Dec 11, 2011

Year 5. Issue 690 | أفلام مهرجان دبي السينمائي:




 الأفلام تتوالى: ثورة مصرية وحروب لبنانية

مولود في 25 يناير للأحمد  رشوان  

من حق المرء أن يتساءل: لو لم تكن الأحداث السياسية قائمة في العالم العربي، من قضية فلسطين إلى الحرب الأهلية اللبنانية، الى الثورة على الأنظمة التونسية والمصرية والسورية مروراً بالعديد غيرها، ما الذي كان سيحدث للسينما العربية؟ هل كانت ستجد كل ذلك المعين من المواضيع السياسية والإهتمامات الإجتماعية المتّصلة بما تفرزه الأحداث؟
ما يميّز فيلم رشوان عن أفلام مصرية أخرى تعاملت و"ثورة يناير" أكثر من شأن، ففي حين كانت تلك الأفلام، ومنها «التحرير 2011: الطيب والشرس والسياسي» لتامر عزّت وآيتين أمين، وعمرو سلامة و«18 يوماً» الذي شارك في إنجازه عشرة مخرجين من بينهم كاملة أبو ذكري، أحمد عبدالله، شريف عرفة، مريم أبوعوف ومحمد علي، هو أنه فيلم تم إنجازه عن بعد. الأفلام السابقة هبطت الشارع وصوّرت وتحققت والثورة، عملياً، كانت لا تزال سارية، لذلك كانت أقرب إلى ردّات الفعل على الفعل نفسه. «مولود في 25 يناير«  يأخذ فاصلاً زمنياً يتبلور حس المخرج رشوان خلاله بما أنجزته تلك الثورة وبما لم تنجزه وبموقفه الشخصي منها وكيف شكّك فيها، في باديء الأمر، ثم استجاب لدعوتها ونزل الشارع ليصوّر بالكاميرا المتحرّكة، ثم بالكاميرا الثابتة ما كان يتفاعل.
ما نراه على الشاشة ليس من تصويره وحده، بل يستعين بمشاهد كنّا تلقّفناها من على شاشة التلفزيون في بعض الأحيان. لكن طريقة توليف هذا الفيلم والإحساس الذاتي العارم يطغيان على هذه الناحية ويمنحان الفيلم مادّة تثير التأمّل خلال العرض والتفكير من بعده.
نسمع المخرج وهو يطرح أسئلة محقّة على نفسه وحين لا يدري جوابها ينزل بالكاميرا الى الشارع لعل هذا الشارع يمنحه المعرفة التي يبحث عنها. هو سعيد بالتطوّرات التي أدّت إلى إثبات هوية الشعب المصري وانتفاضته، لكنه كثير التساؤل حول المستقبل وما ينتظر مصر من تطوّرات فهو ليس عاطفي النزعة حيال الحاصل وسيجلس في منزله مترقّباً ليرى ما ستؤول باقي الأحداث إليه.

ويبدو أن عدم معرفة المستقبل والقدرة على قراءته بوضوح تقف أيضاً وراء قرارات سينمائية عدّة في الأشهر الأخيرة. فالموسمين الصيفي وعيد الأضحى مرّا بأقل زخم تجاري ممكن ما يجعل المنتجين حذرين حيال ما يمكن انتاجه. وهم اعتقدوا أن الكوميديا سوف تنقذ الموقف وتستعيد الجمهور على نحو كبير فأطلقت في عيد الأضحى عدداً كبيراً من الأفلام التي حطّت وودّعت بهدوء.
لكن الحذر يشمل أيضاً أفلاماً كان من المتوقّع لها أن تكون أنجزت الآن على النحو الذي أعلنت عنه سابقاً. في مقدّمتها فيلم إبراهيم بطّوط الجديد R For Revolution الذي هو من إنتاج وبطولة عمرو واكد. حسب منتجه، فإن العنوان تغيّر، لكن التغيير شمل أكثر من العنوان: 
"عوض أن يكون الفيلم عن الأسباب التي أدّت إلى الثورة، أصبح الآن عن اللحظة ذاتها".
لا يضيف واكد الكثير لكن ما يقوله كاف للتعبير عن لحـظات تتأمّل في المتغيّرات قبل إتخاذها الموقف وهو حال أفضل بكثير من أن تنقل السينما شيئاً لا يزال في طور الولادة او الحدث. التلفزيون، من ناحيته، يستطيع أن يفعل ذلك، وهو يفعل ذلك دائماً، لكن السينما تحتاج لأن تحفظ لنفسها حق التعبير الإبداعي بصرف النـظر عن الموقف ذاته.
وهناك أفلام أخرى عن الأوضاع السياسية المتأرجحة في بعض دول هذا الجزء من العالم، منها «لا خوف بعد اليوم» وهو فيلم تونسي لمراد بن الشيخ وفيه يقدّم المخرج شخصيات عدّة تشترك فيما بينها في أنها كانت ضحايا للنظام السابق راوياً حكاياتها على نحو يجمع بين الصورة التوثيقية والحوار. 
وفي مسابقة السينما الوثائقية ذاتها "نص ثورة" لعمر شرقاوي وكريم الحكيم الذي لا يعدو، رغم نواياه، أكثر من تكرار لما شوهد من قبل حين نزلت الكاميرا ميدان التحرير والشوارع المحيطة به لنقل ما حدث من احتجاجات ومظاهرات وألوان التصدّي.

في المقابل، نجد أن السينما اللبنانية لا زالت، وقد انتهت الحرب اللبنانية (على الأقل في وجهها القتالي) منذ أكثر من عشرين سنة، تعود إلى تلك الحرب لتبحث فيها. إنها على مسافة زمنية كافية للتعبير عن العديد من المشاغل التي في البال. عن الملاحظات وعن الذكريات والمواقف. وسواء أكان الفيلم تسجيلياً (كما حال «مرسيدس» لهادي زكّاك) او روائياً (مثل «تاكسي البلد» لدانيال جوزف) فإن الحال واحد في معظم الأحيان: الرغبة في الحديث عن لبنان اليوم من خلال العودة إلى لبنان الأمس.
مثل «تاكسي البلد» الذي قدّمناه هنا قبل أيام، يتحدّث «مرسيدس« (او «مارسيدس» كما كُتب العنوان) عن التاكسيات اللبنانية، كذلك سنجد الفيلم الوثائقي اللبناني الآخر «الحوض الخامس« فيه شطر كبير منه يدور حول التاكسي وسيارة المرسيدس. لكن «مرسيدس» الفيلم يختلف في أنه يصوّر حال السيارة التي كانت رمز سيارات التاكسي والسرفيس في لبنان، وهي تُقاد وتُغسل وتُقصف وتُدمّر. إنها في متناول الأحداث كونها الأكثر إنتشاراً وفي أحد المشاهد نراها وهي تسحل مواطناً ميّتاً.
هذه الصور تؤلّف معظم الفيلم الذي يريد تأريخ الحرب من خلال تاريخ المرسيدس فيه. لكن الفيلم متشرذم ومحدود الفعل. ولو أخذنا مشاهد المرسيدس بأسرها، لما اختلف مضمونه لأنه في الأساس يستعرض ما حدث خلال السنوات الستّة عشر. بالتالي تأريخ الحرب مطروق هنا لكن تاريخ المرسيدس فيه لا يتبلور صوب ناصية مهمّة. من حسن حظ الفيلم أن المخرج لا يطرح المرسيدس على أساس أنها أهم من الإنسان، لكن القليل مما هو معروض يهدف إلى شيء ما أكثر من مجرّد عرضه.
ولا يستطيع المرء إلا أن يُلاحظ أن الفيلم يبدأ بإدانة الطائفية بينما كل العاملين فيه من طائفة واحدة. ولا يمكن تفويت حقيقة أن كل تلك العناوين الفرعية التي يحفل بها الفيلم ليفصل بين مشهد وآخر، لا تضيف الا بقدر ما تأخذ. إنها تضيف عنواناً لما سنراه وشرحاً للمرغوب إيصاله، لكنها تأخذ من الفيلم قدرته الخاصّة على توظيف الصورة لتوفير المضمون.
فيلم سيمون الهبر «الحوض الخامس» يقع أيضاً في مطب أن الإهتمام أساساً هو بطائفة واحدة أكثر من سواها، لكنه على الأقل يحتوي على سواها. يتناول الحوض الخامس القابع في ميناء بيروت المليء بالشاحنات والبضائع وبالرجال الجالسين مع ذكرياتهم حول سنوات الحرب حين كانوا يعملون هنا. هذا الحديث شيّق وفيه ما يضفي بعض المعلومات الجديدة حول كيف تقاسمت الفئات المتحاربة الصادر والوارد على طريقة "حكلّي تحكّلك" كما قال أحد المستذكرين. لكن النصف الثاني من الفيلم هو عن والد المخرج الذي يقود سيارة تاكسي مرسيدس ويفتح نافذته الخاصة على ذكريات الحرب. طبعاً لا أحد يقول كل شيء، وربما لا أحد يستطيع. هناك حذر تحت الكلمات. لكن كلام الأب عام وقصصه ليست ذا أهمية خارج نطاقها العائلي. لا يهم كثيراً أن يتحدّث عن حكاياته الشخصية كونها تبقى شخصية مُساقة ضمن رغبة المخرج البقاء في أتونه وهو الذي سبق وقدّم فيلماً أفضل عنوانه «سمعان بالضيعة»
خلال تبادل الذكريات وفتح النوافذ نصف فتحة، يحسن سيمون الهبر تصوير تلك المشاهد العابقة بالمكان او البعيدة عنه. هو أساساً يبدأ فيلمه بمشهد يفتح العينين على إتساعهما: مجموعة من الأبقار تغادر حظائرها المعدنية الكبيرة الى ما سنكتشف لاحقاً الشاحنات التي ستخرج من الميناء. تلك اللحظات التي تحاول فيها البقرة الواحدة معرفة أين هي الآن وممانعة قيادتها خوفاً من أن يكمن بإنتظارها ما لا تتمنّاه (وهو توقّع ينتشر بين المشاهدين كون الكاميرا لا تكشف عن المكان الا لاحقاً) وكيف تتحاشى إحدى البقرات الخروج من المكان فتتولّى أخرى ذلك من دون كثير تردد، يؤسس لمنهج الصورة عند هذا المخرج، وبالتالي منهج كل المشاهد التي لا تحوي على رجال يتحدّثون. 
مرسيدس لهاني زكّاك (لبنان).

وعين الفيلم اللبناني المعروض ضمن مسابقة "المهر العربي للأفلام الروائية" تحت عنوان «تاكسي البلد» هي على السوق الجماهيرية كما على ايداع مشاهدي المهرجانات ذخيرة فنيّة يعتبرها كافية للمنافسة. كذلك من المرجّح أن يكون مهرجان دبي أخذ بهذا الإعتبار والا لكان استبعده تماماً كما استبعد سواه.
منذ نجاحات المخرجة اللبنانية نادين لبكي في الأسواق اللبنانية والعربية والعالمية (أيضاً)، أي منذ أن حققت «سكر بنات» قبل أربعة أعوام، مكررة هذا النجاح على نطاق أوسع في فيلمها الجديد «وهلأ لوين»، وهناك رغبة مجاورة لتقليد نجاحها ذاك في أفلام أخرى. أفلام لبكي تقوم على مزج بين العنصرين الترفيهي والإنتقائي في الوقت ذاته وهو حال «تاكسي البلد»
أخرجه وكتبه دانيال جوزيف من إنتاج لوليد فخرالدين وبطولة طلال الجردي وكارينا لوغ ومجموعة كبيرة من الأسماء تلعب أدواراً منتشرة على جانبي المنطقتين الجغرافيّتين اللتين تشكلانه: القرية والمدينة. فبطل الفيلم يوسف يوسف (الجردي) سائق تاكسي في بيروت (يحب القيادة في الليل، الأمر الذي ربما عاد لسهولة التصوير في الليل أيضاً) الذي يأخذنا من مطلع الفيلم إلى حين كان صبياً في العاشرة يعيش في إحدى القرى الجبلية (تصوير جيد لتشارلز دي روزا). إذاً التقديم عبارة عن مشهد داخل سيّارة التاكسي وبطلنا يقود مع تعليق صوتي يكون بمثابة الأنبوب الذي سننتقل عبره إلى الأمس. والأمس خلال الحرب الأهلية (من دون أن نراها) لكن القرية هادئة بإستثناء أن بطلها كارلو هو أقوى رجالها وهناك من جاء يتحدّاه والصبي يوسف يشترك والآخرين في الهاب الحماس لكارلو الذي يفوز في التحدّي لكنه يخسر في حبّه لفتاة تعيش في القرية ثم تسافر إلى كندا مع منافس آخر على قلبها.
الإنتقال بيوسف وقد غدا رجلاً يقود التاكسي بعد أن خسر بدوره حبيبته (وكيفية خسارته حبيبته تحتل قدراً لا بأس به من الفيلم) لا يعني أننا لن نعود الى الماضي مجدداً في مشاهد أخرى. هذا طريق لا يقطعه المخرج بل يواصل العمل به ذهاباً وإياباً ولو أنه يمنح الفترة "البيروتية" حقّها من الظهور.
إنه فيلم يتحدّث عن وحدة هذا الرجل وقصّة حياته. كيف عاش في كنف القرية، وكيف يعيش الآن في شوارع المدينة. لكن الحاجة إلى هذه القصّة (وبالتالي الفيلم) تبقى غير ثابتة، وأحياناً غير متوفّرة. ليس هناك بعد فعلي لتلك الشخصية ولا لما يتناوله المخرج منها. الموضوع المؤرق الذي يُعايشه يبقى في داخله ولا نشعر به. الإنتقال المتكرر لا يتم بمنهج مدروس. أنت هنا ثم أنت هناك حتى ولو أن السبب هو مجرد اختيار المخرج وكاتب السيناريو لذلك. ثم حقيقة أن صوت المعلّق هو غير صوت بطل الأحداث (والفيلم) لا يخدم المنطق لأنه إذا ما كنت تريد للمعلّق أن يكون يوسف فإن الطبيعي أن يكون صوت الممثل ذاته هو الذي نسمعه يعلّق على ما يشعر وما يعايش وما يحدث. 
تابعت المشاهد من دون كثير اكتراث، رغم مواطن جيّدة التنفيذ. ما هو جيّد إدارته العامّة للجموع ولحركات ممثليه. هناك سلاسة جيّدة في هذا المجال. 
هناك مشهد لممثلين لبنانيين ماتا تباعاً ولا أعتقد أنهما ظهرا في فيلم واحد من قبل هما زياد مكّوك ومحمود مبسوط (صاحب شخصية فهمان الشهيرة). هنا يظهران معاً. الأول لاعب طاولة زهر عند دكّان الثاني الذي يعمل حلاّقاً. إنه ليس مشهداً له أي دلالة بما سبقه او لحقه بإسثتناء أنه منسوج من اللحمة البيروتية السنّية المحبوبة (شخصية يوسف مسيحية لكنه يعمل في المنطقة الغربية من بيروت) مع ممثلين كوميديين رائعين في مشهد ينتهي بهما في إطار لقطة واحدة. لقطة هي أقرب إلى التخليد إذ انتقلا من عالمنا هذا رحمهما الله.
الفيلم يمر مسليّاً لكنه غير مبرر التواجد. يسعى للحديث عن بطله الذي حمل تعبيراً واحداً طوال الفيلم نظراً لأن الكتابة غير مشفوعة بعمق المشكلة التي تعاني منها، لذلك تبقى على السطح وتبقى داخل الشخصية متفقرة إلى أي نوع من التداول بينها وبين المشاهدين.


في مسابقة الفيلم الوثائقي شاهد هذا الناقد «حلبجة- الأطفال المفقودون« للمخرج أكرم حميدو وهو كردي عراقي يسعي لتأريخ قيام النظام العراقي السابق بقصف مدينة حلبجة الكردية بوابل من الغاز الكيماوي الذي أسفر عن قتل عشرات (إن لم يكن مئات) الضحايا وذلك سنة 1988.
هو زيارة لتلك المدينة الكردستانية بعد 21 سنة على الغارة ولقاء مع من نجوا من القصف يسرد فيه هؤلاء ذكرياتهم فعلاً عما حدث. بذلك يتشكّل جوهر الفيلم من تلك الشهادات المنسوجة من ألم الذاكرة، خصوصاً وأن جوهر البحث الذي يقدم عليه المخرج أكرم حيدو يتّخذ من بحث شخصيته الرئيسية عن أي عائلة من تلك العائلات الخمس التي يقابل هي أهله، فقد فُقد وهو طفل صغير ويعود الآن بعد اللجوء إلى أقاربه في إيران لينتمي.
موضوع جيّد وشغل حيدو على الكاميرا ومتطلّباتها والفيلم بأسره جيّد. لكن بعد نصف الساعة الأولى يتبلور الفيلم في سرد رتيب. طبعاً العلاقة بينه وبين ما يثير من مشاعر في نفوس المشاهدين تبقى واضحة، لكن المنوال نفسه يصبح متكرراً خصوصاً وأن الفيلم تشبّع بحالته وموضوعه من البداية.



Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular