة بالأساس!
"جوزف ك." شخصية قلقة، متوترة، عُصابية، مترددة، خائفة. لكنه ليس مُهادناً. فهو حين يواجه هيئة المحكمة يتحدث بصلافة و تحدي و يعلن رفضه لتدخل النظام في حياته و خصوصياته. كما أنه لا يتردد على فعل ما خشي غيره أن يفعله من قبل ألا و هو عزل المحامي الشهير و المتسلط (يلعب الدور "أورسون ويلز" ذاته) عن مهمة الدفاع عنه لإن المحامي لايريد زبائناً  ذوي حقوق بل "كلاباً" تخضع له و لنزواته العصبية. كلاباً ترضى بالتنازل عن حقوقها و ترضخ مذعنة للمحامي الذي هو جزء من ماكينة القضاء و النظام.


ليس في "المحاكمة" من هو بريء قطعاً. فالبراءة رفاهية مفتقدة في نظام مؤسساتي يدين بالشبهة. لكن أيضاً تصرف الفرد (هنا "جوزف") يثير الإرتياب. فبرغم الصلف و التحدي الذين يبديهما ضد متهميه فهو يتصرف و كأنه يحاول المرواغة للتملص من ذنب يسكن عميقاً لا هو و لا نحن نعرف فحواه أو سببه. لذلك نجد "جوزف" لا يتورع عن عرض الرشوة على عناصر القضاء بحثاً عن براءة من تهمة قد لا نجد أثراً لها إلا في ضميره ، إيمانه و روحه. من هنا تبرز إلى السطح القراءة التي تقترح أن المحاكمة كلها إنما هي تدور في ذهن و ضمير الشخصية الرئيسة في الفيلم. و هذا يعيدنا إلى الربط بين بداية الفيلم و نهايته المأساوية بحيث يصح التأمل بهذا التفسير. فالرجل الذي يأتي إلى بوابة القانون و ينتظر طائعاً إنما يفعل ذلك من تلقاء ذاته دون إكره أو قسر من أحد، و هو يواصل الإنتظار طوعاً. ربما هو أتى و أنتظر حتفه (كما "جوزف) أمام بوابة القانون مدفوعاً بالذنب المتأصل داخله. هو الإنسان المعاصر المسكون بالوساوس و الكوابيس و الخطيئة و الجشع و الشهوة. و إذا كان النظام المؤسسي المعاصر ينجح في ممارسة قهره على هذا الإنسان فذلك لإن الأخير منخور بخطاياه و قلق وجوده الكابوسي.
من هنا تبدو رواية "كافكا" و فيلم "أورسون ويلز" عملاً يجدد ذاته كل يوم رغم مرور خمسون عاماً على الفيلم و خمس و سبعون على الرواية!
"ويلز" يخلق أجواءً مفعمة بالقلق و التوتر البصري عبر زوايا الكاميرا و حركتها خلال ديكورات و عناصر المكان التي توحي بالضيق حيناً و بالفراغات المفزعة بإتساعها حيناً آخر فيما هذه الفراغات تتداخل و تنفتح على بعضها فيما يشبه متاهات العقل البشري حين ينفلت من المنطق و المعقول. التصوير بالأبيض و الأسود يضيف من حدة التناقض بين الظلال و الضوء و يذكـّر بمناخات "المواطن كين". أداء "أنتوني بيركنز" المتوتر و العصبي و السريع التقلب يضفي بعداً لافتاً على شخصية "جوزف ك" العصابية و المتسمة بالبارانويا. و هنا لا بد أن نذكر الإلتباس و الغموض الذين تعمدهما "ويلز" في الميول الجنسية للشخصية الرئيسة. فـ "جوزف ك." يبدو معرضاً عن إغواء النساء الثلاث في الفيلم:
صاحبة الشقة التي يقيم فيها، فنانة الملهى و جارته (جان مورو)، و أخيراً ممرضة المحامي (الراحلة رومي شنايدر).
