Feb 28, 2011

سيناريوهات الثورة | وقفة الأوسكار الأخيرة : من حقاً سيفوز؟| سينما الحرب الكورية | سينما رتشارد فلايشر

YEAR 4 | ISSUE: 631

في هذا العدد

أوراق ناقد | سينمائيون في مصر وسواها من الدول العربية التي تمر بمخاضات ثورية، يكتبون أعمالاً يريدون الإسراع في تنفيذها، لكن هل الإسراع صحيح؟ | ما هي علاقة القذّافي بالسينما؟ سؤال وجيه وجوابه: سنوات من القحط بعد تجربة مصطفى العقاد

الأوسكار | الوقفة الأخيرة للأوسكار: آخر التوقّعات والإحتمالات. من سيفوز ومن يجب أن يفوز تبعاً لأية أسباب؟ هل يمكن، مثلاً، أن يكون منح "خطاب الملك" الأوسكار مبنياً على تفضيل المنتخبين اليهود في الأكاديمية لصورة الطبيب اليهودي على صورة صاحب الفايسبوك اليهودي أيضاَ التي تبدو في أفضل حالاتها- غامضة المبررات؟

الحرب والسينما | ستون سنة هذا العام على غزو كوريا الشمالية لكوريا الجنوبية واقتتال الشعب الواحد المقسّم شعبين. في هذا التقرير الموجز تغطية لأبرز الأفلام الكورية التي تناولت هذه الحرب من وجهات نظر انطلقت وطنية وانتهت تتساءل عن الهوية الحقيقية للوطن٠

مخرج | حين مات المخرج رتشارد فلايشر (المعروف بشتّى أنواع الأفلام) لم يتوقّف معظم  نقاد الغرب (وبالطبع نقاد العرب) عند وفاته.... فهو ليس عبقرياً وبالتالي لم يستحق الحديث كثيراً. لكن هذا السينمائي صاحب أفلام متنوّعة من شاكلة "تشي" و"دكتور دوليتل" و"سوليانت غرين" وعشرات سواها، لم يكن رديء التنفيذ وسطحي المقام في كل أعماله. جزء أول من جزأين حول أفلامه٠


أوراق ناقد

إتحاد النقاد |  لا زلت استلم تساؤلات من زملاء وقراء وأحياناً رسائل موجّهة تفترض بأني لا زلت من مؤسسي "الإتحاد الدولي لنقاد السينما العرب". في الحقيقة كنت أحد مؤسسيه والإسم الذي حمله هو من عندي، والجهد الذي بذلته خلال شهرين من العمل عليه كان بدافع من ايماني بضرورته- لكن وتبعاً لما نعرفه جميعاً من تجارب سابقة وجدت نفسي أمام حلّين لا ثالث لهما: استمر غير مقتنع بمسيرته الحالية او أتركه بين يدي الزميلين د. طاهر علوان وصلاح سرميني اللذان شاركاني التأسيس. وفضّلت الحل الثاني وأعلمت الزميلين بذلك خلال لقائي بهما في مهرجان دبي السينمائي الدولي. لا أريد سبر غور المبررات التي دفعتني الى ذلك، لكن اكتفي بالقول أنه حين يتنازل الواحد، ولو طوعاً، عن طموحاته فإن لا شيء آخر يعوّض٠

مطلوب سيناريوهات |  مع  تسارع الأحداث العاتية من حولنا تأتينا الأنباء بأن عدداً من السينمائيين يكتبون الآن سيناريوهات أفلامهم المقبلة استيحاءاً مما حدث. بعضهم يريد أن يعبّر فعلاً عن اللحظة الواقعة، وقد هبط الى الشارع بكاميرته الدجيتال لتسجيلها، والبعض يريد أن يكون الأول في صياغة أعمال درامية عنها من باب التسابق لوضع كلمة "أول فيلم عن ثورة ميدان التحرير" مثلاً.
لكن إذا ما كان هناك خطأ في مثل هذا المنوال من التفكير فهو اعتبار أن شأن السينما اللهاث وراء الأحداث وتحويلها الى ما يشبه التقرير الصحافي مشغولاً بالمشاهد التمثيلية لتفريقه عن الفيلم الوثائقي حين تدعو الحاجة٠
حين غزت القوّات الأميركية العراق خلال حرب الخليج الأولى، ثم حين غزته مرّة ثانية في الحرب الأخيرة شهدت هوليوود أفلاماً قليلة جدّاً عن الحربين المتواليتين. لم تصبها إثارة طاغية ولم تصرف دولاراً واحداً على خطّة عمل يتنافس فيها السينمائيون الى استحواذ الصور والمشاهد وتطعيمها ببعض الحكايات لتحويلها الى أفلام روائية. جل الأفلام التي تناولت الوضع العراقي فعلياً سواء أكان على الجبهة (مثل "خزنة الألم" الفائز بالأوسكار في العام الماضي) او تلك التي تتحدّث عن تبعات تلك الحرب في حياة الأميركيين أنفسهم ("المرسال" من بين أخرى كثيرة) تم إنتاجها بعد سنوات عديدة من الغزو و-كما نعلم- فشل معظمها لسبب وجيه: لقد سبقها التلفزيون بنشراته ووثائقياته. صحيح أن على السينما رسالة، لكن رسالتها الأولى أن تضيف وليس أن تستنسخ.

القذافي | يمكن تلخيص القذّافي وعلاقته بالسينما على النحو التالي: وافق على تمويل فيلمي الراحل مصطفى العقاد "الرسالة" و"عمر المختار" نكاية ببعض جيرانه. لم يعجبه فيلم "عمر المختار" وقال لبعض المقرّبين منه أنه فيلم رعاة بقر! أنشأ مؤسسة عامة للسينما (سٌٍميّت بـ "مؤسسة الخيالة") وتم إنتاج فيلمين روائيين في أربعين سنة وحفنة من الأفلام القصيرة.  فكّرت المؤسسة بإقامة مهرجان للفيلم القصير، لكنها لم تفعل. كل ذلك حدث في سنوات حكمه العشرين الأولى، بعد ذلك جفاف تام. لا سينما ولا أفلام ولا مهرجان ولا شيء على الإطلاق.
قبل عامين عاد الوعي إليه: إذا كان "عمر المختار" فيلم كاوبوي حسب تعبيره، فقد آن الأوان لفيلم جديد عن معسكرات الإعتقال التي أقامتها الفاشية الإيطالية للمجاهدين الليبيين المطالبين بالحرية. تم اختيار المخرج، والتقى به في جلسة طويلة وكشف له عن أنه كتب قصّة الفيلم الجديد بنفسه. وأمر بالتمويل: 50 مليون دولار. باشر المخرج العمل التحضيري وصوّر عشر دقائق فعلية من الفيلم (شاهدتها في عرض خاص جدّاً)، ثم جاءه الخبر اليقين: القذّافي صرف النظر عن الموضوع. وتبين أن رجل أعمال تدخّل لدى حكومة برلسكوني التي دفعت لليبيا (حسب المصادر) 400 مليون دولار تعويضاً لأسر المعتقلين. لا أدري إذا كان أسر المعتقلين قبضوا شيئاً من هذا التعويض، لكني أعتقد أن القذّافي خشي من إنتاج فيلم يصف فيه الإيطاليين بالعنف والتقتيل على أساس أنه قد يفعل ذلك بنفسه. وها هي الأيام تدور وإذا به يكيل لمن تاجر بهم. أما الليبيون فقد تحرروا من معسكرات الإعتقال الإيطالية ليجدوا أنفسهم لأربعين سنة ونيّف في معسكر اعتقال شيّده لهم زعيم  من ورق أخضر اعتبر نفسه سيعيد تكوين العالم٠



 الوقفة الأخيرة قبل الأوسكار: أكثر الإحتمالات ولماذا!٠

يوم الأحد السابع والعشرين من الشهر الحالي، تنجلي حفلة الأوسكار الثالثة والثمانين، عن النتائج التي حلّقت في سماء هوليوود لنحو شهرين صعدت خلالها أسهم وهبطت أسهم وارتفعت آمال ثم تلاشت أخرى من دون أن يحول ذلك الشعور بأن إمكانية وقوع مفاجآت لا تزال قائمة.  الأوسكار يحتل أولوية الإهتمام لدى نحو سبعين مليون مشاهد ومتابع حول العالم، وبعض المصادر ترفع هذا الرقم الى مئة مليون او أكثر على أساس أن خمسين بالمئة من المشاهدين- على الأقل من الأميركيين. لكن سواء أكان ذلك واقعياً او قريباً من الواقع او مغالياً، فإن جائزة يحلّق حول نتائجها كل عام هذا العدد من الجمهور كما لو أن لهم نصيب ما منها هو أمر عصي التفسير لكن العادة جرت على قبوله واستحسانه٠
التالي آخر التوقّعات والإحتمالات. ولماذا هذا الفيلم او ذلك السينمائي لديه حظ أفضل من سواه٠ 


الأفلام
......................................................................
الأفلام العشرة المرشّحة لأوسكار أفضل فيلم منقسمة لأربعة أقسام هي
الأول: أفلام لديها الحظ الأكبر في الفوز، وهي: "خطاب الملك" و"الشبكة الإجتماعية" و"البجعة السوداء"٠
القسم الثاني: أفلام لديها حظ جيّد لكن فوزها سيكون مفاجأة- إذا حدث، وهي: "المقاتل" و"استهلال" و"و"عزم حقيقي" و
و"127 ساعة" ٠
Toy Story 3

القسم الثالث: أفلام يُنظر إليها كأعمال فنيّة وهذا يضعها أمام المنتخبين: "عظمة شتوية" و"الفتيان بخير"٠
أما القسم الرابع فمؤلّف من فيلم سوف لن يفوز بأوسكار أفضل فيلم، بل سيفوز بأوسكار أفضل فيلم كرتوني وهو "توي ستوري 3"٠
الرياح المواتية من نصيب "خطاب الملك" حالياً، خصوصاً بعد فوزه ومخرجه توم هوبر بأكثر من جائزة مؤخراً، لكن "الشبكة الإجتماعية" عني للأميركيين أكثر مما عنى لهم فيلم عن تأتأة ملك بريطاني، والإثنان يكادا أن يكونا على خط واحد في لعبة الإحتمالات. ما سيرجّح التصويت لصالح "خطاب الملك" (إذا ما كان تحليلي صحيحاً)، هو أن شخصية الطبيب اليهودي في الفيلم واضحة للمنتخبين اليهود، في حين أن شخصية اليهودي في "الشبكة الإجتماعية" مُدانة على نحو واضح٠

الأفضل: "الشبكة الإجتماعية"٠
سيفوز: "خطاب الملك"٠
......................................................................
الأفلام المرشّحة لأوسكار أفضل فيلم أجنبي
Buitiful | خافييه باردم في

أربعة من الأفلام الخمسة المشاركة في هذه المسابقة لديها ما يربطها بالأحوال السياسية في العالم العربي. "بيوتيفول" المكسيكي يتحدّث عن رجل مهموم بمشاكل العالم الإجتماعية. والفيمل الدنماركي "في عالم أفضل" عن طبيب يعمل في بلد أفريقي ممزّق بالحروب الأهلية، و"خارج القانون" المقدّم بإسم الجزائر، يتحدّث عن حرب التحرير في قلب فرنسا حين تم تأليف فريق من المقاتلين الجزائريين الذين هبّوا لمساعدة إخوانهم في الجزائر عبر مهاجمة المؤسسات الفرنسية ذاتها. الفيلم الرابع هو "حرائق" الكندي، هذا الفيلم الممتاز يتحدّث عن شقيقين يعودان الى بلد عربي (المقصود به لبنان دون تسميته) للبحث عن تاريخ مؤلم وقع خلال حرب أهلية.
الفيلم الخامس هو "ضرس كلب" اليوناني، الذي يشيد عالماً مختلفاً حول عائلة تعيش في منطقة معزولة داخل منزل محاط بأسوار عالية.
المرجّح أن يفوز أحد الأفلام الأربعة المذكورة، وقد يجد المدلون بأصواتهم مندفعين، بسبب أحداث ليبيا، الى النظر الى الفيلم الجزائري بعين مؤيّدة كونه يمنحهم خلفية لوضع أوروبي- شمال أفريقي صعب من بدايته.
لكن إذا ما أحب المصوّتون عملاً أكثر اعتدالاً ورسالته أكثر شمولاً فلديهم "بيوتيفول" الذي في اعتقاد هذا الناقد الفيلم الأكثر احتمالاً بالفوز٠

الأفضل: "بيوتيفول"
سيفوز: "عن الآلهة والرجال"٠
......................................................................
المخرجون
دارن أرونوفسكي

خمسة من مخرجي الأفلام العشرة المرشّحين يتنافسون على الأوسكار: دارن أرونوفسكي عن "بجعة سوداء"، ديفيد أو راسل عن "المقاتل"، توم هوبر عن "خطاب الملك"، ديفيد فينشر عن "الشبكة الإجتماعية" وجووَل وإيثن كووَن عن "عزم حقيقي"٠
سأخاطر واعتبر الأخوين كووَن خارج الحظ هذا العام لسبب رئيسي ناتج عن مقارنة شغلهما على الفيلم بشغل المخرجين الآخرين. المثير للملاحظة هو التالي: ديفيد فينشر بارع في صنع الفيلم بكل عناصره، توم هوبر بارع في إدارة ممثليه واستخراج قوّة مسرحية من الموقف. دارن أرونوفسكي لديه قوّة واحدة أساسية أسمها نتالي بورتمن وهذا لا يكفي، أما ديفيد أو راسل، ففيلمه من النوع الجيد الذي يصل الى حد الترشيحات ويتوقّف.
كذلك في أغلب الأحوال الفيلم الفائز بالأوسكار هو أيضاً الذي يفوز بمخرجه. بالتالي، إذا ما كانت المنافسة وطيدة بين "خطاب الملك" و"الشبكة الإجتماعية" و"بجعة سوداء" فهي وطيدة على صعيد مخرجي هذه الأفلام.

الأفضل: ديفيد فينشر
سيفوز: ديفيد فينشر

...................................................................... 
الممثلون الرجال
جسي ايزنبرغ

هل تقع المفاجأة ولا يفوز كولين فيرث عن دوره في "خطاب الملك"؟
هذا صعب حدوثه، لكنه ليس أمراً مستحيلاً٠
المتسابقون لأوسكار أفضل تمثيل رجالي رئيسي هم ثلاثة أميركيين وأجنبيان. كولين فيرث البريطاني هو أحدهما والثاني هو خافييه باردم (عن "بيوتيفول" المكسيكي). وهما صاحبا أفضل أداء بلا أدنى شك. حظ فيرث أفضل من حظ باردم. في الحقيقة، باردم مقضي عليه بسبب فيرث. الثلاثة الآخرون يعانون من حالات مختلفة: جيسي ايزنبيرغ ("الشبكة الإجتماعية") جيّد، لكنه ليس بجودة فيرث. جف بردجز ("عزم حقيقي") صورة منفوخة وهو نال الأوسكار في العام الماضي وقلّما أصابت الصاعقة المكان ذاته مرّتين، فما البال بمرّتين متواليتين؟. أما جيمس فرانكو ("127 ساعة") فهو جيّد جدّاً لكن إجادته من النوع السريع في ذوبانه.
على صعيد الممثلين في الأدوار المساندة، هناك أجنبي واحد هو "رتشارد رَش عن "خطاب الملك"، لكن هذا العام هو عام كرستيان بايل عن "المقاتل". قلنا ذلك سابقاً ولا يزال الوضع، حسب اخر التقديرات، على حاله. مارك روفالو ("الفتيان بخير") وجيريمي رَنر ("البلدة") وجون هوكس ("عظمة شتوية") يمرّون بلا تأثير يذكر على شاشات أفلامهم، ومن غير المستبعد أن يمرّوا بلا تأثير يوم الإمتحان المقبل.

الأفضل (تمثيل رجالي رئيسي): كولين فيرث
سيفوز: كولين فيرث

الأفضل (تمثيل رجالي مساند): كرستيان بايل
سيفوز: كرستيان بايل
......................................................................
الممثلات
Wineter's Bone: جنيفر لورنس (اليسار) في

نيكول كدمان لن تفوز عن دورها في "جحر الأرنب". جنيفر لورنس لن تفوز عن دورها في "عظمة شتوية"، ميشيل وليامز لن تفوز عن "بلو فالنتاين" ليس لأنهن سيئات، بل لأن البساط مسحوب من تحت أقدامهن من قِبل ممثلتين هما في واجهة أوسكار أفضل ممثلة في دور رئيسي هما نتالي بورتمن ("بجعة سوداء") وآنيت بانينغ ("الفتيان بخير"). الأوسكار سيصبح بمتناول واحدة منهن، وبورتمن تتقدّم بفارق ضئيل جدّاً، لكنه قد يكون كافياً.
في صنف التمثيل النسائي في دور مساند هناك ممثلتان مشتركتان في فيلم واحد هما آمي أدامز وميليسا ليو عن "المقاتل". الأولى هي صديقة بطل الفيلم مارك وولبرغ (كان غريباً أن لا يتم ترشيحه) والثانية في دور والدته. والأم لعبت أفضل من الصديقة والغالب أنها ستنجز دورها أفضل أيضاً في سباق الأوسكار. الباقيات هن هيلينا بونام كارتر عن "خطاب الملك" (حظ معتدل)، جاكي ويفر عن "مملكة الحيوان" (حظ قليل) وهايلي ستاينفلد عن "عزم حقيقي" (حظ أقل)٠

الأفضل (تمثيل نسائي رئيسي): نتالي بورتمن
ستفوز: نتالي بورتمن
الأفضل (تمثيل نسائي مساند): هايلي ستاينفلد
ستفوز: ميليسا ليو
......................................................................
أوسكارات أخرى
لأفضل سيناريو مقتبس: آرون سوركين عن"الشبكة الإجتماعية"٠

لأفضل سيناريو مكتوب خصيصاً: كرستوفر نولان عن "استهلال" (لحد ما تعويضاً عن تغييبه عن أوسكارات أخرى٠
لأفضل تصوير: روجر ديكنز عن "عزم حقيقي" ومنافسه الأول جف كروننوذ عن "الشبكة الإجتماعية"٠
لأفضل مونتاج: أنغوس وول وكيرك باكستر عن "الشبكة الإجتماعية". منافسه: "أندرو وايزبلوم عن "بجعة حقيقية"٠
لأفضل موسيقا: التخمين صعب هنا، لكن أ. ر. رحمن مرشّح جيّد هذا العام عن 127 ساعة"، لكن موسيقا هانز زيمر عن "استهلال" أكثر حضوراً٠



السينما الكورية لا تزال تذكر الحرب الكبرى قبل ستين سنة
محمد رُضا
  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 في الخامس والعشرين من حزيران/ يونيو سنة 1950 قامت قوات كوريا الشمالية بغزو كوريا الجنوبية ما أدّى لاشتعال حرب ضروس بين البلدين تركت أثرها الدامي على الشعبين وعانت منها القرى والمدن الحدودية في كوريا الجنوبية التي سقطت لفترة تحت احتلال الجزء الشمالي من ذلك البلد الواحد ذي النظامين المتناقضين، هذا قبل أن تسترد القوات الجنوبية المناطق المحتلّة وتنقل المعارك الى ٠
North Korean.jpg   من "وطنيون شماليون في كوريا الجنوبية

ستّون سنة على تلك الحرب والكوريون لم ينسوا بعد  ضور ما حدث، بل يعيشون احتمالاتها المتجددة بين الحين والآخر. وربما اليوم أكثر من أي وقت مضى، يشعر الكوريون الجنوبيون أنهم بحاجة لسينما تتحدّث عن ويلاتها وقسوة أحداثها وكيف أن الكوري قاتل الكوري وبل قاتل، كما في فيلم "تاييكوجي" الذي تم إنتاجه قبل ست سنوات، أخاه المنشق بضراوة فرضتها ظروف الصراع٠
للمناسبة يعرض "السيماتيك الكوري" سبعة عشر فيلماً كوريا تحدّث عن تلك الحرب التي استمرّت حتى العام 1953 بينها أوّل فيلم تم إنتاجه عن تلك الحرب وهو "رد الضربة" للي كانغ-شووَن وفيه تناول كيف تؤدي الحرب الى تدمير الجانب الإنساني للبشر٠
في العام 1961 قام كيم كي ديوك بإخراج فيلم "خمسة جنود مارينز" عن الموضوع نفسه تبعه بعد عامين "المارينز ذهبوا" للي مان-هي، الذي كان في الواقع أوّل فيلم كبير الإنتاج عن تلك الحرب
المنحى الذي اختاره المخرج مان-هي واقعي مستفيداً من بعض أفلام هوليوود التي خرجت في الخمسينات حول حروبها في كوريا او في الفيلبين ضد القوات اليابانية٠
الحرب حملت، ضمن ما حملته، اضطرار عائلات كثيرة الى الإنفصال وهذا كان موضوع المخرج مان-هي التالي سنة 1965 وعنوانه "شمال وجنوب". وفي العام ذاته خرج "الشال الأحمر"، فيلم يتناول في أحداثه دور الطيران الكوري الجنوبي في ذلك الصراع. الفيلم يُعتبر من كلاسيكيات سينما الحرب الكورية وقد تُوّج ذلك بسبب نجاحه فنياً وجماهيرياً، وحالياً يتم تصوير جزء ثان من ذلك الفيلم على أن يتم عرضه في شهر آب/ أغسطس٠
Taegukgi.jpg   أخوة الحرب

بالإنتقال الى فترة أقرب إلينا نجد فيلم "جبال تايبك" للمخرج إم كوون-تايك يعالج الحرب كأزمة هوية أيضاً. لم يكن الأول الذي اقترب من هذا الجانب، لكنه الأقوى. يتحدّث الفيلم عن دور الحزب الشيوعي في كوريا الجنوبية وكيف ساهم في إشعال الفتنية بين مواطني قرى جبال تايبك القريبة من الحدود لدفعهم للحرب ضد بلادهم. لجانب الإستعراض البصري القوي واللافت أسلوباً وقيمة، هناك تلك المواقف التي تتبدّى فيها حيرة بعض الشخصيات الرئيسية وهي لا تعرف الى أن جانب تنتمي في هذا الصراع. ليس كل الشخصيات هكذا، إذ عمل المخرج، في الوقت ذاته، على إعلاء شأن البطولات الجنوبية خلال المحنة٠
"جبال تايبك" كان عملاً كبيراً تم تحقيقه سنة 1998 لكن بعد ست سنوات تم إتباعه بفيلم أكبر حجماً بعنوان "أخوة الحرب" الذي لم يكن مجرد فيلم كبير بل كان الأكبر من كل ما حققته السينما الكورية من أعمال في هذا الموضوع وأكثرها نجاحاً٠
هذا الفيلم من إخراج جي-جيو كانغ وفيه نرقب حياة عائلة كورية شمالية مؤلّفة من الأم وولديها وزوجة أكبر الولدين. يتم طلب الشقيق الأكبر للإنضمام الى الجهود العسكرية مع مطلع الحرب، وبالخطأ يتم تجنيد شقيقه الصغير، وعبثاً حاول الشقيق الأكبر التدخل لإعفاء أخيه من الخدمة، لكن محاولاته لا تنجح وما يلبث أن يجدا نفسيهما على الجبهة يقاتلان العدو المشترك. هذا يستمر، مع مشاهد قتال ضخمة، حتى يفقد الشقيق الأكبر بوصلة الإنتماء وينضم الى القوات الشمالية، وما هي الا نصف ساعة من الأحداث قبل أن يلتقي الشقيقان في رحى معركة ضارية ويتواجهان كل لصالح الطرف المضاد لأخيه٠
التراجيديا المتمثّلة بشقيقين يتقاتلان كل دفاعا عن كوريا يؤمن بها موجودة أيضاً في فيلم سابق عنوانه "وطنيون شماليون في كوريا الجنوبية" أخرجه جانغ-صون وو سنة 1990٠
في العام 2000 تجاوز فيلم "منطقة عسكرية مشتركة" كل هذه الطروحات من دون أن يفقد التركيز على المشكلة. الفيلم، من إخراج تشان-ووك بارك، يدور حول نقطة عسكرية جنوبية يتسلل إليها جنود من الطرف الآخر للسمر والسهر. العلاقات أليفة بين شعبين هما في الأصل واحد، هذا الى أن تقع حادثة فينقلب كل لمواجهة الآخر٠


مخرج
تقدير ولو متأخر: رتشارد فلايشر

حين مات رتشارد فلايشر في السادس والعشرين من شهر آذار/ مارس سنة 2006 عن 89  سنة، خلف وراءه نحو 55 فيلماً. بعضها جيد وبعضها الآخر متوسّط. لكن آخرين حققوا هذا المزيج واشتهروا .... ترى لماذا مرّ فلايشر بلا تقدير يُذكر؟- خاص بـ "ظلال ونجوم" | محمد رُضا

رتشارد فلايشر هو إبن ماكس فلايشر، أحد قدامى فناني الرسوم المتحركة في هوليوود، والى حين المنافس الوحيد لوولت ديزني في هذا المجال. أعماله تعود بتاريخها الى شخصيات مثل
Popeye, Koko, Betty Boop, Woody Woodpecker
وفي مطلع عهد رتشارد في العمل مارس إخراج بعض هذه الأفلام القصيرة، لكنه انتقل الى السينما الحيّة من العام 1942 حيث أخرج بضعة أفلام قصيرة. أعماله الأولى في السينما الروائية الطويلة أبدت اهتماماً بالفيلم نوار وشاركت في نهضته ولو أنها لم تترك ذات الأثر التي لدى مخرجين آخرين في النوع مثل فِل
كارلسون وانطوني مان وبيلي وايلدر وروبرت سيودماك
إقدام فلايشر على سينما الفيلم نوار نتج عن اهتمام حقيقي، أحد أفلامه الأولى من كتابة أنطوني مان
Follow  Me Quietly  الذي أمّ هذا النوع قبل فلايشر وأبدع فيه. هذا الفيلم هو
لم أشاهد هذا الفيلم المبكر في حياة فلايشر، لكني شاهدت له  من الفترة ذاتها  فيلماً جيّداً عنوانه
Armored Car Robbery  سرقة سيّارة محصّنة
الذي أخرجه فلايشر سنة 1950 بأسلوب كان منتشراً في مطلع تلك السينما محتوياً على أسلوب وثائقي 
Naked City و He Walked By Night تقريري نجده في أفلام مثل
والحقيقة أن فلايشر لم يعن نفسه كثيراً باللوازم الثابتة للفيلم نوار (ظلال وأشباح وشخصيات داكنة الخ...) بل صنع فيلم مطاردات وأكشن مع عناصر محدودة من الفيلم نوار
Armored Car Robbery

هناك رأس مدبّر أسمه برفيز (وليام تالمان) يدرس سرعة استجابة البوليس لنداءات مفبركة عن سرقة لأحد بنوك لوس أنجيليس لأجل معرفة كم من الوقت يحتاجه البوليس للوصول الى المكان. بعد حين ينفّذ عمليّته بعد نداء آخر استجاب له البوليس معتقداً أنه ليس صحيحاً كسوابقه. في أعقابه  مفتش البوليس تشارلز ماكغرو، لكن العقل المدبّر للسرقة خبير محترف ولن يقع بسهولة. لكن جزءاً من خطّة برفيز يتضمّن أيضاً الإحتيال على العصابة التي شكّلها للعملية، وهو يبدأ فعل ذلك على نحو استراتيجي ولو أن أحدهم (ستيف برودي) هو الذي ينجو بحياته لكنه سيعود لملاحقة بيرفيز فيما بعد. التحري كوردل (ماكغرو) سوف يستغل هذا التفكك لصالحه وسيكون ذلك بداية نهاية بيرفيز نفسه٠
هناك تشابهاً كبيراً بين أسلوب أنطوني مان وأسلوب رتشارد فلايشر حين يأتي الأمر الى استخدام الوسيلة الإخبارية التوثيقية التقريرية (مع تعليق صوتي في مطلع الفيلم وتحديد أهمية المكان كما لو كان الفيلم تابع أحداثاً حقيقية) لكن مان أفضل تأسيساً وتوظيفاً لهذا الأسلوب من فلايشر، وهذا ما يجعل هذا الفيلم، أقل فيلم نوار مما يعتبره بعض الباحثين في هذا النوع٠
يُعامل المخرج شخصيّتيه الرئيسيّتين على مستوى من التناقض: التحري كوردل يتعاضد مع رجاله وحين يخسر أحدهم ويموت يحزن عليه وحين يتم تعيين شاب مكان شريكه السابق يعامله بإحترام، بينما المجرم بارفيز يحتال على من شاركوه العملية. التحري غير فاسد. الآخر شرير كامل. هذا كان المتداول في الأفلام البوليسية عموماً في أواخر الأربعينات ومطلع الخمسينات. تعقيد الشخصية البطولية ومنحها تركيباً نفسياً رمادياً او ماض تحاول الهرب منه،  تم بعد سنوات قليلة٠
ما يعمل لصالح فلايشر في هذا الفيلم وسواه هو أنه كان يمنح المحيط والخلفية نفس المعاملة التصويرية لمقدّمة الفيلم ما يترك لدى المشاهد شعوراً بأنه يتابع حياة كاملة وما يمنح الشخصية أيضاً وجوداً عضوياً مع الإطار العام. في نفس الوقت، تركيب عناصر المشهد مثير للإهتمام (ولو لم يكن فريداً) حيث الممثل جزءاً من المحيط سواء أكان ذلك المحيط داخلياً او خارجياً
إنه فيلم لافت، ولو أنه، كما ذكرت، ليس نموذجياً كفيلم نوار. دخول المخرج في هذا الصنف من الأفلام  تم
The Narrow Margin بعد عامين حين حقق
بمزايا بصرية مشابهة (حركة البان والخلفية الواضحة في العمق الخ...) ولو أن الشخصيات بقيت بيضاء/ سوداء. حقق من بعد هذا الفيلم عملين لا أدري عنهما شيئاً الا إذا ترجمت الى ما كُتب عنهما وهذا ليس وارداً حتى مع الإعتراف بالمنشأ، لأنه قد يخرج بي عن الخط المؤلّف من ملاحظاتي علي أفلامه التي شاهدتها. في العام 1954 تأكد لمتابعيه أنه ترك سينما الفيلم نوار وراءه، للأبد تقريباً، حينما أم الفانتازيا المعروفة بـ"20 ألف فرسخ تحت الماء"،  من بطولة كيرك دوغلاس وجيمس ماسون وبول لوكاس وبيتر لوري. كان هذا أول فيلم شاهدته لفلايشر وكنت لا زلت في العاشرة او الثانية عشر. حملت ذكريات مشاهده التي تدور حول عالم مجنون يعيش تحت الماء وتلك التي تصوّر اخطبوطاً عملاقاً يترصّد البحارة الى حين شاهدته مرّة أخرى قبل نحو عشر سنوات. فيلم جيّد في نوعه (خيال علمي/ مغامرات) وأمّه المخرج بالسينما سكوب كشأن العديد من افلامه اللاحقة٠
في العام التالي أخرج فيلمين أحدهما وسترن بعنوان "بانديدو" مع روبرت ميتشوم في دور تاجر سلاح يحط قريباً من الحدود في المكسيك ليبيع السلاح ولديه خيارين: بيعه للثوار او بيعه للحكومة، وهو يختار الثورة. جيّد التنفيذ لكنه ليس من النوع الذي يترك بصمة كبيرة في نوعه او على أساس فني صرف. "الفايكنيغز"، بعد عامين كان أيضاً بالسينما سكوب، كشأن "عشرين ألف فرسخ..." و"بانديدو"، لكنه كان سيئاً في نواحي كان المخرج يستطيع التعامل معها ولم يفعل مثل اختياره السيء من الممثلين والترقيع الممارس في شخصياتهم لتبدو سكندنافية. كليشيهات ونمطيّات ولو أن مشاهد المعارك موحية ومعتنى بها
Compulsion  و Crack in the Mirror  بعد فيلمين من بطولة أورسن وَلز هما
Bandido

وفيلم وسترن آخر ("هذه الهضاب الألف") وفيلم كوميدي ("المقامرة الكبيرة") عاد الى التاريخ يضع فيها قصصه. هذه المرّة أسند الى انطوني كوين شخصية باراباس في "باراباس" (1962)، دراما عن الصراع في داخل  شخص بطله. الأحداث تدور في عهد عيسي (عليه السلام) من خلال وجهة نظر باراباس الذي يرقب أفعال المسيح من بعيد وينظر الى حياته الخاصّة. إنه لا يجد السعادة لا إذا كان كافراً ولا إذا كان مؤمناً لكنه سيعلم أن الإيمان ربما الأصدق الى ما يطلبه على أي حال٠
الرواية مأخوذه عن كاتب سويدي أسمه بار لاجرفيتز نال جائزة نوبل حينها لكن همّ المخرج ليس الأدب بل السينما (وهذا مقبول).  في مجمله هو فيلم متوسّط القيمة سواء أنظرت إليه بعيداً عن نوعه التاريخي/الإنجيلي او داخله٠
بعده مباشرة جاء "رحلة عجيبة" حيث الطريقة الوحيدة لإنقاذ عالم يعاني من الكوما الناتجة عن جلطة دموية هو الدخول في دماغه. للغاية يتم تحويل فريق من الباحثين الى ميكروسكوبات ويتم وضعهم داخل ما يشبه الغواصة وحقنهم في دماغ الرجل. فكرة غريبة، أليس كذلك؟ اليوم يبدو هذا الفيلم الذي أسندت بطولته الى ستيفن بويد وراكيل وَلش (ولعب دور النائم جان دل فال) وقد أصبح قديماً نظراً لاختلاف المؤثرات من ناحية وللراحة المونتاجية التي تتيح للمشاهد التمعّن والتأمل عوض الإسراع في التقاط البصريات من ناحية أخرى. لكن فكّر في زمن تحقيقه (1966) وتابع الحكاية وليس ما ستلتقطه من مؤثرات، وستجد أنه أحد أفضل أفلام الخيال العلمي في حينه
فيلم رتشارد فلايشر الغنائي "دكتور دوليتل" (1967) شاهدته بعينين مفتوحتين مرّة واحدة، وبعين واحدة مرّة ثانية ولم أحبّه في المرّتين. ليس فقط أنه نوع من السينما لا يعنيني كثيراً، بل لأنه تلقيم مواقف عاطفية وكوميدية مناسبة وغير مقنعة حين تريد الغوص، لبضع سنتمرات، تحت جلود شخصياتها
هذا كله تغيّر في فيلم رتشارد فلايشر اللاحق- الفيلم الذي إن كان هناك عمل  بوليسي واحد لابد من
The Boston Strangler  مشاهدته لفلايشر فليكن هذا الفيلم. إنه: خانق بوسطن 
الذي أنجزه سنة 1968 مع الراحل (حديثاً) توني كيرتس في البطولة. "خانق بوسطن" او "سفّاح بوسطن" كما حمل الفيلم عنواناً عربياً آنذاك، مبني علي أحداث حقيقية بطلها الحقيقي شخص بإسم ألبرت ديسالڤو مارس جرائم الإغتصاب والخنق في مدينة بوسطن ما بين 1962 و1968  حين ألقي القبض عليه معترفاً ومعانياً من انفصام في الشخصية. في العام 1973 قُتل داخل السجن الذي أودع فيه، ولو أن الفيلم لا يذهب الى هذا الإتجاه (كونه من إنتاج تاريخ فاصل بين القبض على المجرم وموته)٠
كثير من الإيجابيات في شغل فلايشر هنا لكن الوقت أزف للتوقّف عند هذا الحد وتكملة الإستعراض في العدد المقبل- إن شاء الله٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2006- 2211٠






Feb 22, 2011

مهرجان برلين - الأخيرة |قراءة النتائج وأهم الملاحظات

YEAR 4 | ISSUE: 630

برلينيات
ثري دي من الفترة النازية

بينما كان مخرج استرالي أسمه فرانك مورا ينقّب بحثاً في المواد الأرشيفية الألمانية المصوّرة تمهيداً لإنجاز فيلم وثائقي عن كيف استخدم النازيون السينما لخدمة إعلامهم، فوجيء باكتشافه فيلمين قصيرين (مدّة كل منهما 30 دقيقة) مصنوعان بالأبعاد الثلاثة.
بذلك يكون الألمان أوّل من اكتشف كيفية صنع أفلام ثلاثية الأبعاد في العالم. فالسائد هو أن الأميركيين أنجزوا ذلك  النظام في مطلع الخمسينات، لكن ها هي القرائن تشير الى أن أول  السينما الألمانية هي  التي سبقت نظيراتها حول العالم، فتاريخ هذين الفيلمين يعود الى سنة 1939
إنه اكتشاف بالغ الأهمية يُعيد النظر في أشياء كثيرة من بينها أن هناك قيمة بالغة الأهمية حتى في الأفلام ذات القصد الإعلامي او ما يُسمى بسينما البروباغاندا. فالغاية لإتقان اللغة السينمائية التي من خلالها يتم التعبير عن الفيلم (أي فيلم) لم يتوقّف والكثير مما نراه اليوم في هذا الصدد هو تطوير لما كان سائداً. فنحن نعلم أن الألوان مورست حتى حينما كانت السينما لا زالت عبارة عن أفلام قصيرة صامتة في السنوات العشر الأولى من القرن العشرين، وأن التعبير عن زمانين، ماض وآني، في فيلم واحد على طريقة "فلاشباك" تم أيضاً في تلك الفترة. وبل أن نطق السينما كان مثار محاولات عدّة سنوات طويلة قبل أن ينبري "مغني الجاز" للنطق -جزئياً- سنة 1927
بالنسبة للمؤرخين فإن هذا الإكتشاف الجديد بالغ القيمة وسيعيد إرساء جديد على التاريخ الفعلي للسينما ما يعني أنه كلمّا اعتقدنا أننا فهمنا التاريخ واعتبرناه مرجعاً موثوقاً، كلما تبدّت لنا حقائق جديدة تغيّر مفهومه تغيّراً كاملاً، وهذا ليس فقط بالنسبة للسينما، بل بالنسبة لكل شؤون الحياة
الكاميرا غير الخفية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا زلت على اعتقادي وبل يزداد هذا الإعتقاد رسوخاً: معظم من يستخدم الكاميرا كما لو كان يحرك أصبعه في الهواء يفعل ذلك لأنه لا حساً فنياً لديه يرشده الى كيف يستخدم الكاميرا لصالح الفيلم. في أفلام هؤلاء تتحرّك الكاميرا كما لو كانت الجزرة أمام المشاهد. تلهث. تصعد. تهبط. تستدير يمينا او يساراً. ترتجف.  تهتز وكل ذلك بإسم الواقعية او "الطبيعية".
الحقيقة هي أن تأطير اللقطة، إضاءتها، تحديد حجمها وزاويتها، والإنتقال من لقطة الى أخرى ضمن منهج فني أمر غير سهل على الإطلاق.  صحيح أن القرار في التصوير يتّخذه مدير التصوير، لكن هذا يعمل بمقتضى منهج المخرج وكيف يعالج موضوعه الدرامي ولأي غاية. المخرج الذي لا يعرف كيف يوضّب لقطاته وبالتالي مشاهده، سيجد من السهولة بمكان كبير أن يطلب من مدير تصويره أن يحمل الكاميرا واللهاث وراء الممثل حينا وأمامه حيناً ثم تركه ورمي نظرة على المكان وربما على سيارة مارّة او إمرأة ترمي مياها وسخة في الشارع قبل أن تستدير في عودة الى الممثل.... كل ذلك من دون دواع فعلية.
في أحد الأفلام التي شاهدتها مؤخراً تنحدر الكاميرا من الممثل السائر في الطريق لكي تتبع حذاءه الأيسر. لماذا؟
ما يفعله مثل هذا المخرج هو الطلب من المشاهد النظر الى الفيلم من خلال الكاميرا وليس مباشرة، بينما لا شيء علي الإطلاق- حتى التمثيل او الإخراج، يجب أن ينزع نحو معاملة نافرة متدخلاً بين الجمهور وفيلمه- فما البال بالتصوير؟
إحترام المرأة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تجمع بطلة فيلم  ألماني عُرض هنا قطع زجاج مكسور ومتناثر وتضعه على حافة الكنبة ثم ... تجلس عليها بهدف الإنتقام من نفسها بعدما لاحظت أن شريكها في البطولة ضحّى بها لأجل إمرأة أخرى.
وكنا في العام السابق ما شاهدنا بطلة فيلم آخر تؤذي نفسها على نحو أفظع مستخدمة المقص لأنها لم تعد تستطيع السيطرة على عواطفها.
ما يعتبره الآخرون فنّا، أراه بلاهة، وما يعتبرونه تعبيراً راقياً أراه سخفاً. وفي حين أن هناك أساليب كثيرة تستطيع من خلالها الحديث عن مشاعر المرأة، فإن أكثر هذه الأساليب رداءة هو أن تأتي فجّة ومفروضة وغير قابلة للمنطق او التصديق.
ما الذي كان يُضير المخرج الذي اعتقد أنه يكتشف الماء الساخن لو أنه جهد قليلاً ووجد طريقة أخرى للتعبير عن أزمة بطله من دون هذه المشاهد التي يُقصد بها استحواذ الإهتمام مجانياً. إحداث صدمة واعتبار أن إحداث الصدمة بحد ذاته هو فن عظيم.
في حديث الغرب عن المرأة وتقديرها، تراهم في خضم معايير مزدوجة. المرأة هناك نالت حريّات وخسرت أخرى. ليس أن عالمنا يخلو من عيوب لكن من حسناته أن نساءنا لا زلن يتعاملن واخلاقيات مزروعة في مكانها تحدد لهن خيارات لا يمكن أن تعود عليهن بالضرر إذا ما مورست، من قبلها ومن قِبل الرجل، على نحو منصف وصحيح.
حين ورد مشهد الجلوس على الزجاج المكسور، خفت على الزجاج او على نفسي من الأذى وقررت أنني شاهدت ما يكفي من الأفلام ولا أريد أن أقع مريضاً في أيام المهرجان الأخيرة. تركت الصالة وبحثت عن فيلم آخر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
  الدب الذهبي بلون أخضر:
أخيراً فازت السياسة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كما انقسم الحضور حيال فيلم "نادر وسيمين" حين عرضه، انقسموا ثانية حين إعلان النتائج.
الإنقسام الأول كان تبعاً لمشاهدة الفيلم. كثيرون أحبّوا الفيلم لخصاله الفنية والخطابية، وكثيرين أيضاً اعتبروه فيلماً جيّد الصنع إنما ليس بالجودة التي يدّعيها الفريق الأول.
الإنقسام الثاني تبع إعلان جوائز الدورة الحادية والستين الحالية مساء التاسع عشر الحالي. صفق البعض وصفّر البعض، لكن إذا ما كانت الغالبية بالعددية، فإن عدد المصفّقين غلب على عدد المصفّرين.
المشكلة هي أن الفيلم، الذي هو دراما إجتماعية حول تبعات الإنفصال لزوجيّن قررا أن طريق كل منهما يختلف عن الآخر، يصب في وسط وضع سياسي ساخن يحيط بالوضع الشامل لمنطقة الشرق الأوسط. ومع أن لجنة التحكيم لم تشر إليه، الا أنه كان هناك على المنصّة كما كان هناك حينما تم عرض ذلك الفيلم وفي كل يوم آخر.
وبما أن ما يحدث في إيران حاضر بقوّة، فإن منح الفيلم جائزة الدب الذهبي كان فعلاً سياسياً أكثر منه أي شيء آخر.  الأمل، كما لابد داعب المهرجان ولجنة التحكيم، هو أن يحرج ذلك الحكومة الإيرانية ويرد على قرارها بحرمان جعفر بناهي من السفر. ففي نهاية الأمر، كان من المفترض بالمخرج الإيراني المُقيّد الى قرار بإدانته لفيلم لم يحققه بعد، أن يشترك في لجنة التحكيم التي ترأستها الممثلة الإيطالية إيزابيلا روسيليني، وقرار بمنح الفيلم الإيراني "نادر وسيمين" الجائزة الأولى (وجائزتي أفضل تمثيل نسائي وأفضل تمثيل رجالي) هو من باب الرد من ناحية ومن باب التعاطف مع منتقدي النظام- هذا على الرغم من أن "نادر وسيمين" لا ينتقد شيئاً. إنه ليس فيلماً سياسياً ولا يهدف أن يكون والا لما سُمح له بالإنتقال الى المهرجان الحالي.
لكن السؤال عمّا إذا كان فوز هذا الفيلم الدرامي الإجتماعي الذي لا بأس بمستواه (أخرجه أصغر فارهادي الذي سبق وله وأن أخرج فيلماً لافتاً أيضاً بعنوان "حول إيلي") سيحرج فعلاً نظام ماض في تعسّف الناس والمثقّفين وأهل المهنة السينمائية. بالتالي، من هو الذي يضحك أخيراً: مهرجان برلين معتقداً أنه أسدى للنظام ضربة ما، او النظام الذي نال الجائزة رغم كل شيء؟
المضحك- المؤلم هو أن نيل الجائزة أمر معنوي لا حجماً تأثيرياً له على الإطلاق، وأن أصغر فارهادي فاز على كتفي مخرج آخر اضطرته الظروف لكي يبقى في مكانه غير قادر، كما قال في رسالته الى المهرجان، الا على الحلم. فكيف يمكن أن يساعده فوز فيلم إيراني بإستثناء مباركته الطيّبة؟
نادر وسيمين: انفصال

الأمر الآخر هو التالي:
فيلم أصغر فارهادي عبارة عن موضوع جيّد مُعالج بإدارة فنيّة مركّبة، لكنه ليس خرقاً للمعتاد الفني. الفيلم الثاني في عداد الفائزين هو "حصان تورينو" الذي لم يتضمّن المهرجان ما يتجاوزه من حسنات فنيّة وطريقة تنفيذ. موضوع من خارج العالم الذي نعيش فيه يلتقي وشجون شخصياته الإنسانية البسيطة. ومعالجة سينمائية تصر على الصعب وتصهره في جماليات رائعة.
النتيجة التي توصّلت اليها لجنة التحكيم لا يمكن أن تكون كما جاءت لو أنها حكمت على النواحي الفنية وحدها وتركت السياسة للنظم وأهل تلك المهنة، لكن مرّة أخرى، ولن تكون الأخيرة، تغلب ما يُعتقد بأنه مصلحة سياسية على ما هو سينمائي بحت.
طبعاً كان من الأسوأ أن ينال فيلم آخر الجائزة الأولى او الثانية. أفلام المسابقة هذا العام  فكثير من الأفلام هذه السنة لم ترتق الى المستوى الجيّد الذي تعوّدناه من المهرجان هذه السنة.  الغالبية كانت على قدر معين من الجودة لا ترتفع عنه بما في ذلك الأفلام الألمانية التي قيل فيها (على الورق) أنها تعبّر عن سنة قوية من الإنتاجات. أحد هذه الأفلام "إذا لم نكن نحن، من؟": دراما اجتماعية عن كيف انساق الشباب الألماني في الستينات الى حياة من البذخ العاطفي والسياسي خالطين بين الجنس والمخدرات والسياسة. إذا ما كان الفيلم أراد التعبير عن فترة، فهو سقط في الإنضمام الى التأطير وخوض التاريخ كما يقرأه. قائم على الحوار وخال من فرص تعبير حقيقية، لكنه ليس رديء الصنع مطلقاً، بل عادي في طريقة سرده لدرجة لا تخلو من الملل.
الفيلم التركي "يأسنا الكبير" لسيفي تيومان أفضل حالاً لكن ليس بكثير. كذلك أفضل حالاً من الفيلم التركي الذي شوهد في مطلع هذه الدورة " لياسمين سمدريللي. إنه حول صديقين من سنوات بعيدة يستقبلان شقيقة صديق ثالث لتعيش معهما في الشقّة الكبيرة الهادئة شرط تركها وشأنها وعدم التعرّض إليها، وذلك إثر محنة عائلية وقعت لها. لكن كل منهما واقع في حبها لا محالة. الفيلم من هنا يرصد تغيّر حالتهما السابقة. ليس أن الصديقين يتعاديان بسببها، لكن بالطبع هناك تلك اللحظات التي يود كل منهما لو أنها تحبّه هو. فيلم تيومان بذلك دراما عاطفية مثيرة للإهتمام ومشغولة بحس كلاسيكي هاديء بلا مغامرات فنية او أسلوب عمل لافت.
"أودم" الإسرائيلي (أيضاً من المنطقة ذاتها التي ضمّت هذا العام تركيا وإيران وإسرائيل) عن المرأتين الفلسطينيّتين اللتين تلتقيا في لندن بعد طول غياب وتسردان،  كل للأخرى ولنا، مزيج من الذكريات العاطفية وتمرّان على أحداث ومواقف سياسية عانتا منها حينما كانتا تعيشيان في رام الله. مرّة أخرى، نجد الموضوع المهم المعبّر عنه بجفاف فني على يدي المخرج جوناثان ساغال على الرغم من صدق رغبته في وصم الإحتلال الإسرائيلي بالإغتصاب رابطاً ما حدث لهما بما يحدث للأرض الفلسطينية٠
يأسنا الكبير- تركيا
أما باقي الأفلام الآتية من دول أوروبية فبعضها لم يكن يخلو من تحدّيات، لكن الهدف ضاع عليها فلم تصبه. المثال الأوضح هو فيلم "سبت بريء" للروسي ألكسندر ميندازه حول ربيع سنة 1986 عندما اشتعل الأفق في شرنوبل بلون برتقالي بعدما انفجرت محطّة شرنوبل فجأة. الفيلم يقع في يوم واحد حيث يحاول بطل الفيلم (أنطون شاغان) انقاذ نفسه وصديقته وحين تفوتهما الفرصة ينضمّان الى حفلة عرس تُقام على الرغم من كل المخاطر الصحية التي يعلم الجميع مداها. من نصف ساعة أولى تعد بعمل صارخ، الى ساعة لاحقة يقضيها المخرج في فوضى من الصورة والصوت. الأولي تصبح لهاثاً لا طائل منه والثاني ضجيجاً يشبه ذلك الذي ينتج عادة عن أصوات طحن نحاسية ممتزجة مع صوت موتور قطار قديم سقطت سمّاعات الصوت في داخله. قبل النتائج عرض فيلم ألباني وهي المرّة الأولى في تاريخ المهرجان الذي يتم فيه عرض فيلم من هناك: إنه "غفران من الدم" لجوشوا مارستون (أميركي) عن ثأر بين عائلتين في قرية ألبانية ومعاناة بطل الفيلم الشاب من جراء هذا الوضع كما معاناة شقيقته التي عليها أن تبيع الخبر عوض أبيها الهارب خوفاً من القتل. كل ما كان يحتاجه هذا الفيلم هو شيء من البعد الإجتماعي الأوسع للحالة التي يرصدها لأن الحكاية كما هي لا تخرج عن نطاق قصّة عادية معزولة عن محيطها قدر الإمكان. فيلم جيّد، كما الحال مع الفيلم التركي "يأسنا الكبير" ومثله أيضاً يبقى محدود الطموحات والنتائج.

وفي حين نال "نادر وسيمين" الدب الذهبي وتبعه "حصان تورينو" حاصداً الدب الفضّي، نال، كما ذكرنا، فريق ممثلي الفيلم الأول، ذكوراً وأناثا، جائزتي التمثيل. أما جائزة أفضل مخرج فذهبت للألماني أولريخ كولر عن "مرض النوم" الذي تدور أحداثه في أفريقيا حول إمرأة ألمانية تجد أن عمل زوجها هناك يباعدها عنه. وكالعادة، ذهبت جائزة السيناريو للفكرة وليس لحيثيات الكتابة وبذلك نالها "غفران من الدم" علماً بأن بعض قصوره عائد الى السيناريو ذاته.
في مجال التصوير حصد  ووجيش ستارون  الجائزة في هذا المجال وهو الذي صوّر فيلم "الجائزة"، أحد تلك الأفلام المصنوعة بكاميرا مهزوزة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 سبعة أيام برلينية: تعدد القضايا وغياب الهم الجماعي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مخرج وبطلا فيلم "سبت بريء" الروسي خلال تقديم الفيلم

البعد الشاسع بين السينما العربية وبين كل ما عداها يتكشف هذا العام مع كل يوم يمر من أيام هذا المهرجان السينمائي الكبير. لقد لاحظنا هنا، كما لاحظ سوانا، غياب السينما العربية- لكن هذا الغياب هو قاعدة وليس استثناءاً، بينما بات غياب سينما أخرى من المنطقة ذاتها هو القاعدة وليس الإستثناء.
فمبدأياً، لا يوجد منطق وراء غياب السينما العربية بل مناهج تفكير خطأ تتمدد بإتجاهات ثقافية واجتماعية وسياسية تجتمع تحت مظلّة "اللا إكتراث". لكن حتى هذا التجمّع لا يعني أنه السبب الوحيد وراء الغياب الذي يزداد وضعه فداحة حينما نلحظ الإهتمام الكبير الذي يبديه المجتمع السينمائي بالسينما الإيرانية والتجاهل الكامل للسينما العربية.
هذا على الرغم مما نعرفه جميعاً من العداوة المتبادلة بين ايران والغرب ما يوعز الى فكرة أن الغرب ربما يحب من يعاديه. بالتالي، إذا ما كان هذا صحيحاً، فإن السينما العربية التي ليس لديها منهج معاد ولا تنطلق من وضع ايديولوجي متزمّت تخسر أشواطاً حتى قبل أن يصل الفيلم الى شاشات المهرجانات الدولية.
هذا الكلام يأتي على ضوء الإستقبال الجيّد الذي أحاط بفيلم أصغر فرهاردي الجديد "نادر وسيمين: إنفصال" الذي تم تقديمه في المسابقة يوم أول من أمس (الإثنين) وهو الفيلم المقدّم رسمياً بإسم إيران، أي أن الدولة التي جلبت على نفسها انتقادات المحافل الدولية لحكمها الجائر على المخرج جعفر بناهي، هي ذاتها التي استقبل فيلمها بترحيب شديد وبل باعتقاد شامل بأن هذا الفيلم جدير بالجائزة الكبرى إذا ما قررت لجنة التحكيم ذلك.
المحيّر في الموضوع أن الفيلم فيه نقد لجوانب سلبية في المجتمع الإيراني، لكنه ليس في الأسلوب العاكس لسينما ذاتية الطرح كتلك التي في أعمال بناهي. فهل يعني ذلك أن المسؤولين هناك لا يمانعون النقد إذا ما ورد ضمن في خانة الحكاية الإجتماعية المعهودة ويعارضونها إذا ما كانت ضمن أسلوب سرد يرصد الحالة على نحو من يسلّط الضوء عليها؟ وما الفرق حينها إذا ما كان العملان ناقدان؟ أم أن المسألة هي أن بناهي مقصود لذاته، في حين أن فرهادي لا يزال معتبراً من أبناء النظام الذي سيتاح لهم تناول ما يريد طالما أنه في النهاية يصوّر المسألة علي أساس أنها قصّة لا أكثر من ذلك او أقل؟

بلا محور
الإجابات تحتاج الي بحث، لكن ما هو مؤكد أن هذا الفيلم تحديداً من بين بضعة أفلام رفعت درجة الحرارة في مهرجان  خلال الأيام القليلة الأخيرة. فمن بعد بداية واعدة بفيلم واحد (هو الأميركي "نداء جانبي" الذي لا يبدو أنه سينجز أي نجاح على صعيد الجوائز) طغت جملة من الأفلام التي تبدو كما لو ضلّت طريقها الى شاشة هذا المهرجان من بينها الفيلم التركي/ الألماني "ألمانيا" لياسمين سيمديرللي، و"كهف الأحلام" لڤرنر هرتزوغ  (ألمانيا) و"السبت البريء" لألكسندر مينداز (روسيا)، و-على الأخص- "الجائزة" لباولا ماركوفيتش (المكسيك)  و"مرض النوم" لأولريخ كولر (ألمانيا). وحتى الفيلم الكرتوني "حكايات الليل" للفرنسي ميشيل أوسيلو لم ينجز جمالاً للتنويع الذي افترض أنه سيحدثه.
 كذلك فإن أفلاما تم تقديمها خارج المسابقة إنما ضمن البرنامج الرسمي كأعمال رئيسية لم تأت بمستوى فني كبير، كما الحال مع "مدخل الخدم" للفرنسي فيليب لو غواي  وبقي لفيلم "مجهول" لخوام كوليت سيرا و"وحدة النخبة 2" إيجابية أنهما من النوع التشويقي الذي حد من استغراق المشاهدين في النوم خلال عروض الأفلام المذكورة.
لكن مع دخول المهرجان نصفه الثاني سخن الجو فجأة. صار لدى المرء أعمالاً يتحدّث عنها الحضور في إعجاب او-على الأقل- في اختلاف بين استحقاقه للجائزة او عدمها، او حتى فيما إذا ما كان فيلماً جيّداً او مجرد محاكاة للجودة.
أحد هذه الأفلام التي دار ولا يزال لغط كبير حولها هو فيلم تيلا بار "حصان تورينو" الذي -وكما تنبأنا بالأمس- وجد من أحبّه كثيراً ومن كرهه جدّاً من دون لقاء وسط.
أما الفيلم الإيراني "نادر وسيمين: انفصال" فهو مشغول ببراعة مخرج لفت اليه الأنظار في فيلمه السابق "عن إيلي" الذي لم يستحق في الواقع كل ذلك التقدير الذي لاقاه.
ما يتكشّف عنه هذا الوضع هو أن ما يضعف المهرجان ربما التنويع الشديد ليس في الأساليب فقط بل في الطروحات. علي عكس السنة الماضية حين تصدر موضوع الإسلام والمسلمين المهاجرين  طروحات ثلاثة أفلام عرضت في المسابقة الرسمية، لجانب الفيلم التركي "عسل" الذي نقل شريحة حياة ثقافية من الأناضول الى الشاشة الكبيرة بذكاء مفرط، فإن أفلام هذه السنة لا محوراً جامعاً لها بل حكايات تذهب في كل إتجاه حسب ما أثار رغبة السينمائي الواقف خلف عمله.
طبعاً إختلاف المضامين لا علاقة له بقيمة الأفلام المعروضة، فهذه تتبع شروطاً أخرى، لكن ما ينتج عن ذلك هو تشرذم ناصية تثير الإهتمام أكثر وتمنح المراقب القدرة على اعتبار أن الدورة هي مؤشر عاكس وصحيح لما يمر به العالم اليوم من قضايا.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2006- 2211٠




Feb 18, 2011

مهرجان برلين السينمائي- الحلقة الخامسة |تحفة من بيلا تار | مقابلة مع راف فاينس

YEAR 4 | ISSUE: 629


اللقطة الأولى | لا اتفاق ولا تراجع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
آندي فاينا لمن لا يتذكّره كان يحلّق في سماء الإنتاجات الأميركية في الثمانينات. كان أسس واللبناني ماريو قصّار شركة "كارولكو" للإنتاج التي موّلت عدداً كبيراً من الأفلام الناجحة من بينها سلسلة "رامبو" وفيلمين من بطولة شارون ستون أوّلهما، "حس فطري"، جاء لافتاً في نجاحه.
في الأصل هو من مواليد المجر نزح الى الغرب في أواخر السبعينات. وبعد انضواء فترة كارولكو وانتهائها التام، بقي غائباً بدوره عن الظهور ولم نعد نقرأ أسمه وارداً كخبر الا في المرات النادرة.
الآن يعود إسمه لامعاً في الدورة الحالية من مهرجان برلين والسبب هو أنه كان عاد لبلاده بعدما طلبه مسؤوليها للإشراف على هيئتها الإنتاجية. لقد وجدت وزارة الثقافة أنها لا تريد الإنفاق على مشاريع فنية فجمّدت كل شيء وطلبت منه أن يدير الهيئة الرسمية كشركة أميركية تجارية.
للبعض ربما هذا هو التقدّم. للسينمائيين في المجر او في أي مكان آخر يمكن أن يقع فيه هذا الوضع، فإنه التخلّف بعينه. ووجهة النظر هنا هي أن من يريد تحقيق أفلام جماهيرية يستطيع أن يفعل ذلك بنفسه بعيداً عن مؤسسة رسمية داعمة وسيجد بين المموّلين من هم مستعدين للغاية. أما المؤسسة فهي يجب أن تبقى في خدمة السينمائيين الجادّين الباحثين عن فرص إبداع.
هذا نتج عنه خلافاً كبيراً والخلاف انتقل يوم أول أمس (الأحد) الى برلين حيث تم عقد لقاء عاصف بين آندي فاينا ومسؤولين معه من ناحية وعدد من النقاد الأوروبيين والسينمائيين المجريين من ناحية أخرى. لا اتفاق ولا تراجع بل معركة ثقافية طويلة مستمرة، هي بدورها ليست الأولى ولن تكون الأخيرة.

FILM |THE  TURIN HORSE *****
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بيلا تار يقدّم شخصيّتان تتألّمان .... طوال الوقت


  المؤكد أن عدد الذين غادروا القاعة خلال عرض فيلم بيلا تار الجديد "حصان تورينو" هم أكثر من عدد اللقطات التي يحتويها هذا الفيلم المعجون بأسلوب المخرج المجري الذي إما تحب أفلامه تماماً او تكرهها كلياً من دون موقف وسط.
لقطاته الطويلة التي تدوم وتدوم. حكاياته المؤلّفة من مشاهد تواصل الإلتفاف حول نفسها مرّات ومرّات، أسلوبه القشيب الذي يبدو كما لو أن مخرجه حقق فيلمه ببطاقة مصرفية، كلها من علامات بيلا تار الذي، رغم كل تلك اللقطات وتلك المشاهد وذلك الأسلوب، هو من فناني السينما من دون أي ريب.
الموضوع الذي يتطرق إليه المخرج المجري بيلا تار مرة بعد مرّة هو البؤس. إنه ليس الموضوع الذي يريد معظم الناس مشاهدته، لكنه الموضوع الذي ينبري اليه بضع مخرجين حول العالم مميزين أساساً برغبتهم في عدم مشاركة هذا المعظم من الناس أهواءهم ومناهم تفكيرهم وألوان حياتهم٠
هم وحيدون كشخصياتهم وبيلا تار كذلك٠
المرء لا يحتاج الي اختيار مشاهد تدل على صور البؤس في أفلامه، بل يكفي أن يذكر هذه الأفلم. كل فيلم وكل الأفلام التي حققها واهتم بها هي انعكاس لبؤس الناس في عالمه. الصعوبة هي البحث عن كيف يثير هذا الموضوع الداكن اهتمام مثقفي ونقاد السينما حول العالم؟ لماذا نجد في هذه الأفلام حافزاً فنيا واضحاً؟ لماذا لا تنضوي أعماله تحت فئة الميلودراميات التي دأبت عليها سينمات أخرى؟
الجواب على هذه الاسئلة يكمن في أن بيلا تار لا يلفّق ما يعرضه. لكي يفعل ذلك عليه أولا أن يكون راوياً قصصياً، لكنه لا يحقق أفلامه ليروي قصّة، بل يحققها وفي باله المحيط الإجتماعي العام والصدام الشخصي بين وضع وآخر. بين قديم وحديث. ثابت ومتغيّر. أحداثه القليلة، حتى في فيلم "تانغو الشيطان" الذي زادت مدّة عرضه عن السبع ساعات (سبع ساعات و50 دقيقة تحديداً)  والذي شوهد لأول مرّة على شاشة مهرجان تورنتو سنة إنتاجه (ثم على أسطوانة) لا تشكل محركاً ودافعاً سردياً، بل تبقى جزءا من العمل المنتمي الى الحياة. بالتالي هو جزء من حياة مرصودة. حين سألته الإيضاح قال
الحياة لا توفّر القصص كما نراها عادة. القصّة لكي تقع أحياناً ما تتطلّب سنوات، هذا إذا انتهت أحداثها عند حد معين"٠
حين يدخل المرء أعماله يجد أن العالم الذي يختار هذا المخرج تصويره هو الفيلم نفسه. هذا العالم قد يكون البيت وقد يكون القرية او البلدة، او أي موقع  منعزل (عادة)، لكنه العالم كله بالنسبة لأبطاله الذين لا يعرفون من الحياة سوى محيطهم القريب٠
لذلك يصدّق المرء كل ما يقدّمه المخرج إليه. يصدّق هذه السماء الضبابية  وهي تمطر والبرد وهو يقرص الأبدان ويصدق الشخصيات الواقعة في العوز والمعانية من تراكماته ونتائجه. يصدق ما في الفيلم بأسره من قراءات سواء وافق عليه او تحفّظ. فهذا ليس مهماً. فيلم لبيلا تار هو رأى ورؤية ومخرج وبسبب حسن المعالجة يحترم المشاهد ما يراه وما يقرأه شريطة أن يقبل شروط المخرج الفنية. التصوير المدقع في الرتابة. الإيطاع البطيء والحركة المحدودة والأحداث المتباعدة. أفلامه ليست جمالية- تزيينية (لا في التلقي الذهني ولا في  الإستقبال البصري)  والبعض في المجر وصفها بأنها "ليست جميلة" وفي مطلع الثمانينات بعد ثلاثة أفلام له فقط، وُصف بأنه "مخرج البشاعة"٠
لكن هذا جزء من الصورة الكبيرة. هناك الأسلوب الذي يعتمده المخرج لعمله. تلك اللقطات الطويلة زمناً كما لو زن الفيلم لا يعرف مقص المونتير والتصوير من بعيد ليحافظ على مسافة ليس عليه، كمخرج، تجاوزها صوب شخصياته. هذا ما يجعل المسافة قائمة أساساً بين المخرج وبين الفيلم كمادة مسرودة. لولا تلك المسافة لم كانت هناك حاجة لتقديم الأفلام بهذا الأسلوب ولتحوّل الفيلم من فن للقراءة الى حكاية للمشاهدة٠ كما قال لهذا الناقد في حديث غير صحافي تم بيننا سنة 2001
فيلم بيلا تار، أي فيلم لبيلا تار، يصفع الناظر بمشاهد من الصعب أن تُمحى من البال. في الحقيقة، فيلمه  الطويل جدّاً "تانغو الشيطان" كلّه يبقى في البال كما لو شوهد بالأمس بمشاهده الطويلة، معايشاته المتمددة التي لا يمكن معرفة متى ستنتهي صوب معايشة أخرى. بلقطاته التي تحرص على تأطير البيئة المنتقلة الى الشاشة. بذلك يبقيها تحت الضوء وفي المدّمة. الساحة الكبيرة التي تتحرك عليها الأشياء والشخصيات معا. إنه كما لو أن المخرج يخشى (او ربما يدرك) انه لو اقترب كثيراً من الشخصيات التي لديه اضطر المشاهد لإهمال ذلك المحيط. علي ذلك يسمح لنفسه بلقطات قريبة عند الضرورة خصوصاً في الحالات التي تعكس البؤس كاملاً٠

أيام بلا زمن

الفيلم الجديد يبدأ بذكر حادثة تردد أنها وقعت مع  نيتشه في تورينو سنة 1889 حينما شاهد حصاناً يتلقّى الضرب المبرح من صاحبه، فما كان منه الا أن هرع الى الحصان وحضن رأسه وأخذ يبكي. وحسب ما يرد في مقدّمة مطبوعة قبل المشهد الأول في الفيلم، سقط الفيلسوف مريضاً من بعد ذلك وحتى وفاته. لكن الفيلم لا يريد أن يبحث في تصرّف نيتشه او دوافعه او حتى ما حدث له من مرض، بل يسأل ".... لكن ما الذي حدث للحصان؟"٠
وينطلق المشهد الأول: الكاميرا على حصان يجر عربة ثقيلة وفوقها رجل يحثّه بالسوط على المضي. المكان ريفي والكاميرا تتراجع الى الوراء وتمسح جانب الحصان والعربة ومن فوقها ببطء لتعود بعد ذلك الى الجزء الأمامي من الحصان كل ذلك بلقطة طويلة واحدة لا تريد أن تنتهي وتستمر طوال المشهد (نحو أربع دقائق). في نهاية تلك اللقطة من الممكن مشاهد الحصان وقد أخذت خطواته تقصر وعنقه يميل الى تحت دلالة تعبه. هنا ينتهي المشهد ليبدأ آخر: الحصان والعربة ومن عليهما يصلون الى مبتغاهم: البيت الريفي الذي يقطنه الرجل والمؤلّف من دار بدائية ومبنى نصفه اسطبل ونصفه الثاني لكل شيء آخر. بنفس التفاصيل، نرى إبنة الرجل (إمرأة في الثلاثينات على الأرجح) وهي تساعد أبيها في فك الحصان عن العربة وإدخاله الإصطبل قبل أن يتوجّهان الى البيت في الوقت الذي تنطلق فيه عاصفة من الرياح الشديدة ستستمر معنا للأيام الست التالية
ليس هنا الكثير مما قد يحدث في بيت معزول عن العالم، بلا كهرباء وبلا ماء (الا من بئر قريب) وبلا أثاث. في الحقيقة لا نعرف إذا كنّا نعايش شخصيات تنتمى الى أواخر القرن التاسع عشر او منتصف عشرينات القرن العشرين، او بعد ذلك او قبله. ليس هناك من حديث حول الحياة او الزمن او أي شيء آخر. الكلمات المتبادلة بين الأب وإبنته أقل من فقرة واحدة من هذا الموضوع. فقط حين يزور ما يبدو طبيب القرية القريبة (التي لن نشاهدها بالطبع) البيت لشراء بعض الكحول، نمضي نحو ثلاثة دقائق يتحدّث فيها ذاك عن السبب الذي يهاجر فيه الناس تلك القرية ثم يعودون إليها بعد أن واجهوا معضلة أن لا مكان لهم يهاجرون إليه. تماماً كما سنرى الرجل وإبنته يحاولان ذلك في اليوم السادس.
خلال الأيام الثاني والثالث والرابع والخامس، فإن الروتين يبدأ بالأب وهو يستيقظ صباحاً ويجلس عن حافة السرير ويكح فتتقدم منه إبنته لتخلع عنه بعض ثيابه الفوقية ولتلبسه الثياب التي سيخرج بها. كون يده يمنى معطوبة لا يستطيع حراكها يجعلها مسؤولة عن ذلك مرّتين كل يوم. بعد ذلك، يجلس الإثنان ليأكلا ثمرتين من البطاطا المسلوقة. في البداية، نلحظ أن البطاطا ساخنة يطبق عليها الأب ملتهما إياها قبل أن تبرد حارقاً أصابع يده التي يأكل بها ولسانه. في اليومين الأخيرين تبدو تلك الوجبة باردة والبطاطا ليست مسلوقة تماماً. الأب في اليوم الخامس يحث إبنته على أن تأكل. في اليوم السادس يتوقّف هو أيضاً عن الأكل. والحصان؟ كان توقّف عن الأكل قبل ثلاثة أيام وثم عن الشرب ورفض أن يتم ربطه الى تلك العربة ويؤمر فيمشي. ثم ..... جفّت الماء من الئر.
هنا حط اليوم السادس وكان لابد من الرحيل. المشهد ساحر: يتم إخراج الحصان وربطه بمؤخرة العربة (طالما يرفض أن يجرّها ستجرّه) والمرأة تشد العربة الى الأمام (بدل الحصان) والأب يساندها قدر استطاعته. وضعا في العربة كل لزوم "السفر". ينطلق الجميع. يبتعدون عن البيت (واللقطة ثابتة في مكانها) يصبحون في الأفق. هناك شجرة ذات جذعين متلاصقين. يصل الراحلون الى تلك الشجرة ويمضون بعدها ويختفون عن الأفق. تبقى اللقطة في مكانها والمشهد خال من البشر (ومن الحصان) ثم .... ها هم يطلّون من جديد في قلب ذلك الأفق وبعد حين يعودون الى البيت ذاته. لقد عاد الرجل وإبنته والحصان لأنهم لا يعرفون أي مكان آخر يمضون إليه. 

كما يُلاحظ فإن البؤس الذي تطرّق إليه المجري بيلا تار في "تانغو الشيطان" وأعماله السابقة واللاحقة، مجسّد هنا من جديد. ربما تلخيص الفيلم كما ورد يبعث على الشعور بالسخرية، لكن ما نراه ليس ساخراً بقدر ما هو مؤلم. في الوقت ذاته الألم ليس نتيجة محاولة تحسيس المشاهد بمشاعر إنسانية. هذه الشخصيات تم كيّها من قبل الأقدار وظروف الحياة بحيث لم يعد لديها أي دواع لكي تتحدّث ناهيك عن أن تشعر. وكما في أفلام بيلا تار الأخرى، فإن التصوير بالأبيض والأسود جزء من العالم الذي يصوّره كون الألوان ستوحي ببعض الأمل وهو ضد الأمل الكاذب.
هذا ليس فيلماً لكل المشاهدين. أفلام المخرج عادة لا تجذب حتى النقاد المدللين فما البال بالجمهور الذي يريد أن يستشف شيئاً يتواصل وإياه حين يراه ماثلاً على الشاشة، لكن حين لا يكون في نيّة المخرج التعامل شعورياً مع شخصياته وإتاحة الفرصة أمامهم لتكوين ذلك الشعور، فإنه لن يكون مستعداً لمعاملة مماثلة مع مشاهديه. لذلك تحب أفلامه -إذا أردت- كما هي.
إنها قطع أقرب الى التحف تصويراً وشعراً وتأمّلاً، ما يمنعها أن تجتاز النطاق الضيق بالفعل وتصبح تحفاً هو فقدانها الأمل. لا الأمل الكاذب الواصل الى نهاية سعيدة حتى وإن لم تنتم، بل أمل ناتج عن حب الحياة ذاتها.... هذا لا يزال من مزايا المخرج الراحل أندريه تاركوفسكي وحده



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حديث | راف فاينس عن شكسبير  كمحلل سياسي درجة أولى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أكثر كتّاب السينما انتشاراً في تاريخها وحول العالم هو وليام شكسبير الذي حين مات سنة 1616 لم تكن السينما وُلدت رغم أنها حينها كانت تحت التأسيس بفضل نظريات الضوء التي نضح بها إبن الهيثم في القرن التاسع ميلادي وتداوله علماء وباحثون الى أن توصّلوا الى توظيف كل ما تراكم من هذه الدراسات في منتصف ثمانينات القرن التاسع عشر وما بعد.
الوجهة الوحيدة لكتابات وليام شكسبير كانت المسرح وهو وضع طنّا من المؤلفات الكوميدية والتراجيدية من دون أن يعلم أنه سيغزو بها عالماً مختلفاً هو عالم السينما. لم ير سينمائيون عاشوا في عصر النقلة من القرن التاسع عشر الى العشرين أن حجم المسرحيات يعتبر مانعاً إذا ما تم نقلها الى أفلام من خمس وسبع دقائق، بل فعلوا ذلك بإقبال شديد على "ماكبث" و"الملك لير" و"هاملت"، وهذه الروايات وفوقها لاحقاً "رتشارد الثالث" و"هنري الرابع" و"هنري الخامس" و"كل ذلك اللغط حول لا شيء" و"الليلة الثانية عشر" و"روميو وجولييت" وسواها كانت من بين أكثر ما تردد على الشاشة من أعماله.
"كوريولانوس" (او "تراجيديا كوريولانوس" كما كان عنوانها الأول) التي وُضعت ما بين 1605 و1608 كانت من بين أقل المسرحيات استنساخاً الى الشاشة. هناك محاولة من الفرنسي جان كوكتو سنة 1950 وفيلم تم تصويره بفيديو مبكر سنة 1979 وفيلمان تلفزيونيان أحدهما سنة 1965 والثاني سنة 1984 ثم .... فيلم حالي أخرجه الممثل راف فاينس وقام ببطولته وعرض يوم أمس (الإثنين) في دورة برلين الحالية.
تاريخ راف فاينس السينمائي يعود الى ما قبل فيلم "لائحة شيندلر" عندما استعان به ستيفن سبيلبرغ بعدما شاهده في فيلم "مرتفعات وذرينغ" سنة 1992
وإذ تسبب "لائحة شيندلر" برواج الممثل الذي لعب فيه دور الضابط النازي الذي يسعده قتل اليهود، انطلق لاحقاً لاعباً أدوار كثيرة بإجادة مميّزة فشوهد في دور اليهودي الذي ينتقل بين الشخصيات طالباً التقرب من النازيين في "سنشاين" لإستفان شابو وفي دور الشخصية الخيالية يوجين أونجين التي وضعها الروسي ألكسندر بوشكين في "أونجين"، كما في أفلام أكثر رواجاً من بينها " الحدائقي المثابر" و"خادمة في مانهاتن" و"اللص الطيب" و-بالطبع- افلام أخيرة من سلسلة هاري بوتر المعروفة.


"كوريولانوس" هو فيلمك الأول مخرجاً. لماذا النقلة الى
هذا الجانب من العمل السينمائي؟
هذا سؤال يفتح مجالاً لإجابة طويلة او إجابات عديدة في الحقيقة. ربما من باب الإيجاز أن أقول أن هناك أسباباً اعتقد أنها ماثلة في الفيلم ومن بينها حبّي لهذا العمل الذي لم تتطرّق إليه السينما كثيراً من قبل. وحبّي للمادة الشكسبيرية بوجه عام ولهذه المسرحية على نحو خصوصي. لكن من ناحية أخرى، لان الإخراج هو نقطة إيجابية أعتقد أن كل الممثلين يفكّرون بها على الأقل مرّة واحدة في حياتهم المهنية. بعضهم يقدم عليها وبعضهم يحجم عنها.

وماذا عن المسرحية ذاتها، لماذا اخترتها لتكون عملك
الأول في هذا المجال؟
الى حد بعيد هي التي اختارتني. كل أعمال شكسبير مثيرة للممثل على المسرح وفي السينما لأنها ببساطة أعمال جيّدة في نصوصها سواء أكانت تراجيدية او كوميدية ساخرة. لكن هذه المسرحية أكثر من سواها على ما اعتقد تتضمّن السبب في أن شكسبير كان عبقري كتابة ويستحق هذا التخليد الذي يواكبه الى اليوم: إنها تراجيديا بشخصية مركّبة كما شخصية ماكبث، لكنها ليست شخصية ملك او من الأسرة الحاكمة كما في "ماكبث" و"هاملت" وسواهما، بل شخصية محارب إيطالي. البعض يضعها في مستوى التراجيديات الأشهر منها، وبعضها يرفعها الى ما يناهزها قيمة. ما أعرفه بالتأكيد أني وجدت فيها كل ما يطلبه الفنان من تحد. هذا ليس حكراً عليها من بين مسرحيات شكسبير، لكنه عاملاً حاسماً بالنسبة إليها.

كيف تم اتخاذ القرار بتطويرها من زمنها السابق الى
الزمن المعاصر؟
هذه المسرحية تتيح هذا الإنتقال أساساً وتكشف عن أن الكثير مما نقله شكسبير عن شخصيات واقعية وأحداثها، لا يزال يحدث على نحو او آخر اليوم. المؤسف أنه ليس لدينا شكسبير جديد يكتب عنها. ما لدينا هو منهج وليام شكسبير في التعرّض الى تصرّفات الشخصيات التاريخية (التي لم تكن بعيدة عن مداركه آنذاك) ليسبر غور أوضاعها وظروفها السياسية. لقد أعجبني كيف قامت جوليا تايمور بعملية نقل مماثلة قبل سنوات حين قدّمت "تاتيوس" في مزيج من الماضي والحاضر. كذلك ما فعلته في "العاصفة" رغم أنها لم تعمد الى نقل الأحداث بل نقل الشخصية الرئيسية من رجل الى إمرأة. فكّرت أنني أريد أن أقوم بالحديث عن أوضاع اليوم من خلال نص الأمس.

لذلك حافظت على النص الكلاسيكي بأسره.
صحيح. لم أرد أن اضحي به او اتنازل عنه.

ذكرت ذات مرّة أن منهجك في تحضير أي دور
تقوم به هو العودة الى المصدر وقراءته. بذلك لا
تحتاج الى معايشات أخرى مثلاً. هل هذا لا يزال
المنهج الذي قمت به لإخراج ولتمثيل هذا الفيلم؟
صحيح وخصوصاِ في هذه الحالة. إذا ما قرأت المسرحية، او أي مسرحية لشكسبير تجد كل ما تبحث عنه موجوداً هناك. التفاصيل الصغيرة المهمّة لتكوين الطريقة التي ستساعدك في التعبير الى جانب الأحداث التي تترك لك مجال تخيل الفيلم كاملاً وكيف ستتناوله. لك حريّة التمثيل او للتحديد أكثر حريّة أن تمثّل الشخصية بفنّك الخاص، لكنها ليست حرية مطلقة لأن الممثل عليه ان يستجيب لشروط وضعها شكسبير في نثره وحواراته تحددها. إنها عملية صعبة للغاية ومليئة بفرص زلات القدم لكن هذا هو سبب من أسباب حماس الفنانين لها. كما قلت هذا هو التحدّي.

الجمهور العربي يتذكّرك بإعجاب في "المريض
الإنكليزي" ... ما هي الذكريات التي لا زالت في
بالك من ذلك الحين؟
صوّرنا في تونس وكان علينا الإستيقاظ باكراً في كل يوم لكي نلحق التصوير في الصباح، فكنا نغادر الفندق قبل شروق الشمس ونصل الى مكان التصوير بعد شروقها بقليل. اتذكر شروق الشمس واختلاف الضوء واللون في الطبيعة كل قليل. إنه منظر رائع خصوصاً وأنني أحب الصحراء. بالنسبة إليّ الصحراء هي رمز للحرية والمكان الطبيعي لإنسان يبحث في بديل عن حياة المدينة. لكننا نعمل جميعاً في المدينة وبالنسبة إليّ عليّ انتهاز مثل تلك الفرص القليلة التي تتيح متابعة حياة بكر بالغة الجمال.

3. Coriolanus.jpg   راف فاينس في "كوريولانوس"٠
4. Coriolanus 2.jpg   شكسبير في الزمن الحالي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2006- 2211٠




Feb 16, 2011

مهرجان برلين السينمائي- الحلقة الرابعة: لماذا لن تقوم للسينما العربية قائمة | فيلم عن ظل عدي صدّام حسين | إيزابيلا روسيليني | نقد أفلام

YEAR 4 | ISSUE: 628

مهرجان برلين السينمائي الدولي - 4
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا
سنوات ضوئية  | لماذا لن تقوم للسينما العربية قائمة؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في صميم الجواب مباشرة: لأننا لا نملك سوقاً موحّدة لعرض انتاجاتنا في الداخل وإنجاز حركة تمويل فاعلة على صعيد الدول العربية المختلفة.
هذا السؤال وجوابه مستلهم من دورة مهرجان فيها أفلام من معظم أنحاء العالم المنتج، بإستثناء الدول العربية المتعددة (باستثناء فيلمين قصيرين). أما لماذا لا نملك هذا السوق فالحديث يطول ولو أنه من الممكن اختصاره أيضاً: إذا لم يكن السبب التشرذم القائم بين بعض هذه الدول، فبسبب عدم وجود إنتاجات مشتركة، وإذا لم يكن بسبب عدم وجود إنتاجات مشتركة، فلأنه لا توجد هيئات ومؤسسات خاصّة تعمل بلغة: إعمل محلّياً وفكّر عالمياً
لا يمكن مقارعة هوليوود، لكن يمكن تكوين سينما تستفيد من المعطيات اللغوية المشتركة. السينما الأسبانية لديها سوق داخلي كبير، لكن سينماها تسافر الى معظم بقاع أميركا اللاتينية وتستمد من اللغة التي تجمعها بالقارة هناك (بإستثناء البرازيل التي تتحدّث البرتغالية وبعض البقع الفرنسية التأثير) مخزوناً إضافياً تحقق عبره مزيداً من الإنتشار وبالتالي من الإيرادات٠
صندوق عجب
الى ذلك، ليس هناك مثل هذا الطموح. السينمائي العربي لا زال يؤمن بالعمل منفرداً. قليلون هم الذين يرتبطون هذه الأيام بتيارات او يحلّقون كسرب واحد في فضاء الفن كما كان الحال عندما ألّف غالب شعث وعلي عبد الخالق "جماعة السينما المستقلّة" في السبعينات، او حين التأم شمل محمد خان وعاطف الطيب وبشير الديك في شلّة عمل سمّوها "أفلام الصحبة".
العمل منفرداً يُسهل التقوقع على ما هو أقل تحدّياً وتأثيراً على أساس أن المخرج او الممثل او الكاتب او أيا سواهم سوف يسعى لتفسير وممارسة السينما على النحو المعتاد وليس على النحو الصحيح بالضرورة.
وفي حين تعلّم النظم الإنتاجية والصناعية معاني الإلتزام والتحدّي والعمل الجماعي، فإن السينما العربية تبقى داخل سياجها وبما تيسّر من أعمال. وبإستثناء السينما المصرية، فإن الفيلم الأول لمخرج عربي ما قد يكون الأخير، او -في أحسن الأحوال- سيبقى الوحيد لبضع سنوات قبل أن تثمر جهوده عن جهات تمويلية داعمة.
مثال واحد ربما كان كافياً: رضا الباهي، مخرج تونسي كان قادراً في النصف الثاني من السبعينات وحتى نهاية الثمانينات على تحقيق فيلم جديد كل سنتين الى ثلاثة. هذا حين كانت سينما شمال أفريقيا ومخرجيها لا زالوا يثيرون اهتمام الفرنسيين.
في العام 2002، أي قبل تسع سنوات أنجز "صندوق عجب" ومن حينها صوّر مشاهد من فيلم عانى من مشاقه، هو "براندو براندو" ولا يزال يعمل فيه حتى الآن.
عندنا كل سينما تريد أن تقوم بذاتها على الرغم من أن المقوّمات المحلية غير كافية. إذا أخذت السينما اللبنانية التي تنشط حينا وتمر بفترة جفاف حيناً آخر، تجد أنها لا تملك ما يكفي من حجم مشاهدين محليين ما يجعلها تتوق للعروض الفرنسية وبعض الأوروبية الأخرى، وهذا ليس سبيلاً لخلق صناعة سينمائية. أما الأفلام العراقية المنتجة فحالها اليوم أسوأ مما كان عليه بالأمس نظراً لأن الدعم الحكومي مفقود. ذلك الدعم كان يعوّض قليلاً (وبغض النظر عن الرسالات السياسية التي إن لم تسر في هذا الإتجاه سارت في سواه). الآن على الفيلم العراقي ان يجول بين عواصم أوروبية وعربية لكي يجمع تكلفة إنتاجه وغالباً ما يخفق في استردادها من عروضه مهما اتسعت (يعرض فيلم "إبن بابل" لمحمد الدرّاجي في نيويورك لكن لن تجده بين الأفلام الخمسين الأكثر إيراداً. لن تجده في لائحة مجلة "فاراياتي"  المؤلّفة من 105 أفلام.
كل ذلك مدعاة للأسف، لكنه واقع يُجيب عن السؤال المطروح الذي يشعر به هذا الناقد كلما وجد نفسه يبحلق في أفلام المسابقة، غثّها وسمينها، متمنياً لو أن فيلماً عربياً يمزّق المتوقّع ويصل الى هذا المحفل او ذاك.


من أفلام الدورة:  فيلم عن ظل إبن الرئيس عدي صدّام حسين



 في أواخر العام الماضي عرض المخرج العراقي قاسم حول نسخته عن الرئيس العراقي السابق صدّام حسين من دون أن يسمّيه في فيلمه "المغني". هناك شاهدنا كوميديا سوداء ذات طروحات سياسية حول حياة دكتاتور عراقي يُقيم حفلة عيد ميلاده في أحد قصوره والحفلة المحفوفة بشروط تُفرض على الحاضرين تحت عين رقابة الكترونية تتنصّت على كل همسة يتبادلها إثنان، تتحوّل الى تنفيذ عقوبات من بينها عقوبة أن يغني المنشد الذي جيء به من القرية بسبب صوته البديع ووجهه الى الحائط كونه جاء متأخراً عن الموعد رغم أعذاره. أيضاً من بينها سحب إمرأة من جلستها مع زوجها لأنها انتقدته والرئيس كون الزوج قام فأنشد شعراً بحياته مقابل سيارة مرسيدس. المرأة يتم جلبها الى غرفة تقع تحت الأرض ويقف في وسطها جزّار ولا نعرف ما حدث لها بعد ذلك. وينتهي الفيلم بقيام "الدكتاتور" بسحب مسدّسه وإطلاق النار على إمرأة أخرى شربت ولم تكتم ما تشعر به حياله٠
يا له من عيد ميلاد٠
أما لماذا لم يسمّي المخرج الرئيس فيعود الى أنه أراد الترميز الى كل دكتاتور كما قال لي. في الوقت ذاته لا يمكن لهذا الترميز أن يتم لأن كل شيء هنا عراقي وكل شيء هنا موقوت بحرب على الجبهة الإيرانية وكل شيء مرهون بتشخيص أحد الممثلين المطلوب منه أن يكون شبيهاً سلوكا وكلاماً بصدّام حسين.
عرض الفيلم في مهرجان دبي الأخير وبعد نحو شهر عرض مهرجان سندانس فيلماً له علاقة بفترة حكم  صدّام حسين بعنوان "بديل الشيطان". هذه المرّة من دون رمز او ترميز. الفيلم ذاته معروض في الدورة الحادية والستين الحالية في مهرجان برلين السينمائي خارج المسابقة٠
من الطبيعي أن يبقى العراق محط اهتمام السينما العالمية (وهذا الفيلم الناطق بالإنكليزية من تمويل بلجيكي وإخراج النيوزلندي لي تاماهوري) خصوصاً في عالمنا الحالي حيث هناك موضوعاً لافتاً كل يوم في حياة الناس الأمنية والسياسية والإجتماعية، فكم من الوقت سيمضي من قبل أن تنتقل أحداث ميدان التحرير الأخيرة الى السينما سواء المصرية او الأميركية او سواهما؟ وهل في الأفق فيلم عن أزمة تقرير المحكمة الدولية يُطرح كفيلم تشويقي؟ ما نعرفه أن المنتج التونسي طارق بن عمّار صرّح أنه سيقوم بإنتاج فيلم عن التونسي محمد بوعزيزي، ذلك الشاب الذي حرق نفسه فأشعل ثورتان٠
"بديل الشيطان" هو فيلم أكشن وتشويق منفّذ جيّداً وهو المتوقّع من المخرج الذي قدّم في تاريخه بضعة أفلام مشروطة بقدراته على الإثارة البصرية المفعمة بالتوقيت وحسن الإيقاع من بينها فيلم جيمس بوند سابق هو "مت في يوم آخر" وآخرها الفيلم الذي قام ببطولته
Next   كل من نيكولاس كايج وجوليان مور بعنوان: التالي
إنه عن لطيف يحيى الرجل الذي يشبه عدي حسين (إبن صدام) الذي كان كل ما هو مطلوب منه أن يقف أمام فوهة المخاطر ويواجه المؤامرات (حقيقية منها ومتخيّلة) ممثلاً دور إبن الرئيس العراقي. ليست حياة سهلة، لكنها بالنسبة للطيف، وكما يقدّمها الفيلم وظيفة كوظيفة الطبّاخ او المصوّر او سائق التاكسي. طبعاً هي خطيرة إذا مارسها وربما أشد خطراً لو رفض ممارستها
والأمر، على هذا النحو، يشبه الممثل البريطاني الذي قام بالدور وأسمه دومونيك كوبر، فهو دور خطر إذا قبل به كون من حيث أنه قد يخفق فيه تبعاً لسلوكيات تختلف بين الثقافتين العربية والأوروبية، ومن الخطر أن لا يوافق عليه طالما أن مسيرته السينمائية الى الآن لا زالت في الظل وتحتاج الفيلم الذي يستطيع القيام ببطولته ليبرهن عن استحقاقه. وهو يبرهن عن هذا الإستحقاق فعلاً لاعباً الدورين المتوازيين: هو لطيف وهو عدي٠
حسب سيناريو مايكل توماس، الذي كتب سنة 1939 سيناريو الفيلم التشويقي "روبي كايرو" من إخراج غرايم كليفورد وبطولة أندي مكدووَل وليام نيسن وفيغو مورتنسن، فإن لطيف كان لواءاً في الجيش وعلى شبه كبير بعدي حسين، والأخير طلبه مباشرة بعد أن نجا من معركة وقعت في قلب المدينة. واللقاء بينهما بسيط الشكل ومباشر. عدي قال للطيف أنه بحاجة الى من يلعب ظلّه في الحياة العامّة. هل يستطيع القبول؟ طبعاً- هذا هو المطلوب. هل يستطيع أن يقول: أرجوك سيّدي اعفيني؟  لا فكلمة عدي، ككلمة أبيه أيامه، لا تتحوّل: "إذا رفضت فإن عائلتك ستباد". لطيف سيقبل على مضض والفيلم سيستخدم هذا "المضض" ليلعب عليه لأجل منح الشخصية ضوءاً إيجابياً يُستخدم عادة في الأفلام البوليسية والتشويقية (كحال هذا الفيلم) لوضع الشخصية في إطار يُثير التعاطف.
درامياً ينجز المخرج هدفه الرئيسي: مقارنة بين البريء والمذنب. بين رجلين متشابهين كل منهما نسخة مناقضة للآخر. لكن ما يخفق فيه هو كم العنف الذي يصر على تقديمه من دون فائدة. فالفيلم مناسبة للحديث عن القتل والإغتصاب والتعذيب وسوى ذلك مما كان سائداً في زمن غير بعيد٠
في الثمانينات أخرج الياباني الراحل أكيرا كوروساوا "ظل المحارب"، عن ذلك المواطن البسيط، في زمن بعيد، الذي من شدّة شبهه بـ "اللورد" الذي يحكم المقاطعة، يتم تعيينه ظلاً له: سيتصرّف تماماً كما لو كان هو "اللورد" بإستثناء أن الحاشية تعرفه وستبقيه مربوطاً بحبلها تهينه متى تشاء وتدفعه الى الموت حين تريد، وسوف يحارب عنه. بقعة يمكن إزالتها بالغسيل. الفيلم الرائع (تحت إسم "كاغاموشا") لا يزال متوفّراً على اسطوانات، ولو كان حاضراً لشوهد مرّة أخرى كونه أفضل فيلم عن موضوع الإنسان البديل الذي يواجه معضلات حياته انطلاقاً من شبهه بمن يحكم البلاد٠


إيزابيلا روسيليني: من معطف أبيها الى رئاسة لجنة التحكيم
روسيليني ورئيس مهرجان برلين ديياتر كوزليك


بينما لا يزال مكان المخرج الإيراني جعفر بناهي، وسط لجنة التحكيم شاغراً بإنتظار أن تسمح له سلطات بلاده بالسفر لكي يشغله (وهي لن تسمح) تقوم الممثلة إيزابيللا روسيليني بمهامها كرئيسة لجنة تحكيم روعي فيها أن تستوعب التنويع التقليدي، ففيها الممثل، والمخرج والمنتج والمنتمي الى جسد فني ملهم آخر لا يمكن الإستغناء عنه في السينما. فإلى جانب روسيليني كممثلة، هناك الممثلة الألمانية نينا هوس، والمخرج الكندي غاي مادِن والمنتجة الأسترالية جان تشامبان والممثل الهندي أمير خان ومصممة الأزياء الأميركية ساندي باول.
كيف سيتم لهذه النخبة التي لا يجمعها الا المنهج العريض للعمل السينمائي، الإتفاق على الجوائز هو أمر لا يمكن معرفته طالما أن السجالات والنقاشات ستكون، كما الحال دائماً، منغلقة وستبقى سريّة. لكن السؤال جائز: غاي مادِن مخرج مستقل بأفكار مجنونة، أمير خان من صلب السينما الهندية التجارية، نينا هوس ممثلة موهوبة من منتصف التسعينات، أما المنتجة شامبان فهي تعمل بإختيارها مع المخرجة النيوزلندية جين كامبيون ذات الأسلوب المناهض تماماً لأسلوب غاي مادِن، ولو كان جعفر بناهي هنا لاكتمل التشرذم على الآخر.
لكن روسيليني لديها خبرة التأقلم والمثابرة والصبر الطويل. حين كانت في الثالثة عشر من عمرها أصيبت بمرض أسمه "الجنف" يُصيف خلايا الجسم فينهك البدن بأسره. لثمانية عشر شهراً بقيت تخضع للعمليات والمراحل الطويلة للإستشفاء ولجبس بحجم جسمها النحيل، قبل أن تخرج من التجربة وقد انتصرت على حالتها لتنتقل الى عرض الأزياء والتمثيل بعد سنوات قليلة.
إنها إبنة المخرج روبرتو روسيليني، أحد روّاد السينما الواقعية الجديدة في إيطاليا من الممثلة الأميركية إنغريد برغمن. هي نصف توأم (ولدت قبل شقيقتها إيزوتا بثلاثين دقيقة). وفي حين توجّهت إيزوتا حين كبرت الى الأدب الإيطالي فتعلّمته ثم درّسته، جذبت الأضواء إبنة السينما اليها عن طريق عرض الأزياء والعمل مع شركات الدعاية للمساحيق. في سنة 1976، حين كانت في الرابعة والعشرين من عمرها، التحقت بوالدتها التي كانت على أهبة التمثيل في فيلم درامي من إخراج المعروف فنسنت مانيللي بعنوان "مسألة وقت". كانت أقل الممثلين، وبينهم لجانب والدتها ليزا مانيللي وتشارلز بوير وفرناندو راي، شهرة. لكنها لفتت الأنظار ما جعلها تبقى في الوسط الفني منذ ذلك الحين والى اليوم.
لم تمض الا سنوات قليلة حتى وجدناها في بطولة فيلم "ليالي بيضاء" لتايلور هاكفورد لاعبة دور صديقة راقص الباليه ميخائيل بارشينكوف في قصّة هروب من خلف الستار الأحمر للنظام الشيوعي الى الحرية. ورد هذا الفيلم الدعائي سنة 1985 وحقق نجاحاً لا بأس به علي المستوى التجاري، لكن الفيلم الذي أنجز لها خدمة فنية لائقة كانت فيلم ديفيد لينش المثقل بالإيحاءات الغامضة والأجواء الساخرة والداكنة معاً "مخمل أزرق" لجانبها في الأدوار الرئيسية دين ستوكوَل وكايل مكلاكلن ودنيس هوبر ولورا ديرن وجميعهم أمّوا العرض الذي أقيم للفيلم في مهرجان كان السينمائي سنة 1986
وبعد أربع سنوات ظهرت في فيلم آخر للينش هو "قلوب طائشة" او حسب عنوانه الأصلي  Wild at Heart
ما بين الفيلمين مثّلت ايزابيللا ستة أعمال  ايطالية وأميركية، لكن أيا منها لم يحقق نجاحاً مميّزاً. وهذا استمر لما بعد "قلوب طائشة" ليس لأنها ليست موهوبة الإداء، بل لأن المشاريع المسندة إليها لم تحفل الا نادراً بالمعالجة الفنية الصارمة التي تستطيع الإفادة منها كما الحال في فيلمي لينش المذكورين٠
لا يمكن بالطبع لقاء أي عضو في لجنة التحكيم لكن لو كان ذلك ممكناً لسألها الناقد عن فيلمها الذي انتهت من تصويره مؤخراً بعنوان "دجاج بثمر الخوخ"، ليس لعنوانه الغريب بل لأنها تؤدي فيه زوجة شخص إسمه ناصر علي (يقوم به ماثيو أمالريك)، وأحد ممثلي الفيلم هو الجزائري الأصل جمال دبوس. وهذا ليس كل جديدها، لديها فيلم تم تصويره في فرنسا بعنوان "ينوع متأخر" Late Bloomers
يقود بطولته الأميركي وليام هيرت وآخر كندي عنوانه "ثقب المفتاح" Keyhole
تم تصويره في كندا .... وهنا بيت القصيد: "ثقب الباب" من إخراج غاي مادِن .... أوه.... فما الذي يمكن لنا أن نستوحيه من هذه العلاقة المهنية؟ هل ستتمدد بإتجاه جبهة موحّدة، او أنهما أوعى من أن يدخلان في لعبة تراض مسبق؟
أفلام اليوم
 Almanya **
ألمانيا
إخراج:  ياسمين سامدريللي
تمثيل:  فيدت أرنسن، فخري ياردم، ليلايي هاوسر
كوميديا | تركيا | المسابقة

من المحتمل أن يكون اختيار فيلم "ألمانيا"  كان له وقع مفاجيء  على مخرجته التركية ياسمين سامدريللي، الا إذا كانت اعتقدت أنها حققت إنجازاً مهمّاً بالفعل. نعم هو فيلم يتعامل وأوجاع الهجرة والمهاجرين واختلاف الثقافات، ونعم لديها أفكاراً مثيرة للإهتمام في هذا الخصوص كما في طريقة وتوقيت المشاهد المثيرة للفكاهة، لكن الفيلم ليس فيلم مهرجانات ولا يجب أن يكو
بالنسبة لنقاد غربيين، فإن المرء يفهم حماستهم للفيلم على أساس أنه معالجة ترفيهية لموضوع مهم، وهو بالفعل كذلك، لكن هذا لا يعني بحد ذاته نجاحاً للمعالجة نفسها. القصّة التي كتبتها المخرجة نفسها تنتقل من الستينات الى اليوم وتعود الى الوراء ثم تتقدّم الى الأمام بسلاسة في بعض الأحيان، وعلى نحو قفزات غير مجدية في أحيان أخرى
بداية موفّقة مع مزج من لقطات تبدو موثّقة الى أخرى حيّة نتعرّف فيها على حسين (فيدت أرنسن) حال وصوله الى ألمانيا مهاجراً من بلدته الأناضولية، ثم ننتقل اليه في الزمن الحاضر وقد أصبح كبير السن يمنّي النفس بالعودة الى بلدته. في بداية الأمر يطرح موضوع البقاء مع عائلته الكبيرة التي تحتوي على أولاده وزوجاتهم وأحفاده كما على زوجته، لكنه لاحقاً ما يذكر أنه قصد تمضية الصيف فقط. من حفلة الغداء المعجوقة وذات التنفيذ المسرحي الى حكايته قبل وصوله الى ألمانيا أول مرّة وكيف أحب تلك المرأة التي تزوّج منها لاحقاً وأنجب. ثم الى الحاضر قليلاً، ثم الى تكملة الخط التاريخي حيث عودته من المانيا ليعود بزوجته، وأولاده الصغار الثلاث الى ألمانيا حيث يتم فتح فصل جديد هنا مع استمرار تناوب الأحداث. الفيلم يغطس تحت ثقل هذه التنقلات بالتدريج حتى إذا ما انتقل لمواصلة حكاية قرار حسين العودة بأسرته الواسعة في الزمن الحالي الى تركيا، هبطت الوتيرة ومضى الجزء ما قبل الأخير من الفيلم كمتابعات باهتة التأثير. المجموعة المختارة من الممثلين جيّدين، خصوصاً بالنسبة لشخصيّتي الجد وزوجته. وهناك -في النصف الأول من الفيلم- تقع أفضل الملاحظات بالنسبة للإختلاف الثقافي بين الأتراك المسلمين والألمان المسيحيين بعضها على شكل كابوس يتراءى للجد في اليوم الذي سيحصل على جواز سفر ألماني، إذ يحلم بأن المسؤول عن تسليم جوازات سفره يقول له: "من الآن وصاعداً سيكون عليك أن تشرب البيرة وتأكل لحم الخنزير مرّتين في الأسبوع" ثم يقدّم للتركيين صحنين من اللحم فيتردد في حين لا تمانع زوجته الطعام على أساس حماسها لنيل الهوية الألمانية. مشهد طريف يخدم تعليقاً تركياً على الفواصل الإجتماعية التي يتعرّفون إليها في حياتهم الغربية٠
احتمالات الفوز: دون المعتدلة على عكس فيلم "عسل" التركي (بكل أحداثه) الذي نال ذهبية مهرجان برلين في العام الماضي٠


الجائزة |  The Prize **
إخراج: باولا ماركوفيتش
تمثيل:  باولا غالينيللي هرتزوغ، لورا أغوريكا
المكسيك/ بولندا/ ألمانيا - المسابقة

يقوم هذا الفيلم على ملاحظة تفاصيل كثيرة وعلى نحو دائم. رغم ذلك، فإن أحد أهم نقاط ضعفه هو أن تلك التفاصيل (الواقعية) ليست واقعية تماماً. المخرج ماركوفيتش تعيش في المكسيك حالياً، لكن فيلمها الذي يحمل أعلام دول كثيرة (ولو أنه مقدّم بإسم المكسيك) يتحدّث عن تجربة عايشتها حين كانت في السابعة من عمرها ولجأت ووالدتها الي الشاطيء هرباً من حكم العسكر في تشيلي حيث وُلدت.
إنه حول أم (أغوريكا) وإبنتها الصغيرة (هرتزوغ) اللتان تعيشان، لسبب يتم الكشف عنه لاحقاً، على شاطيء أرجنتيني معزول وكئيب. والكآبة هنا شرط مفروض على الفيلم ويؤدي دوره في هذا النطاق وبالتلاؤم مع كم من الكآبة التي يتم تقديم الأحداث من خلالها من دون تمييز. على ذلك الشاطيء، هيكل لبيت مهجور اتخذته الأم منزلاً. الهواء يصفع النوافذ والباب مرتفع عن الأرض ما يسمح بالمطر النفاذ الى داخل البيت والأثاث أقل من بسيط. سنعلم لاحقاً أن المرأة هاربة من الفاشيين (خلال السبعينات ولو أن الفيلم لا يذكر ذلك صراحة) وأن زوجها (أب الفتاة) لابد أنه قُتل. لكن حين تبدأ الفتاة بالإلتحاق بمدرسة قريبة تتفق معها والدتها على أن لا تذكر شيئاً عن أبيها. وتختلق الفتاة حين يتم سؤالها كذبة مفادها أن والدها يعمل في بيع الستائر، وأمها ربّة بيت.  لاحقاً ستحكي الفتاة لأمها كيف كذّبت على الصف وكيف صدّقت المعلّمة والتلاميذ الكذبة، ثم ولنحو دقيقة كاملة تبدأ ضحكاً يخرق الآذان من دون أن نستطيع مشاركتها السبب او نعرف ما المقصود بإطالة توقيته٠
والكثير من المشاهد هي أيضاً طويلة ولا تقول شيئاً (مفيداً او غير مفيد)، مثل ذلك المشهد الأول الذي نتابع فيه لنحو أربع دقائق الفتاة ذاتها وهي تمشي على الشاطيء، ثم كل تلك المشاهد الساحلية الأخرى بعدما تعرّفت الفتاة على صديقة من عمرها وأخذتا تمضيان الوقت في اللعب والإستلقاء على الرمال. كل تلك المشاهد وسواها هي مجرد كاميرا مفتوحة من دون استقبال فاعل او مهم. يمر المشهد والفيلم بكامله بعد ذلك مسطّحاً ولولا أنه صرخة  ضد الفاشية لما كان لديه أي شيء يمنحه باستثناء حسن إدارة مخرجته لممثليها صغاراً وكباراً. لكنها صرخة لا تصل  الا على نحو مركّب وبشق النفس. ولجانب أن مشاهد كثيرة ضائعة سدى فإن المخرجة  تخفق في ناحيتين رئيسيّتين الأولى تتمثل في طريقة استخدام الصوت فإذا هو مفتعل ومضج وأحياناً ما يصدر عن أشياء غير معروفة، والثانية في رسم حدود مكانية لما يدور. لا أحد يعرف أين موقع المدرسة من الشاطيء وفقط بعد نحو نصف ساعة نكتشف موقع البيت من البحر. الأدهى أن الدقّة ليست من مميّزات هذا الفيلم ففي مشهد ماطر بشدّة تقف المدرّسة تحت المطر من دون نقطة ماء واحدة تسقط عليها. شعرها وملابسها ووجها لا يزالان جافّين علماً بأنها لا تقف تحت مظلة.  كذلك ليس معروفاً لماذا على المدرسة أن تكون صفّا واحداً وملعباً. تركيبة لا تختلف في الديكور والمواصفات عن المنزل نفسه. كل ذلك يدفع الفيلم الى لون واحد ويفقده صدقيّته تماماً٠
إحتمالات الفوز: ضئيلة وما دون٠

سنوات برلين: 1979

عام الأزمة

  أزمة كبيرة وقعت في هذا العام عندما أعلنت الدول الشيوعية انسحاباً جماعياً احتجاجاً على فيلم مايكل شومينو "صائد الغزلان". الحكاية وما فيها أن الفيلم احتوى، كما يعرف من شاهده، على مشاهد اعتبرها السينمائيون والمسؤولون الروس مساساً بالتضحيات التي قدّمها الشعب الفييتنامي ضد "الإمبريالية الأميركية". المشاهد المذكورة اعتبرت عنيفة وقاسية حتى بين النقاد الأميركيين لكن دول المنظومة الشرقية في أوروبا اعتبرت أن بقاءها في برلين أمر لا يمكن القبول به فانسحبت هي وأفلامها ما جعل الدورة واحدة من أقل دورات المهرجان فاعلية٠
مدير المهرجان وولف دونر، الذي كانت هذه السنة آخر سنوات عمله، واجه اختيار أن يستجيب للضغط فيسحب "صائد الغزلان" من العرض، او يرفض ذلك فيسحب الروس والألمان الشرقيون والبلغاريون والبولنديون والمجريون أفلامهم.
لم يفز فيلم شيمينو بالذهبية بل نالها فيلم بعنوان "ديفيد" يعلّق على فييتنام من زاوية إنسانية.  من بين الأفلام الأخرى التي عرضت في الدورة التاسعة والعشرين
"حب مستعجل" لفرنسوا تروفو (فرنسا)، "عرس ماريا براون" لراينر فرنر فاسبينذر (ألمانيا)، "إرنستو" لسلفاتوري سامبري (إيطاليا)، "هاردكور" لبول شرادر (الولايات المتحدة) والفيلم المصري "الإسكندرية ليه" ليوسف شاهين٠
أفضل ممثل: ميشيل بلاسيدو عن "أرنستو" وأفضل ممثلة الألمانية هانا شيغولا عن "عرس ماريا براون٠
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2006- 2211٠




Feb 14, 2011

Margin Call | مهرجان برلين 2011 : غياب السينما العربية | حديث مع جف بردجز

YEAR 4 | ISSUE: 627

مهرجان برلين السينمائي الدولي - 3
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا
اللقطة الأولى | نظام وتنظيم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  هل يعرف القاريء كم من الوقت تطلّبه الحصول على بطاقتي الصحافية لكي أشاهد عبرها الأفلام وأجول بين كافة النشاطات المقامة على هامش المهرجان وبسببه؟
من حين دخولي المكتب الصحافي: دقيقة واحدة.
بعد ذلك كان عليّ اجتياز المسافة الواقعة بين المكتب وبين العرض السينمائي لأول أفلام المسابقة (نداء جانبي") التي تبلغ ثلاث دقائق في دقيقة واحدة إذا استطعت، فالفيلم يبدأ التاسعة صباحاً، لكن لم أكن أستطيع دخوله الا بالبطاقة الصحافية. على الطريق استوقفني صديقان من قطر يعملان في "دوحة فيلم إنستتيوت" وبين "الأهلا والسهلا"  و"كيف الحال" طار خمس دقائق.
حين وصلت الى العرض متأخراً ثماني دقائق. طلب مني الموظّف الصعود الى الطابق الخامس من قصر المهرجان. أدركت حينها أنني سأشاهد الفيلم من البلكون، او بلغة السينما، من "عين الصقر"، لكن هذا هو النظام. تأتي متأخراً. عوض الطلب منك العودة من حيث أتيت لأن الفيلم بدأ، عليك أن تتحمّل الجلوس في البلكون لأن دخول الصالة الرئيسية سيشتت نظر البعض بعيداً عن الشاشة وهؤلاء أحق بالمتابعة من سواهم كونهم وصلوا في الوقت المحدد.
في لحظة واحدة دار كل ذلك في البال ولم أتردد في استخدام المصعد الى الطابق الخامس فالجدل لا ينفع خصوصاً حين لا يكون الحق معك. إنه جدل مُهين لمن يقوم به ومُهين لجهد الموظّف في تأمين النظام ومُهين للمهرجان بأسره.
خرجت بعدما شاهدت الفيلم كاملاً باستثناء تلك الدقائق التي أتيح لي مشاهدتها عبر الحصول علي بطاقة خاصّة لعرض تجاري لاحق.
الآن: هل تعرفون كم مرة رن هاتف نقال في صالة تتسع لأكثر من 1200 صالة؟
ولا مرّة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما لدى العرب يعرضونه في برلين هذا العام ؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سبيل لخالد المحمود
خالد المحمود شاب في الثلاثينات من عمره ولد في أبو دبي وأحب السينما وانطلق نحوها بلا حدود. تلتقي به تجده شخصاً دمثاً ورقيقاً وتشاهد أفلامه فتكتشف أنه -أيضاً- موهوباً.
بعد تحقيقه عددا من الأفلام القصيرة طوال الأعوام العشر الأخيرة، حقّق في العام الماضي ما يحتمل أن يكون أفضل أفلامه: "سبيل".
فيلم من عشرين دقيقة يدور حول شقيقين  (حسن المرزوقي وحسين محمود) يبيعان الخضار والفاكهة وزجاجات الماء على قارعة طريق عام خارج إحدى مدن الإمارات (ولو أن إسم الإمارات ليس مذكوراً لكنه مفترضاً). في صباح كل يوم يركبان الدرّاجة المحمّلة بالصناديق وينطلقان الى الموقع ويجلسان على كتف الطريق الصحراوي ذاك  وينتظران مرور تلك السيارات القليلة التي تقصده.
في مساء كل يوم يضعان ما تبقّى من البضاعة فوق تلك الدراجة النارية ويعودان الى البيت الجبلي المنعزل حيث تعيش جدّتهما العجوز طريحة الفراش. يقومان برعايتها. ينامان. في صباح اليوم التالي يعاودان فعل ما قاما به في اليوم السابق.
يؤسس المخرج لهذا الروتين الحياتي جيّداً. يضع المشاهد مباشرة أمام صنو حياة تمر بطيئاً على بطليها وسريعاً على الشاشة من دون تناقض. الأمر الوحيد الذي تساءلت عنه حين التقيت المخرج سريعاً خلال عرض سابق هو: لماذا الصمت المطبق؟ الا يؤدي ذلك الى قدر من التغريب غير الواقعي (طالما أن الفكرة واقعية)؟
في الرد على ذلك قال المخرج: "هذا جزء من الجو العام المقصود. لا أدري ما الذي كان سيضيفه الحوار الى الصورة في هذا الشأن. كل شيء واضح"٠
كنت مخطئا في وجهة نظري وكان على حق والفيلم الآن هو أحد فيلمين عربيين فقط معروضين في نطاق المهرجان. فيلمان فقط من أربعة عشر دولة عربية انتجت سابقاً أفلاماً وبينها واحدة (مصر) هي الثقل الصناعي والإنتاجي لهذه السينما. الفيلم الثاني هو سبع دقائق للمخرج اللبناني أكرم زعيتر بعنوان "غداً كل شيء سيكون على ما يرام": سبع دقائق حول ما يعتبره المخرج: "قصة ايقونية للحب وللخسارة والشوق تتكشّف من خلال تبادل الأفكار بين شخصين"
بعيداً عن الشاشة، هناك حضور عربي متمثّل ببعض الشخصيات التي تداوم الحضور على هذا المهرجان دورة وراء دورة. أقول بعض لأن هناك عدداً من النقاد المصريين الذين منعتهم الأحداث من الحضور او-ربما- الرغبة من الحضور. كذلك هناك من يعيش تحت وطأة الخسارة الكبيرة التي منيت بها السينما العربية برحيل المخرج الوثائقي السوري عمر أميرالاي قبل نحو أسبوع بحيث  قد لا يشعر بالرغبة في المشاركة  فيما يشبه الإحتفال ولو أن الإبتعاد عنه، إذا كان الحضور سهلاً ومتاحاً، ليس القرار الصائب أيضاً.
 لكن حضور هذه الشخصيات، ومعظمها من المخرجين المستقلّين والنقاد والصحافيين العائشين في المهاجر، ليس التميّز الذي يمكن الكتابة مطوّلاً فيه، بل هناك نقاطاً ضوئية مؤكدة مجسّدة في تواجد مؤسسات سينمائية عربية تسعى لإثبات وجودها عالمياً عن طريق هذا الإحتفال.
مندوبون من مهرجاني دبي وأبوظبي متواجدون من الأيام الأولى للمهرجان. وفي حين أن متابعة الأفلام ومعايشة الأجواء جزء من عمل هؤلاء المندوبين، الا أن الجزء الأهم الى حد كبير هو المشاركة في حدث يخطف إليه الأنظار من كل أنحاء العالم السينمائي حالياً بما في ذلك الترويج لكل مهرجان (وكلاهما يتنافسان على  تبوّأ الأهمية الأولى في العالم العربي) والإلتقاء مع سينمائيين وإبرام اتفاقات وعقود.
كذلك فإن وفداً من "مجلس الفيلم الأردني" سيصل خلال الساعات القليلة المقبلة وحضوره يهدف الى تعزيز تواجد الأردن على الساحة السينمائية. فهي أنجزت خلال السنوات القليلة الماضية وثبات ملحوظة وأكيدة بدأت بإنتاج "الكابتن رائد" وشملت على إنتاج أفلام قصيرة ثم فيلم روائي ثان هو "مدن ترانزيت" ونجحت في جذب هوليوود واوروبا اليها من جديد كمكان لتصوير الأفلام العربية.
في ذلك، تتنافس والإمارات ومصر والمغرب مع غياب للدول الأخرى في هذا الإطار، اما لعدم وجود أرضية إنتاجية تؤمّن ما يطلبه السينمائيون الغربيون من معدّات وخبرة، وإما بسبب أوضاع سياسية وأمنية غير مواتية، كما الحال في الجزائر ولبنان ومصر، وهذه الأخيرة بسبب من الأحداث الأخيرة حالياً ولو أن التصوير هناك كان مقيّداً أيضاً بقوانين غير جاذبة للرأسمال الأجنبي
الى كل ذلك، هناك مجموعة من خمس مخرجين إماراتيين (او يعملون ويعيشون في الإمارات) آتون من أبوظبي تبعاً لبرنامج تشرف عليه "الهيئة العامة للثقافة والتراث" يستحق نظرة أوفى في وقت لاحق.
كذلك فإن المهرجان مناسبة للإعلان عن صدور أول عدد من "فاراياتي أرابيا"، المجلة الشقيقة لـ "فاراياتي" المعروفة دولياً على أساس أنها مرجع السينمائيين إنتاجاً وتوزيعاً وتسويقاً. المجلة تصدر من دبي بفريق عمل عربي وأميركي وباللغتين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حديث | جف بردجز عن دوره في 

TRUE GRIT


أول مرة عمل فيها الممثل  جف بردجز تحت إدارة الأخوين كووَن كانت قبل عدّة سنوات حين لعب بطولة "ليبوسكي الكبير"، كوميديا سوداء ذات حس بوليسي حول رجل يجد نفسه موضع خطر نتيجة خطأ في هويّته. لم يكن من أفلام الأخوين جووَل وإيثن الناجحة لكن بردجز صال وجال فيه عاكساً شخصية ليست بعيدة في سلوكها عن تلك التي تشارلز شيناسكي كما أدّاها ميكي رورك سنة 1987 في فيلم "بارفلاي" لباربت شرودر.
المرّة الثانية هي الحالية: "عزم حقيقي"، كما ورد في صفحات "الشرق الأوسط" السينمائية أكثر من مرّة، هو الفيلم المُعاد إنتاجه من فيلم بنفس العنوان أخرجه هنري هاذاواي سنة 2009  وذاك كان من بطولة جون واين الذي نال أسكاره الوحيد (بعد نحو أكثر من 175 فيلم مثّلها من الثلاثينات) عنه. مجرّد قبول جف ببطولة إعادة هذا الفيلم وضع نفسه محط مقارنة بينه وبين واين. الحديث التالي بيننا بمناسبة عرض النسخة الجديدة كفيلم افتتاح للدورة الحادية والستين، ينطلق من هذه النقطة

في حديث سابق بين الأخوين كووَن وبيني أعلماني أنك ترددت
في قبول الدور الذي لعبته في هذا الفيلم. هل لك أن تضيف وجهة
نظرك؟
طبعاً. ترددت لكني تحمست أيضاً. أي فيلم يقوم المرء بتمثيله كان سبق لممثل آخر أن مثّله يعرّض الممثل الحالي للمقارنة بين كيف يجسّد الشخصية وكيف جسّدها الممثل السابق. ما البال إذا كان الممثل السابق في مكانة أيقونة أسمها جون واين. لهذا السبب ترددت كثيراً، ولكني تحمست، كثيراً أيضاً، لرغبتي في تمثيل فيلم جديد للأخوين كووَن ولأني أريد التمثيل في فيلم وسترن.

ما الذي بت في الأمر وجعلك تقبل؟
تأكيد جووَل وإيثن بأنهما لا ينويان إعادة تحقيق الفيلم السابق بل تقديم اقتباس للرواية. للكتاب. وأعتقد أن ذلك ما حدث. في الحقيقة لا أعتقد أنهما شاهدا الفيلم السابق أساساً، لكني متأكد أنهما سعيا للإبتعاد عنه قدر الإمكان.

تقنياً لا يزال الأمر هو "إعادة صنع" A remake
وهما أخبراني بأنهما شاهدا الفيلم السابق حين
كانا شابين صغيرين. لكن السؤال الآن هو ما الذي تغيّر
في علاقتك بهما بعد أكثر من عشرين سنة؟
لا أعتقد أن أيا منّا تغيّر. الأخوان كووَن من علامات السينما الأميركية اليوم ويؤكدان ذلك فيلما بعد فيلم. أنا ممثل أواصل التعلّم والسعي لتقديم أفضل ما أستطيع ولا أدّعي أنني وصلت.

هل كان الأوسكار الذي حصلت عليه في العام الماضي
عن "قلب متيّم" Crazy Heart
علامة وصول؟
وصول الى الأوسكار يا صديقي (يضحك) لكن الوصول الى القمّة الفعلية أمر مستحيل. لا أعتقد أنه ممكن على الإطلاق. كلما وجد الممثل نفسه قد فاز بفيلم يثبت فيه جدارته، وجد نفسه أمام تحد آخر في الدور المقبل.

هل تعتقد أن حصولك على أوسكار ثان هذا
العام سيكون اعترافاً ثانياً بجدارتك الفنية؟
سيكون؟ (يضحك). لن أناقش هذا الأمر. هذا رأيك وليس رأيي.

لا أقصد أن أكون مادحاً، لكني أبحث عن معنى
فوزك بأوسكار ثان إذا ما حدث ذلك.
بالطبع سأكون سعيداً جدّاً بهذا التقدير. لكني أنظر الى باقي الممثلين خافيير باردم، هذا عملاق، كولين فيرث ممتاز، جيسي (أيزنبيرغ) وجيمس (فرانكو) وأدرك أنني في حضرة ممثلين ممتازين وسأكون سعيداً لفوز أي منهم.

ظهرت في عدّة أفلام وسترن، منها ما هو وسترن
حديث ("قلب متيّم") او كلاسيكي كما هذا الفيلم.
ماذا يعني لك هذا النوع من الأفلام؟
لا أدري من قال أنه "النوع الأميركي الصافي". إنه أميركي تماماً. جزء من التاريخ الخاص والثقافة الوطنية لأنه نحن. وأنا أحب تمثيل هذا النوع من الأفلام وأحب مشاهدته. لكن سؤالك مناسبة لكي أقول أن واحداً من الأسباب التي دعتني لتمثيل الدور في "عزم حقيقي" أن جون واين منح الشخصية وضعاً مختلفاً عن تفسيري أنا للشخصية. هي شخصية واحدة بلا ريب بأسلوبين وتفكيرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيلم اليوم


Margin Call ***
نداء جانبي
إخراج: ج. شاندور
تمثيل: كَڤن سبايسي، بول بيتاني، جيريمي آيرونز، سايمون بايكر
دراما | الولايات المتحدة | المسابقة
Margin Call  كَڤن سبايسي في

حين قام المخرج أوليڤر ستون بتحقيق فيلم "وول ستريت: المال لا ينام" الذي عرضه مهرجان "فانيسيا" قبل أكثر من عام، مزج رغبته في التعليق الإجتماعي على الإنهيار الإقتصادي لعام 2008 بالرغبة في العودة الى أحد أكثر أفلامه نجاحاً (خرج الجزء الأول سنة 1987) على عادة مخرجين آخرين نراهم ينهلون من ماضيهم لأجل إحياء حاضرهم، خصوصاً إذا ما كان الحاضر متعثّراً.
محاولة ستون "فاتت بالحيط" كما يقولون لأن الفيلم في نهاية أمره كان تلميعاً لشخصياته والكم النقدي الذي فيه لم يخرج عن نطاق عرض عام لما بات منتشراً.
هذا لا يحدث في فيلم ج. شاندور الروائي الأول هذا لحسن الحظ. المخرج القادم من خلال تحقيق الدعايات التلفزيونية، والذي لم يسبق له الوقوف وراء كاميرا فيلم روائي طويل من قبل، ينجز عملاً صادقاً يدور في نطاق النظام الإقتصادي الأميركي وكيف يُدار ومن يدفع ثمنه من خلال حكاية تقع معظم أحداثها داخل مؤسسة مالية ضخمة (وغير مسمّاة) قائمة على البيع والشراء والحضور الحثيث للبورصة. مشاهده غالباً محصورة وحواراته دقيقة وتمثيله مشبع  بلقطات محدّدة تضع المتحاورين في مواجهات تتناغم وتتعارض على نحو مستمر،  حول أزمة انفجرت داخل المؤسسة بحيث بات عليها أن تبيع كل معاملاتها لأول ولكل من يشتري، في مواجهات. 
‮سام روجرز (كَڤن سبايسي) يعمل مدير مبيعات هذه المؤسسة الذي عمل فيها لأربع وثلاثين سنة ويتمتّع بثقة رئيس مجلس إدارتها (جيريمي آيرونز) الذي يعقد اجتماعاً طارئاً لكبار الموظّفين (وبعض الصغار منهم أيضاً) للوقوف على حجم الأزمة الناتجة عن اكتشاف أن موجودات الشركة بولغ في تقديرها بحيث أنه إذا ما انتشر الخبر تهاوت وفقدت مصداقيّتها. طريقة الخروج من الأزمة هو بيع العقارات والأسهم والممتلكات بأسرع وقت ممكن. بين مطلع دوام العمل وموعد الغداء، كما يوصي الرئيس مدركاً أنه مع حلول الساعة الثانية بعد الظهر تكون مشاكل الشركة انتشرت وبات البيع مستحيلاً.
لجانب كَڤن سبايسي  وجيريمي آيرونز (وهما كافيان سبباً لمشاهدة الفيلم) هناك إداء مفعم من أسماء جديدة  نوعاً، وأخرى متجددة: سايمون بايكر وبول بيتاني وزاكري كوينتو في النطاق الأول، وديمي مور وماري مكدونل في الثاني. المخرج شاندور لابد جلس مع ممثليه طويلاً لكي يضمن أنه سيستخرج من كل واحد ما هو مناسب للفيلم وليس ما هو مناسب للممثل وأنجز ذلك جيّداً. من ناحيته، فإن مدير التصوير فرانك ديماركو، الذي من بين أفلامه الحديثة "جحر الأرنب" مع نيكول كدمان وآرون إيكهارت، حرص على منح لقطاته ذلك الحيّز المطبق على الوجوه والأماكن. بما أن معظم التصوير داخلي فإن المكاتب والغرف تؤدي دوراً مهمّاً في تثبيت البعد المرغوب: اللون الزرقاوي والرمادي واللقطات العالية المشرفة على المدينة النائمة تمنح الفيلم كل الخلفية الفنية المطلوبة.
تعليق المخرج على الوضع الإقتصادي الأميركي يتم من دون اعلانات وجود، وبلا عناوين كبيرة الأحرف، ولا حتى ذلك القدر من الإستعراض الذي نراه عادة في أفلام كثيرة أخرى تستنجد بالمؤثرات الدرامية المجانية كلما شعرت بأن المطروح لا يكفي. المؤكد أن شاندور واثق من نفسه ووسيلته وأنه استمد المزيد من هذه الثقة حال التفاف ممثلين مشهود لهم بالموهبة المتقنة والمتأنية حوله فيما يشبه التأييد لما يريد طرحه وللكيفية التي يريد إيصال هذا الطرح.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سنوات برلين: 1978
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
The Opening Night  جينا رولاندز في

  هذه كانت أوّل دورة من دورات هذا المهرجان العتيد التي تقام في شهر شباط/ فبراير عوض موعده السابق في ربيع السنة. بذلك تم تحقيق دورتين كبيرتين في تسعة أشهر بعدما كتب رئيس المهرجان وولف دونر الى مجلس المستشارين مناشداً الموافقة على هذه النقلة التي أريد لها أن تبتعد عن السقوط في الحيّز الضيق بين مهرجاني كان وفنيسيا- فكان له ما أراد.
افتتح فيلم جون كازيفيتيز "ليلة الإفتتاح" الدورة الثامنة والعشرين واختتمها ستيفن سبيلبرغ بفيلمه "لقاءات قريبة من النوع الثالث" وما بينهما مرّت أفلام كثيرة استحقّت الإهتمام ولا تزال لليوم كون معظمها لمخرجين ما عدنا نسمع عنهم رغم أن العديدين منهم لا زالوا أحياءاً. من هذه الأفلام
سنوات أبي السعيدة لساندور سيمو - المجر
ليلة مليئة بالمطر للينا فرتمولر - ايطاليا
راينغولد لنيكولاس شيلينغ - ألمانيا (الغربية آنذاك)٠
مثير للغضب لرتشارد برنر - كندا
لاعبا الشطرنج لساتياجيت راي- الهند
رابح الدب الذهبي كان الفيلم الأسباني "تراوت" لجوزي لويس غارسيا سانشيز وفي نطاق التمثيل الرجالي  كريغ راسل عن "مثير للغضب" وفازت جينا رولاندز بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم زوجها جون كازافيتيز "ليلة الإفتتاح"٠

  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved ©  Mohammed Rouda 2006- 2211٠