Jan 8, 2012

Year 5. Issue 694 | مخرجون: "تكبير صورة" لأنطونيوني | أفلام كوبريك الحربية | دون شارب| كتاب السينما والجنس

______________________________________________ 
رحيل |  دون شارب
محمد رُضا

على بعد أيام قليلة من رحيل المخرج البريطاني كن راسل، غيّب الموت أيضاً المخرج الاسترالي الأصل دون شارب الذي حقق أكثر أعماله في إطار السينما البريطانية. السبب في أنه ليس معروفاً لدينا يعود إلى حقيقة أن معظم أفلامه الأهم او الأكثر لفتا كانت أفلام رعب انتجها ستديو هامر، الذي تخصص في الستينات وجزء من السبعينات بإطلاق أفلام رعب تلك التي شارك دون شارب في صنعها لجانب فردي فرنسيس وجون غيلنغ وترنس فيشر، بيتر ساسدي، من بين آخرين. فإذا أضفنا لذلك نظرة الإشمئزاز للنوع الذي يمارسه معظم النقاد من دون تفريق، ومحدودية الجمهور في الأصل لعلمنا سبب أنه وفاته لم تثر غياب أحد تقريباً.
كان دون شارب ممثلاً في أدوار مساندة وكاتب سيناريو قبل أن ينتقل إلى الإخراج سنة 1955 بفيلم عنوانه The Stolen Airlines  الطائرة المخطوفة
في سنة 1963 حقق فيلم الرعب الأول له. قبل ذلك أنجز أفلاماً تشويقية في أفضل حالاتها، لكنه حين أنجز «قبلة مصاص الدماء» Kiss of the Vampire بدأ مرحلة جديدة من حياته. كان نجاحه في ذلك الفيلم، ولو محدوداً، دافعاً لقيامه بإخراج فيلم مخيف آخر هو «سحر» مع لون تشايني الممثل المعروف في هذا المضمار وحده.
شارب (الذي توفي عن تسعين سنة في الثامن عشر من ديسمبر العام الماضي) أكّد أنه لم يكن شاهد فيلم رعب واحد في حياته قبل «قبلة مصاص الدماء» والثابت من مراجع عدّة أن حاجة ستديو هامر لمخرج يعرف كيف يحقق الكثير ضمن ميزانية صغيرة هي التي دفعته لاختيار شارب. لكي يحقق هذا الفيلم كان عليه أن يشاهد أعمال مخرجين إثنين سبقاه للعمل في شركة هامر هما فريدي فرنسيس وترنس فيشر. نجاح فيلمه الأول دمغ مستقبله كلّه بهذا النوع من الأعمال.
وُلد في استراليا سنة 1921 وانضم إلى السلاح الجوّي سنة 1941 لكنه سُرح سنة 1944  فامتهن التمثيل المسرحي. وتلك الأفلام الأولى التي أخرجها كانت في الأساس من تمويل صندوق دعم ثقافي للأطفال. النقلة إذاً كانت واسعة. أفلام هامر المرعبة هي كلاسيكية بمقاييس اليوم، لكنها كانت جريئة بمقاييس تلك الفترة. 
Kiss of the Vampire

بعد ذلك حقق «لعنة ذبابة» و«قراصنة سفينة الشياطين» و«راسبوتين: الراهب المجنون» مع كريستوفر لي في الدور. أيضاً «عروسات فو مانشو» و«وجه فومانشو». لم تكن جميعها لحساب هامر، لكنها جميعاً كانت تحمل أجواءها على أي حال. 
بعيداً عن أفلام الرعب، التي شاهدت له معظمها، أنجز «رجلنا في مراكش» الذي لم يقدّر حق تقديره في الواقع، تشويق جيّد حال فيلمه الآخر «الدرجات التسع والثلاثين» سنة 1978 الذي هو إعادة لفيلم هيتشكوك المعروف من سنة 1935. أسلوب هيتشكوك لا يمكن تجاوزه لكن شارب عمد إلى الرواية الجاسوسية وليس إلى الفيلم ما جعل عمله متميّزاً. 
 إذا ما كان يمكن التعليق على أعماله المختلفة من منتصف الستينات وما بعد، فإن اللافت فيها أن الموضوع مهما كان ضعيفاً او يبدو- في الوهلة الأولى مكرراً- الا أنه كان، بفضل شارب، يصلنا دقيق التنفيذ والعناية. هذا ما جعل أعماله، كما أعمال فردي فرنسيس وترنس فيشر، من أفضل ما قامت هامر بإنتاجه.
______________________________________________ 

كتاب| عدنان مدانات | السينما الجنس والوعي

السينما والجنس هو الموضوع الذي يتناوله الكتاب الجديد الصادر في العاصمة الأردنية عمّان عن دار الصفاء للطباعة والنشر، من تأليف الدكتور فراس عبد الجليل الشاروط، والذي يحمل عنوان الجنس والوعي- دراسة في دلالات الجنس في السينما، والكتاب عبارة عن بحث أكاديمي جاد في توجهه، يتناول في قسمين رئيسين موضوع الجنس في السينما، الأول منهما نظري يبحث في مختلف الجوانب النظرية المرتبطة بالموضوع سواء بعموميته أو من خلال ارتباطه بالسينما، والثاني يبحث في تطبيقاته النظرية من خلال تحليل عدد من الأفلام السينمائية العالمية المتنوعة العلاقة مع الموضوع الجنسي وطرق التعبير عنه، والكتاب، من هذه الناحية جديد كل الجدة على الأدبيات السينمائية الصادرة باللغة العربية، خصوصاً أنه مؤلف عربي وليس مترجماً .

يضم الفصل الأول ثلاثة مباحث رئيسة هي على التوالي الوعي الأيروتيكي في السينما و اللغة الأيروتيكة في السينما وأخيراً السينما الأيروتيكية بين الوعي والأداء، فيما يحلل الفصل الثاني نماذج فيلمية حسب اتجاهاتها مثل الاتجاه الذاتي الغريزي، والاتجاه الاجتماعي السياسي، والاتجاه النفسي الفلسفي .

الأفكار التي يتضمنها الكتاب متعددة ومتنوعة لدرجة يصعب عرضها أو مناقشتها في هذا الحيز الضيق، مع أن الكثير من هذه الأفكار والتحليلات التي يتضمنها الكتاب تحتاج إلى النقاش والتدقيق، لهذا سنكتفي هنا بالتعريف بالكتاب ككل والاستناد في ذلك إلى ما ورد في المقدمة من إشارات عامة . ففي مقدمته للكتاب يطرح المؤلف مجموعة أفكار عامة تلخص منهجه في مجال البحث عن خصوصية موضوع الجنس في السينما، يؤكد الباحث بداية على أن الجنس من حيث هو فعل حيوي إنساني يتأسس أصالة على وفق البنى الاجتماعية والحضارية وتأثيرات المحيط البيئي والثقافي، ويضيف تالياً: لكن الجنس من حيث هو معطى فني يختلف عن صورته الحياتية .

وإذ يؤكد الباحث أن صورة الجنس الفنية تختلف حسب مختلف الحقول التعبيرية وتفاوت تدرجات القيم عند المبدعين، فإن الجنس في السينما هو الأكثر خطورة لاعتماده البصري على المماهاة مع الواقع مهما اختلفت الاتجاهات والأساليب والرؤى التعبيرية، لأن بنية الصورة التي تؤسس ماهية السينما تجعل من الفعل واقعاً موازياً للواقع الخارجي .

يميز المؤلف بعامة بين نوعين من استخدام الجنس في السينما، النوع الأول يسميه الجنس الإيمائي ويصفه بأنه جنس صامت وغير متحقق بالوسائل المألوفة، إذ يستثمر معطيات الإيماءات والرموز اللغوية والبصرية وأنماط الإشارات المختلفة للتعبير عن ذاته، مبقياً منطقة الفعل وآلياته غائمة ومكشوفة في آن معاً، ويعرّف المؤلف النوع الثاني على أنه الجنس الصريح وهو الذي يتجاوز التعبير الإشاري إلى التعبير الصريح المماهي للواقع في وسائله وأدواته .

يميز المؤلف بين اتجاهين رئيسين في معالجة هذا الموضوع، الأول هو اتجاه الوعي الخلاق الذي يسعى إلى توظيف واع للجنس الصريح في تحقيق رؤاه الجمالية والفنية وأغراضه السياسية والاجتماعية والحضارية، والاتجاه الثاني هو السينما السائدة التي تسعى أصلاً إلى إعلاء الشهوية وتوظيفها في التجارة والدعاية والتأثير سياسياً واجتماعياً، وفي هذا الصدد يؤكد الباحث على أن الجنس هنا هو الفعل المبتذل المجاني الحاضر في كل شيء بوصفه هدفاً يسعى إليه الجميع، وصورة للبطل الوهمي وثمرة للفحولة والوسامة عندما تقدمه السينما التجارية كما تقدم الطعام، بوصفه سلعة ونمطاً استهلاكياً .

أهمية الخوض في مثل هذا الموضوع تستند إلى واقع أن الجنس، وبخاصة الصريح منه، صار مادة لا يستغنى عنها في معظم الإنتاج السينمائي العالمي المعاصر إما جزئيا أو كليا، كما أن الصراحة الجنسية صارت أكثر فأكثر لا تعرف الحدود ولا الخطوط الحمر، وذلك ليس فقط في أفلام السينما التجارية الاستهلاكية، بل أيضا في أفلام السينما ذات التوجه الإبداعي الفني التي تحمل تواقيع كبار المخرجين المبدعين في العالم، وذلك على الرغم من أن أنظمة الرقابة الرسمية أو المجتمعية لا تزال تحافظ على وجودها .

وقد استوقفني بهذا الصدد مقطع ورد في الفصل الأول من الكتاب بداية ما يمكن اعتباره جنساً في السينما حيث يكتب المؤلف: بعد فترة طويلة من الحرية العاطفية التي عاشتها المجتمعات في أواخر القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين ظهرت على استحياء أول قبلة في السينما، وكانت أبعد ما تكون عن الأيروتيكية، إنها قبلة حالمة طاهرة غير حسية توهم بالحرية ولا تمنحها .

بعد قراءتي لهذا المقطع عدت إلى المصادر التاريخية حول أول قبلة في تاريخ الأفلام السينمائية، حيث تذكر المصادر أنه في عام ،1896 أي عام ولادة السينما، تضمن فيلم قصير من أفلام توماس أديسون صنع بواسطة آلة السينما البدائية فيتاسكوب أول قبلة سينمائية، وذلك في فيلم بعنوان قبلة ماي إيروين .

ماي إروين كان اسم ممثلة مسرحية كندية قدمت على أحد مسارح برودواي مشهداً في مسرحية كوميدية غنائية تضمن قبلة حية، وقد أثارت إعادة إنتاج هذه القبلة في العام التالي بواسطة كاميرا أديسون فضيحة كبرى بين أوساط المحافظين، ومع ذلك فقد كان فيلم قبلة ماي إروين الفيلم الأكثر شعبية من بين أفلام أديسون . ومن الطريف هنا أن نذكر أن هذا الفيلم القصير اعتبر في عام 1999من قبل مكتبة الكونغرس فيلماً مهماً ثقافياً، وجرى تثبيته ضمن سجل الأفلام الوطنية.
______________________________________________
مسلسل| مايكلأنجلو أنطونيوني 
حلقات خاصّة يكتبها: ميسر مسكي (سوريا)
(3) 

حين جعلوا الوهم حقيقة!
تنويه
عندما ظهرَ الفيلم في منتصف الستينيات من القرن الماضي أعتمدَ أغلب النقاد العرب على ترجمة العنوان على أنه "الإنفجار" و هي الترجمة التي تغلب في الحالة العامة، لكن هنا تكتسب الترجمة الخاصة "تكبيرالصورة" المعنى الأقرب للفيلم. تكبير الصورة عملية تختلف عن الـ "زووم". حيث في الـ "زووم" تقوم العدسة بتقريب المشهد، أما تكبير الصورة فهي عملية تتم في مختبر التصوير (قبل تقنية الديجيتال) و تقوم على إختيار قطاع من الصورة و تكبيرها.
التنويه مهم لمن يريد العودة إلى مراجع عربية لمزيد من القراءة عن الفيلم حيث سيجده تحت عنوان "الإنفجار".
 ملاحظة أخيرة: حين ترد كلمة (الحقيقة) في النصّ التالي إنما هي بالمعنى المرتبط بالواقع و الواقعية (Real or Reality) و ليس بمعنى الصدق (Truth)


يشكل "تـكبير الصورة" مفصلاً مهمّاً في سيرة "أنتونيوني" المهنية. فهذا هو أول أفلام "أنتونيوني" الناطقة بالأنكليزية و كان فاتحة إمتداد نشاطه إلى خارج حدود السينما الإيطالية و التي فيها حقق إبداعاته المهمة و التي جعلته واحداً من أهم أعلام السينما العالمية. هذه التجربة أدت به إلى فيلمه الثاني الناطق بالأنكليزية و الأول في الولايات المتحدة:  "نقطة زابريسكي". و من ثم فيلمه الثالث خارج إيطاليا: "المهنة: مراسل صحافي" قبل أن يعود إلى موطنه. 
و يمكن الإضافة هنا أن هذا الفيلم قد كرّسَ الطلاق الفني بين "أنتونيوني" و "و مونيكا فيتي" (ملهمته و صديقته الحميمة) التي إحتكرت دور البطولة في أفلامه خلال السنوات الثمان السابقة.

في "تكبير الصورة" يتابع "أنتونيوني" إطلالته على معضلات و مفاهيم المجتمع الغربي المعاصر من خلال مفهوم (الحقيقة) و كونها مفهوم مرتبط بالقبول الجمعي لها، و إمكانية فبركة أو "خلق" حقيقة غير موجودة لو إتفق الجميع (رضاءً، غباءً، أو تواطأ ً) على أنها الحقيقة. بعد 45 عاما ً على إنتاجه، يبدو فيلم "أنتونيوني" معاصراً في زمن تخلق (أو تختلق) فيه الماكينة الهائلة لوسائل الإعلام حقائق (و ثورات، لو أردت) و تحث الإدراك الجمعي في المجتمعات على. تصديق حقيقة وجودها.

الممثل "ديفيد هيمينغز" (ليس هناك أسماء للشخصيات في هذا الفيلم) يلعب دور مصور فوتوغرافي محترف، صلف، لاهي، يعمل على كل أنواع المشاريع: من تصوير عارضات الأزياء، إلى إعلانات، إلى مواضيع عامة مختلفة. في يوم يقصد المصور حديقة عامة تبدو خالية من الرواد إلا من إمرأة ثلاثينية و رجل يبدو ستينياً يعبثان لاهيان و كأن لا أحد يراقبهما و يبدوان على علاقة ما. المصور يلتقط بضعة صور لهما خلسة قبل أن تلاحظه المرأة (الرائعة فانيسا ردغريف) التي تندفع إليه طالبة الحصول على شريط الفيلم. إضطرابها الفاقع يثير فضول المصور الذي يرفض أن يعطيها ما طلبت، فتغادر شديدة القلق.
حين يعود المصور إلى مختبره يجد المرأة بأنتظاره مطالبة إياه مجدداً بالفيلم و موضحة بغموض أن حياتها لا تسمح لها بالقبول بظهور تلك الصور، بل هي حتى تراود المصور عن نفسها مقابل الفيلم. رضوخاً لهذا الإلحاح يعطيها المصور فيلماً غير الذي تطلبه موهماً إياها أنه ما تبحث عنه، فيما هي تعطيه رقم هاتفها الذي سنكتشف أنه رقم كاذب (دجل العلاقات في المجتمع المعاصر).
الأمر كله يثير فضول المصور الذي يقرر تظهير الفيلم. و بعد أن يقوم بتكبير اللقطات التي تظهر فيها المرأة و الرجل الذي كان يرافقها يقوم المصور بتعليق الصور على جدار محترفه و يبدأ بالتدقيق بها. هنا يبدأ المشهد الذي يدوم حوالي 12 دقيقة و الذي دخل تاريخ السينما.
 مشهد يسوده الصمت. مكون من سلسلة من اللقطات الفوتوغرافية الثابتة التي بترتيب حدوثها و إيقاع تتاليها تتحول إلى فيلم متحرك يدونا للتفكير بجوهر الصورة الثابتة و المتحركة (الفيلم). في هذا المشهد كله أنت لا تستطيع إلا أن تلاحظ أنك تشاهد ما يمرّ أمامك عبر كاميرتين: :كاميرا المصور الفوتوغرافي التي تنقل لك بصور ثابتة ما حدث في الحديقة قبل قليل، و كاميرا "أنتونيوني" التي تنقل لك و تساعدك على تركيب أجزاء الأحجية. هنا يتماهى المصور الفوتوغرافي داخل الفيلم مع المشاهد خارجه فكلاهما يشاهدان "للمرة الأولى" تفاصيل مجتزأة لمشهد سابق و عليهما سوية أن يستنتجا معاني و دلالات الصور الفوتوغرافية المتتالية.
  المصور (و نحن معه) يلاحظ أمراً غريباً و مريباً في إحدى الصور. شيء ما في عمق الصورة، حيث تقف المرأة، يبدو كجثة. يركض المصور إلى غرفة التظهير و يقوم بتكبير ذلك القطاع من الصورة. الصورة الآن تشي أكثر بالجثة. لكن...ما هذا الذي هناك...؟على يمين الصورة...؟  شيء ما يبدو كخيال رجل يصوب مسدساً إلى المكان المفترض أن المرأة و الرجل الستيني كانا يتداعبا فيه! هناك جريمة مفترضة قد إرتكبت في الحديقة أمام كاميرته لكن دون أن يراها هو. 
القلق يعصف بالمصور.  ما أمامه من صور لا يكفي للتثبت من الجريمة. عليه أن يعاين بالمشاهدة. و بالفعل يقصد الحديقة و بالفعل يجد جثة الرجل الستيني في نفس المكان التي تبدو متوضعة فيه في الصورة. يعود المصور إلى محترفه ليجد أن كل الصور و الصور السلبية قد تمت سرقتها. هنا هو يحتاج لإثبات أن هناك جريمة و بالتالي هو بحاجة إلى "شاهد" إلى "الآخر" لكي يثبت الحقيقة. فالفرد لوحده لا يمكن أن يثبت أي شيء طالما أن الحقيقة هي مفهوم جمعي. يقصد المصور زميلاً له ليرافقه إلى مكان الجثة. لكن الجثة تكون قج إختفت حين يصلا. إذاً المصور لم يعد قادراً على إثبات رؤياه بدلالة مشاهدته الوحيدة.
خائباً يعود المصور أدراجه حيث يلتقي بالمصادفة مجموعة من الشباب الذين يلونون وجوههم كالمهرجين و هم يؤدون بالطريقة الإيمائية (البانتومايم) مشهداً من لعبة تنس. ليس هناك كرة و لا مضارب هم فقط يتحركون بما يوحي أنهم يلعبون التنس. في البداية يقف المصور بعيداً يراقبهم دون أن يدخل في لعبتهم. لكن الصمت الذي يسود المشهد يبدأ بالتبدد حين نبدأ بسماع صوت إرتطام الكرة بالمضارب و الأرض. لقد بدأ المصور بالإقتناع أن هناك لعبة تنس حقيقية (أنتونيوني يفرض حضوره ثانية من خلف الكاميرا). و حين يمثل أحد اللاعبين أنه قذف الكرة خارج حدود الملعب تتابع الكاميرا مسار الكرة الوهمية على أنها الحقيقة. و يطلب أحد اللاعبين من المصور أن يحضر لهم الكرة. هنا يكون المصور قد قبل لعبة المهرجين على أنها الحقيقة. القبول الجمعي هنا للوهم يحوله إلى حقيقة. فيما المصور (ونحن معه نعلم من خلال مشهد الصور المسروقة) لم يستطع إثبات الحقيقة المؤكدة عن حصول الجريمة (رغم وجود الجثة المادي و الفيزيائي) لإن المجموع لم يشاهد الجثة، لم يضع ختم تحويلها إلى حقيقة لإنه لم يشاهدها. يتحرك المصور نحو المكان المفترض أن الكرة المفترضة وقعت فيه. يلتقط وهم الكرة و يرميها للاعبين الذين يواصلون لعبتهم المفترضة بعد "حصولهم" على الكرة . يواصلون الحقيقة التي ليس لها وجود إلا لإنهم إتفقوا (تواطؤا، لو شئت) على إعتبارها الحقيقة.
ترتفع الكاميرا لتأخذ المصور من زاوية مرتفعة قبل أن يتلاشى تدريجياً. هل كان هو الحقيقة؟ أم الوهم؟ هل نتفق نحن كجماعة من المشاهدين على أن ما كان أمامنا وهماً أم حقيقة؟ ألسنا نعرف أن الفيلم هو شكل من أشكال الوهم لكننا نتواطىء على التأثر بـ "حقيقة" أحداثه فنضحك و نبكي و ننفعل؟

"أنتونيوني" هنا، كما في كل أفلامه يبدو سيداً في تكوين كادراته التي تبدو شديدة التوازن، محسوبة و مدروسة.
كما أنه لايكف عن إرسال الإشارات التي طالما أرسلها في أفلامه السابقة عن رؤيته لمجتمعه الغربي. فـ "تكبير الصورة" يبدأ بلقطة لمجموعة الشباب المهرجين و هم يثيرون الصخب في أحد شوارع لندن، فلا ننسى أن ذلك كان زمن الهيبيز و صخب الشباب و ثورتهم ضد كل ما هو مؤسساتي. و من هنا و في مشهد عابر نرى الشباب يندفعون في شارع تجتازه راهبتان و يحرسه شرطي (الدين و السلطة). ويبدو ممتعاً حين تشاهد أفلام "أنتونيوني" مجدداً أن نفس هذا الرمز البصري قد سبق أن ظهر في فيلم "الخسوف" فحين تفتح "كلاوديا" نافذة الفندق التي تقيم فيه كرمز لمحاولتها التواصل مع محيطها خلال أزمتها، فأن ما تراه (و نراه معها من زاوية نظرها) راهبتان تأتيان من عمق الكادر و جندي يقف على زاوية المبنى المقابل.

لاقى "تكبير الصورة" إقبالاً أكبر نسبياً في صالات العرض من أفلام "أنتونيوني" السابقة مما جعله أحد أكثر أفلامه "جماهيرية" لو جاز أصلاً إطلاق هذه الصفة على أي من أعماله. و لا زال هذا الفيلم يعود إلى صالات الفن و التجربة بين حين و آخر ليتلقاه المشاهدون بشغف قد يكون قد عزّ على أفلام "أنتونيوني" الأخرى رغم أنها لا تقل أهمية عنه.

________________________________________
سينما وسينمائيون |  ستانلي كوبريك - 3
المعاني شبه الخفية في أفلام كوبريك الحربية


بعد «القتل» مباشرة دخل ستانلي كوبريك تصوير «ممرات المجد» Paths of Glory
مباشرة. وكان الفيلم الأول من خط أفلام تعامل والحرب واحتوى على فيلمين آخرين هما 
Dr Strangelove or: How I Learned to Stop Worrying and Love the Bomb وFull Metal Jacket.
لكن إذا ما نظرت مليّاً ستجد أن الحرب موجود في سياق الفيلمين التاريخيين «سبارتاكوس» و«باري ليندن» لكني سأبقى في إطار الأفلام الحربية ذاتها. 
«ممّرات المجد" مأخوذ عن رواية وضعها همفري كوب، وانتج الفيلم جيمس ب. هاريس الذي كان انتج فيلم كوبريك السابق «القتل» ثم فيلمه اللاحق «لوليتا» وبعد ذلك انتقل إلى الإخراج بفيلم من بطولة رتشارد ويدمارك وسيدني بواتييه بعنوان «حادثة بدفورد» سنة 1965 ثم تناوب بين الإنتاج والإخراج لعدّة سنوات [آخر فيلم له مازال فيلم برايان دي بالما «الأضاليا السوداء» سنة 2006]. وما جذب كوبريك للرواية التي حملت عنوان «قصيرو العمر» The Short-Timers هو أنه وجد أنه يستطيع الإستغناء عن نصف الرواية وتحقيق ما يريد منها. هذا ليس قراراً تعسّفياً ولا راجع لمسألة اكتفاء بل هو فعل الشيء نفسه في «لوليتا» و«2001: أوديسا الفضاء» و«اللمعان»، وكلّها مأخوذة عن روايات. 
رواية كوب نُشرت في العام 1935 ومجالها كان الحرب العالمية الأولى، وشخصياتها الرئيسية أربعة جنود فرنسيين قررت إدارتهم إعدامهم حتى يكونوا عبرة لمن قد يفكّر في رفض الإذعان إلى الأوامر حتى حين تكون على خطأ. والقصّة مأخوذة بتصرّف عن الواقع إذ أن أحداثاً شبيهة وقعت وتم تنفيذ حكم الإعدام بأربعة مجنّدين بناءاً على رفضهم تنفيذ الأوامر خلال محاولة اقتحام الخطوط الألمانية فيما وجده الأربعة عملية انتحار. وقد ثبت ذلك مع ارتفاع عدد القتلى وفشل الهجوم. لكن القيادة العسكرية أرادت أن تعاقبهم وتجعلهم عظة لمن يفكّر في الإقتداء بهم. كوبريك أعجبته حقيقة أنها رواية حربية ضد الحرب وهذا هو المحرّك ذاته الذي تابعناه في فيلميه اللاحقين «دكتور سترانجلف» و«سترة معدنية واقية».
يبدأ الفيلم بتعليق صوتي يمهّد لما سنعايشه. التاريخ 1916. الحرب قائمة واللقطة الأولى هي لما سيؤسس لجوهر الفيلم: الجنرال برولار (الممثل أدولف منجو) يطلب من القائد العسكري ميريو (جورج ماكريدي) توجيه رجاله صوب مهمّة مستحيلة: الخروج من خنادقهم واقتحام خنادق ألمانية في المواجهة بغية احتلالها. إنها مهمّة مستحيلة لسببين جوهريين: القوّات الألمانية لديها اليد العليا فهي محصّنة ومستعدة، والثاني أن المهاجم، من دون طائرات، عادة ما يتلقّف القدر الأكبر من الخسارة في مثل هذه المهام. ليس أن القيادة لم تعرف ذلك. خلال المشهد يرفض ميريو الفكرة. يراها تضحية ستؤدي إلى الفشل. على أنه يُغيّر رأيه حين يغريه الجنرال بالترفية الموعودة. 
كيرك دوغلاس في لقطة من "ممرات المجد"٠

الأمر ينتقل إلى الكولونيل المسؤول داكس (كيرك دوغلاس) الذي يجاهر بمعارضته. الهجوم يبدأ فاشل يقوده داكس. كاميرا المخضرم حينها جورج كراوز (صوّر أول أفلامه سنة 1923) الأبيض والأسود تلتقط القتل المرتكب في حملة رعناء وفاشلة. ليس فقط الكولونيل قال ذلك والجنود وافقوا، بل الفيلم نفسه أرادنا معايشة الحقيقة. الفوج الأول عماد المحاولة الأولى فشل تماماً وسقط منه الكثير وعاد منه من استطاع الهرب إلى مواقعه الأولى. خلال ذلك، إحدى الفرق ترفض مغادرة الخندق والإنضمام إلى باقي الجنود على الرغم من أوامر ميريو الذي يأمر فرقة أخرى بفتح النار على الجنود لكن هذه ترفض الإمتثال من دون أمر مكتوب. في هذه الأثناء يعود داكس مهزوماً بعد خسر نحو ثلث رجاله ويحاول إثناء الفرقة الرافضة. ليس فقط أن محاولته تفشل، بل يجسّدها المخرج ويجسّد عبثها حين يحاول داكس الخروج من الخندق في اللحظة التي يسقط فيها عليه جندي فرنسي سقط للتو.
قبل ذلك هناك حادثة كان يمكن أن تكون ذات مغزى لو مرّت عابرة، لكن سيناريو جيم تومسون وكالدر ولنغهام يبني عليها وضعاً آخر: قبل هذا الهجوم يقوم ضابط رعديد أسمه روجيه (واين موريس) بإرسال كشّاف، ثم بسبب جبنه وقلقه يتبعه بقنبلة يدوية معتقداً أنه يرميها على جنود ألمان، لكن كشّافه هو الذي أصيب بالقنبلة ومات. صديقه باريس (الممثل الجيّد والمهضوم الحق رالف ميكر) يدرك الحقيقة. لذلك حين يأمر الجنرال برولار، القائد ميريو بانتخاب ثلاثة جنود لتقديمهم إلى المحاكمة (فكرة ميريو كانت تقديم مئة جندي) اختار روجيه باريس لأنه الوحيد الذي يعلم بأنه قتل بخطأه (ونتيجة سكره) جندياً فرنسياً. المجنّد الثاني هو فيرو (تيموثي كاري) والثالث هو أرنو (جو تيركل).
الإعدام يتم رغم المحاكمة التي قام فيها داكس بالدفاع عن جنوده (هو محامي في الأصل)، وهي فشلت لأن القيادة تريد تبرير خطأها بالهجوم الفاشل وتحميل الجنود مسؤوليّته. داكس يطلب من روجيه أن يقود ثلّة الجنود التي ستنفّذ الأوامر، وهذا يحتج ثم يوافق. غاية داكس هي وضعه في منصب القاتل بعدما عرف السبب الذي من أجله اختار باريس. 
المفاجأة هي في الجزء الختامي من الفيلم. داكس يصل إلى مقر القيادة بدعوة من الجنرال برولار الذي دعا أيضاً القائد ميريو. هناك يفتح بولار سيرة الأمر الذي أعطاه ميريو بإطلاق النار على الفرقة، وداكس يؤكده. غاية برولار هي التضحية بميريو وتخلّصه من وعده له بترقيته. بعد مغادرة ميريو غاضباً يعرض برولار الترقية على داكس لكن هذا يرفضها.

كسر الرجال
سترلينغ هايدن: الشيوعية في مياه الشرب

في المشهد الأخير  دلالة لم أحسبها من قبل. إنه مشهد لجنود فرنسيين في حانة يستمعون لغناء مغنية ألمانية. في البداية يحتجّون على تقديمها، لكنها تسحرهم بغنائها لدرجة أن الدموع تنساب من أعين الرجال متأثّرين بكل معاناتهم. 
ما الذي فعله كوبريك بعد ذلك؟ في مشهد من فيلمه «أعين مغلقة بإتساع» سنة 1999 يتقدّم الجنود صوب ساحة يعتقدون أن المقاتلين الفييتناميين يحيطون بها. يبعثون بجندي أسود للإستشكاف وبالفعل هناك قنّاص يطلق عليه رصاصة تصيبه في موضعه الجنسي الحسّاس. يسقط الجندي جريحاً يصرخ من الألم. لاحقاً، يقتحم باقي الجنود الطابق الذي انطلقت منه الرصاصة ليكتفشوا أن القنّاص ليس سوى إمرأة. الإختلاف ليس كبيراً كما يتبدّى ومحوره استخدام المرأة لكسر الرجال في الحالتين.
قبل الوصول إلى هذا الفيلم، هناك فيلم آخر عن الحرب، لكنه ليس حربياً بقدر ما هو كوميديا سوداء ساخرة. رغم ذلك الحرب هي قوام موضوعه وصلبه. وإذا ما كان «ممرات المجد» عن حرب حقيقية (العالمية الأولى) و«عيون مغلقة بإتساع» عن حرب حقيقية أخرى (الفييتنامية)، فإن «دكتور سترانجلوف أو: كيف توقّفت عن القلق وتعلّمت حب القنبلة» (1964) وسأشير إليه بـ «دكتور ستراجلوف» تلخيصاً، هو عن حرب مفترضة: في وسط الحرب الباردة قام كوبريك بإخراج قصّة كتبها بيتر جورج بعنوان «إنذار أحمر» سانداً البطولة فيها إلى جورج سكوت، سترلينغ هايدن، سلِم بيكنز وبيتر سلرز في ثلاثة أدوار. إنه آخر أفلام المخرج بالأبيض والأسود (صوّره آخر له باع طويل هو غيلبرت تايلور الذي صوّر لاحقاً «ستار وورز» من بين أخرى عديدة).
جورج س. سكوت: الجنرال في القيادة أيضاً متطرّف

كلّنا نعرف القصّة على ما اعتقد، لذلك سأوجزها: الجنرال جاك ريبر (سترلينغ هايدن) أصابه الخبل فبات يعتقد أن الشيوعيين سمموا الماء لذلك لا يشربها، وهم موجودون في كل مكان (صورة كاريكاتورية للمكارثية) وهو يأمر طائرة محمّلة بالقنبلة النووية بالتوجه إلى موسكو وهو نوع من الأوامر لا يمكن ردّه. تنطلق الطائرة فعلاً وعليها ثلاثة ملاحين أحدهم كاوبوي قديم (سلِم بيكنز) معاملته للمهمة خالية من أي تفكير سوى إيصالها إلى مرحلة الإنجاز. إنه هو الكاوبوي الذي يركب الصاروخ النووي كركبه الحصان ملوّحاً بقبّعته حالما ينطلق الصاروخ في مهمّته. قبل ذلك، يجتمع رئيس الجمهورية الأميركي (بيتر سلرز) بأركان قيادته لمعرفة ما الذي حدث وكيف يمكن تفادي حرباً نووية. يطلب إليه المستشار المقعد دكتور سترانجلوف (سلرز أيضاً) ومن بين الحاضرين الجنرال اليميني أيضاً تيرغدسن (جورج س. سكوت) المسرور بالحرب المقبلة كون الضربة الأولى أميركية. لكن الرئيس يحاول انقاذ الموقف ويتّصل بنظيره السوفييتي معتذراً ومتابعاً معه التطوّرات.
خلال ذلك يصل الكابتن ليونل (سلرز) الى مقر الجنرال ريبر ليعرف منه ما حدث. ريبر يكاشفه بأفكاره وقناعاته وعجزه الجنسي أيضاً، ثم يدخل الحمّام ويطلق النار على نفسه على خلفية المعارك الجارية في الثكنة بين قوّاته المقتنعة بأن المهاجمين (قوات أميركية) ما هي الا قوات شيوعية مموّهة. النهاية وخيمة: الروس سيطلقون قنابلهم. الدمار العالمي حتمي.

كوبريك- فرويد
في أفلام كوبريك الحربية هناك دائماً ذلك المفهوم المتسرّب: القيادات تمضي بشغف نحو دمارها الذاتي ودمار الآخرين. خامة الفيلم الحربي تمنح هذا المخرج فرصة التعامل مع الغريزة للقتل التي تتملكّ المتطرّفين الباحثين عن تنفيذ مآربهم غير الإنسانية. القيادة الفرنسية تضحّي بجنودها والقيادة الأميركية بسلام العالم ولاحقاً -في «عيون مغلقة بإتساع» بإنسانية المحارب.
كل الشخصيات في «دكتور سترانجلوف» مثيرة للسخرية (أقلّها شخصية ليونل) والمرء يتعاطف مع الرئيس الأميركي المعتدل الذي يجد نفسه غير قادر على منع نهاية العالم. وجورج سكوت (بدوره ممثل رائع) مثير للفكاهة أيضاً. لكن الشخصية المُثلى للتصرّف الخارق هي شخصية ريبر المسكون بمخاوفه وتعصّبه. لكنه مسكين. موهوم. يضحكني دائماً حين يفشي سرّه الأول: "الشيوعيون سمموا الماء" ثم سرّه الثاني: "ما عاد يُثار جنسياً". في هذا الشق الثاني يقترب كوبريك من فرويد الذي كان يعتبر السلاح ترميزاً للجنس المفقود. على أي حال، سنجد في كل طبقة من العسكر متطرّف: جورج سكوت في القيادة العليا. هايدن في القيادة الوسطى والكاوبوي كونغ في التنفيذ. 
هذا المفهوم (السلاح والجنس) نجده لاحقاً في «كلوكوورك أورانج» لكنه متمثّل في «عيون مغلقة بإتساع» على شكل بالغ الجدّية: الجندي البريء (فنسنت دأنوفرو) عليه أن يحمل السلاح ويمحي كرامته. أن يستبدل الرجولة بالبندقية ليقتل. آمره السيرجنت العنيف (لي إرمي) هو وجه قريب من الشخصيات العسكرية الثلاث في «د. سترانجلوف». والمزيد في حلقة رابعة….



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved © By: Mohammed Rouda 2007- 2012

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular