أصدقاء السينما.

مشاكل الفيلم القصير

ثقافة الفيلم القصير لا زالت غائبة عن الحضور في عموم العالم العربي. يتمنى الناقد لو أن هناك مرجعاً مطبوعاً على الورق أو منشوراً على الإنترنت يؤدي دور الخازن لتاريخ وحاضر ومن ثم مستقبل الأفلام القصيرة وصانعي والمعلومات الكفيلة بأن تعيش طويلاً جداً من بعد عرض الفيلم.

هذا طبيعي في أساسه لأسباب عديدة ليس أقلها واجبنا حيال هؤلاء المخرجين الذين ينصرفون اليوم لحياكة مستقبلهم في السينما في الغد. لكن هناك سبب مهم آخر وهو أن عمر الفيلم القصير… قصير. بعد عروضه في هذا المهرجان أو ذاك، أو ربما في عدة مهرجانات، يرتاح في مكانه الأثير بجانب ذكريات صانعه. يتحوّل إلى تاريخ قد لا يعود إليه أحد إلا لُـماماً.

محطاتنا التلفزيونية العابقة بكل أنواع التسلية وبرامج الصباح والمساء المسروقة أفكار معظمها من برامج غربية والأفلام الهشّـة ليس لديها مكان للفيلم القصير. لا تعرف كيف تكوّن له جمهوراً رغم أن المسألة ليست بحاجة إلى أرخميدس مطلقاً. وحجتها في أنها ليست جمعيات خيرية لتورد الثقافة والفن من دون طائل مادي باتت معروفة. المشكلة هي أن عليها الإسهام في تأسيس الثقافة الفنية ومساعدة الأجيال ولو بقسط محدود.



محمد رُضا

Dec 4, 2011

Year 5. Issue 687 | الناقد وفلسفة الفيلم: الحدث لم يحدث


الناقد  وفلسفة   الفيلم |    حدث ما لم يحدث| محمد رُضا

مفاتيح: الواقعية، الخيال، الإقتباسات، سير
ذاتية، تسجيلية.

IN TIME

الفيلم الروائي سيفترض حدوث كل frame منه. هذا دوره. خذ أي فيلم تريد تجده يفترض أن ما حدث على الشاشة حدث فعلاً في الماضي او يحدث في الحاضر او سيحدث في المستقبل، وبما أن الفيلم المستقبلي يتحدّث عن موضوع تقع أحداثه على الشاشة في زمن الفيلم الحالي، فإنه مع كل لقطة يتحوّل الحالي إلى الماضي…. إذاً حتى الفيلم المستقبلي يتحدّث عن حدث وقع في الزمن السابق.
حالياً هناك فيلم «في الزمن» (هو In Time وليس On Time كما ترجمه بعض الزملاء) لأندرو نيكول. يتحدّث عن مستقبل يتاجر فيه الناس بالشيء الثمين الوحيد الذي بقي لديهم: العمر. هو مستقبلي عندنا لأننا ندلف إلى فيلم يفترض أن أحداثه ستقع بعد سنوات، لكنه يتحدّث بلغة حاصلة الآن على الشاشة. حين ترى بطله  يهرع لملاقاة أمّه قبل أن تموت هو في زمنه اللحظوي الحاضر، وليس في المستقبل. المستقبل في الفيلم هو ما سيقع من الثانية المقبلة وحتى نهاية الفيلم. المستقبل بالنسبة إلينا هو ما يعلنه الفيلم من أن الأحداث مستقبلية (بعد عام او عشرة لا يهم) ومثلنا في الحياة حالما يتخطّى بطل الفيلم  اللحظة التي يمر فيها تنضم إلى لحظات الماضي.
بذلك ليس هناك ما هو خيانة للواقع مهما كان الفيلم خيالياً، فهو لا يزال يدور في البعدين الزماني والمكاني الذي نعرفه. حين يركض بطل الفيلم ليلاقي أمه قبل أن تموت، او حين تنقذ البطلة حياته من رجل أمن الزمن، فإن ما تفعله يحاكي الواقع الحياتي. ما لا يحاكيه هو أن الأحداث قد لا تقع او قد لا تقع هكذا. قد ينفجر العالم في حرب نووية ولا يعد هناك حاجة لتقنين عمر الإنسان، او ربما قد يتم توفير ساعات حياة أفضل بحيث لا يقع تمرّد، او ربما يقع حادث صدفي ما بين لحظة وأخرى ما يغير من المعطيات.
 لا أحد يعرف، وحقيقة أن الممثلين ينطلقون من مشاهد مكتوبة مسبقاً لا يعني شيئاً لناحية ما نقول. فنحن نتحدث عن حياة إفتراضية مجسّدة عبر فيلم تم صنعه ضمن فن نعرفه بالسينما.

الآن، هذا هو الجانب الآخر مما سبق، هذه السينما تقوم على إما إعادة رصف أحداث وسير بيورغرافية او تخيل أحداث وسير شخصية وفي الحالتين هي تقول لنا أن ما ترونه وقع على هذا النحو.
حتى ولو كان الفيلم المعروض يتناول قصّة حقيقية لنقل عن شخصية الموسيقار مولر او الكاتب نجيب محفوظ او القائد العسكري نابليون بونابروت، او الممثلة مارلين مونرو، فإن مجرد إعادة رصف القصّة هو ليس كالقصّة الأصلية ذاتها وهذا يُطبّق على ما هو عام وعلى ما هو تفصيلي.
والتفاصيل مهمّة: هل تبرّم الرئيس إبراهام لينكولن حينما وقع على قرار إرسال الجيوش الفدرالية لمحاربة القوّات الجنوبية المتمرّدة؟ هل قطع فان كونغ أذنه من فوق إلى تحت؟ هل استخدم هذه الموسى تحديداً؟ هل فكّر أي أذن سيقطعها أم، كما تصوّره الأفلام قطع الأذن اليسرى لأنه يميني اليد؟ ماذا عن الملك فاروق؟ هل وُضع عن لسانه ما قاله عنه يحيى الفخراني؟ وفي ذلك الفيلم عن غاندي، هل تحدّث غاندي بهذه القوّة في كل الأحيان؟ هل نالته الصفعة في تلك المواجهة مع الأجنبي او في غيرها؟
طبعاً لا يمكن أن يقوم المخرج بإتقان كل حركة والعودة إلى كل كلمة، لكن يمكن لنا، لهذا السبب او لسواه، أن نتوقع أن الأمانة في نقل أحداث أي فيلم عن مصادر تاريخية او في سرد حياة شخصية ما، هي أمانة روحية وعامّة وهذا يصب في حقيقة أن السينما فن تقديم الحدث الذي لم يحدث.
طبعاً، إذا كان الفيلم متخيلاً بالكامل فحدث ولا حرج. أحداث «سولاريس» (بنسختيه) تدور في الفضاء حيث زوجة العالم الذي تم إرساله للتحقيق عن سبب انتحار بعض الملاحين تعود إلى الظهور إليه. الرجيل يتحوّل إلى ذبابة كبيرة في نسختي «الذبابة»  وطيور ألفرد هيتشكوك تهاجم الناس من دون تفريق في «الطيور» واللائحة تطول وتطول لتشمل معظم ما تم إنتاجه من أفلام خيالية. 
هذا لا يجب أن يكون مدعاة لازدراء البعض او للنظر إلى السينما كما لو كانت مصنع أكاذيب. الحقيقة هي أن هذه التجاوزات هي التي تصنع الأفلام التي نحب، وبالإضافة إلى ذلك، فإنه إذا ما كانت الأفلام القائمة على السير الذاتية تضطر للإختلاق قصداً او من دون قصد، فكيف يمكن أن نلوم الأفلام الأخرى؟
على ذلك، يفهم بعض النقد الواقعية على أساس أنها تسجيل او رصد للواقع، وأنها أقل تأليفاً او زيفاً. إنها جيدة لمجرد أنها واقعية  بمعنى أنها مشغولة خارج مصانع الإنتاج الكبرى، والبعض يعتبر السينما التسجيلية هي الأصدق لأنها تخلو من التمثيل والتأليف.
لكن إذا ما كان «سارق الدرّاجة» للإيطالي فيتوريو دي سيكا، او »الفتوّة» للمصري صلاح أبوسيف فيلمان واقعيان (وهما كذلك فعلاً) فإن هذا الواقع منقول عبر أداة عليها أن تمتثل لخطّة غير واقعية، لذلك فكّر بعض المخرجين الإسكندنانفيين، تحت شبه قيادة لارس فون ترايير، بنشر ما سمّوه سينما الدوغما، على أساس نقل الواقع (بعيداً عن السينما الواقعية الكلاسيكية) من دون موسيقا مسجّلة في الاستديو ومن دون عدسات إضافية او مؤثرات ومن دون ماكياج الخ… لكن حتى هؤلاء فشلوا إذ بدت أفلامهم مفتعلة… واقعية؟ حتى ولو كان البعض 
"توقيعية" بمعنى مفتعلة. 
وحتى الفيلم التسجيلي ليس في الحقيقة واقعي طالما أن التاريخ يُكتب من وجهات نظر او شهادات مختلفة. ما يجعل معرفة الحقيقة الفعلية أمرا مستحيلاً. 
لذلك من الأفضل أن نكون سينمائيين أولاً، سواء أكنا واقعيي المنهج او لا.

-----------------------------------------------------------------------------
ALL RIGHTS ARE RESERVED/ Mohammed Rouda 2007-2011

No comments:

Post a Comment

Disqus Shortname

Comments system