ربما عبر هذه العلاقة الملتبسة و الغامضة مع الجنس الآخر أراد "ويلز" تعميق الإضطراب و القلق و الذنب في شخصية "جوزف ك."

الفيـلم والمخرج المحاكمة (1992)   ديفيد هيو جونز

بعد ثلاثين عاماً على نسخة "أورسون ويلز" أنتج البريطانيون فيلماً آخر عن الرواية عن نصّ سينمائي للمسرحي الشهير "هارولد بينتر"، و بتوقيع المخرج "ديفيد جونز". النسخة الثانية بدت أكثر إقتراباً (بل إلتصاقاً أحياناً) من العمل الأدبي، و إن كان هذا الإقتراب لا يعني بالضرورة تعبيراً أفضل عن مناخات و رؤية "كافكا".
"بينتر" و "جونز" عادا بالفيلم من باريس التي رسمها "أورسون ويلز" في نسخته  إلى براغ و هي المكان الأصلي في الرواية. كما أنهما غادرا الإجتهاد الزمني في نسخة "ويلز" (الخمسينات أو الستينات) إلى بداية القرن الماضي كما كتب أصلاً "كافكا". لذلك سنجد إختلافاً حاسماً في شكل الفيلم. فنسخة "ويلز" يسودها الطراز العالمي (International Style) في العمارة و الديكور بخطوطه المستقيمة، الصريحة والحادة، و كذلك بالجدران و المسطحات الخالية من التفاصيل. أما نسخة "بينتر جونز"  فيسودها طراز الـ "آرت نوفو" (Art Nouveau و يترجم بالفن الحديث و هو يختلف كثيراً عما أصبح سائداً من تعبير الفن الحديث بعد منتصف القرن العشرين) بخطوطه المنحنية و الملتفة على بعضها و الزاخر بالتزيين و التفاصيل.
"مايكل ماكلالن" في دور "جوزف ك." يبدو مقبولاً لكن وسامته الشديدة و أناقته و أداؤه المتحفظ يضعه على مسافة من "أنتوني بيركنز" في نسخة "ويلز". "بيركنز" بصوته الحاد و تأتأته و تردده و القلق الساكن في ملامحه يبدو أقرب إلى شخصية "جوزف ك." العصابية. كما أن "ماكلالكن" يبدو أكثر ميلاً للجنس الآخر من "بيركنز" فهو يستجيب لإغواء الممرضة بل و يستدرج جارته إلى معاشرة مبتورة. 

نصيحة لمن يريد أو يهتم: أقرأ رواية "كافكا" (و هي ليست طويلة) ثم أحصل على نسخة عن الفيلمين و شاهدهما بالترتيب الزمني، و من ثم شاركنا في هذا الموقع برؤيتك.



|*| مرّة أخرى |*| 
كلينت ايستوود: مواطن فوق كل الشبهات | محمد رُضا


يوم الإثنين الماضي استضاف برنامج The O'Reilly Factor  على قناة فوكس الأميركية الممثل والمخرج كلينت ايستوود ليواجهه بتحفّظات اليمين الأميركي حيال سياساته المبثوثة حديثاً من خلال إعلانات ومواقف وأفلام. 
بالنسبة للمحافظين فإن كلينت ايستوود ترك الخدمة التي كان يؤدّيها ولم يعد ممثلاً لها. وهو تركها منذ سنوات لكنه في الآونة الأخيرة انتقل، حسب هؤلاء، إلى الموقف المناهض. فيلمه الجديد «ج. إدغار» اعتبر مسمار في نعش شخصية تنتمي إلى اليمين الأميركي بصلابة، والإعلان الذي علّق عليه بصوته طالباً من الأميركيين التحالف والحرب ضد الوضع الإقتصادي، وهو الإعلان الذي بثّ في مباريات "السوبر باول" الأميركية قبل يوم من استضافته، كان بمثابة تأييد لخطوات الرئيس الأميركي باراك أوباما. فإذا أضفنا لذلك مواقفه السابقة التي انتقد فيها حكم أرنولد شوارتزنيغر لولاية كاليفورنيا او تلك التي عبّر فيها عن نقده للبوليس وللمؤسسات الصحافية والعسكرية فإن لدى اليمين الكثير من التساؤلات حول هويّة ايستوود السياسية.
لكن ايستوود ليس من النوع المعتذر ولا من ذلك الذي يبكي متراجعاً عن مواقفه (فلاشباك: مارلون براندو او مل غيبسون) في لحظة المواجهة. قال في حديثه ردّاً على اتهامات أو رايلي:  "طبعاً أنا لست من معسكر أوباما. لكني أعبّر عن فكري الخاص"، وكان صرّح سابقاً: "بالتأكيد بعض الخطوات التي تقوم بها الحكومة لحل الأزمات في مكانها الصحيح. غير كافية لكن علينا تأييدها".
ما هي، تبعاً لذلك، حقيقة الهوية السياسية لهذا الممثل والمخرج العملاق؟ ما الذي حدث بين «هاري القذر» الذي يؤمن بالقتل قبل الإستجواب وبين «ج. إدغار» الفيلم الذي ينتقد شخصية كانت تؤمن بالمبدأ ذاته إذا ما لم يكن هناك خيار آخر؟
حين لعب ايستوود شخصية "ديرتي هاري"٠
في العام 2008  أنجز إيستوود فيلمه السادس والستين كممثل (والأخير له علماً بأنه سيقف أمام الكاميرا هذا العام في فيلم بعنوان «متاعب مع الإنعطاف»). الفيلم هو «غران تورينو» الذي تحدّث فيه عن رجل أسمه وولت في سن مشابه لسن ايستوود في ذلك الحين (ايستوود حالياً في الحادي والثمانين من العمر) عاش حياته متزمّتاً حيال الأقلّيات ومفضّلاً عنصره الأبيض على باقي الشعوب والعناصر ومتألّماً وهو يجد أن الحي الراقي الذي كان اختاره لسكناه حين اشترى بيته ذاك، تحوّل فهاجر جيرانه السابقين واحتلّه المهاجرون الجدد (صينيون وآسيويون آخرون) او بات مسرحاً لعصابات طرق تغتال مواطنيه. لكن الجيران الجدد يجذبونه إلى ثقافتهم وحياتهم. إنهم أناس مسالمون كما يكتشف. متّحدون ومترابطون على عكس العائلة البيضاء التي ينتمي إليها، تلك التي تنتظر رحيله ممنية النفس بوراثة البيت وسيّارة "غران تورينو" الستيناتية. ايستوود يكتشف أن "الآخر" له الحق ذاته وأن عليه، وعلى من يمثّلهم من المواطنين معرفة ذلك.
لجانب أنه فيلم آخر جيّد من مخرج هو آخر الكلاسيكيين في السينما الأميركية من دون ريب،  هو فيلم تكفير عن موقف وهو ليس الوحيد. السنوات السابقة عرفت هذا التكفير عن مواقف مثّلها وساعد في انتشارها حينما لعب شخصية البطل الذي لا يُبالي بالآخرين. في «هاري القذر» (1971) الفيلم الذي  قدّمه في شخصية التحري الشهير، نسمع أحد رفاقه يقول لتحر مكسيكي الأصل: "لا عليك. هاري لا يحب أحداً". وايستوود كان سعيداً بذلك الصيت. الفيلم أنجز نجاحات كبيرة في الوقت الذي كانت فيه أفلام بوليسية أخرى تنتقد البوليس. ما أراد ايستوود نقده في ذلك الفيلم هو ترخي البوليس وليبراليّته ومنحه المتّهمين حق النقض وإتاحة الفرصة أمامهم للخروج من القضاء أبرياء رغم جرمهم. في الفيلم نفسه نسمعه يواجه المحافظ الذي يسأله كيف عرف أن الرجل الذي أطلق عليه النار كان يريد اغتصاب المرأة الهاربة منه، فيرد عليه قائلاً: "حين يكون المطارِد عارياً لا يوجد داع للشك".

نقطة الإنطلاق
مواقفه تلك مكرّرة في أفلامه البوليسية مع انحرافات وتعديلات طفيفة. حتى فيلم «ماغنوم فورس» (1973) حيث أعداءه هم رجال بوليس من صنفه يسمحون لأنفسهم بتكوين قوّة فوق القانون، فإن مجابهتم تتم بالطريقة ذاتها ووجودهم لا يتطلّب أكثر من عملية استئصال بمسدّسه الكبير. يمينيّة الرجل من خلال أفلام تمجّد البطولة الفردية (لا غُبار على ذلك بحد ذاته) سبقت ذلك في «خديعة كوغان» و«اشنقهم عالياً» و«حيث تجرؤ النسور» في الستينات و«أبطال كيلي» و«جو كِد» و«تصديق إيغر» في السبعينات تتمحور حول هذا الموقف على نحو أو آخر. لكن مع التشديد على أنه لم يكن موقفاً متعصّباً او رخيصاً. ايستوود ربما وجد نفسه أفضل شأناً من ذلك المكسيكي (جون ساكسون)  في الوسترن «جو كِد» لكنه أفضل بكثير من الشرذمة البيضاء (يقودها روبرت دوفال) التي تطارده. رجل حرب في «أبطال كيلي» لكنه ضد العنصري تيلي سافالاس وشرّه.
البادرة الأولى لكلينت ايستوود كمفكّر مختلف عن الممثلين النموذجيين من صفّه المحافظ كان في فيلم «الخارج عن القانون جوزيه وَلز» (1976) في ذلك الوسترن وقف على الحدود بين اليميني واليميني الليبرالي. فيه نجده يصادق الهنود الحمر في اعتراف بأن الأرض لهم، لكنه يدفعهم إلى الإعتراف بأن الأبيض بات حقيقة لا غُبار عليها. من ناحية أخرى، هو مُطارد من قبل جنرال من قوّات الشمال الإتحادية (في أحداث تقع عقب الحرب الأهلية) كونه حارب في الجيش الجنوبي الإنفصالي. 
كما في Joe Kidd
بعده بعامين نجده في «التحدي» يواجه مؤسسة البوليس التي يديرها فاسدون، ولو من دون تحديد هويّاتهم السياسية (قد يكونوا من اليمين او من الليبراليين اليساريين). التحوّل الحقيقي ورد سنة 1992 حين أخرج الوسترن الآخر «غير المُسامَح» وفيه شخّص الرجل الذي تجاوز سن الشباب منذ حين ومطلوب منه الآن العودة إلى ميدان القتال دفاعاً عن عاهرة   قام راعي بقر بتشويهها، ثم انتقاماً من "شريف البلدة" (جين هاكمان) الذي قتل أقرب الأصدقاء إليه نَد (مورغن فريمان) لمجرد أنه أسود (ولو أن هذا الدافع مغلّفاً). شريف البلدة شخص يميني متشدد يفعل ما يريد ويفعله على نحو سادي وعنيف. تلك الصورة التي واجهها ايستوود في الفيلم كانت محكّاً فاصلاً بين أفلامه الوسترن السابقة وأدواره فيها وبين طروحات هذا الفيلم. ليس فقط أن الشريف معتد بنفسه لدرجة أن الصحافي الذي جاء يجري معه مقابلة (سول روبينك) يخشى ردّة فعله حين يُشير له أن البيت الذي يتباهى الشريف بأنه بناه يخر ماءاً حين المطر. ينهره الشريف على ذلك ويكتفي بترقيع الوضع. الموقف الأقصى لكل ذلك يتجلّى في عبارة ايستوود الكاشفة عن خلفيّته السينمائية: "نعم، قتلت نساءاً وأطفالاً. قتلت تقريباً كل شيء يدب او يمشي وأنا هنا لقتلك لما فعلته بند". قبل ذلك، يفصح عن نفسه: "لم أعد كما كنت من قبل. وحقيقة أنني ذاهب للقتل لا يعني أنني عائد لما كنت عليه"

بعد ذلك، منحنا المخرج أفلاماً راجع فيها ما هو مُسلّم به في نقد ذاتي شمل «مليون دولار بايبي» و«ميستيك ريفر» وفيلميه الرائعين: "رايات أبائنا» (2006) الذي انتقد فيها الإعلام الحكومي، و«رسائل من إيوو جيما» (العام نفسه) الذي عبّر فيه عن البطولات اليابانية خلال الحرب العالمية الثانية ضد الجيش الأميركي.
«ج. إدغار» (فيلمه الأخير ومن إخراجه وإنتاجه فقط) يدور حول الرجل الذي خشيته أميركا أكثر من سواه في الأربعينات وما بعد. تحاشى المخرج الحديث مطوّلاً عن عداء رئيس الأف بي آي للشيوعيين وركّز على هرطقته النفسية وازدواجية معاييره وشذوذة الجنسي. بذلك أثار اليمين عليه الذي كان يتوقّع، إن لم يكن تمجيداً كاملاً، فعلى الأقل إلقاء ضوء عادل. 

|*| فنان |*| 
دوغلاس ترومبل الحائز على أوسكار خاص: المؤثرات ليست للخدعة فقط
محمد رُضا

ما هو الرابط المشترك بين فيلم ستانلي كوبريك «2001: أوديسا الفضاء» وبين فيلم ترنس مالك «شجرة المعرفة»؟ الذي يعرف يرفع يده!
أحد الإجابات أن كليهما يتناول شيئاً من تاريخ الحياة على الأرض. صحيح.
جواب آخر، أن كليهما ينتمي إلى مخرج لا يستطيع أي منتج التدخل في عمل لهما. أيضاً صحيح.
لكن الجواب الثالث هو الأصح: دوغلاس ترومبل، فنان المؤثرات الخاصّة الذي تحتفي به أكاديمية العلوم والفنون السينمائية هذا العام بمنحه جائزتها الخاصّة عن مجمل أعماله.
كتعريف، فإن دوغلاس ترومبل ( 69 سنة) بدأ حياته في السينما من القمّة، لقد وضع تصاميم كل تلك المؤثرات البصرية الخاصّة التي استخدمها المخرج الراحل ستانلي كوبريك في فيلمه «2001: أوديسا الفضاء» سنة 1968
وهو عاد إلى القمّة (التي ربما لم يتركها أساساً) عندما طلبه ترنس مالك لإنجاز المؤثرات الخاصّة لفيلمه الجديد «شجرة الحياة» (2011). النتيجة فيلمان مرتبطان بأكثر من جانب، يكمل ارتباطهما إنجاز بصري خلاّق سببه فنان واحد هو دوغلاس ترومبل.
في «2001: أوديسا الفضاء» صاغ ترومبل إحتياجات المخرج المهمّة: طرح بديل بصري مناسب وقوي عوض الحوار، في الدقائق العشرين الأولى من الفيلم، ثم في الدقائق العشرين الأخيرة منه او نحوها. ثلث الساعة الأولى تابعنا فيها نظرية داروين معدّلة. القتل، عند كوبريك لم يبدأ بقابيل وهابيل بل بغوريللا تدافع عن مكانها قرب الماء وتكتشف خلال ذلك ما وسيلة قوّة رادعة. السلاح الأول. ما يبدو ناب فيل او- في شتّى الأحوال- قطعة كبيرة صلبة من العظام. إذ يهوى بها على الغوريللا الآخر يرديه ميّتاً. تتراجع الغوريللات الأخرى ويرفع القرد الضخم ذلك السلاح ويرميه فوقه وتسلط الكاميرا الصورة على تلك القطعة القاتلة وهي ترتفع في الفضاء ومنها ينقلنا كوبريك من الأرض إلى الفضاء ومن الزمن السابق للتاريخ الى الزمن اللاحق له. الإنسان في الفضاء. ليس وحيداً بل يعيش مع عدوّ جديد هو الكومبيوتر. العقل المفكّر الذي تم صنعه وليس خلقه. 
2001A Space Odyssey  
خلال ذلك، وإذا ما فكّـرنا بالبصريات وحدها، نتابع صوراً غير مسبوقة. لا الأرض بدت على هذا النحو ولا الفضاء كذلك. وفي كليهما صمت الا من لقطات تحيط بها المؤثرات الخاصّـة. المرّة الأولى التي أدّت فيها المؤثرات شخصية خاصّة بها على هذا النحو الفاعل والمتّسع. 
هنا، نستطيع استخدام العبارة ذاتها (بإستثناء كلمتي "المرّة الأولى") في وصف شغل ترومبل على فيلم ترنس مالك «شجرة الحياة». 
«شجرة الحياة» فيه أكثر من فعل لم يتم تسجيله في السينما من قبل، وكلها تطلّبت شغل ترومبل الإبداعي مجدّداً. لم يتم من قبل- مثلاً- أن يقطع مخرج ما حكاية تروي وضعاً درامياً ليحكي تاريخ النشأة (هذه المرّة من وجهة نظر دينية). الأب (براد بت) والأم (جسيكا لانغ) يتعاملان مع وضع عائلي خاص. الأول قاس والثانية حانية وأحد أولادهما الثلاث يشعر بالغضب حيال أبيه ويكاد يأخذ بثأره من أخيه ثم من أبيه. فجأة يترك المخرج كل ذلك وينطلق في رحلة عبر التاريخ. من الولادة الأولى إلى عالم الدينوصورات وما بعد. ماء وجبال وأشجار وكوكب الأرض من الخارج، بل الكون بأسره، والعالم بتفاصيله الصغيرة وبمعالمه العملاقة على حد سواء. وماذا عن شون بن السائر فوق تلك الصخور الموحشة والوعرة في طريقه إلى نهايات الحياة؟ 
دوغلاس ترومبل ليس للشاشة الصغيرة، ولا حتى لشاشة كبيرة بمقاييس صالات المول. هل تستطيع أن تقارن بين نسخة من أحد هذين الفيلمين معروضة على شاشة كبيرة فعلاً، وبين نسخة من أحدهما على شاشة متوسّطة او صغيرة؟ نعم لكن لصالح النسخة التي تستخدم الشاشة الكبيرة وحدها، وذلك على عكس العديد من أفلام اليوم تلعب فيها المؤثرات دوراً رئيسياً. تجد نفسك تقبلها صغيرة وتقبلها كبيرة على حد سواء لأنها ليست مصنوعة بفاعلية وباحتراف فني خالص كما الحال مع شغل ترومبل وحرفته.
وهذان الفيلمان ليسا وحدهما اللذان استفادا من فنّه. وقف وراء فيلم ريدلي سكوت الكلاسيكي Blade Runner حيث عالم الغد الداكن يشغل بالك بقدر ما تشغل القصّة اهتمامك.
The Tree of Life

أيضاً هو الذي صنع المؤثرات البصرية لفيلم ستيفن سبيلبرغ «لقاءات قريبة من النوع الثالث»، هذا بالإضافة إلى فيلمي روبرت وايز الجيّدين «اندروميدا ستراين» و«ستار ترك» وكلاهما من الخيال العلمي أيضاً.
حين تشاهد هذه الأفلام او بعضها، قبل او بعد مشاهدة دوغلاس ترومبل يصعد منصّة الأوسكار ليستلم جائزة لم تُمنح له حين استحقّها عن تلك الأفلام، ستدرك كم البعد الشاسع بين عمله وبين أعمال سواه. السر يكمن في أن الفيلم ومؤثرات ترومبل يصبحان لغة واحدة… لغة صامتة وجميلة ومعبّرة. 



|*| الأوسكارز |*| 

سباق التصوير: البافتا لـ "الفنّان"، جائزة جمعية المصوّرين لـ "شجرة الحياة".... لمن الأوسكار؟
محمد رُضا
إيمانويل لوبزسكي
جاءت نتائج جوائز البافتا البريطانية وجوائز جمعية المصوّرين الأميركية في يوم واحد. ففي الثالث عشر من هذا الشهر صدرت جوائز ما يُسمّى بالأوسكار البريطاني وجائزة الجمعية العريقة لفن التصوير تلك التي تأسست قبل أكثر من سبعين سنة.
وفي حين أن الإختلافات في النتائج عموماً واردة، الا أن جمعية المصوّرين لا تمنح جوائزها لغير الحقول التصويرية ذاتها. فهي جمعية تضم المصوّرين المسجّلين فيها (أكثر من مئة وعشرين) وجوائزها حكراً على هذا الحقل المهم من حقول السينما، بينما البافتا هي جمعية أكاديمية عامّة تضم نحو 2000 عضو وتمنح جوائزها، كما الغولدن غلوبس والأوسكار وجمعية الفيلم الأوروبي إلى كافّة الحقول.
لذلك فإن وجه المقارنة محصور بجائزتي التصوير وحديهما. هاتان الجائزتان اللتان توزعتا بين إيمانويل لوبزسكي عن تصويره «شجرة المعرفة»، وبين غويلام شيفمان عن تصويره «الفنان». جمعية المصوّرين الأميركية وجدت أن تصوير «شجرة المعرفة» هو أفضل تصوير للعام والأكاديمية البريطانية وجدت أن تصوير «الفنان» هو أفضل تصوير للعام. كلاهما على حق لكن أحدهما معه حق أكثر قليلاً من الآخر. هل يمكن لنا أن نقارن؟
غويلا شيفمان مدير تصوير فرنسي أنجز للآن نحو خمس وأربعين فيلم ولم يسبق له أن نال جائزة كبيرة بحجم جائزة البافتا. بدأ مساعداً في أفلام مثل «دانتون» الذي أخرجه البولندي أندريه ڤايدا سنة 1983 و«سوان العاشق» الذي أخرجه الألماني فولكر شلندروف في العام التالي. كذلك عمل على فيلم مهدي شارف «شاي عند الحريم» وعلى فيلم «مرتفعات وذرينغ» نسخة الفرنسي جاك ريفيت (كلاهما سنة 1985). كل هذه الأفلام انتحت منحى  على عكس فيلمه الأول كمدير تصوير فعلي وهو «قبل العاصفة» لبرونو هربولو (1992). بعد ذلك أفلامه تنوّعت بتنوّع مخرجيها. لكن أحداً لم يعتبره طوال التسعينات والعقد الأول من القرن الحالي ذا موهبة تستطيع أن تتنافس عالمياً. لكن المخرج ميشيل أزانافيشوس، الذي أسند إليه مهمّة تصوير «الفنّان»، الذي كان السبب وراء منح مدير التصوير هذه البافتا، أعجب بعمله واستخدمه في فيلميه السابقين  OSS 117: Cairo, Nest of Spies وOSS 117: Lost in Rio
شاهدت الفيلمين من دون أن يلفت تصوير شيفمان الإنتباه. مرّة أخرى غلب المخرج الساعي لتطويع فيلمه جماهيرياً على فن التصوير (وفن العناصر الأخرى) فلم يبرز للعيان ما هو خاص بمدير التصوير. هذا اختلف تماماً حين قرر أزانافيشوس تحقيق فيلمه الخاص «الفنان» ولأسباب جوهرية.
The Artist
«الفنان» فيلم يتعاطى ومرحلة تاريخية (أواخر العشرينات) ومصوّر بالأبيض والأسود وذلك تلاؤماً مع أفلام تلك الفترة خصوصاً وأنه يتحدّث عن سينما تلك الفترة التي كانت بالأبيض والأسود، عدا عن أنها كانت أيضاً صامتة كحال هذا الفيلم أيضاً. هل الإختيار يؤسس منهج التصوير فيه هذا لأن المشاهد، داخلية وخارجية، تنشد تحقيق الغاية المطلوبة منها وهي منح المشاهد الحس بالكيفية التي كانت فيها السينما آنذاك. هذا بالطبع على الرغم من أن الحياة في ذلك الحين وفي مختلف العور كانت بالألوان والفيلم يتحدث عن حياة وليس هو عرض لفيلم داخل فيلم بالأبيض والأسود. 
شيفمان ينجز المهمّة جيّداً، خصوصاً لناحية التعبير والتلاؤم ذلك لأن منهج الفيلم وخطّة إخراجه لا مكان فيها لجماليات خارج هذا الإطار. 
من ناحيته، نجد أن شغل إيمانويل لوبزسكي في «شجرة المعرفة» أكثر تنوّعاً. في الوقت الذي صوّر فيه شيفمان «الفنان» مستخدماً كاميراسينما (وليس دجيتال) من نوع Arriflex 435 (وهي كاميرا مناسبة من حيث يعمد إليها المصوّرون حين يريدون تحقيق فيلم بقياس 35 مم من دون صوت)، نجد أن لوبزسكي عمد إلى ما لا يقل عن خمسة عشر نوع كاميرا سينما ودجيتال لتحقيق فيلم متشابك الإهتمامات والمواقع والإيحاءات. لم يعمل لوبزسكي المكسيكي المولد، مساعد تصوير في مطلع الثمانينات حين بدأ مهنته، بل صوّر وأخرج أفلاماً قصيرة قبل أن يبدأ العمل مع آخرين من العام 1991 وصاعداً. بحلول منتصف التسعينات كان بدأ العمل في أفلام أميركية وإن لم يترك المكسيكية (هو مصوّر «وأمّك أيضاً» لألفونسو كوارون سنة 2001). طلبه إليه المخرج ترنس مالك، مخرج «شجرة المعرفة» سنة 2005 لفيلمه السابق «العالم الجديد» وفي العام نفسه أنجز فيلماً آخر محسوب له هو «أطفال الرجال» لألفونسو كوارون.
شغل لوبزسكي على «شجرة الحياة» صعب في تكويناته (أكثر صعوبة من شغل «الفنان» في هذه الناحية). والإنتقال من موقعين أرضيين (ريف تكساس ثم مدينة غير محددة) ليس المقصود بهذا التنويع بل الإختلاف الأجوائي بينهما. واحد يبدو قريباً من الحياة يقع على الأرض الخضراء في البلدة الهادئة والآخر يقع في عالم اليوم تحدّه ناطحات سحاب حيناً وشوارع رمادية مصوّرة من عل ثم أرض جدباء يمشي فيها شون بن باحثاً ومقلّباً في ذكرياته التي تعود به، وبنا، إلى تكساس الخمسينات. ثم هناك التصوير التسجيلي والمشغول دجيتال وكومبيوتر غرافيكس ويشكّل نحو ثلث الفيلم الثالث: لقطات للحياة قيد التكوين وبعده. الأرض قبل الإنسان وخلاله. الماء. السحاب. الكون البعيد. البراري والغابات والجبال الخ… ما يشوب هذه المشاهد معالجتها الكلّية. المسألة بذلك ليست مجرد تصوير لقطات بل كيف تجمع بينها في حس من السرمدية والملائمة الدائمة.
المنافسة على الأوسكار قائمة الآن بين هذين المصوّرين كذلك بينهما وبين ثلاثة لا تقل أعمالهم مستوى إبداعياً: توني رتشاردسون عن «هيوغو» ويانوش كامينسكي عن «حصان حرب» وجف كروننوَذ عن «الفتاة ذات الوشم التنين». ومن المثير جدّاً معرفة خصائص كل من هذه الأعمال الثلاثة وأيها يستحق أكثر من سواه حمل الأوسكار في تلك الليلة غير البعيدة.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2012


Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular