Jan 29, 2012

Year 5. Issue: 697 | سينما ثيو أنجيليبولوس

  
ثيو أنجيليبولوس: عشق الزمن وفتح أوراق الحياة صفحة صفحة


ليس كل السينمائيين اليونانيين على صف واحد حين يأتي الحديث عن ثيو أنجيليبولوس، المخرج الذي رحل قبل أسبوع مخلّفاً وراءه 16 فيلماً. بعض الجيل الشاب يرفض أسلوبه وينتقد منحاه في العمل بعيداً عن هموم الواقع. وفي حين أن هذا قد يبدو غريباً للبعض، الا أنه النقد ذاته الذي عادة ما يُحيط بالمخرجين المختلفين عن السائد. أحاط بأندريه تاركوفسكي وواجه يوسف شاهين ويواجه حالياً ترنس مالك. كذلك قد يبدو غريباً حيال ما حظي به الفنان أنجيلوبولوس من تقدير كبير من قبل النقاد العالميين والاستقبال الحافل لأفلامه حين عُرضت في المهرجانات الدولية.
رحل أنيجلوبولوس في حادثة سير كما كانت حادثة السير سبباً في رحيل المخرجة الرائعة لاريسا شبيتكو سنة 1979. وكلاهما خلال تحقيقه فيلمه المقبل. بالنسبة لأنجيلوبولوس، كان في غمار العمل على «بحر بيرايوس» (كذلك معروف بـ «البحر الآخر») الذي كان من المفترض إطلاقه هذا العام، ربما في "كان" او في "فنيسيا" وهو الذي تردد عليهما كما على مهرجان برلين كثيراً من قبل.
في الأساس درس القانون وأمضى سنوات في الخدمة العسكرية ثم دخل السوربون ثم تركها وانضم إلى مدرسة IDHEC الفرنسية لدراسة السينما. كتب النقد حال عودته إلى اليونان في صحيفة يومية. الصحيفة كانت يسارية وحين تمكّن اليمين العسكري من حكم البلاد سنة 1967 تم إغلاقها. رغم ذلك الحكم حقق المخرج عمله الأول «إعادة بناء» في العام 1970 وهو فيلم مغلّـف من حيث أنه يبدو شيئاً وبعده يقترح شيئاً آخر. فحسب قصّـته هو فيلم عن جريمة قتل: مهاجر يوناني إلى ألمانيا يعود إلى زوجته اليونانية غير مدرك أنها تخونه مع عشيقها وتخطط معه لقتله. أما حسب بعده، فإن الفيلم يتناول في صياغته ما يخرج عن الوضع العاطفي القائم ويتعامل مع الطموحات المجهضة. بطل أنجيليبولوس يموت في النهاية والخاتمة الحزينة سوف تحيا من هناك لتحيط بكل فيلم ينجزه المخرج. لكن، ليس النهاية هي الحزينة وحدها، بل كذلك، وأساساً، الفيلم نفسه. عالم أنجيليبولوس هو، كما حال معظم المخرجين التأمليين هواة السينما البطيئة في فتح أوراقها، هو الذي لابد أن ينتابك إذا ما تركت الأنا وأمعنت في الحياة الحاضرة.
كسواه من المخرجين الكبار، معظم منهجه وأسلوبه موجود في ذلك الفيلم: في مطلع الفيلم يصل المهاجر اليوناني إلى القرية التي هاجر منها بحافلة. الكاميرا في لقطة طويلة للحافلة. تتوقّف عند محطّتها، ينزل رجال ونساء منها بينهم المهاجر. تتلقّفه الكاميرا برصد متأن.
من بين العناصر الأخرى، مفهوم الرحلة لدى أنجيليبولوس. في أفلامه الناس ترحل في إتجاهين: التاريخ والجغرافيا. بعض أفلامه تدور في عهد حديث وأخرى في عهد سابق لكنها جميعاً تعبّر عن أهم صفة يمكن لمخرج أن يتحلّى بها: البحث.

المشهد الأخير من: "رحلة إلى سينيثيا"٠

ما بعد 1972 ورحيل العسكر، أصبح المخرج قادراً على التعبير بحريّة وأفلامه اللاحقة حققها تماماً كما يريد. في السبعينات، هناك «أيام العام 1936» (1972) ثم «الممثلون المرتحلون» (1975) وبعده «الصيادة» (1977). وفي حين اختار أحداثاً حقيقية وقعت سنة 1936 لفيلمه الثاني، فإن «الممثلون المرتحلون» يسبر حكاية تقع في العام 1952 و أنجيليبولوس ليس مستعجلاً هنا على الإطلاق. الناقد رونالد برغن يكشف في تأبينه للمخرج أن الفيلم (ومدّته أربع ساعات) تضمّن 131 لقطة فقط. فيلمه الرابع «الصيّادة» بطيء أيضاً لكن موضوعه مختلف: مجموعة من الرحّالة في مناطق جبلية يكتشفون جثّة ويعلمون لاحقاً أنها لمحارب شارك في الحرب الأهلية سنة 1949. المناسبة تستدعي المخرج التحقيق ليس في ظروف الموت، بل في وجهة نظر هؤلاء في التاريخ اليوناني وأحداث البلاد السياسية.
الأبدية ويوم

ثم كانت هناك الثلاثية. في العام 1984وبعد بضعة أفلام تلفزيونية،  قام المخرج بتحقيق «رحلة إلى سيثيرا» أحد أفضل أعماله إلى اليوم.
"ألكسندر" … هي الكلمة الأولى التي ينطق بها الفيلم. والمتحدّثة إمرأة تنادي على إبنها. الإبن صبي صغير يتسلل في شوارع أثينا إلى حيث يقف جندي ألماني أدار ظهره ويضربه ثم يهرب. فعل ولاّدي من ولد. الجندي يلحقه وألكسندر يستيقظ من نومه رجلاً. 
إذا ما كانت الذكرى تدخل حياة ألكسندر رجلاً، فإن الجدار الذي بين الماضي والأمس يتهاوى مجدداً ومعه يتيح المخرج لنا الإنتقال من الفيلم الذي نراه إلى فيلم آخر يتم صنعه. الجداران لا يقويان على منع المزج المكاني والزماني وهذا هو المقصود. لذلك يبقى السؤال عما إذا كان ألكسندر بعد نحو ربع ساعة من الفيلم لا زال في فيلمنا او في فيلم من بطولته هو يتحدّث فيه عنه ينتظر عودة والده الذي كان أمضى نحو إثنين وثلاثين سنة في الهجرة (هذه المرّة في روسيا). عودته تحفل برغبة أنجيليبولوس تحيّة جيل بطله العجوز ذلك (أسمه سبيروس ويؤدّيه مانوس كاتراكيس الممثل الذي رحل في العام ذاته بعد 85 فيلماً من العام 1929 ما جعل هذا الفيلم عمله الأخير). ها هو سبيروس يقف عند مقابر رفاقه الشيوعيين. في اليوم التالي يكمن مشهد بالغ الأهمية. القرية التي يزورها سبيروس بصحبة إبنه ألكسندر وزووجته كاترينا إبنته ڤولا، تحظ الخطى لبيع الأراضي الجبيلة لشركة تود بناء منتجع شتوي. كل من فيها يريد الخلاص من إرثه وأرضه و-بالتالي- تاريخه، لكن الشركة لا تستطيع أن تشتري شيئاً الا إذا وافق كل المالكين على البيع. سبيروس وحده لا يوافق والمشروع يتوقّف والناس تتركه وحده على قمّة ذلك الجبل وتمضي غير راضية.
بعد أحداث تنتقل ما بين تلك القرية وبين أثينا، ما بين سبيروس وزوجته وإبنه ألكسندر وعشيقته، وبين الفيلم الذي نراه والفيلم المرتسم داخله، وترحيل سبيروس كشخص غير مرغوب فيه، ينتهي الفيلم به وقد جلس أرض المركبة التي تبحر بإتجاه البحر الواسع…. بإتجاه البحر الذي عاد إليه أنجيليبولوس  في فيلمه الجديد غير المكتمل.
أفلام أنجيليبولوس من هذا العمل وما بعد كلّها مميّزة تكمل بعضها بعضاً: أفلام طريق يشقه المخرج عبر الأزمنة وعبر القضايا وعبر الأماكن. هذا حال الجزأين «المشرف على النحل» (1986) و«منظر في الضباب» (1988).
مثل بطل فيلمه «رحلة إلى سيثيرا» (وبطل فيلمه الأسبق «إعادة بناء»، فإن بطل فيلمه اللاحق «تحديق أوليسس» (1955- الأميركي هارفي كايتل) يوناني عائد إلى بلاده بعد هجره. إنه مخرج عائد إلى بلاده بحثاً عن بكرتين من فيلم مبكر. بحثه بطبيعة الحال رمز لبحث أكبر عن تاريخ البلاد والحرب والسُلطة العسكرية، وبالتالي عن ذاته وهويّته التي تتفتت معالمها بين يديه. بعده جلب الممثل الألماني برونو غانز لبطولة «الخلود ويوم» (1998): رجل في أواخر أيام حياته وماض يرفض أن يموت وحاضر متلاش. هذا أحد أكثر أفلام المخرج إشباعاً عاطفياً. سينما من الرماديات التي تعكس حياة المخرج ونـظرته إلى العالم وليس فقط بطله الآيل إلى النهاية الأحزن.
 في فيلمه اللاحق«المروج المنتحبة» (2004) باشر المخرج ثلاثية جديدة ربما كان الفيلم الأخير غير المكتمل الثالث فيها. ذلك الجزء الأول منها يغطّي تاريخ اليونان في ثلاثين سنة من العام 1919 حتى العام 1949. والجزء الثاني «غبار الزمن» ويقع في النصف الثاني من القرن العشرين. هنا يتعامل المخرج مع موزاييك زمني ومكاني آخر فالقصّة تنقله إلى ألمانيا وإيطاليا وهي المرّة الأولى التي صوّر فيها عملاً خارج بلاده. 
من فيلمه الأخير: "غبار الزمن"٠

ما ورد ذكره أعلاه، في اعتقادي، كفيل بأن يضع أمام من لا يعرف هذا المخرج او أمام من قرأ عنه ولم يشاهد أفلامه بعد، شخصية فنّان مفكّر آت من أبعاد السياسة والتاريخ والفن لكي يبلور دوره في هذه الحياة. لكن مثل هذا الدور لكي ينجح هو دائماً بحاجة إلى مخرج يؤمن بالأهمية المطلقة للصورة. والصورة السينمائية الخالصة. في هذا الجانب ثيو أنجيلوبولوس هو امتداد في الأسلوب ذاته الذي خطّه مايكلأنجلو أنطونيوني (مع اختلافات ضرورية بالطبع)، كما أن التركي نوري بلج شيلان هو أيضاً امتداد لأنجيلوبولوس (بذات القدر من الإختلافات الضرورية)
بالنسبة إليه، مال أنجيليبولوس إلى المشهد الكبير. الكاميرا ذات البعد عن الشيء المصوّر حتى تستطيع استقطاب المحيط. والمحيط دائماً واسع وشاسع. في الوقت ذاته، ما تنقله الكاميرا هو كبير بالمفهوم الخلاّق للكلمة: بطلة «غبار الزمن» إذ تركض فوق الشوارع الثلجية، والحشود إذ تحيط بالتمثال المنحوت فوق الميدان المروح المنتحبة» مليء بمثل هذه الصور) فإن الناتج عن شعور بالرهبة مما تستطيع الصورة تركه في الذات من تأثير. لحظاته تلك تلتقي ولحظات تاركوفسكي في أبعد مدى تستطيع السينما كلغة الوصول إليه.
في حديث أخير صرّح المخرج أن «البحر الآخر» ينتهي بلا حلم لأن هذا هو شأن العالم اليوم: "لا أعتقد أن السبب اقتصادي، بل هو فقدان العالم اخلاقياته".



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2012




Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular